في ختام الكتاب ينطلق المؤلف إلى رصد مجمل المواقف العربية من التحركات الأميركية في المنطقة، ابتداء من تحليل معمق لهذه المواقف في مواجهة الغزو الأميركي للعراق وما ترتب عليه من نتائج بالغة الخطورة، وينتقل هذا التحليل إلى أفق مختلف نوعيا برصد ما يطرحه بعض المراقبين من أن أميركا هي الحاضر الغائب في السياسة المصرية منذ ثلاثة عقود، وتكتمل دائرة التحليل بالانتقال إلى السياسة الأميركية حيال السودان التي لا يتردد الكثير من المراقبين في تأكيد أنها تستهدف حصار كل ما هو عربي وإسلامي على أرض السودان.
في ضوء محوريتها من القضية التي يعرض لها يواصل المؤلف استعراض المخاوف العربية المترتبة على الغزو الأميركي للعراق، وأشار إلى أن من هذه المخاوف الانقسام العراقي إلى طوائف وعرقيات متناحرة سواء بسعي من الولايات المتحدة أو كنتيجة غير مقصودة للغزو. ويذكر أن الجانب العربي كانت تحكمه في ذلك تجربة الاستعمار البريطاني والفرنسي .
حيث تفككت سوريا بمؤامرة بريطانية فرنسية كان هدفها الرئيسي، وفق تصريح للشرع، تمهيد الطريق أمام إقامة دولة يهودية في فلسطين. وفي ذلك جاء وعد بلفور مباشرة إثر توقيع فرنسا وبريطانيا لإتفاقية سايكس ـ بيكو والذي قسم سوريا إلى أربعة أقطار.
من الجوانب السلبية للغزو في إطار التفصيل الذي يقدمه المؤلف لهذه القضية المحورية والتي يرى أنها كان لها أثر بالغ في تطور العلاقات العربية ـ الأميركية على نحو يعزز أجواء سوء التفاهم أوجه التشابه في الذهن العربي بين التجربتين الأميركية في العراق والإسرائيلية في فلسطين.
فسلوك الجندي الإسرائيلي نحو المواطن الفلسطيني العادي يتم رؤيته كذلك وعلى نفس النحو في سلوك الجندي الأميركي تجاه العراقيين العاديين. ولا تنبع تلك المقارنة في العقلية العربية من فراغ وإنما هناك ما يؤكدها حتى على المستوى الملموس.
وفي ذلك يورد المؤلف ما كشفته مسؤولة عسكرية أميركية في لقاء لها مع الـ «بي بي سي» في العراق من أنها التقت مصادفة محققاً إسرائيلياً في مركز اعتقال عراقي في بغداد، وهو ما التقطه الكاتب عبد الوهاب بدر خان مشيرا في مقال له إلى مشاركة إسرائيليين كخبراء في التعذيب في العمليات الأميركية في العراق، مؤكداً على أنه لا يوجد شك في أن الأميركيين الذين خططوا للبقاء لفترة طويلة في العراق يعتمدون على الإسرائيليين.
وفي الإطار ذاته أشارت وسائل إعلام غربية إلى أن هناك إسرائيليين يقومون على تدريب الأكراد في شمال العراق وهو ما أكد شكوكا كانت قائمة في العالم العربي بشأن اتصالات كردية مع إسرائيل. واذا كانت الوقائع تساعد على توليد إدراكات معينة فإن هذه التطورات عززت من فرضية قائمة وتحدث عنها الكثيرون ومنتشرة في المنطقة تتمثل في أن السلطات العراقية الجديدة ستتعرض لضغوط من قبل الولايات المتحدة من أجل تطبيع علاقاتها مع إسرائيل.
على المستوى المعلن فإن المسؤولين العراقيين أكدوا صعوبة تحقق أو حدوث مثل هذا الأمر ـ على سبيل المثال إنشاء خط أنابيب للنفط من الموصل إلى ميناء حيفا في إسرائيل ـ غير أنهم يصعب تصديقهم من قبل الجمهور، كما ان القاعدة في العراق كثيرا ما أعلنت أنها استهدفت فنادق في بغداد لنزول إسرائيليين من الموساد للإقامة بها.
ويذكرنا المؤلف في هذا الصدد بأن المشروع الرئيسي لغزو العراق وقف وراءه عدد من المحافظين الجدد أمثال بول وولفويتز وريتشارد بيرل وغيرهما الأمر الذي كانت تجري الدعوة له منذ منتصف التسعينيات على النحو الذي بدا معه وكأنه عصا سحرية لإعادة تشكيل المنطقة لمصلحة إسرائيل.
وفي هذا الإطار وتأكيدا على وجود مثل هذه العلاقة والدور الإسرائيلي والذي يثير السخط عربيا سواء على المستوى المحلي العراقي أو العربي يشير إلى أن السياسي العراقي مثال الألوسي تعرض للطرد من حزب المؤتمر الوطني العراقي الذي يرأسه أحمد الجلبي إثر مشاركته في مؤتمر بتل أبيب عن الديمقراطية والإرهاب عام 2004، كما تعرض بعد ذلك لمحاولة اغتيال أسفرت عن مقتل اثنين من أبنائه.
وفي لقطة معبرة يشير المؤلف إلى ما ذكره مراسل قناة الجزيرة لحظة متابعة العالم كله لإسقاط تمثال صدام في أبريل 2003 حيث راح يقول: «إن المستقبل الآن سيكون له طعم أميركي» في إشارة حسبما بثت القناة آنذاك على لسان مراسلها إلى حماس فئات عراقية لقدوم الأميركيين والخلاص من نظام صدام لحسابات طائفية».
على المستوى العربي كان مشهد جذب التمثال وإسقاطه بمساعدة أميركية له وقع الصدمة في الشارع العربي. لقد كان المشهد حسب تعبير محلل مصري يعبر عن مسرحية أميركية تم الإعداد لها مشككا في المجموعة التي قامت على العملية مشيرا إلى أن الأمر في العراق ليس على النحو الذي يكشف عنه المشهد ـ ترحيب عراقي بالأميركيين ـ وإنما تسود المقاومة أنحاء مختلفة من البلاد بما فيها بغداد.
وحسب آخر لم يكن أي ود لصدام يقول: على الرغم من أني طوال حياتي كنت أتمنى أن أرى أو أشهد نهاية نظام صدام حسين، فقد شعرت بالخزي عندما شاهدت القوات الأميركية متمركزة وسط بغداد وقد تم إسقاط أكبر تمثال أقامه صدام لنفسه.
مؤشرات نهب بغداد
إذا كان المؤلف قد كثف من تناوله للأبعاد التي تكشف أكذوبة كراهية العرب لأميركا على المستوى غير السياسي فإنه على نحو مشابه يقدم الكثير من التفصيلات التي تكشف أبعاد التحول في هذا الموقف على خلفية التطورات الجارية في المنطقة والتي كان آخرها حتى اللحظة الموقف في العراق.
ويشير إلى أن من بين المواقف التي عززت النقمة عربيا على الولايات المتحدة في قضية غزو العراق ذلك المشهد الذي تابع فيه العالم نهب متحف بغداد فيما كانت تقف القوات الأميركية تتفرج!
لقد غرقت العاصمة العراقية في حالة من الفوضى وغياب القانون إثر عملية السقوط في أيدي القوات الأميركية، حيث قامت أعداد كبير من اللصوص المنظمين جيدا الذين ربما أعدوا العدة لهذه اللحظة بالترتيب مع جهات أجنبية على نهب كل آثار العراق بما في ذلك بعضها الذي يعود إلى 2450 عاما قبل الميلاد وبعضها الذي يعود إلى المرحلة السومرية، وقد فقدت ألوف من القطع الأثرية جراء هذه العملية غير أن السؤال الذي كان يفرض نفسه هو لماذا لم يتم تخصيص وحدة من القوات الأميركية للقيام بمهمة تأمين المتحف؟
ويقول المؤلف إن حضارة العراق واحدة من أولى حضارات العالم الكبرى حيث السومريين الذين عاشوا في الجنوب قبل نحو خمسة آلاف سنة، مؤكداً على أن حماية الآثار هناك لم تكن حسب الخبراء حول العالم مهمة دولية كان يجب القيام عليها وليس ترك آثاره للنهب والضياع.
ولذا كان من الطبيعي أن يتم توجيه اللوم إلى الولايات المتحدة على هذا الأمر ولو كانت القوات الأميركية حاولت التدخل ولو بإطلاق النار على هؤلاء اللصوص لتغيرت الصورة ولو قليلا في أذهان المواطن العربي.
ولم تقتصر المخازي الأميركية عند هذا الحد وإنما ما زاد من وقعها المشاهد التي كان يتابعها المواطن العربي للجنود الأميركيين وهم يقومون بعمليات تفتيش للعراقيين ومن بينهم فتيات وسيدات حيث يقوم الجنود بوضع أيديهم على مختلف أنحاء أجساد هؤلاء الفتيات والسيدات كجزء من عملية التفتيش.
لذلك لم يكن من الغريب أن تتم مقارنة العملية الأميركية في العراق بتلك التي واجهتها من قبل على يد المغول عام 1258 وأن يسود الأسى على ما جرى هناك لحضارة تضرب بأعماقها في التاريخ حتى انه عندما هاجرت إليها القبائل العربية مع ظهور الإسلام فإن أبناء العراق كانوا في وضع متحضر ما جعلهم يضيفون إلى الفاتحين القادمين على النحو الذي تحولت معه بغداد المدينة العربية الإسلامية لتعكس تراثا بالغ العراقة يجمع حضارة ما قبل الإسلام وما قدمه الدين الإسلامي فضلا عما قدمته وهو كثير كعاصمة للخلافة الإسلامية.
يشير المؤلف إلى تباين موقف التيارات العراقية من الغزو وفي هذا الإطار فإن سنة العراق حسبما يذكر وعلى شاكلة الموقف العربي كان لهم موقف مبدئي معارضه له وكانوا يرون مثل بقية العرب أنها إذا كانت الولايات المتحدة تريد تحسين أحوال العالم العربي فإنها يجب على أنها أن تبدأ من فلسطين وليس من العراق. كما كانوا يشاركون العرب الرأي في أن إدارة بوش جاءت لتلعب الدور الاستعماري الكلاسيكي الذي يقوم على مبدأ «فرق تسد».
فالأميركيون قد يجدون،حسبما ذهب أستاذ جامعي عراقي، القادة الذين يصدقونهم أو الذين يمكن أن يساندوهم، غير أنهم لا يمكن لهم أن يصادفوا قائدا حقيقيا يمكن أن يكون مقبولا من الشعب، وفي الوقت ذاته يلقى تأييدهم.
بوابة إلى واشنطن
يتطرق المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن السلام مع مصر باعتباره مرحلة فاصلة في تاريخ العلاقات مع الولايات المتحدة على مستوى المنطقة العربية. وفيما يشير إلى محورية هذا التطور يذكر أن قضية علاقات مصر مع الولايات المتحدة ظلت على الدوام مركز الحياة السياسية منذ مرحلة الخمسينات وظلت علاقات الدولتين متوترة إلى أن جاء الرئيس السادات خلفا لعبد الناصر.
لقد قامت سياسة الرئيس المصري السابق أنور السادات على أساس فض التحالف مع السوفييت ومحاولة فتح قناة للحوار مع واشنطن والتقارب معها عبر السلام مع إسرائيل في ضوء تصورات بأن ذلك قد يتيح له الحصول على مساعدات مالية سخية وفرصة للنهوض بالاقتصاد المصري واللحاق بالغرب.
وعلى هذا النحو جرت الأمور على ما هو معروف للكافة حيث طرح السادات مبادرته بالذهاب إلى القدس والتي أدت إلى كامب ديفيد ثم في النهاية معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979 ومنذ ذلك الوقت أصبحت الولايات المتحدة لاعباً أساسياً في السياسات المصرية الداخلية حتى لو كان على نحو غير معلن وتلقي بتأثير كبير على السياسة الحكومية والعلاقات بين الحكومة والمعارضة سواء الإسلامية أم العلمانية.
وقد أصبحت المعونة الأميركية منذ ذلك الوقت عنصرا أساسيا في العلاقات الخاصة التي تجمع بين الدولتين وعلى ذلك فإنه حتى منتصف التسعينات وصلت المساعدات المنتظمة التي كانت تتراوح عسكريا إلى نحو 3 ,1 مليار دولار واقتصاديا نحو 815 مليون دولار إلى 40 مليار دولار منذ نحو 1979.
ولا يمرر المؤلف هذا الأمر دون أن يشير إلى أن المساعدات، وكما هو معروف في الكثير من الكتابات التي تناولت هذا الموضوع، إنما كانت تمثل في أحد أوجهها جائزة للمزارعين الأميركيين في ضوء أن مصر تعد من أكبر المستوردين للقمح في العالم وهو السلعة التي تمثل قوام المعونة الاقتصادية.
رفض شعبي مصري
في معرض الإشارة إلى رد الفعل على التوجه السلامي مع إسرائيل وبالتالي مع الولايات المتحدة يشير المؤلف إلى أنه لم يحظ بالقبول لدى مختلف فئات الشعب المصري الذين اعتبروه تجاوزا لمشروع عبد الناصر وقضاء عليه إلى الحد أن من دخلوا السجن في عهد هذا الأخير كانوا يترحمون على أيامه وما اعتبروه فهما جيدا للأوضاع الإقليمية والدولية.
وعزز من ذلك أن الأوضاع في مصر لم يسودها أي تحسن ملموس على النحو الذي يمكن أن يمثل تسويغا لما انخرطت فيه مصر من سياسات تقارب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
لقد ألحق تغييرا سياسيا جوهريا وأعاد تمركز القطر الأكثر سكانا والأكثر قوة عسكريا في العالم العربي، رابطا مستقبله بالولايات المتحدة وفي مقابل دعم الاقتصاد المصري بمساعدة مالية جعلت مصر ثاني أكبر دولة لجهة تلقي المساعدات من الولايات المتحدة بعد إسرائيل تم سحب مصر من معادلة الصراع العربي مع إسرائيل قبل أن يتم التوصل إلى حل القضايا الأساسية الأكثر حيوية.
مستقبل التحالف
في تطرقه إلى مستقبل التحالف المصري مع الولايات المتحدة يذكر المؤلف أن سنة 1952 كانت تمثل لحظة انتفاضة من حضارة مجروحة، فالمصريون لم يتمكنوا بمقتضاها فقط من إعادة زمام السيطرة على مقدراتهم، سواء على الصعيد السياسي أم الاقتصادي إلى أنفسهم، وإنما تمكنوا من ذلك أيضا على مستوى العالم العربي حيث ساهموا بشكل أو بآخر في تحريرها من تدخل الأجنبي من الجزائر إلى فلسطين.
وقد شهد العقد الأخير مناقشات حيوية وبالغة الأهمية دارت بشكل أساسي حول: لماذا انحرفت معظم المشاريع الكبرى، ليس مصريا فحسب وإنما عربيا أيضا، عن مسارها؟ في مصر تبلور هذا التوجه خلال الاحتفال بالذكرى الخمسين لقيام ثورة يوليو عام 2002 وقد راح المفكر الاقتصادي المصري جلال أمين يطرح الأمر في كتابه الذي حمل العنوان نفسه «ماذا حدث للمصريين؟».
ففي مصر 1952 كانت الدولة تستطيع أن تكفي نفسها من الغذاء وكان لديها برلمان حقيقي وطبقة وسطى حضرية واقتصاد لديه القدرة على الإنتاج. غير أن الأمر تغير على نحو كبير بعد نحو خمسة عقود، فالسعي إلى تحقيق التقدم ما زال يراوح مكانه، كما أن التدخل الأجنبي في شؤون البلاد يبدو شيئا ملموسا على نحو غير مريح.
ويضيف: إن القادة المصريين يتحدثون كثيرا عن النهضة الكاملة لعقود غير أنه مع الاحتفال بالذكري الخمسين للثورة ووسط احتفالات ضخمة بها وملصقات تحمل صور الرؤساء المصريين الأربعة منذ الثورة، فإنه يبدو أن محاولة إضفاء أجواء احتفالية لا يمكن لها أن تغير من صورة الواقع السيئ.
فالسياح لم يعودوا يأتون والمستثمرون لم يعودوا يستثمرون والاقتصاد لم يعد ينتج فرص عمل كافية بما يستوعب النمو في عدد السكان، فيما أن النظام السياسي الذي يعتمد على مساندة الولايات المتحدة ما زال يصخب.
إلى أي حد يمكن أن يتم لوم الأجانب على هذه الحالة التي تثير قدرا من النقاش العام في مصر؟ لقد تخلت القيادة العسكرية على مستوى الواقع عن قيادتها الإقليمية إزاء ما قامت به القوى الغربية ممثلة بشكل أساسي في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا من بذل قصارى الجهد للقضاء على القومية العربية. ولقد تم مساعدتهم من قبل أطراف عربية لم تعتقد يوما أو تؤمن بأن هذا المشروع يجب أن يجد طريقه إلى النجاح.
إن أميركا كما يذكر المحلل المصري عماد جاد هي الحاضر الغائب في السياسات المصرية لنحو ثلاثة عقود. والمعارضة الجديدة وكذلك القديمة بل والنظام نفسه يتاجرون ويتبادلون الاتهامات بشأن من ينوب عنها في التعبير عن مصالحها وتبني مواقفها.
فالحزب الوطني الحاكم الذي يدير ويشرف على النظام السياسي والاقتصادي ويتعيش على ملايين الدولارات الذي تمثل المساعدات الأجنبية من الولايات المتحدة وغيرها جزءاً رئيسياً من مصادر إنفاقه يتهم أيمن نور زعيم حزب الغد بأنه عميل أميركي وعلى أنه شخص خائن. وعلى نحو مقابل فإن نور كذلك يتهم النظام بأنه يحج سنويا إلى الولايات المتحدة.
كما أن النظام يشتبه في الولايات المتحدة التي تعد لحوار حيوي مع الجماعات الدينية، فيما أن الإخوان أنفسهم يقومون بدور متقن في تقديم أنفسهم للعامة على أنهم ضد الأميركيين من أجل اجتذاب الرأي العام العربي بمجمله.
الخرطوم وعلامات الاستفهام
يتطرق المؤلف بعد ذلك إلى موقف السودان في إطار قضية الادراكات العربية لسياسات الولايات المتحدة فيشير إلى أن هذا القطر العربي أصبح يمثل مادة مناسبة للكثير من المعارضين العرب للسياسة الأميركية في تبيان كيف أن واشنطن تعمل على إعادة بناء العالم العربي وفقا لما تراه مناسبا لمصالحها.
وهنا يشير إلى الصراع على هوية السودان وهو الأمر الذي ظهر على السطح منذ استقلاله مابين الهوية العربية والهوية الإفريقية ويذكر أن الولايات المتحدة أصبحت عاملا أساسيا في هذا الصراع منذ تصاعد الحركات الدينية هناك مضيفا أن السياسات الأميركية تجاه السودان تشير إلى أنها تسعى إلى التضييق على كل ما هو عربي وإسلامي في هذا القطر لصالح ما هو افريقي.
وقد تزايد الجدل بشأن السودان في ضوء تصاعد أزمة دارفور.. فالموقف الأميركي يقوم على أساس أن القبائل العربية هناك ترتكب ما يمكن اعتباره جرائم إبادة ضد الأفارقة السود من خلال جرائم القتل والاغتصاب والنهب بهدف إرغامهم على ترك أراضيهم في معركة على خلفية دينية.
فيما أن القطاع العريض من وسائل الإعلام العربية ترفض تلك الاتهامات وتضعها في إطار أكبر يتمثل في أن واشنطن إنما لديها موقف عدواني يميل إلى التدخل في قضايا العالم العربي.
وبعد استعراض مفصل لتطور الأوضاع في السودان في مرحلة ما بعد الاستقلال ينقلنا المؤلف إلى الحديث عن علاقاتها مع الولايات المتحدة والخلفيات التي تدهورت على أساسها هذه العلاقات. ويؤرخ لهذا التدهور بعام 1989 إثر ثورة الإنقاذ هناك.
حيث أدرجت الإدارة الأميركية السودان على لائحة الدول المساندة للإرهاب عام 1993 وتطور الموقف إلى فرض عقوبات عليها عام 97 وفي ذلك الوقت كان أسامة بن لادن قد غادر السودان حيث كان يقيم إلى أفغانستان. ووصل التوتر إلى ذروته مع سياسة إدارة كلينتون والتي أمرت بقصف مواقع في البلاد أغسطس 1998 ممثلا في مصنع دواء خارج الخرطوم قالت السي أي ايه أنه ينتج مواد تستخدم في الأسلحة الكيماوية.
ويشير المؤلف إلى أن وسائل الإعلام العربية راحت تقدم تغطية كانت تعكس رؤيتين سائدتين في العالم العربي أولهما يتمثل في أن هناك رغبة أميركية في إيقاف العالم العربي عن اللحاق بالغرب، باعتبار أن المصنع المخصص للأدوية يعكس نوعا من التقدم في التصنيع على مستوى إحدى السلع الهامة، وأن هناك دوافع خفية وراء التدخل الأميركي تتجاوز ما هو معلن.
التضييق على السودان
مع وقوع أحداث سبتمبر، وجد السودان نفسه تحت ضغوط أميركية لوقف الحرب في الجنوب والتعاون من أجل مواجهة العناصر المتشددة والتي كانت الخرطوم استضافت بعضها في مرحلة سابقة.
ويفصل المؤلف في الإشارة إلى التدخلات الأميركية التي تمت من أجل إجبار السودان على خوض مفاوضات مع حركة تحرير جنوب السودان والتوصل إلى اتفاق تحت تهديد بعواقب وخيمة حال عدم انصياع الخرطوم للتوجهات الأميركية. وانتهى الأمر بالتوصل إلى معاهدة أنهت الحرب عام 2005.
ويشير المؤلف إلى أن الاتفاق الذي كان قد تم التوصل إليه في عام 2002 وحظي بموافقة بوش شخصيا كان يقضي في أحد جوانبه بتخصيص 100 مليون دولار أميركي لتنمية ومساعدة المناطق التي تقع خارج سيطرة الحكومة المركزية السودانية.
كما يتضمن، وهذا هو المهم، النص على العديد من الإجراءات التي قد تتخذ ضد السودان إذا لم تلتزم بمواصلة التفاوض مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بحسن نية بما في ذلك أن يبحث مجلس الأمن فرض حظر عسكري على الحكومة السودانية وحث المسؤولين الأفارقة على معارضة أي قرض أو ضمانات مالية للسودان من المؤسسات الدولية.
ويخلص المؤلف إلى أنه رغم المناوشات التي بدت في العلاقات العربية ـ الأميركية خلال عقد الخمسينات خاصة على خلفية التوتر مع نظام ناصر القومي، إلا أنه يمكن التأريخ للتحول الحقيقي في الموقف العربي تجاه الولايات المتحدة بحرب 1967، فإثر نتيجة هذه الحرب التي لحق بالعرب خلالها هزيمة كبيرة بدأ قطاع كبير من الجماهير العربية، بما في ذلك المثقفين على جميع تصنيفاتهم السياسية يبدون سخطا على الولايات المتحدة ورفضا لمحاولات الأنظمة العربية التواؤم معها خاصة التيارين الديني والقومي.
فيما أن واشنطن لا تحظى بقبول سوى التيار الليبرالي الديمقراطي. ويؤكد على أن ثورة الإعلام والتي بدأت أوائل التسعينات عززت من دور المجتمعات العربية في مواجهة دور الدولة والحكومات وضاعفت من المشاكل مع الولايات المتحدة.
أما عملية غزو العراق وعلى الرغم من أنها جرت تحت لافتة نشر الديمقراطية في العالم العربي إلا أنها ألحقت الكثير من الأذى بالصورة الأميركية عربيا وأضرت بموقف الولايات المتحدة على نحو بالغ في المنطقة، رغم حقيقة أن الحملة كانت تعمل على تحسين هذه الصورة.
وفي ذات الوقت فإن العالم العربي بدوره يبدو مهووسا أو مفتونا بالطبيعة الأميركية وبنظامها السياسي وعالم أميركا الداخلي وهو ما يبدو واضحا في التواجد الأميركي المكثف على الفضائيات العربية على مختلف المستويات.
وتمثل القضية الفلسطينية وحلها لب الموقف العربي تجاه الولايات المتحدة ومع ذلك فإن التزام هذه الأخيرة المواقف الإسرائيلية خاصة خلال إدارة بوش الابن إنما يمثل ضررا بالغا بصورتها عربيا. وفي ذات الوقت فإن حل هذه القضية عربيا إنما فرصة للإنطلاق نحو إصلاح النظم السياسية العربية على النحو الذي تعلن الولايات المتحدة أنها تسعى لتحقيقه من قبل الدول العربية.
عرض ومناقشة : مصطفى عبد الرازق
