يتناول المؤلفان هنا بالمناقشة والتحليل ما يصفانه بالنصف المخبوء من أميركا،ويطرحان مجموعة مدهشة من علامات الاستفهام، التي يتوجانها بالتساؤل عما إذا كانت أميركا بسبيلها إلى الانفجار على حد تعبيرهما.
وهما يشيران إلى أن جوهر المشكلة التي تواجهها واشنطن يكمن في المؤسسات الأميركية نفسها وآليات عملها، ويشيران إلى قائمة مطولة من المؤسسات الأميركية التي تعاني من العجز وعلى رأسها المخابرات المركزية الأميركية وأجهزة مكافحة التجسس الأخرى ،بل والبيت الأبيض نفسه.
يقال غالبا ان مليارا من البشر في العالم يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم . الواقع هو أنه هناك من يواجهون امتحان البقاء على قيد الحياة بأدنى من ذلك ، فالذين لا يملكون أية نقود هم كثر .
هؤلاء لم يدخلوا أبدا في منظومة النقد العالمية ويعيشون على منتجات الطبيعة مثل أجدادهم القدامى ولا يستهلكون سوى ما ينتجون. مع ذلك لا شك أن قسما كبيرا من هؤلاء الفقراء مستعدون لعمل كل شيء من اجل الدخول إلى الاقتصاد السائد .
بالمقابل يشهد العالم الذي نعيش فيه اليوم تحولا تاريخيا فيما يخص إنتاج الثروة. ويترافق هذا مع ولادة نمط جديد من العيش أو من الحضارة ، تمثل الولايات المتحدة الأميركية طليعته. ويتميز هذا النمط بتغير العلاقة مع الزمن والمكان والمعرفة مما يخلص منه المؤلفان إلى القول أن ( الثروة الثورية ) ليست فقط مسألة مال.
مصدرالهيمنة
لعل كلمة (حضارة ) لا تزال تثير تساؤلات الفلاسفة والمؤرخين لكنها لا تثير أي اهتمام حقيقي لدى أغلبية البشر إلاّ إذا جرى استخدامها في سياق مثل القول: ( إن حضارتنا مهددة ). وما يؤكد عليه المؤلفان هو أن العديد من البشر اليوم يعتقدون فعلا أن حضارتهم في خطر ، وان مصدر الخطر هو الولايات المتحدة الأميركية . ويضيفان: ( إن الواقع يثبت ذلك. ولكن ليس للأسباب التي يسود التفكير بأنها مصدر التهديد في عالم اليوم).
تسود في العالم كله اليوم فكرة تقول أن القوة العسكرية والاقتصاد هما مصدر الهيمنة التي تتمتع بها الولايات المتحدة الأميركية على الصعيد الدولي . لكن التحليلات المقدمة تقول إن المعرفة بمعناها العريض والتجديدات التكنولوجية هي التي تقوم عليها قوتها العسكرية والمالية والتي تدفعها إلى الأمام .
لكن هذا لا يمنع واقع أن التفوق التكنولوجي الأميركي معرّض للتهديد . وينقل المؤلفان عن هيئات رسمية أميركية تأكيدها أن نصف الذين يحصلون على شهادات الدكتوراه في الولايات المتحدة هم من الطلبة الأجانب في ميادين الرياضيات والمعلوماتية والهندسة ،
بينما يتضاءل اهتمام الطلبة الأميركيين بهذه الميادين . ويشتكي مسؤولو وكالة زناسا ز الفضائية الأميركية من كون أن عدد العاملين فيها الذين تزيد أعمارهم على الستين سنة هو ثلاثة أضعاف عدد الذين هم في الثلاثينات من العمر .
وينقل المؤلفان في السياق نفسه عن الرئيس السابق للجمعية الأميركية للتقدم العلمي قوله : ز إن مراكز النشاط والتكوين وإنشاء المؤسسات القائمة على التكنولوجيا تتطور بسرعة على صعيد العالم كله . هذا يعني أنه في حال المحافظة على الوضع كما هو ستكون حصة الولايات المتحدة في السوق العالمي للتجديد والأفكار في تناقصس.
مع ذلك لا تزال الولايات المتحدة في الطليعة بالنسبة لأغلبية ميادين التكنولوجيا الرقمية وعلى الصعيد العلمي بشكل عام. إنها تنفق 44 بالمئة من الميزانية العالمية المخصصة للبحث والتنمية .
وكان ثلثا الحائزين على جوائز نوبل للكيمياء والفيزياء والطب ما بين عام 1999 و2003 هم من الأميركيين أو من الأجانب الذين كانوا يعملون في مؤسسات أميركية عند حصولهم على الجائزة. بهذا المعنى تبقى الولايات المتحدة الأميركية بمثابة (القاطرة العلمية ) للعالم ، في اللحظة الراهنة على الأقل.
ولكن قد يكون الأمر الأكثر أهمية هو في مدى السرعة التي تتم فيها عملية (ترجمة ) الاكتشافات العلمية والتكنولوجية أي منتجات قابلة للبيع والشراء في الصناعة وأسواق المال والزراعة والصناعات الدفاعية والتكنولوجيات الحيوية والقطاعات الأخرى.
فهذا هو الذي ينعش المردود الاقتصادي ويسارع في التغيير ومواكبة التقدم وزيادة القدرة التنافسية للولايات المتحدة الأميركية على الصعيد الكوني . لكن المعرفة ليست حصرا على العلم والتقنية وتطبيقاتهما.
يشكل الإنتاج الفني عامة جزءا من اقتصاد المعرفة . والولايات المتحدة هي أكبر بلد مصدّر في العالم لثقافة شعبية تشمل الموضة والموسيقى والبرامج التلفزيونية و الكتب والأفلام السينمائية والألعاب الإلكترونية.
وقد قيل باستمرار للأمريكيين أن الرسالة الأكثر أهمية التي ينبغي إرسالها إلى العالم هي رسالة الديمقراطية والحرية والتسامح وحقوق الإنسان ومؤخرا حقوق المرأة. مع ذلك شهدت السنوات الثلاثون الأخيرة بث رسائل مختلفة يستهدف قسم كبير منها الشبيبة؛ وذلك في فترة انطلقت فيها وسائل الإعلام الأميركية نحو (غزو ) أسواق أجنبية كانت مغلقة أمامها أو لم تكن موجودة.
هذه الرسائل الجديدة زاخرة بالعنف ويمثلسأبطالها مجرمين ومهربين وبائعي مخدرات...الخ . وترافقت هذه الرسائل بكم كبير من الدعايات من اجل الترويج لها . ورسمت أفلام هوليود والمسلسلات التلفزيونية صورة خيالية لمجتمع يتفوق فيه الأشرار أو (السوبرمانات) أو من يجيدون استخدام المسدس على طريقة (جيمس بوند) أو الماهرون بالألعاب الحربية على شاكلة (بروس لي) .
باختصارالصورة التي يتم تقديمها عن أميركا هي أنها تمجّد التطرف وتعتبر الاعتدال أمرا سيئا وأنها بلد مغرق في الثراء بحيث أن رجال الشرطة العاديين والسكرتيرات ومستخدمي المكاتب يعيشون كلهم في (فيلات) فخمة. هذه الأوصاف كلها تلهب مشاعر المراهقين.
لكن قد تكون الدهشة كبيرة عند معرفة أن أغلبية الشركات التي تنشر مثل هذه الثقافة هي مموّلة، أو كانت ممولة، من قبل رؤوس أموال أوروبية أو يابانية . ولا يعرف الكثير أن الأفلام الأميركية غالبا تستخدم مخرجا أوروبيا ونجمة استرالية ومستشارا لفنون الحرب صينيا ومبدع رسوم متحركة يابانيا والعديد من العاملين الأجانب الآخرين .
أغرب المشاهدات
يروي المؤلفان في هذا السياق بعض المشاهدات في مدن إفريقية مثل ( تومبوكتو) التي لم يتغير فيها الشيء الكثير منذ قرنين تقريبا ، وإنما التي تشهد منذ أعوام قليلة مسابقات لرقص ( الراب) الذي ازدهر في أمريكا وانطلق منها إلى العالم .
أثار الأمر هلع الأهل حول مستقبل أبنائهم الذين أصبحوا يريدون العيش على الطريقة الأميركية . وما يؤكده المؤلفان هو أنه هناك الملايين من الأهالي في العالم أجمع يرون أن ثقافتهم تتعرض لهجوم خارجي . إنهم يرون باختصار أن الولايات المتحدة هي بصدد استلاب عقول أبناء الجيل الجديد.
ويقول المؤلفان في نفس النهج من التحليل أنه في الوقت الذي كانت فيه هوليود تنشر (رسالة ) مفادها أن الحرية مرادفة لمتعة قصوى كان ( وول ستريت) ينشر رسالة موازية تدعم القول أن الليبرالية القصوى في الأعمال والتجارة تقدّم السبيل الأفضل نحو الثروة .
وكصدى لهذا أكدت واشنطن أن التجارة الحرّة تصب في مصلحة الجميع . في المحصّلة سادت معادلة تقول أن ( ليبرالية المبادلات التجارية + العولمة = الديمقراطية) . وخلال عشرات السنوات شرحت الولايات المتحدة للعالم أجمع أن الخصخصة وكسر القواعد الكابحة لحرية السوق يجلبان الديمقراطية .
وكما لو أن مثل هذه الآلية يمكن أن تكون فاعلة في كل مكان وأنها قادرة على تجاوز كل الاختلافات المتعلقة بالمعتقد الديني والثقافة والتاريخ. وهذا يعني أيضا إمكانية فتح الطريق أمام ردود فعل لدى الآخرين الذين قد لا يرون في الحرية الأميركية سوى نوع من الفوضى .
ويرى المؤلفان أيضا أن الولايات المتحدة نفسها ، مع كل غطرستها ، تعاني من بعض البلبلة وهي تجرّب أفكارا وبنيات اجتماعية وقيما فريدة في مرحلة الانتقال من اقتصاد ومجتمع صناعيين نحو اقتصاد المعرفة . ويمكن للولايات المتحدة أن تتخلى عن جزء من سياستها الحالية فيما يخص (غياب الاعتدال ) إذا بدا أن الجزء المعني غير قابل، بعد التجريب ، للممارسة .
أن الرسالة الحقيقية التي تكشّفت على أنها أكثر أهمية من الخطاب الإيديولوجي والتجاري يسميها مؤلفا هذا الكتاب بـ ( إنجيل التغيير). ومضمون الفكرة التي يتم توجيهها إلى مليارات البشر الذين يعيشون في مجتمعات ( متكلّسة) إلى هذه الدرجة أو تلك مفادها أن التغيير ممكن وليس في الأمد البعيد إنّما (هنا والآن).
المنتج الرئيسي
هنا تتم الإشارة إلى أن التغيير الممكن لن يكون بالضرورة مصدر فرح للولايات المتحدة. إذ قد تشهد منطقة الشرق الأوسط بزوغ أنظمة ينتخبها الشعب وتكون مناوئة صراحة لأميركا . ثم إن التغيير ليس بالتعريف من طبيعة يمينية أو يسارية، ولا ديمقراطي أو استبدادي. النتائج كلها مرتبطة بالآليات التي سيتم التغيير على أساسها.
بكل الحالات تبدو الولايات المتحدة أنها هي التي تقود عملية التغيير الجارية في العالم،وهذا هو منتجها الرئيسي للتصدير. والحلفاء القدامى والجدد لأميركا مشوشون بسبب الدور الذي تلعبه في العالم .
لكن الكثير من هؤلاء الحلفاء يرون أن أميركا تبحر نحو المجهول وتجرّ وراءها العديد من الثقافات والبلدان الأخرى. مع ذلك، ورغم القوة الهائلة التي تتمتع الولايات المتحدة بها فإن ما يجري اليوم قد يكون مؤقتا بما في ذلك قوتها.
ما يتم تأكيده أيضا هو أن ملايين الأشخاص اليوم في العالم يعتريهم الغضب والقلق من جراء سيطرة الولايات المتحدة. ثم يتساءل المؤلفان: كم من الزمن يمكن لمجتمع، كان ينتمي إلى قوة عظمى أو لا ينتمي ، أن يحتفظ بسلطته خارج حدوده عندما تعاني مؤسساته نفسها من صعوبات؟ .
وتتبع هذا السؤال أسئلة أخرى مثل: إذا كانت الولايات المتحدة قوية إلى هذه الدرجة ، فلماذا يعاني نظامها الصحي من أزمة؟ وأيضا نظام التقاعد فيها ؟ ومنظومات التربية والقضاء وحتى المنظومة السياسية ، وكل هذه المنظومات بنفس الوقت؟ باختصار هل الأمة الأميركية هي بصدد الانفجار؟
وبعد أن يقدّم المؤلفان معلومات وأرقاما كثيرة حول العجز الذي تعاني منه هذه الميادين كلها في أميركا يؤكدان أن قائمة عجز المؤسسات في بلاد هي قوة عظمى يمكن أن تمتد كي تطال وكالات الاستخبارات ومكافحة التجسس بالاشتراك مع البيت الأبيض في عهد بيل كلينتون وجورج دبليو بوش فيما يتعلّق بعجز الجميع عن الكشف عن كارثة 11 سبتمبر رغم الإنذارات العديدة أو عن تقديم تقديرات صحيحة فيما يخص أسلحة الدمار الشامل في العراق.
وكملاحظة إضافية في هذا السياق يشير المؤلفان إلى أن تلك (الفضائح ) كلها جرت على خلفية تناقص عدد الذين يقرؤون . وينقلان عن صحيفة ( لوس انجلوس تايمز ) كشفها في عام 2005 أن (توزيع الصحف اليومية قد انخفض بحوالي تسعة ملايين نسخة بعد أن كان قد وصل إلى ذروته بحوالي 63 مليون نسخة في عام 1984بينما ازداد بنفس الوقت عدد سكان الولايات المتحدة الأميركية ب58 مليون نسمة ) . وأضافت الصحيفة أنه ما بين 1960 و 2004 أغلقت 306 صحيفة يومية أبوابها.
بالمقابل يمكن القول أن سكان الولايات المتحدة الأميركية يعيشون بمعظمهم اليوم على صعيد المعايير المادية ، أفضل مما كان يعيش أجدادهم في سنوات الخمسينات من القرن الماضي . إذا كان هذا صحيحا وهناك آلاف البراهين على ذلك فإنه من الصحيح أيضا أن الأميركيين ليسوا سعداء ، كما يؤكد المؤلفان .
حرب القيم
إن الأمر يعود، حسب التفسير المقدّم، إلى انبعاث القيم كشاغل رئيسي، أو ما تتم تسميته ب(حرب القيم). وهذا يتواكب مع زالتطرفس الحاصل في فترة الانتقال إلى اقتصاد المعرفة والتي تمثل (الثروة الثورية).
ثم يتم التأكيد في هذا السياق أنه (على مدى التاريخ كله ارتبط البحث عن إحداث تغييرات قصوى بالتقهقر والتجديد بنفس الوقت) . والثقافة السائدة في أميركا اليوم هي البحث عن (الحد الأقصى) في كل الميادين والمشارب.
وقبل أن يختم المؤلفان حديثهما عن (النصف المخبوء ) من الواقع الأميركي في فترة التحوّل وما رافق التحولات الاقتصادية من تحولات اجتماعية يشيران إلى أن الأمة الأميركية هي اليوم أكثر وعيا بالمساهمات الهائلة التي قدّمها لها المهاجرون من أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية ،
هذا دون ذكر دور العبيد السود وأبنائهم من بعدهم ويضيفان أن التلفزيون الأميركي ، رغم عيوبه الكبيرة ، لم يكن فيه في أية فترة سابقة مثل العدد الحالي من العاملين السود . ولم تعرف الأسواق الأميركية نفس القدر من المنتجات القادمة من مختلف أصقاع الأرض . هذه هي بعض الأخبار الجيدة بالنسبة لأمة تحاول أن تقود العالم اليوم.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف


