يسود الاعتقاد في دوائر صناعة الطاقة في شتى أنحاء العالم أن احتياطات الفحم ستدوم حتى 100 عام مقبلة، وأنها تمثل شبكة الأمان التي يلجأ إليها العالم في حال حدوث تطورات غير مواتية في إنتاج النفط. غير أن ما أوردته مجلة «نيوساينتست» العلمية مؤخراً في هذا الشأن يطرح تساؤلات عديدة حول ما إذا كان هذا الاعتقاد لا يزال صحيحاً من عدمه.

فقد أفردت المجلة تحقيقاً في أحد أعدادها الأخيرة لهذه القضية أبرزت خلاله عدداً من التقارير العلمية التي تشير إلى أن تقديرات حجم احتياطات الفحم في العالم ربما يكون مبالغاً فيها إلى حد كبير، الأمر الذي قد يكون له تأثير كبير على إمدادات الطاقة حول العالم.

وتشير المجلة إلى أن أحدث الإحصائيات التي تصفها ب«الرسمية»، والواردة من مجلس الطاقة العالمي، والتي نُشرت في 2007، تؤكد أن الاحتياطي العالمي من الفحم يصل إلى 847 مليار طن.

وفي ضوء أن الإنتاج العالمي من النفط في ذلك العام كان أقل من 6 مليارات طن، فإن هذه الاحتياطات من أول مهلة تبدو أنها تكفي لتأمين احتياجات العالم لمدة قرن مقبل على الأقل، ما يعني عدم وجود أي مبرر للقلق على الإطلاق.

يذكر أن الفحم كان معروفاً منذ القدم واستخدمه الإِنسان في بعض الأغراض المنزلية والصناعات البسيطة. وظل محدود الأهمية حتى القرن الثامن عشر الميلادي حيث استطاع الإِنسان استخلاص فحم الكوك منه واستخدامه في صناعة الحديد سنة 1708م. ثم تم اكتشاف قوة البخار سنة 1769م مما أدى إلى زيادة الطلب على منتجاته.

وعلى الرغم من توسع الإنسان في استخدام البترول ومصادر الطاقة الأخرى، إلا أن الفحم مازال محتفظاً بأهميته في كثير من مناطق العالم، خاصة في مناطق صناعة الحديد، والصلب في أوربا والولايات المتحدة. ومن المعروف أن الفحم عبارة عن بقايا نباتية دفنت في باطن الأرض وتعرضت للضغط، والحرارة، وبمرور الوقت تصلبت، وتحولت إلى ما يعرف بالفحم.

غير أن الوضع الحقيقي لاحتياطات الفحم بحسب المجلة لا يدعو إلى الاطمئنان بأي شكل من الأشكال. فخلال العشرين عاماً الماضية، تراجعت احتياطات الفحم المنصوص عليها في السجلات الرسمية بأكثر من 170 مليار طن، وذلك على الرغم من أن العالم لم يستهلك هذا الجزء الكبير من الفحم خلال المدة نفسها.

والأكثر من ذلك فإنه بحساب نسبة الاحتياطي إلى الإنتاج، فإنه يتبين أن احتياطات الفحم قد تراجعت بشكل أكبر بكثير مما ورد في الإحصائيات الرسمية. فوفقاً لأرقام معهد الطاقة التابع للمفوضية الأوروبية، فإن نسبة الاحتياطي إلى الإنتاج قد تدنت بمقدار الثلث في الفترة بين عامي 2000 و2005.

ويُحذّر المعهد بالقول إنه في حال استمرار هذا التراجع، فإن العالم يمكن أن يفقد كميات كبيرة من احتياطات الفحم بشكل أسرع بكثير مما هو متوقع. وفي 2006 صدر عن شركة بريتش بتروليوم الأميركية إحصائيات تفيد أن نسبة احتياطي الفحم إلى إنتاجه قد تراجعت بشكل ملحوظ. فما هو السبب في هذا التراجع؟ كما تتساءل المجلة.

هناك سبب واضح ووجيه في هذا السياق يتمثل في أن نسبة الاستهلاك في زيادة مستمرة لاسيما في بلدان العالم الثالث. فقد ارتفع استهلاك الفحم في الفترة بين عامي 2000 و20006 بنسبة تربو على 35 %.

وفي عام 2006، زاد استهلاك الصين من الفحم بقدر يكفي إنتاج كمية من الكهرباء تزيد على نسبة استهلاك ولاية مثل كاليفورنيا من الطاقة الكهربائية في ذلك العام. ومن المعروف أن الصين هي أكبر منتج للفحم في العالم، غير أن نهمها باستهلاك الفحم حولها في 2007 إلى دولة مستوردة لهذا النوع من الطاقة.

ووفقاً للوكالة الدولية للطاقة، فإنه استهلاك الصين والهند للفحم مرشح للزيادة بشكل كبير في السنوات المقبلة. فضلاً من ذلك فإن هناك بعض الدول لا تُحدّث أرقام احتياطات النفط لديها بمرور السنوات على الرغم من زيادة إنتاجها بشكل كبير للغاية.

فدول مثل الصين وفيتنام لم تحدث أرقام احتياطات النفط لديها على الرغم من تناقص حجم الاحتياطي بشكل كبير نتيجة ارتفاع الإنتاج. وفي ضوء هذه الحقيقة فإنه من الصعب للغاية أن يجري الاعتماد على الأرقام المعلنة عن احتياطات النفط في العالم والركون إليها باعتبارها تعطي صورة مطمئنة عن مستقبل الطاقة في العالم.

وتستشهد المجلة في هذا الصدد بتقرير صادر عن مجموعة دولية تعمل في مجال الطاقة تحت اسم «إنيرجي غروب» وهي مجموعة علمية ألمانية أصدرت تقريراً في 2007 تقول فيه إن: «ما يطلق عليه احتياطات العالم المؤكدة من الفحم بعيدة كل البعد عن وصف مؤكدة».

ففي ضوء الإجماع العلمي الذي يفيد أنه من غير المحتمل أن يشهد العالم مزيداً من الاكتشافات الفحمية في المستقبل القريب، فإن المجموعة تتوقع أن يصل الإنتاج العالمي للنفط إلى ذروته في عام 2025 ثم يهبط بشكل متدرج، وهو تاريخ يخالف كل التوقعات الرسمية في هذا الشأن من قبل صناع السياسات، مثل وكالة الطاقة الدولية، الذين تغلب على توقعاتهم روح تفاؤلية مبالغ فيها، بحسب تعبير المجموعة.

يقول العالم الجيولوجي غراهام تشامبون من وكالة إيدج للطاقة في مدينة ريتشموند بالمملكة المتحدة إن أسعار الفحم قد تضاعفت بشكل كبير في السنوات الماضية، حيث تعادل الأسعار الحالية أربعة أضعاف مثيلاتها عام 2002.

ويضيف في هذا الشأن: «عندما ترتفع الأسعار فإن القائمين على المناجم يضاعفون من إنتاجهم حتى يحصدوا أكبر قدر ممكن من الأرباح نتيجة ارتفاع الأسعار، الأمر الذي بدوره يؤثر في حجم الاحتياطي تماماً كما يحدث في النفط. فبعد الوصول إلى ذروة الإنتاج يتوقع حصول تراجع مرحلي في الإنتاج نتيجة تراجع حجم الاحتياطي».

ويصل تشامبون إلى خلاصة مفادها أن صناعة الفحم في العالم قد فرغت من استكشاف معظم المناجم التي يسهل التعامل معها، وإنه من الآن فصاعداً أصبح الحصول على الفحم يمثل تحدياً كبيراً أمام العالم.

ففي الصين على سبيل المثال يتبين أن الجزء الأكبر من احتياطي الفحم الذي لا يزال باقياً يقع على بعد 1000 متر تحت سطح الأرض، بحسب تعبير تشامبون. أما الوضع في جنوب افريقيا فيبدو أكثر تعقيداً ، حيث تصعب الطبيعة الجيولوجية للبلاد من جهود استكشاف واستخراج الفحم. وفي أماكن كثيرة من العالم،

تسببت البراكين والزلازل في «تعقيم» كميات كبيرة من الفحم بشكل أصبح الحصول على فحم معه صعباً للغاية على الرغم من وجود كميات كبيرة من هذه الطاقة تحت سطح الأرض، الأمر الذي يثير قضية التغير المناخي وتأثيرها على تراجع احتياطات الفحم المؤكدة في العالم.

ومن المعروف أن احتراق الفحم يسفر عن إضافة كمية من غاز ثاني أكسيد الكربون، وهو غاز يسبب الاحتباس الحراري، إلى الجو تفوق ما يسفر عنه إحراق أي وقود أحفوري آخر كالبترول والغاز الطبيعي لإنتاج كل وحدة حرارية.

غير أن المجلة تخلص إلى أن تراجع احتياطات العالم من الفحم، على الرغم من أنها قد تمثل تطوراً سلبياً في صناعة الطاقة على مستوى العالم، إلا أن هذا التراجع في الوقت نفسه قد يكون حافزاً على الاستثمار بشكل أكبر في مجال الطاقة المتجددة،حيث يتبين أن الاقتصاديات التي تعتمد على الطاقة القابلة للنفاد هي الأكثر تعرضاً للخطر نتيجة نفاد موارد الطاقة، مثل الفحم والنفط.

إعداد: حاتم حسين