تحظى كتب ألفن وهايدي توفلر منذ ما يزيد على ثلاثين سنة باهتمام كبير لدى أولئك الذين يريدون فهم تطورات العالم المعاصر ورهاناته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهما في هذا الكتاب الجديد «الثروة الثورية» يقدّمان سلسلة تحليلات معمّقة للآثار المتعددة التي ولّدتها عملية تكدّس الثروات على صعيد العالم كلّه. ويبرهنان على أن مفتاح الازدهار اليوم لا يعتمد أساسا على المال وحده، وإنما هو يستند بالأحرى على المعرفة وذلك في ضوء أن المعرفة ثروة لا تنضب، وبالتالي فهي أهم المواد الأولية. وعلى العكس فإنها بمقدار ما يتم استخدامها تزدهر وتتطور. وعلى قاعدة دور المعرفة في حقبة ما بعد الحداثة يتم النظر إلى مستقبل الرأسمالية ودور القوى الكبرى في عالم الغد.

الثروة لها مستقبل، ولا شك في أن كوكبنا سوف ينتج منها أكثر فأكثر في الفترات المقبلة رغم كل المخاطر والتبدّلات التي عرفها العالم. ويقدّم مؤلفا هذا الكتاب التعريف التالي للثروة: «إنها كل ملكية ذات فائدة. وهي تقدم لنا شكلا من الرفاهية أو تمكن مبادلتها مع ما قد يمنحنا مثل هذه الرفاهية. بكل الحالات الثروة هي وليدة الرغبة، وهذا سبب يجعل البعض يرفضون فكرة الثروة نفسها». مثل هذا الرفض للثروة، باسم أي معتقد أو فلسفة أو زهد، رفضته البروتستانتية منذ ظهورها في الغرب وشجّعت على تحقيق التطلعات المادية عبر العمل والتوفير. الغرب لم يصبح كلّه بروتستانتيا ولكنه تبنّى هذه القيم التي تساعد على إشباع الرغبات. ثمّ اخترع هذا الغرب آلة إثارة الرغبة المستمرّة المتمثلة في الدعاية التي غدت تحتل كل وسائل الإعلام والاتصال وعلى رأسها التلفزيون. كذلك أصبحت شبكات الإنترنت أداة دعائية هامة.

وفي سنوات السبعينات من القرن العشرين أكّد القائد الصيني دينغ شياو بينغ أن «الثراء يستحق التعظيم»، وحرر بذلك الرغبات المقموعة لفترات طويلة لدى حوالي خمس البشرية. وفي الولايات المتحدة الأميركية أنفقت الشركات في عام 2004 وحده مبلغ 264 مليار دولار على الدعايات التجارية. وبنفس العام أنفقت أوروبا 125 مليار دولار بينما أنفقت اليابان 56 مليار دولار. من هذه الأرقام الانتقائية يصل المؤلفان إلى القول إن النخب، وعلى خلفيات فكرية أو عقائدية أو سياسية، في جميع المجتمعات تعمل على «تسيير الرغبة»، بمعنى دفعها في قنوات وتوظيفها في اتجاهات مدروسة باعتبارها نقطة الانطلاق في إيجاد الثروة. لكن يفتح المؤلفان هنا قوسين للتأكيد أن الجشع يختلف بطبيعته عن الثروة والرغبة ولن يؤدي بالضرورة إلى الغنى. كما أن الثقافات التي تشجع على المثابرة للحصول على الثروة لن تصبح غنية في كل الحالات.

إن البشر ينتجون الثروات منذ آلاف السنين. بل ومنذ بدايات التاريخ الإنساني. وقد استطاعوا أن يحققوا التقدم باستمرار وإلاّ ما كان للأرض أن تلبي اليوم احتياجات حوالي 5,6 مليارات نسمة. من هنا يرى المؤلفان أن «منظومات الثروة» كانت من أهم تجديدات التاريخ. كان البشر صيادين وقاطفي ثمار في البداية ثمّ أصبحوا رعاة فمزارعين. وكان أسبقهم ذلك الذي ـ أو تلك التي ـ بذر الحبوب الأولى في أراضي تركيا الحالية، كما يحدد المؤلفان الموقع الجغرافي، وهو الذي اخترع وسيلة «تصنيع» الثروة للمرّة الأولى في التاريخ ؛ أو ما يسميه المؤلفان بـ «الموجة الأولى للثروة» القائمة على الزراعة. ولا يزال العديد من الذين عاصروا تلك الموجة الأولى موجودين حتى اليوم في العديد من البلدان، ولم يتجاوزوا سقف الزراعة. وفي نهاية القرن السابع عشر ظهرت بوادر موجة ثانية للثروة مع حركة التصنيع، أو ما يتم التعبير عنه بالثورة الصناعية الأولى. واليوم يتم تصنيف البلدان التي استفادت من هذه الثورة.

خاصة في أوروبا الغربية والغرب عامة، بين البلدان المتقدمة والتي يبلغ عدد سكانها حوالي مليار ومئتي مليون نسمة. ثم إن هذه البلدان، بالإضافة إلى روسيا وعدد آخر من الدول، تمثل «منتجات الحداثة». كما أن موجة الثروة الثانية عمّت فوائدها على العالم كله.

أمّا موجة الثروة الثالثة التي لا تزال تتدفق فإنّها وضعت موضع الشك جميع مبادئ منظومة الثروة الصناعية. ذلك أنها استبدلت العوامل التقليدية للإنتاج الصناعي والمتمثّلة أساسا في قوة العمل ورأس المال بالمعرفة الأقل ماديّة وإنّما الأكثر فاعلية وهي تؤدي إلى تغييرات جذرية حاسمة.

موجة الثورة الثالثة الجارية تلقى مقاومة كبيرة ممن يطلق عليهم المؤلفان صفة « متزمتي الاقتصاد» الذين لا يعيرون وزنا كبيرا لما أحدثته التكنولوجيات الرقمية والاقتصاد القائم على المعرفة. باختصار إنّهم يرون أن «الاقتصاد لم يتحرّك».

الصورة التي يقدمها مؤلفا هذا الكتاب لعالم اليوم تؤكد على تعايش ثلاث منظومات لإنتاج الثروة. هذه المنظومات يمكن الرمز لها بالمحراث وآلة التركيب والحاسوب. كما تدلّ الصورة الراهنة على أن تغييرات جوهرية تلوح في الأفق ؛ وليس أقلّها أن البنك الفدرالي الأميركي والبنوك الوطنية المركزية التي لعبت دورا أساسيا طيلة الحقبة الصناعية السابقة لن تحتفظ بنفس الدور في الحقبة ما بعد الصناعية، بل ربما أنّها قد تزول في المستقبل.

صدمة السرعات المتباينة

ما يؤكّده مؤلفا هذا الكتاب هو أن البلدان التي تمتلك اليوم الاقتصادات الأساسية في العالم، أي الولايات المتحدة الأميركية واليابان والصين والاتحاد الأوروبي، تتجه نحو أزمة لا تتمناها والتي لا يفكّر سوى القليل من مسؤوليها بكيفية مواجهتها مع أنها سوف تقرر حدود أشكال التقدم الاقتصادي المستقبلية. إنها أزمة قريبة وهي نتيجة مباشرة ل«غياب التزامن بسبب الإدارة الغبيّة» للوقت ؛ هذا المعطى الأساسي في إنتاج الثروة.

إن أمم العالم كلّها تسعى اليوم، بسرعات متفاوتة، من أجل بناء اقتصاد متقدّم. وهنا يقول المؤلفان: «ما لم يفهمه أغلبية قادة المؤسسات والحياة السياسية والمدنية هو أمر في غاية السهولة. وهو أن الاقتصاد المتقدم بحاجة إلى مجتمع متقدّم، ذلك أن كل اقتصاد هو نتاج للمجتمع الذي يكون موجودا فيه وهو متعلّق ببناه الأساسية».

وتتم الإشارة هنا إلى «قانون المطابقة» ومفاده أنه إذا نجح بلد ما في تسريع تطوره الاقتصادي وترك مؤسساته السياسية متخلّفة فإن قدرته على خلق الثروة سوف تصبح محدودة.

هذه القاعدة ثبتت صحّتها منذ القديم فالمؤسسات الإقطاعية أعاقت التقدم الصناعي. وبنفس الطريقة تعيق بيروقراطيات العصر الصناعي اليوم الحركة نحو منظومة خلق الثروة الأكثر تقدما والقائمة على المعرفة.

هذا الواقع صحيح بالنسبة لآليات عمل وزارة الاقتصاد اليابانية وبيروقراطيتها، وصحيح بالنسبة للصين ومؤسساتها التابعة للدولة، وصحيح بالنسبة لفرنسا للوزارات وللمدارس الكبرى النخبوية والمتكلّسة، وصحيح بالنسبة للولايات المتحدة ولجميع البلدان التي لا تلحق المؤسسات العامة فيها وتيرة التبدلات المحيطة فيها.

في مقابل هذا راود العديد من «أنصار الحداثة» حلم الوصول إلى مجتمع كل شيء فيه مضبوط بدقة « مثل الآلة«. كان الهدف هو إيجاد دولة ومجتمع يعملان حسب إيقاع متزامن دقيق وكذلك بالنسبة لإيقاع حياة البشر.

ولكن مثل هذا الحلم لا يأخذ في اعتباره واقع أن البشر وتنظيمهم الاجتماعي يخضعون لمنظومات مفتوحة. ثم إن النظام الشيوعي الروسي لم يستطع أبدا، رغم محاولته تسيير الأفراد والمجتمع كالآلة، أن يجسّد ذلك في الاقتصاد الرسمي. وفي عام 1991 انهار النظام الشيوعي.

واختار الروس في عام 2000 فلاديمير بوتين كي يضبط الأمور و«كي تنطلق القطارات في الدقيقة المحددة لانطلاقها». لكن هذا لا يكفي ولا بد من وجود مؤسسات تعمل حسب التوقيت المتزامن مع التطور.

إن مثل هذا التزامن صعب التحقيق. هكذا لم يخضع نمو صناعة الحواسيب في الولايات المتحدة خلال نصف القرن الأخير لأية عملية ضبط في إيقاعه. ونتيجة ذلك عانت شركات هذه الصناعة من التطور البطيء لصناعة الاتصالات الالكترونية التي خضعت لرقابات صارمة. كانت التكنولوجيات الأساسية لهاتين الصناعتين متقاربة ولكن إيقاع تطورهما كان متباعدا.

انتقال مركز الثقل

تتمثل إحدى الأفكار التي تتردد في التحليلات المقدّمة بالقول إن التاريخ الإنساني كله لم يعرف حركة انتقال للثروة جغرافيا مثل تلك التي يشهدها اليوم. إن العلاقة تتغير مع الزمان، ولكنها تتغير أيضا مع المكان.

وإذا كانت السيطرة الاقتصادية للغرب قد استمرّت فترة طويلة فإن الحال كان غير ذلك قبل خمسة قرون حيث كانت الصين وليس أوروبا هي التي تمتلك التكنولوجيات الأكثر تقدما وكانت آسيا تقود العالم. وكانت وحدها مصدر 75 بالمئة من الإنتاج العالمي.

كما كانت الصين، منذ بدايات القرن الخامس عشر، قد أرسلت سفنها إلى الشواطئ الإفريقية وشواطئ خليج عدن وجدّة وظفار ووضعت أسس تجارة بحرية في جميع منطقة المحيط الهندي.

استمرّت سيطرة الصين قرنين ونصف قبل انطلاق الثورة الصناعية التي أدّت إلى انتقال السلطات الاقتصادية والسياسية والعسكرية تدريجيا نحو أوروبا. لكن اعتبارا من نهاية القرن التاسع عشر انتقل مركز الإبداع العالمي للثروة من أوروبا باتجاه الولايات المتحدة الأميركية. ووضعت الحربان العالميتان حدا نهائيا للسيطرة الاقتصادية الأوروبية.

ومنذ الحرب العالمية الثانية، وخاصة منذ أواسط سنوات الخمسينات من القرن الماضي ( العشرين) وبدايات «الموجة الثالثة للثروة» والتحوّل نحو الاقتصاد القائم على المعرفة، أصبحت الولايات المتحدة في الموقع المهيمن على الصعيد العالمي.

وجرى النظر إلى القرن العشرين على أنه «قرن الولايات المتحدة» مثلما أشار العديد من المحللين. لكن في العقود اللاحقة بدا انتقال الثروة من جديد نحو آسيا، إلى اليابان أولا ثمّ إلى البلدان المسماة المصنّعة حديثا مثل كوريا الجنوبية واتسعت هذه الحركة في العقود الأخيرة من ذلك القرن.

تعاظمت الاستثمارات نحو الصين اعتبارا من عقد الثمانينات الماضي عندما شجّع قادتها التوجه نحو اقتصاد السوق. وتدل التقديرات المقدّمة إلى أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الربع الأخير من القرن العشرين بلغت 570 مليار دولار.

وفي عام 2003 وصلت قيمة الاستثمارات الأميركية في الصين 44 مليار دولار وبلغت قيمة الواردات الصينية إلى الأسواق الأميركية ما يزيد على 150 مليار دولار. وبلغت قيمة صادرات الصين إلى مجمل العالم أكثر من 436 مليار دولار.

وكانت تلك السنة 2003 بمثابة منعطف حقيقي بالنسبة لآسيا. ذلك أن الصين وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان حققت إجمالي إنتاج محلي يعادل إنتاج ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وايطاليا واسبانيا مجتمعة، أي الدول الأهم اقتصاديا على صعيد القارة الأوروبية.

من الملفت للانتباه أن هذه المقارنة لا تأخذ بالاعتبار اليابان والهند. وإذا تمّت إضافة هذين البلدين فإن إجمالي الإنتاج الداخلي لهذه الأمم الآسيوية يزيد على 3000 مليار دولار، أي ما يفوق إنتاج الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأميركية. هناك إذن تحول كبير على صعيد خارطة الثروة العالمية.

ونقل المؤلفان عن أحد مسؤولي «مركز العلاقات الخارجية» الأميركي الذي تعمد الحكومة الأميركية إلى طلب استشاراته، قوله: «تأمّلوا في العالم عام 2050 حيث سيكون قي آسيا أكثر من نصف سكان العالم وربما 40 بالمئة من الاقتصاد الكوني وأكثر من نصف تكنولوجيات صناعة المعلوماتية مع قدرات عسكرية تكنولوجية عالية ذات مستوى دولي».

بالمقابل، تتعرّض الولايات المتحدة الأميركية إلى انتقادات شديدة من أعداء العولمة على اعتبار أنها «المقر العام لاقتصاد السوق». وكذلك يصبّون عليها جام غضبهم، من موقع مناصرة العالم الثالث.

وتتم الإشارة هنا إلى أن جميع الإدارات الأميركية خلال العقود الأخيرة قد «انخدعت» عندما لازمت بين العولمة واللبرالية كشرط لنشر الديمقراطية ودحر الفقر في العالم. لقد أثبتت بعض البلدان أنها تستطيع أن تدمج اقتصادها في السوق العالمي دون أن تتبنّى اللبرالية، والعكس أيضا.

والجميع يعرفون اليوم أن آلاف مليارات الدولارات تنتقل باستمرار بين جميع أصقاع العالم بسرعة خارقة بواسطة قنوات الكترونية عديدة. وأغلبية البشر يعرفون أو عليهم أن يعرفوا أن السوق العالمي للمبادلات النقدية هو نوع من «الكازينو» الكوني. وما يتم جهله غالبا هو أن الدولار لم يعد عملة أميركية حصرا.

ففي شهر يناير 2002 كانت هناك 15 دولة صغيرة في العالم، من باناما إلى الأكوادور، تستخدم الدولار رسميا كعملة لها. وبصورة شبه رسمية يخدم الدولار كعملة تبادل في الأرجنتين وبوليفيا وأميركا الوسطى عامة.

وكذلك في روسيا والقسم الأعظم من الجمهوريات السوفييتية السابقة. وتدل أرقام البنك الفيدرالي الأميركي على أن الأجانب يملكون من الدولارات كميّة اكبر مما يملكه الأميركيون أنفسهم. وتبلغ نسبة ما يملكونه بين 55 و70 بالمئة، وخاصة من الأوراق النقدية من فئة المئة دولار. ولكن هناك عملات صعبة أخرى يتم تداولها خارج بلدانها الأصلية.

هكذا اجتاز المال حدوده «الوطنية» أكثر فأكثر في عصر العولمة واقتصاد السوق. ولكن ليس المال وحده.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف