يلقي ألفن وهايدي توفلر، مؤلفا هذا الكتاب، هنا الضوء على مجموعة مهمة من الحقائق الأساسية المتعلقة باقتصاد المعرفة، التي تنحي جانبا جزءا أساسيا من علم الاقتصاد الكلاسيكي، الذي ينصب على رصد المصادر المحدودة، بينما المعرفة بطبيعتها تزداد كلما تم الإيغال في استخدامها، ويعقدان مقارنة في هذا الصدد بين النفط والمعرفة في ضوء اقتناعهما بأن المعرفة هي نفط الغد بامتياز.
لكنهما في الوقت نفسه يحذران من أن هناك قدرا هائلا من المعلومات التي ينبغي التخلص منها لأنها عفا الزمن عليها، ولم تعد لها قيمة تذكر، بل إنها في حقيقة الأمر تشكل رصيدا بالسلب. هناك الآلاف من النصوص، وبجميع اللغات تقريبا، حول «اقتصاد المعرفة»، كما يشير مؤلفا هذا الكتاب. ولكن هذه النصوص لا تتعرض إلاّ نادرا جدا للفروق القائمة بين الخصوصيات العميقة لهذه المعرفة مع المصادر الأخرى التي توجد الثروة. إن المعرفة تتميز عن غيرها من مصادر إنتاج الثروة في أنها أولا لا تخضع لنظام المنافسة، فجميع البشر يستطيعون استخدام المعرفة من دون إفقارها. بل بمقدار ما يزيد عدد أولئك الذين يستخدمونها يزداد الحظ فيما يتعلق بإمكانية دفعها إلى الأمام.
قد يتم اللجوء إلى فرض القيود على استخدامها باسم حقوق المؤلف والملكية الفكرية، لكن هذا إجراء قانوني لا يخص جوهر المعرفة التي لا تنضب مهما جرى استهلاكها. ثم إن القسم الأكبر من المعلومات والمعارف التي يتم تبادلها في إطار الاقتصادات المتقدمة هي «ليست ذات طابع تنافسي». والمعرفة ثانيا ليست ملموسة، ولكنها قابلة للاستثمار. والمعرفة ثالثا ليست مسارا «مستقيما»، وذلك بمعنى انه يمكن لأفكار صغيرة أن تعطي أحيانا نتائج هائلة. إن طالبين من جامعة ستانفورد كانا وراء إطلاق نظام «ياهو» على شبكة الانترنت.
والطالب «فريد سميث» رأى وهو على مقاعد الدراسة أنه في إطار الاقتصاد الذي يتسم بالتسارع أكثر فأكثر سيكون الزبائن على استعداد لدفع مبالغ إضافية من أجل تأمين مطالبهم بسرعة أكبر فأسس شركة «فيدرال إكسبريس» لنقل الطرود إلى الوجهة المطلوبة وأصبحت شركته بعد ذلك هي الأكثر شهرة في العالم بميدان نشاطها. والمعرفة رابعا تقوم على العلاقات ؛ فكل معرفة فردية لا يمكن أن تأخذ أبعادها إلا بالعلاقة مع عناصر أخرى. ثم إن المعارف تتداخل فيما بينها؛ وبمقدار ما يكون هناك من المعارف يتعاظم التداخل ويتنوع على جميع المستويات. والمعرفة خامسا سهلة «النقل» أكثر من أي منتج آخر.
وعبر الشبكات الإلكترونية يمكن نقلها إلى الجار القريب كما إلى هونغ كونغ وغيرها بكلفة متواضعة جدا وتقارب الصفر. ثم من خصوصياتها قابليتها ل«الضغط» في رموز وتجريدات.
والمعرفة سادسا يمكن «تخزينها» في أصغر «مستودعات» العالم. وكانت شركة توشيبا اليابانية قد حققت عام 2004 رقما قياسيا عندما صنعت قرص حاسوب أصغر من طابع البريد. وهناك مؤشرات كثيرة تدل على أن هذا الرقم القياسي سوف يتم تجاوزه قريبا. ويمكن للمعرفة أن تأخذ أشكالا عديدة. وبكل الحالات من الصعب حصرها واحتكارها من قبل أي كان أو من أية جهة كانت، فمن طبيعتها أن تنتشر وتفتح آفاقا جديدة.
وهنا يشير المؤلفان إلى أن هذه الخصائص كلها تجعل من المعرفة «موضوعا» مختلفا إلى حد كبير عن جميع السلع المادية التي اشتغل الاقتصاديون عليها تقليديا واكتفى الكثير منهم مثل أغلبية الناس بالاهتمام بما يؤمن رفاهيتهم المادية في المجتمع الاستهلاكي الذي يعيشون فيه وفي إطار «التنافس الملموس».
نفط الغد
من المدهش، كما يقول مؤلفا هذا الكتاب، أنه بعد نصف قرن من انطلاق «اقتصاد المعرفة» لا تزال معلوماتنا عن المعارف التي يقوم عليها محدودة جدا. فمثلا إذا كانت المعرفة هي نفط الغد، كما يوحي العديد من المهتمين فأية كمية من هذا «النفط» غير الملموس هي متوفرة؟ لا شك أن الشركات البترولية الكبرى وخبراء وول ستريت والحكومات المعنية تسعى إلى معرفة كمية الاحتياطي النفطي الحقيقي، وليس المعلن، من الذهب الأسود في العالم.
هنا يفتح المؤلفان قوسين كي يطرحا عدة أسئلة أيضا مثل: هل لدى أحد فكرة عن كمية المعارف الموجودة في عالم اليوم؟ وما هي الطريقة التي تتم على أساسها عملية التزود بها؟ وما هي قيمتها؟. نقطة البداية في محاولتهما للإجابة تكمن في القول أن المعرفة هي معطى أساسي آخر وحاسم للثروة الثورية وهي أحد المكونات المركزية في اقتصاد اليوم وفي المحيط الاجتماعي المتطورين بسرعة فائقة. من هنا تبدو أية مقارنة مع البترول خادعة. لماذا؟.
إن طرق تخزين ونقل البترول لم تعرف سوى القليل من التغير خلال القرن الماضي. هناك دائما أنابيب النفط والناقلات ومستودعات التخزين. بالمقابل،يشهد عالم اليوم تبدلات جوهرية على صعيد خلق المعرفة وتخزينها وأدوات زيادتها وتنظيمها وحواملها وآليات انتقالها..الخ. وهذا كله بالتزامن مع ازدهار الحواسيب والأقمار الصناعية والهواتف المحمولة والانترنت وغيره من التكنولوجيات الرقمية. ثم إن أبعاد المعرفة هذه كلها تتطور بنفس الوقت وبسرعات لا سابق لها، وكل منها تفتح آفاقا جديدة لعدد لا يعد ولا يحصى من أدوات خلق الثروة.
فارق حاسم
هناك فرق آخر كبير بين النفط والمعرفة، وهو أنه بمقدار ما يتم ضخ كمية أكبر من البترول تبقى منه كمية أقل. بالمقابل بمقدار ما يتم استخدام المعارف تزداد الكمية المتوفرة منها. هذا الفارق وحده يجعل باطلا جزء هاما من علم الاقتصاد الكلاسيكي الذي يعرّف نفسه عادة على أنه «علم رصد المصادر المحدودة». المعرفة من ناحيتها غير محدودة.
إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية تبقى قوة صناعية كبرى فإن أقل من 20 بالمئة من القادرين على العمل يعملون في هذا القطاع بينما أن 56 من الأعمال موجودة في قطاعات الإدارة والمال والبيع والسكرتارية والمهن الحرة. هذه القطاعات التي تعتمد أساسا على المعرفة هي التي تشهد النمو الأكثر سرعة.
لكن التقديرات المقدمة لا تعطي صورة دقيقة عن الحقائق الجديدة للواقع، إذ أن أكثر من 56 بالمئة يعملون في القطاعات القائمة على المعرفة. العديد من العمال في مصانع الحديد والصلب الأميركية، أو في مصانع السلع الاستهلاكية بكوريا الجنوبية، يمضون جزء هاما من وقتهم على الأقل أمام الحواسيب. وهم يشابهون كثيرا في هذا الواقع الجديد ملاحي طائرات البوينج. هؤلاء جميعا لا يتم النظر إليهم على أساس أنهم يمارسون عملا «فكريا» وإنما عمل يدوي.
معلومات ناقصة
يملك كل إنسان في لحظة ما مخزونا شخصيا من المعارف المرتبطة بعمله وبالثروة. الكتّاب يعرفون دون شك شيئا عن عالم الكتابة والطباعة والأطباء عن الجسد الإنساني والميكانيكيون عن السيارات. لكن المعرفة ليست محصورة بالأفراد. إن الشركات وفرق العمل والصناعات والإقتصادات تتطور كلها في كل لحظة احتياطييها من المعرفة الجماعية. وكذلك الأمر بالنسبة لمختلف المجتمعات والأمم.
ويتم التأكيد في هذا السياق على القول إن الدماغ الإنساني يشكل مستودعا «غير منظور» معبأ بالمعارف والمعطيات والمعلومات. لكن هذا المستودع هو أيضا بنفس الوقت ورشة تتم بداخلها عمليات مختلفة من التركيب والتوليف بلا انقطاع من اجل صياغة أفكار جديدة. بهذا المعنى يمثل هذا المستودع ـ الورشة «مصنعا» للمعرفة يعمل باستمرار حتى عندما ينام صاحبه. مع ذلك لا يتم تخزين الجزء الأكبر من الاحتياطي العالمي للمعرفة في الدماغ الإنساني.
لقد جرى تخزينها بالأحرى خلال مختلف العصور على مختلف الحوامل الممكنة من جدران الكهوف القديمة حتى أقراص ال«دي في دي». وفي الفترات السابقة من المسيرة الإنساني كانت وسائل نقل المعارف من جيل إلى آخر محدودة جدا. وباستثناء عمليات النقل الشفهي كان القسم الأكبر من معارف الأفراد يختفي مع وفاتهم أو مع نهاية كل جيل. وكانت البشرية قد حققت تقدما هائلا على صعيد حفظ المعارف الإنسانية عندما قام أحد العباقرة منذ حوالي خمسة وثلاثين ألف سنة برسم بعض الرموز على حجرة أو على جدار كهف بقصد تخليد حدث ما أو شخص ما أو شيء ما.
كان ذلك العبقري هو أول من خزّن ذكريات غير شفهية خارج الدماغ الإنساني. ثم كان الاختراع العبقري التالي المتمثل في اختراع الكتابة. وكان لا بد من الانتظار عدة آلاف أخرى من السنوات من أجل اختراع المطبعة. تلك الخطوات كلها التي عرفتها البشرية شكّلت شاهدا على السرعة التي كبرت فيها المعرفة جيلا بعد جيل. ويشير المؤلفان هنا إلى أنه من دون ذلك العامل المتمثل في حفظ المعرفة وتكديسها عبر الأجيال لربما إننا كنا لا نزال نعيش كما عاش أجدادنا قبل ما يقارب الخمسة وثلاثين ألف سنة. ومثل هذه الحقيقة تدفع إلى التأمل والتفكير.
الواقع اليوم مختلف تماما مع وصول الحاسوب وال«ويب» ووسائل الإعلام المتجددة باستمرار. ومن الممكن الآن تكديس المعلومات والمعطيات والمعارف بكميات لا سابق لها في التاريخ. ومن أجل حفظ هذا كله شهدت العقود الأخيرة المنصرمة اختراع «أدمغة هائلة القدرة في التخزين» كي تضاف إلى أدمغة الستة مليارات ونصف من البشر.
«الدماغ الخارجي» الإلكتروني يتطور أيضا بسرعة مذهلة. وقد قدّر باحثو جامعة بيركلي االأميركية في عام 2002 ان كمية المعطيات والمعلومات والمعارف المحفوظة مطبوعة أو على أفلام أو على حوامل مغناطيسية أو بصرية تعادل لتلك السنة وحدها «محتوى نصف مليون مكتبة بحجم مكتبة الكونجرس الأميركي. بل واعتبر أولئك الباحثون أن الكمية المقصودة تعادل مجمل الكلمات التي تفوّه بها البشر منذ « بداية الخليقة».
لم تكن دراسة جامعة بيركلي هي الوحيدة لتأمل مدى قدرة «الدماغ العالمي» الوليد. ونقل المؤلفان عن مايكل ليسك، الاختصاصي في علوم المعلوماتية بالمؤسسة القومية العلمية الأميركية أنه «يمكن اليوم تخزين جميع ذكريات البشر رقميا. وبالتالي من السهل جدا القيام بذلك بالنسبة لشخص واحد». ويشير نفس الباحث إلى أن المواطن الأميركي «يمضي 3304 ساعات سنويا مع وسيلة إعلام بصورة أو بأخرى». ويتم تقدير عدد الساعات التي يمضيها أمام التلفزيون بـ 1578 ساعة. ويمضي 354 ساعة في قراءة الصحف اليومية والمجلات والكتب.
أسئلة مهمة
في السياق نفسه يتنبأ ليسك انه ليس ببعيد اليوم الذي لن يعود طلبة المدارس فيه بحاجة إلى تذكّر أي شيء، إذ ستكون هناك «أداة» صغيرة الحجم ستقوم بهذه الوظيفة. ومثل هذا المنظور يثير أسئلة مهمة جدا،إذ هل يمكن لمثل هذه الأداة أن تساعد أيضا المرضى المصابين بمرض فقدان الذاكرة «الزهايمر»؟. وهنا يبرز سؤال آخر: إذا كانت الذاكرة «الداخلية» الخاصة بالإنسان لن تعود ضرورية، فأي جزء من الدماغ قد يصبح مهملا؟.
في المحصلة يرى مؤلفا هذا الكتاب أن العالم يعيش اليوم اكبر هزّة فيما يخص منظومة المعرفة منذ بداية الأشكال الأولى للتفكير الإنساني. وهذا يتطلب درجة أكبر من الوعي أمام ما يمكن نشره من معلومات مضللة وإيصالها إلى أعداد ضخمة من البشر.
التفكير أمر ضروري، هذا ما يؤكده الجميع لكن المؤلفين يفتحان هنا قوسين كي يشيرا إلى أن «قسما كبيرا مما نعتقد بصحته فيه الكثير من الغباء». والمعرفة محكومة بالسياق الذي تنشأ فيه، وهي قابلة للتصحيح. هكذا مثلا كانوا في أوروبا يعتقدون في القرن الخامس عشر أن «الطماطم» ثمرة سامة للإنسان وكان لابد من الانتظار حتى عام 1820 كي يخاطر رجل جسور بأكل ثمرتين منها أمام الجمهور من أجل إثبات أنها غير سامة.
وتكمن إحدى الملاحظات الأساسية التي يقدمها المؤلفان حول عصر تدفق المعلومات الهائل في الحقبة المعاصرة بالقول إنه عندما تتسارع التبدلات يتسارع أيضا تكدس المعلومات التي تفتقر إلى العمق. ثم إن البشر لا يزالون يحملون إرثا كبيرا من المعارف «التي عفا عليها الزمن» الموروثة من الحقب القديمة التي كانت تتطور ببطء كبير.
وينبه المؤلفان إلى أنه يكفي «التجوّل» قليلا على شبكة الانترنت للاطلاع على الكم الكبير الذي تحتويه من نظريات الموامرة وقصص الاختطاف التي قام بها سكان الكواكب الأخرى والبراهين على أن الفس برسلي لا يزال حيا ووجود دجاج بستة أقدام بعد تحويله وراثيا والكثير من الحماقات التي ليس أقلها القول انه إذا لم يتم «إطفاء» الهاتف النقّال في محطات البنزين قد يؤدي إلى انفجار وسلسلة طويلة من الآراء المشابهة الخاطئة في مختلف الميادين.
وأمام مثل هذا الوضع يتم التأكيد على وجود معايير يعتمدها البشر لقبول أن ما يقال هو الحقيقة. المعيار الأهم هو الإجماع العام. أو ما يسمّى ب«الحس المشترك». يشير المؤلفان هنا إلى إن الأجهزة الاستخبارية الأميركية قبلت فكرة امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل على قاعدة إجماع مضلل. وهناك معايير أخرى مثل الانصياع للخبراء والصمود «أمام امتحان الزمن» والتحدث باسم العلم. وهذه معايير قابلة كلها للنقاش، بما في ذلك مستقبل العلم. هذا ما يؤكده المؤلفان باسم المعرفة.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف



