يتناول المؤلف هنا موضوعا على جانب كبير من الأهمية، هو الكيفية التي رصد بها الرأي العام العربي الملامح المشتركة للمشروعين الأميركي والإسرائيلي وفي مقدمتهما الأساس الاستيطاني للمشروعين، وكيف أن الوعي بهذه الملامح ازداد تجذراً مع تعدد التدخلات الأميركية في المنطقة التي وصلت إلى قمتها بغزو العراق.

وهو يشير في هذا الصدد إلى التوقعات التي طرحها المفكرون العرب في وقت مبكر بظهور مقاومة عربية قوية للحضور الأميركي في المنطقة على الرغم من حالة التردي التي سادت العديد من دولها، وإعادة التوازن بين العالم العربي والقوى الاستعمارية التي سيطرت عليه طويلا. إذا كانت العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل والتي تصل إلى حد التحالف الإستراتيجي مثار جدل على المستوى العربي وتعد أحد الأسباب المحورية في الحديث عن كراهية عربية للسياسات الأميركية فإن المؤلف يحاول تقصي طبيعة الموقف العربي في هذا الخصوص وهنا يشير في إطار تحليله لهذا الجانب

وردا على ما أشير إليه بشأن التراث اليهودي المسيحي المشترك الذي يربط بين الدولتين إلا أن العالم العربي لديه الكثير من الردود بشأن الأطروحات التي تقدم في معرض تفسير هذه العلاقة. فبالنسبة للبعض من الصعب قبول التفسير الذي يقدم بشأن الرابطة والشعور التاريخي والتقليدي بين المسيحية واليهودية، في ضوء أن الإسلام ينحدر من الجذر نفسه وهو التراث الإبراهيمي ويعكس ديانة توحيدية على غرار الديانتين المسيحية واليهودية وأنه من منطلق نظرة دينية محضة فإن الإسلام واليهودية من المفترض أن يكونا قريبين أكثر من قرب أي منهما من المسيحية.

غير أن المؤلف يشير إلى أن مسيحيي أوروبا وكذلك يهودها انغمسوا أو انصهروا في بوتقة واحدة وأن كليهما يمكن أن يدعي دورا مركزيا في مسيرة العلم الحديث في الغرب وانتصار العلمانية. ويشير إلى أنه إذا كان برنارد لويس صاغ ما يتصوره سؤالا يطرحه العرب على أنفسهم وهو ما الخطأ الذي حدث؟ في معرض البحث عن الأسباب التي أدت إلى تراجعهم وتقدم الغرب، فإنهم يسألون أنفسهم على نحو مماثل: أين تقع أسباب نجاح الصهيونية؟

العرب الحمر

يذكر المؤلف هنا بحق نقلا عن بعض الرؤى تماثل المشروعين الأميركي والإسرائيلي من حيث النشأة فهما مشروعان استيطانيان، بغض النظر عن مشروعية هذا الاستيطان، وهو ما يوفر نوعا من التقارب على مستوى الوعي بهذه التجربة التاريخية قد يكون انعكس في أحد جوانبه في تبني الولايات المتحدة للمشروع اليهودي ودعمه رغم أن ذلك قد لا يكون، بل من المؤكد أنه ليس السبب الوحيد.

ولعل ذلك هو السبب ـ حسبما يشير المؤلف ـ في اتجاه بعض العرب إلى أن يطلق على الفلسطينيين توصيف «العرب الحمر» على غرار الهنود الحمر الذين أبادهم المستوطنون الذين وفدوا إلى الأراضي الأميركية لدى فترة التأسيس الأولى. وحسبما يذهب الروائي جمال الغيطاني الذي ينسب اليه المؤلف نحت مصطلح العرب الحمر..

فإن «ما حدث كان مرعبا بكل المعاني.. وما نراه هو النتيجة الطبيعية له.. دولة تقوم على أسس عرقية ودينية يعتقد مواطنوها أنهم الأفضل والأقرب من الله وأن اولئك الذين هم من الأغيار يجب أن يتم إبادتهم أو اقتلاعهم من أرضهم.. أليس ذلك جوهر ما كانت تعكسه فلسفة هتلر النازية؟ ألا يمثل ذلك أساس حرب الإبادة التي يخوضها شارون وحكومته وآلة الحرب الإسرائيلية الآن».

ووفقا لهذا التحليل فإن العرب تم على نحو مماثل الحط من قدرهم عبر خطاب إزدرائي لثقافتهم وهو خطاب ينمو عبر الأميركيين المساندين لإسرائيل ويمثل أرضية القبول النفسي للقضاء على الفلسطينيين يوما ما.

وفي ذلك وفيما يشير إلى صحة هذا التحليل يورد المؤلف صورة مقارنة قدمها المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس يماثل فيها وضع الفلسطينيين مع وضع الهنود الحمر حيث يشير إلى أنه إذا كان الآباء المؤسسون للولايات المتحدة لم يجدوا سبيلا لإقامة الديمقراطية الأميركية، التي يصفها بالعظيمة، إلا على جثث الهنود فإن هناك بعض القضايا النبيلة تستحق وتبرر الأفعال الفظيعة والقاسية التي مورست عبر مسار التاريخ.

ويشير المؤلف إلى تماثل عملية الدمج التي تمت للمستوطنين الذين وفدوا من أوروبا في التجربة الأميركية مع تلك التي تمت لليهود في التجربة الإسرائيلية ومواجهة المخاوف نفسها على مستوى التجربتين.

فإذا كانت النخبة المثقفة الأميركية، والتي يمثلها صموئيل هنتنغتون خير تمثيل، تبدي خشيتها، على النحو الذي قدمه في كتابه الأخير «من نحن» من أن التعددية الثقافية في المجتمع الأميركي منذ ستينيات القرن الماضي يمكن أن تسفر عن تحدي الثقافة الأسبانية ـ التي تعكس لغة وثقافة أقطار أميركا اللاتينية ـ الهوية الرئيسية للبلاد وهى الأنجلو بروتستانية،

فإن إسرائيل على نفس النحو تخشى من أن العرب في وسطها سواء الحاصلين على جنسيتها أو الخاضعين لاحتلالها يمكن أن يمثلوا تهديدا لهويتها اليهودية. ويعزز هذا الهاجس رفض فكرة عودة اللاجئين الفلسطينيين التي ينظر إليها الإسرائيليون باعتبارها تفكيكاً لكيان الدولة اليهودية.

ويشير المؤلف إلى انه في منظور العرب فإن إسرائيل تعتزم القضاء على فلسطين التاريخية أو تفريغها من سكانها بتورط أميركي، وأنه إذا كان لدى إسرائيل لجنة بيل ـ لجنة بريطانية كانت قد اقترحت نقل العرب من أجل السماح بقيام دولة يهودية على جزء من فلسطين ـ كإطار لتنفيذ هذه المهمة فيما قبل 1948 فإنها لديها الآن خريطة الطريق التي قدمها بوش.

يتطرق المؤلف بعد ذلك إلى قضية القنابل الانتحارية والتي لجأت إليها حماس في مواجهة عمليات القمع الإسرائيلي خلال الانتفاضة الثانية التي اندلعت عام 2000. وفي هذا السياق يشير إلى تبني الولايات المتحدة وجهة النظر الإسرائيلية بشأن إدانة هذه العمليات، وهو أمر بشكل عام أثر بالسلب في نظرة العالم للقضية الفلسطينية.

لقد كان لذلك الموقف الأميركي أثره في استفزاز العرب، خاصة أن الانتفاضة الثانية تزامنت مع ميلاد عصر الفضائيات العربية وكانت فرصة لهذه الفضائيات خاصة الجزيرة لكي تضع إمكانياتها موضع التطبيق مع حدث يشغل العالم العربي بأسره، حتى أن المؤلف يصف تطورات الانتفاضة بأنها كانت معركة على كسب وتشكيل الوعي السياسي العربي،

فما رآه العرب من غرف معيشتهم المريحة، أو من مواقعهم غير المريحة في الأحياء الفقيرة أن واحداً من أكثر جيوش العالم تحديثاً في التسلح يمارس حالة من العربدة والعنف والتدمير ضد شعب أعزل لا يملك سلاحاً في مواجهته سوى أجساده وأكوام من الحجارة،

خاصة مع دخول العمليات مرحلة حرجة هي مرحلة جنين مارس 2002 حيث كان يتم إزالة المنازل وتفجيرها وغير ذلك وهي السياسة التي يشير المؤلف إلى أنها اتخذت منحى تصاعدياً في السياسة الإسرائيلية.

بشاعة الاحتلال

من الأرقام ذات الدلالة التي يوردها المؤلف هذا الخصوص بشأن بشاعة الاحتلال الإسرائيلي وممارساته في الأراضي المحتلة، أنه خلال الفترة من 1987 وحتى 2005 تم تدمير نحو ألف و115 منزلاً كعقوبة على عمليات مسلحة ضد إسرائيل.

وإلى جانب ذلك تم تدمير ألف و425 منزلاً على الأقل خلال الفترة من 2004 إلى 2006 لأغراض عسكرية. كما تم تدمير نحو أربعة آلاف و148 منزلاً خلال الفترة من 1987 وحتى 2005 بدعوى عدم حصولها على تصريح.

وبحلول مارس 2006 وصل عدد الفلسطينيين الذين قتلوا خلال الانتفاضة إلى ثلاثة آلاف و436 شخصاً ولا يتضمن هذا العدد عدة مئات قتلوا خلال التفجيرات الانتحارية، فيما أن عدد الإسرائيليين الذين قتلوا على يد الفلسطينيين بلغ نحو 994 شخصاً.

وأما عن الخسائر الأخرى التي لحقت بالفلسطينيين جراء السياسات الإسرائيلية فيشير المؤلف إلى أنه على خلفية عمليات الإغلاق التي تتم للمدن المحتلة وعملية إنشاء الجدار العازل فقد تراجع مستوى العمالة الفلسطينية داخل إسرائيل من 150 ألف شخص إلى 35 ألف عام 2000.

وأما على مستوى المؤشرات الدولية فإن نحو 47% من جملة 6. 3 ملايين فلسطيني يعيشون في الأراضي المحتلة اعتبروا تحت خط الفقر وفقاً لتقديرات البنك الدولي، ووصل متوسط الدخل اليومي للفرد عام 2004 دولارين يومياً.

وعلى صعيد رد الفعل العربي على القنابل أو التفجيرات الانتحارية يشير المؤلف إلى أنها استحوذت على نحو غير طبيعي على عقل العالم العربي إلى الحد الذي أصبح مع من الصعب للأصوات المعارضة لمثل هذه العمليات أن تطرح نفسها حتى لمجرد مناقشة الفكرة.

ويذكر المؤلف، في تحامل واضح على الموقف العربي أن فيلماً مثل «أصحاب ولا بزنس» مجد هذه العمليات موفراً الإيحاء بأنها تتم ضد أهداف عسكرية. وكالعادة فقد كان الإسلاميون هم الوحيدون الذين قدموا تبريراً عاماً لهذه الهجمات على المدنيين داخل إسرائيل،

فيما ركز العامة من العرب على اليأس الذي يعيشه الإنسان الفلسطيني والذي يجعله يستهين بحياته من أجل نصرة قضيته في مواجهة عدو يعتبر مجرد وجود تهديد الإنسان الفلسطيني تهديداً له. ويشير هاموند إلى أن الرأي العام العربي يستحضر في تحديد موقفه من هذه القضية الكفاح الجزائري خلال الفترة من 1952 إلى 1962 ضد الاستعمار الفرنسي.

غزو العراق

يتطرق المؤلف بتفصيل كبير إلى قضية الغزو العراقي فيشير إلى أن الحرب على العراق لم تكن مقبولة على المستوى الشعبي، وقد عبر عن ذلك الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى بلغة تحذيرية قائلاً إنها ستفتح أبواب جهنم.

وقد أبدى مقدمو البرامج التلفزيونية الأسف على سقوط بغداد باعتباره أكبر كارثة حلت بالعرب منذ عام 1948 وبعد أن كانوا قد ظنوا أن الاستعمار ولى إلى غير رجعة فإذا بالمحتل الأجنبي يعود ثانية ليحل بجيوشه يحتل مكانة محورية في قلب العالم العربي.

وكان الموقف العربي الرافض للحرب جزءاً من موقف عالمي وإن كان بشكل أكبر في ضوء أن القضية عربية بالأساس. لقد نظر العرب للحرب على أنها عمل من أعمال الاستعمار غير عادي استخدمت خلالها شعارات مزيفة بشأن تحقيق الديمقراطية والقضاء على نظام ديكتاتوري يسعى لامتلاك أسلحة دمار شامل من أجل تطبيق خطة كبري تلحق الضرر بالمصالح الجيوسياسية والاقتصادية الأميركية.

فضلاً عما زاد من سخط الرأي العام العربي أنها حظيت كذلك بمباركة إسرائيل والتي تشكل جزءاً من هذه المصالح الجيوسياسية، كما أن مناصري إسرائيل هم الذين شكلوا عامل ضغط من أجل التخطيط للحرب

والذين يطلق عليهم المحافظون الجدد والذين قضوا جزءاً كبيراً من العقد الجاري دفاعاً عن الإيقاع بواحد وراء الآخر من خصوم إسرائيل ذوي التوجهات الجذرية في التغيير وبشكل أساسي العراق وسوريا وحزب الله وجماعات المقاومة الفلسطينية.

فضلاً عما سبق فإن واشنطن، في منظور عربي، كانت تسعى إلى السيطرة على مصادر نفط العراق، والذي يعد ثاني أكبر دولة منتجة على مستوى العالم على النحو الذي يمكن أن يحقق أرباحاً مثمرة تنعكس في عقود تبرمها الشركات الأميركية. كما أن عوائد النفط العراقي إلى السوق العالمي يمكن أن تشكل رافعة في مواجهة الدول الرئيسية المنتجة الأخرى والتي أصبح ينظر إلى بعضها بحذر فيما بعد أحداث سبتمبر.

لقد كانت وجهة النظر الأميركية، انطلاقاً من المنظور العربي، تتمثل في «أن التدمير الخلاق» من خلال حرب مكثفة يمكن أن يسمح بعقود للشركات الأميركية في إعادة بناء الأرض المدمرة ويعزز الوضع الأميركي كقوة عظمى وحيدة على مستوى النظام الدولي. فضلاً عن ذلك فإن الغزو يمكن أن يرسل رسالة إلى الصين والمنافسين الآخرين المحتملين مثل ألمانيا وروسيا، بأن الولايات المتحدة تعتزم البقاء على القمة لعدة أجيال مقبلة.

ويؤكد المؤلف على أن الغزو، في منظور العالم العربي، كان بمثابة قيام الولايات المتحدة بفرض إرادتها على أبناء المنطقة، والذين أصبحوا غير جديرين بالاستقلال الذي حصلوا عليه منذ نحو خمسة عقود مضت.

وفيما يكشف عن تزايد السخط العربي فيما بعد الحرب على العراق يشير هاموند إلى أن أغلب البرامج الحوارية لشاشات التلفزة العربية كانت تتمحور حول الشبهات بأن الولايات المتحدة وحلفاءها ممثلين بشكل أساسي في إسرائيل يريدون انتزاع العراق من محيطه العربي في محور تركي إسرائيلي

ويضم أطرافاً عربية أخرى على غرار حلف بغداد الذي شهدته المنطقة خلال خمسينات القرن الماضي. وفي ذلك راح يقول عمرو موسى إن الديمقراطية لا يمكن الإتيان بها على ظهور الدبابات، فيما حذر الرئيس المصري حسني مبارك من أن الحرب يمكن أن تؤدي إلى فرز المئات من أمثال أو شاكلة بن لادن.

وإزاء هذه المعارضة العربية القوية للحرب كان الاعتقاد أن الحل العادل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي إنما يمثل المفتاح الأساسي من أجل إنهاء حالة الجمود في المنطقة والتي تساند أو تعزز الأنظمة العسكرية غير الديمقراطية، التي أصبح ينظر لها فيما بعد سبتمبر على أنها تهديد للأمن القومي الأميركي.

في تعليق للمؤلف على هذا الموقف العربي وفيما يشير إلى أنه بدا منطقياً يقول هاموند:

لم يكن يوجد من يحب صدام حسين ولكن كرئيس فقد كان رمزاً للعراق، بالإضافة إلى ذلك فإنه في المنظور الجمعي العربي فإن الإيقاع به لم يكن جوهر الهدف الأميركي، ذلك ان الطريق إلى حل مشاكل المنطقة إنما يمر عبر القدس وليس بغداد. وقد فاقمت الحرب من الشعور المعادي للأميركيين وشجعت الحركات الدينية المتشددة.

مخاوف من الحرب

فضلا عن المخاوف التي سادت لدى قطاعات واسعة من الجماهير والنخب العربية فقد كانت لدى الأنظمة ذاتها أسبابها الخاصة للخوف من الحرب ذلك أن بعض الحكومات خشيت أنه اذا ما انتصرت الولايات المتحدة في الحرب على العراق

فإن فكرة استخدام القوة العسكرية لتحقيق التغيير يمكن تطبيقها في أماكن أخرى. كما يوجد هناك خوف من أن قمع الناس يمكن أن يزيد من الغضب على الفشل الحكومي في وقف ومنع الغزو أو الغضب من محدودية الديمقراطية في أقطارهم.

لقد كان هناك إحساس عميق في المنطقة بأن هدف الإدارة الحقيقي فيما بعد 11 سبتمبر هو الدول الرئيسية في النظام والتي ينظر إليها على أنها المسؤولة عن هجمات سبتمبر. وإزاء تزايد هذه المخاوف دعا قريبون من دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة إلى محاولة تجاوز فكرة أن العراق مجرد بداية،

مع التأكيد في الوقت ذاته على أن القضاء على صدام إنما جاء بفعل سياساته التي تبدو غير مقبولة بمعايير المنطقة على النحو الذي لا يمكن مقارنته بجيرانه. وفيما بدا نجاح لهذه السياسة التي وجدت صدى في المنطقة يشير المؤلف إلى ما ذهب إليه مستشار إعلامي عربي لدولة عربية عمل في لندن

ثم في واشنطن في تصريح له: «المشهد العراقي لا يمكن تكراره في أي مكان آخر بدون حاكم على شاكلة صدام حسين. إن الموقف العراقي استثنائي فلا نستطيع مقارنته مع إيران أو مصر مثلا.. أو حتى دولة مثل العربية السعودية. إنه موقف استثنائي، نظام خارج نطاق التاريخ وآمل أن يعود العراق ويندمج مع إخوانه وجيرانه في المنطقة.

ورغم ذلك فقد تواصلت بشكل أو بآخر عملية تأكيد وسائل الإعلام العربية على عدم عدالة الحرب ضد شعب أعزل لا يستطيع الدفاع عن نفسه وخاضع للحصار. غير أن بعض الكتاب القوميين العرب راحوا يصرخون فيما بدا ابتهاجا كبيرا على ضعف حكامهم

وفي ذلك كتب عبد الباري عطوان رئيس تحرير القدس العربي التي تصدر من لندن: إن تمثال صدام حسين لن يكون الوحيد الذي يتم إسقاطه لزعيم عربي، فهناك تماثيل أخرى في العواصم العربية الأخرى سوف تتبعه قريبا ولقد بدا أن القوات المسلحة والأمنية مهما كان بطشها لا يمكنها أن تحمي نظاماً ديكتاتورياً خاصة إذا ما قرر أسياده وحماته تغييره».

وفي معرض الإشارة إلى حجم السخرية العربية من الأهداف الأميركية التي أعلنت أنها تهدف إلى تحقيقها جراء الحملة يشير المؤلف إلى كاريكاتير عربي نشر في صحيفة مصرية يظهر فيه الرئيس بوش يحادث هاتفيا القيادة العسكرية الأميركية التي تقوم بالعمليات في العراق يطلب فيها من هذه القوات ألا تقتل كل العراقيين خلال الأعمال العسكرية وأن يتركوا بعضهم حتى يمكن القول ان هؤلاء هم الذين جاءت القوات لتحريرهم من حكم صدام!

ورغم ما يذكره المؤلف من أن الدول العربية قامت بما تستطيعه من أجل عدم شن الحرب، إلا أن الشارع العربي اتهم الحكومات بالعقم السياسي وخرجت المظاهرات في العواصم العربية بشكل يومي تقريبا. وحتى عندما تم عقد اجتماع على مستوى القادة في إطار الجامعة العربية فقد شهد تلاسنا حادا بينهم كان يكشف عن حجم الاختلاف والتباين حتى في التعاطي السياسي مع القضية على مستوى الجامعة.

العرب والاستعمار الجديد

في هذا الصدد يشير المؤلف إلى أن العلاقات مع الغرب ما زال ينظر إليها من منظور عربي من منظار العالم الثالث الذي يكافح ويناضل ضد الاستعمار، الاستعمار الذي لم يصل إلى نقطة نهاية في ظل الدور الذي تمثله إسرائيل صنيعة الاستعمار والمشاكل التي يمثلها هذا الصراع للدول العربية منذ الاستقلال.

وعلى ذلك فإنه رغم رحيل القوى الاستعمارية فإن العالم العربي واصل رؤيته القديمة لما يعتبره تدخلا مكثفا في قضاياه وشؤونه السياسية. وعلى هذا تم النظر إلى النموذج العراقي في العالم العربي على أنه انعكاس لتجربة تاريخية ممزوجة بالخوف والغضب. وفي ذلك كتب هشام شرابي الأكاديمي الفلسطيني في جامعة جورجتاون: إن المقاومة للاحتلال الأميركي للعراق سوف تظهر وحتما ستتبلور

وستندلع سواء عاجلا أم آجلا انفجارات ثورية ضد الموقف الحالي القائم على القيود. وعلى الرغم من أن التدهور في العالم العربي سيتواصل في المستقبل المنظور، فإن شيئا سيقع حتما في واحدة من هذه الدول الثلاث الكبرى والأغنى والأقوى عربيا مصر والجزائر والعراق أو فيهما كلهما.

شيء ما سوف يحول الموقف عما هو عليه ويقلب الأمور رأسا على عقب ويعيد توازن القوى بين العالم العربي والقوى الاستعمارية التي مارست عليه السيطرة من قبل المضادين لطبيعته أو موقفه الطبيعي.

ويضيف المؤلف أنه توجد أصداء تاريخية حقيقية في كل هذا متطرقا في هذا الخصوص إلى مقولات المحتل البريطاني الذي احتل العراق عام 1917 من أيدي العثمانيين حيث أصدر بيانا يشير فيه إلى أنه إنما يستهدف مصلحتهم وهو ما يتماثل إلى حد كبير مع ما أعلنه كذلك نابليون خلال حملته على مصر عام 1798 عندما حطت سفنه قرب الإسكندرية،

وعلى النحو ذاته فإن الرئيس الأميركي بوش في خطبة النصر في الحرب ربط بين المصالح القومية الأميركية مع خير البلد الذي تم غزوه، حيث راح يشير: في صور العراقيين المحتفلين فإننا نرى أيضا مدى الرغبة العارمة لدى البشر

وتوقهم للحرية.. إن عقودا من الكذب والتخويف لا يمكن لها أن تجعل الشعب العراقي يحب قامعيه أو يحب عبوديته إن الرجل والمرأة في كل مجتمع بحاجة إلى الحرية نفس حاجتهما إلى الغذاء والماء والهواء».

عرض ومناقشة : مصطفى عبد الرازق