في كشف علمي مثير قد يدفع البعض إلى تغيير أفكاره بشأن الكثير من الحقائق الثابتة من حولنا، تبين أن التعامل مع القمامة والسماد العضوي والمخلفات الصلبة قد يزيد من قدرة الشخص على مقاومة الأمراض المرتبطة بالحساسية، بل الأهم من ذلك هو تقليص احتمال إصابته بسرطان الرئة.

فقد أثبتت دراسة علمية أوردتها مجلة «نيوساينتست» أن المزارعين الذين يتعاملون مع السماد العضوي تقل بينهم نسبة الإصابة بسرطان الرئة بمقدار خمس مرات مقارنة بغيرهم. وفي ضوء الغرابة الشديدة التي ينطوي عليها هذا الكشف العلمي المثير، فإن علماء الأوبئة بدأوا في الآونة الأخيرة في كشف اللثام عن بعض الصلات غير المتوقعة بين تعرض الإنسان وتعامله مع السماد العضوي وبين مخاطر الإصابة بالسرطان في مراحل لاحقة من الحياة.

فقد اتضح أن الأطفال الذين يخرجون إلى الهواء الطلق ويحتكون بالطبيعة في السنوات الأولى من حياتهم يقل بينهم احتمال الإصابة بسرطان الدم مقارنة بغيرهم ممن يمكثون دائماً في المنزل. وفي هذا الصدد يقول كاتب التحقيق في مجلة «نيوساينتست» إن مثل هذه الدراسة قد تلمح في مضمونها إلى أن إحدى وسائل تجنب الوفاة بالسرطان تتمثل في التعرض لجرعة من الجراثيم!

ويضيف ان فكرة أن القمامة والقاذورات قد يكون لها أثر إيجابي على صحة الإنسان ربما تلفت اهتمام الباحثين إلى أمور كانت بعيدة عن دائرة اهتمامهم في السابق. فعلماء البيئة يتناقشون منذ سنوات طويلة حول ما يسمى بالفرضية الصحية، غير أن نقاشهم في هذا الصدد يتم بهدف تقديم تفسير لارتفاع نسبة الإصابة بأمراض الحساسية ومنها الربو في الدول المتقدمة، وليست له أي علاقة بارتفاع نسبة الإصابة بالسرطان.

أساس الفكرة يقوم على أن نظام المناعة البشري قد تطور بشكل يعتمد على شن حرب لا تتوقف ضد الطفيليات والجراثيم والميكروبات التي تدخل جسم الإنسان، حيث أتاح أسلوب الحياة العصرية للإنسان وسائل يستطيع بها تقليص نسبة التحديات الصحية التي نواجهها، إذ أصبح جهاز المناعة البشري أكثر قدرة على التعامل مع الطبقات الغبارية الموجودة على جسم الحشرات.

وتشير المجلة إلى أن بعض الباحثين حاليا يدرسون ما إذا كانت هناك علاقة بين ارتفاع نسبة السرطان بمختلف أنواعه بين أبناء الشعوب الثرية وبين العيش في أجواء معقمة خالية من أي ملوثات. وفي حال ثبوت رأي هؤلاء الذين يؤكدون أن للجراثيم أثراً صحياً إيجابياً، فإن الفوائد الطبية التي يمكن أن يحصدها العالم من وراء هذا الأمر ستكون هائلة بكل تأكيد.

فإذا تمكن العلماء من الوصول لفهم واضح بشأن السبب وراء الأثر الوقائي لبعض الميكروبات، فإن العلم في غضون سنوات قليلة سيستطيع التوصل إلى علاجات تقلص من احتمال تعرض البشر في مراحل متقدمة من حياتهم إلى أنواع معينة من السرطان عن طريق تعريضهم لبعض الميكروبات غير الضارة.

وتسرد المجلة في هذا الشأن عددا من الأمثلة التي تعضد من الرأي القائل إن الميكروبات قد يكون لها بعض الأثر الوقائي الذي يحمي الإنسان من بعض أنواع السرطان. وبالنسبة للصغار فإنه إلى جانب الدراسات التي تشير إلى أن الأطفال الذين يحتكون بالطبيعة في مراحل مبكرة من حياتهم يكونون أقل عرضة للإصابة باللوكيميا، فإن هناك دراسات أخرى أجرتها الباحثة إلين تشانج من مركز شمال كاليفورنيا لعلاج السرطان، تؤكد أن الأطفال الذين لديهم عدد كبير من الأقارب والأخوة المتقدمين في العمر يكونون أقل عرضة للإصابة بالورم اللمفاوي.

غير أن الأمر غير مقتصر على الأطفال والتعامل مع الطبيعة في مراحل مبكرة من حياة الإنسان. ففي فترة السبعينات لوحظ أن عمال مصانع القطن تقل بينهم بشكل كبير نسبة الإصابة بسرطان الرئة وأنواع أخرى من السرطان. أحد التفسيرات العلمية في هذا الشأن هو أن الفضل في هذا يرجع إلى غبار القطن الذي يحتوي على كميات كبيرة من الذيفان الداخلي، وهو سم داخلي المنشأ يتسبب عادة في تحفيز جهاز المناعة.

وتأتي سلسلة من الدراسات أجراها العالم هارفي تشيكواي في جامعتي واشنطن وسياتل لتعضد من الفكرة نفسها. فقد قام الباحث تشيكواي برفقة الفريق العلمي المصاحب له بدراسة سبب تراجع معدلات الإصابة بالسرطان بين العاملات في مصانع حلج القطن في شنغهاي بالصين مقارنة بغيرهن في الصناعات الأخرى، ووجد أن هاته الفتيات تعرضن على مدار سنوات عملهن إلى كميات كبيرة من الذيفان الداخلي الذي بدوره تسبب في تقوية جهاز المناعة ضد الأشكال المختلفة من مرض السرطان لاسيما سرطان الرئة.

كما تشير الدراسات إلى أن التعرض للذيفان الداخلي هو السبب وراء تراجع الإصابة بالسرطان بين المزارعين الذين يتعاملون مع الماشية لاسيما الأبقار في عدد من الدول. فعلى سبيل المثال وجد العالم جيوسيب ماستر أنجلو من جامعة بادوا في إيطاليا وعدد من زملائه أن عمال مزارع الألبان في منطقة بادوا الصينية أقل عرضة للإصابة بمرض سرطان الرئة بالمقارنة بنظرائهم الذين يعملون في البساتين أو المزارع التي لا توجد فيها أبقار.

فكلما زاد عدد الأبقار، تراجعت نسبة الإصابة بمرض سرطان الرئة بين العمال. بل أن الأمر امتد إلى المدخنين بين هؤلاء المزارعين، حيث تقل نسبة الإصابة بمرض سرطان الرئة بين المزارعين المدخنين الذين يتعاملون من الماشية مقارنة بهؤلاء ممن لا يتعاملون معها.

وفي هذا الصدد تشير المجلة إلى أن التعرض للسماد الطبيعي والتعامل مع الحيوانات ليس الطريقة الوحيدة لزيادة قدرة جهاز المناعة على مكافحة السرطان. فهناك أمصال معينة تُعطى في فترة الطفولة لتحصين الجسم في مراحل متقدمة من الحياة ضد الإصابة بالسرطان، لاسيما سرطان الجلد. فقد شهد القرن الماضي محاولات عديدة لعلاج أنواع مختلفة من السرطان مثل الورم القتاميني عن طريق فيروسات أو بكتريا حية وكانت النتائج متفاوتة.

لا ينكر أحد أن التعامل مع السرطان بهذا الشكل الوقائي من خلال الأسمدة والميكروبات هو أسلوب لا يخلو من المخاطر، ومن ثم فإن أحداً من العلماء لا ينادي بالتعرض بشكل مباشر إلى غبار القطن أو للأسمدة في الحظائر ومزارع الحيوان. غير أنه في الوقت نفسه إذا ثبت أن لبعض الأمصال مثل أمصال الجدري لها أثراً إيجابياً على جهاز مناعة الجسم بشكل قد يحمي الإنسان من الإصابة بالسرطان في مراحل لاحقة من حياته.

كما يدّعي بعض العلماء، فإن العالم في هذه الحالة سيكون لديه وسيلة لتقليص خطر الإصابة بالمرض. وتشير المجلة في هذا الصدد إلى أن هناك محاولات تجري الآن على قدم وساق لمعرفة ما إذا كان لهذه الأمصال أثر إيجابي في الوقاية من أنواع معينة للسرطان أم لا.

الأمر المؤكد في هذا الصدد أن الوقت لا يزال مبكرا للجزم بأن لهذه الأمصال قدرة على تحفيز جهاز المناعة البشري على مقاومة السرطان. ولكن في الوقت نفسه، بحسب تعبير كاتب التحقيق، فإنه إذا شعر المرء بأنه يعاني من الأنفلونزا أو لديه نزلة برد، فإنه يمكنه، في ظل التطورات العلمية الحاصلة في العالم الآن، أن يواسي نفسه بالاعتقاد بأن هذه الإصابة قد تقلل من فرص إصابته بالسرطان في المستقبل. كما لن يضيره التوجه بزيارة قصيرة إلى إحدى مزارع الألبان القريبة منه

إعداد: حاتم حسين