يجد القارئ نفسه هنا على موعد مع متابعة تلك المرحلة من مسيرة فريق علماء جاسون التي أعقبت حرب فيتنام، حيث برز الاهتمام الكبير في الولايات المتحدة بالبيئة وخطورة التطورات المتعلقة بها، وخاصة البيئة البحرية. ونلاحظ أن الاهتمام بكل ما يتعلق بالمناخ قد أفضى إلى التساؤل عن مصير مجموعة جاسون نفسه على الصعيد الأميركي في نهاية المطاف.

برغم صفاتهم كعلماء، ورغم مؤهلاتهم الرفيعة كباحثين مرموقين، إلا أن ظروف ومظاهرات ومعارضات حرب فيتنام أساءت إلى صورتهم وشوهت سمعة الكثير منهم، خاصة في إطار فريق وتجربة جاسون، التي يرويها كتابنا التي تمت كما أوضحنا مع مؤلفة الكتاب تحت جنح السرية وفي إطار محكم من الكتمان. والسرية، أي سرية، كفيلة في العادة بأن تثير الشكوك وتؤدي إلى مراكمة الشبهات، وربما تستدعي قدرا من التربص وتوجيه الاتهامات، فما بالك عندما تترامى الأخبار وتتردد معلومات، بعضها وجد طريقه إلى النشر في صحف طلابية سرية عن مشاركة فريق جاسون السري العلمي في طرح أفكار وإسداء مشورة لصالح حكومة واشنطن، ساستها وجنرالاتها، لتحسين الأداء العسكري في فيتنام،

وهي الحرب التي تورطت إدارات متعاقبة، وكانت آخرها إدارة الرئيس ليندون جونسون، في خوضها أو بالتحديد في خوض «مستنقعها» كما يقول المصطلح السياسي الأميركي. وهو ما ظل يستدعي، كما تدل على ذلك حوليات التاريخ القريب للولايات المتحدة، معارضة شرسة ومتواصلة ومتنوعة الأساليب ضد تلك الحرب وصانعيها وقادتها ومستشاريهم بطبيعة الحال. وبعد أن استطاع كل من هنري كيسنجر وزيرا للخارجية ومستشارا للأمن القومي، وريتشارد نيكسون خلال ولايته الرئاسية الأولى مع مطالع السبعينات، وضع نهاية لتلك الحرب، تنفس الجميع الصعداء. ولكن ذيول الشكوك وسحابات الرفض والإدانة لسلوك من ارتبطت أسماؤهم وتصرفاتهم بظروفها ظلت تحوم في كل الأجواء.

هكذا يحق لمؤلفة الكتاب أن تفتتح صفحات الفصل السادس بعبارات تقول: بعد انتهاء الحرب في فيتنام، لم يكن هناك من يحب سيرة العلماء، ذلك لأن الجمهور الذي كان في أغلبه ضد تلك الحرب كان ينظر إليهم بوصفهم شركاء كانوا ضالعين في حروب غير عادلة بل غير أخلاقية. - قضايا واهتمامات جديدة: في نفس السياق تشير المؤلفة إلى عنصر كان مستجدا تماما على مسرح الأحداث والاهتمامات في تلك الفترة التي انقضى عليها الآن جيل كامل أو نحوه من عمر الزمن، تلك هي حركة الوعي البيئي وجماعات أنصار البيئة التي كانت تشق طريقها لأول مرة وتسعى جاهدة لوضع همومها على أجندة اهتمامات الرأي العام.

حركة البيئة هذه، وقد اشتد ساعدها في أميركا، شرعت في النظر إلى فريق جاسون السري من العلماء على انهم العناصر التي أعانت دوائر الصناعة على تلويث الهواء وتسميم الموارد المائية وتجريف التربة الزراعية. وقد نلاحظ في هذا المضمار مدى الخطورة التي جعلت الرأي العام يسحب إدانته من التخصيص والتركيز على العلماء الذين ساعدوا في وقائع حرب فيتنام إلى التعميم الذي أصبح ينسحب على أي مشتغل بالعلم - كيميائيا كان أو فيزيائيا أو بيولوجيا أو ما إلى ذلك بسبيل.

هكذا شهدت فترة النصف من عقد السبعينات أزمة شكوك انعكست على مصداقية العلم (التطبيقي) والعلماء. وقد تجلت هذه الأزمة.. على سبيل المثال، في العناوين التي كان يطالعها قراء صحيفة كبرى مثل «النيويورك تايمز» التي كانت تنشر مانشيتات من قبيل:

25 أستاذا عالما يشكلون مجلسا لتوعية العلماء بعواقب أعمالهم.. (أسوة بما يقسم عليه الأطباء)

الحاجة ماسّة إلى قَسَم أبوقراط الذي يلتزم به العلماء على العلماء أن يبذلوا قصارى جهودهم لتحسين صورتهم في عيون الجمهور. هذه الصورة السلبية جاءت لتحل بداهة محل صورة التوقير العميق والاحترام البالغ الذي يكنّه أو كان يضمره الناس إزاء العلم والعلماء.

بل ان هذه الصورة ما لبثت أن انعكست ذيولها وتداعياتها على شكل بطالة بين صفوف المشتغلين بالعلوم التطبيقية والطبيعية. وبلغ الأمر أن امتنع البيت الأبيض عن عادته في دعوة صفوة العلماء إلى حفلات العشاء الرئاسية.

ولاحظ مراقبو الشأن العلمي العام في واشنطن كيف امتنعت الدوائر الرسمية عن منح نوط الميدالية القومية للعلوم.. وربما كان في تلك الأسباب ما دفع مستشار الرئيس جونسون ومن بعده مستشار الرئيس نيكسون للشؤون العلمية إلى الاستقالة.. وكان السبب في كلتا الاستقالتين تلخصه عبارة واحدة هي:لم نعد نفيد في قليل أو كثير.

هكذا تهيأ المجال إلى سقوط آخر، جاء أشد نكاية وأصعب وقعا، وهو انهيار روح الجماعة أو روح الفيلق المتجانس - الفريق الواحد المتآزر على مستوى مجموعة جاسون من العلماء (أوردتها المؤلفة بالفرنسية) «إسبري دي كور».

وفي هذا الصدد يعلق واحد من المجموعة في لقائه مع مؤلفة الكتاب وهو البروفيسور «سام فريمان» قائلا: في سنوات جاسون الأولى كانت تربطنا معا روح الفيلق وعزم الفريق المتآزر وبهذه الروح كان بوسعنا أن نصنع الأعاجيب.

مع الشحوب في هذه الروح، ومع تضاؤل الاهتمام بتلك الجماعة من نخبة العلماء، دع عنك سوء التصوّر بين صفوف الرأي العام، كان طبيعيا أن تنخفض إلى حد بالغ انتاجية جاسون من البحوث والدراسات. وفي غمار هذه التطورات بدأت جهات التمويل تتساءل عن جدوى ما كانت ترصده وتتيحه من اعتمادات.

وهذا هو بالضبط ما دفع واحدا من كبار المسؤولين عن هذا القطاع في واشنطن إلى أن يقول:عانيت من قلق وانشغال كانا يساوراني عندما لاحظت أن مجموعة جاسون قد تجمدت أنشطتها وأطر عملها مع مرور الزمن. كانوا مجموعة ممتازة من نوابغ العلماء عندما بدأوا مع مطالع الستينات. لكن هانحن بعد انقضاء 10 سنوات، ومازالت جاسون كما هي، بينما الدنيا تتغير من حولنا، ومن حولهم أيضا.

عواقب السرية

توافق مؤلفة الكتاب على هذا التحليل موضحة أن قاعدة السرية حالت دون تزويد المجموعة بدم جديد متدفق ومتواصل. وهكذا فلم ينضم إليها سوى قلة قليلة من الأعضاء على مدار عقد كامل وأكثر من الزمن.. فيما كان أعضاؤها الأصليون يتقدمون في السن وهم الذين بدأوا في عمر متقدم نسبيا بطبيعة الحال.

وأكثر من هذا جاءت المتغيرات الداخلية والعالمية بنوعيات جديدة من المشاكل التي كانت مختلفة في طبيعتها وحجمها عن تلك التي شكلوا من أجلها فريق جاسون وأحاطوه بذلك السياج المثير من السرية والكتمان.. ويكفي أن نضيف مثلا أن العَالَم شهد مولد شبكة المعلومات الدولية ـ الانترنت التي كان طبيعيا أن تقتضي «عقليات جديدة» أقرب إلى توجهات العلماء الشباب..

ولم تكن هذه النوعية من يافعي العلماء متاحة في فريق جاسون.. بل لم يكن جاسون ذاته يضم عالما واحدا ولا اختصاصيا واحدا في علوم الحاسوب ولا كان أفراده مهتمين بالتعامل مع هذا الكائن الساحر المستجد في حياة البشرية مع بدايات الربع الأخير من القرن العشرين.

وهنا أيضاً تورد مؤلفة الكتاب تعليقا موجزا لا يخلو من طرافة تقول: في تلك الفترة. كان علماء الفيزياء النظرية داخل فريق جاسون وخارجه يتصورون أن حل مشكلات تخصصهم إنما يتم من خلال أسلوب تفكير العقل البشري المتعمق.. وليس بالتباسط أو المزاح مع الكائن المستجد الذي يحمل اسم الكمبيوتر.

ثم تفاقم الأمر عندما عمدت دوائر واحتكارات الصناعة الكبرى إلى أن تستخدم كوادر من العلماء خاصة بكل منها لزوم تلبية احتياجاتها النوعية.. يستوي في ذلك مؤسسات عملاقة من قبل لوكهيد أو نورثروب أو بوينغ المتخصصة كما هو معروف في صناعات الطيران.

وكم تغيرت الدنيا إذن وتبدلت الأحوال: لقد بدأت جماعة جاسون في أيامها الأولى مع أواخر الخمسينات بالعمل تحت شعار أثير وشهير هو: المفاجأة التكنولوجية. يومها كانت كلمة «تكنولوجيا» جديدة على الأسماع والأفهام.. وحين بدأوا في تعريفها أكدوا أن معناها هو تطبيق منجزات العلم النظري من اجل تطوير أساليب الانتاج..

ويومها أيضاً قالوا أن السبب الأساسي في أميركا للعمل على تحقيق وتجسيد هذه المفاجأة التكنولوجية كان تحديا محوريا واحدا هو القمر الاصطناعي السوفييتي «سبوتنيك» الذي كان أول جسم فضائي يبعث به الإنسان إلى خارج نطاقات الغلاف الجوي المحيط بكوكب الأرض..

فما بالك حين استطاع السوفييت، أمام استغراب وربما صدمة الخصوم في أميركا وغرب أوروبا، أن يطوروا انجازهم المذهل عندما وضعوا على متن «سبوتنيك رقم 2» أول كائن حي يقوم برحلة إلى الفضاء الخارجي وكان اسمه - كما أسلفنا ـ «لايكا»®. أنثى من فصيلة الكلاب.

شارلي يقدم القهوة

في تلك الفترة التي انقضى عليها الآن نصف قرن إلا قليلا، كان علماء جاسون يعتزون كثيرا بأنهم الصفوة المنتقاة لتشكيل وتفعيل هذا الفريق السري من نوابغ الفيزيائيين. يقول واحد من قادتهم وهو البروفيسور «ستيفن لوكاسيك» في حديثه إلى مؤلفة الكتاب: كانوا جميعا في حال من الاعتزاز الشديد بالنفس - مشاعرهم الأنا الذاتية على حد تعبيره كانت عالية في نفس كل منهم إذ كانوا يعرفون بالضبط قدر أنفسهم..

مكانتهم.. خلفياتهم الأكاديمية وتحصيلهم العلمي شديد التميز والامتياز.. وعندما كانوا يلاحظون انضمام أي عنصر أقل تميزا وأدنى نبوغا أو موهبة فما كانوا يتورعون عن رفضه والزراية به.. حيث يقول قائلهم ولا يبالي: آه.. هذا شارلي.. مسكين لا يفهم ولا يعي.. دعوه يحضر لنا القهوة.!

نفس الأستاذ المذكور تولى مسؤوليات قيادية عن هذه المجموعة مع مطالع السبعينات.. ويومها أدرك مدى الحاجة إلى التغيير.. وفي ضوء روح التآخي والرفاقية التي طالما سادت هذه المجموعة السرية.. فقد كانت إجراءات التغيير التي طلبها وقرر تنفيذها عمليا تقتضي مزيجا من الفهم والذوق والحساسية والحزم والاعتدال..

واهتدى يومها إلى أن يتحول بعقودهم الدائمة إلى عقود موقوتة بزمن معين.. بحيث يستمر سريان العقد سنتين أو ثلاثا يتم بعدها إخضاع ما أنجزه الأستاذ الباحث لمعايير التقدير والتقييم.. وفي نفس الإطار أدخل المسؤول الجديد أسلوب استخدام الحواسيب الالكترونية وكان أن أضيف إلى صفوف الفيزيائيين عناصر مستجدة من مهندسي الكومبيوتر ومهندسي الكهرباء فضلا عن عدد، ولو محدود، من الشباب الاختصاصيين في علوم الفيزياء.

دوائر ومؤسسات جديدة

كان طبيعيا في ظل هذه التغييرات أو هي التجديدات أن تتوسع أنشطة البحوث والمشورة والدراسات المتعمقة لفريق جاسون لتمتد إلى فروع وتخصصات وميادين جديدة.. وهكذا وجدت هذه المجموعة العلمية السرية نفسها وهي تخدم بدراساتها مؤسسات ودوائر ومصالح لم تكن لتخطر على البال.. كان ذلك مع حلول عام 1977..

وضمت هذه الدوائر مؤسسات من قبيل وكالة المخابرات المركزية، ووكالة الطاقة النووية التابعة لوزارة الدفاع، ووكالة أبحاث الفضاء (ناسا) والسلاح البحري للولايات المتحدة، والمؤسسة القومية للعلوم ثم إدارة البحث والتطوير في مجال الطاقة.. وكانوا يعرفونها باسمها المختصر على الطريقة الأميركاني.. «إيدرا» وقد تحولت بعد ذلك إلى كيان وزاري متخصص وبالغ الأهمية تحت اسم «وزارة الطاقة».

ومن تحديات التغيير ما استوجب انخراط علماء جاسون في سلك تخصصات جديدة ربما لم تكن تخطر لهم على البال.. لقد كان أهم وربما أسخى عملائهم في فترة التبدل الجديدة والطموحة مع أواخر السبعينات ومطالع الثمانينات هو البحرية الأميركية..

لهذا اقتضى أمر خدمة هذا العميل المهم أن يتطلعوا إلى الدراسة في ميدان جديد اسمه «الأوشيا نوغرافيا» وهو علم دراسة البحار والمحيطات.. ومن عجب أن كان هذا هو الشغف.. الحب الأول كما قد نسميه لدى علماء جاسون..

الذين كان دأبهم، كما تؤكد المؤلفة (ص129) هو تعلّم الجديد (وهو كما نرى من جانبنا أيضاً شيمة العلماء الكبار الثقات).. وفي هذا المقام تحيل المؤلفة إلى شهادة البروفيسور «ويل هابر» وكان أستاذا مستجدا سواء في هيئة التدريس بجامعة كولومبيا المرموقة أو في عضوية فريق جاسون السري الذي نتعامل معه عبر صفحات هذا الكتاب..

يقول: المحيط مسطح شديد التنوع ومتعدد المستويات أو الطبقات.. المحيط ليس كالهواء.. ونحن نلاحظ اليوم أن الهواء يموج ويضطرب بعنف لأن أشعة الشمس تؤدي إلى تسخين سطح الأرض.. ولهذا تظل تيارات الهواء إلى ارتفاع 10 كيلومترات وسرعان ما تمتزج التيارات مع بعضها البعض.. أما في المحيط فالأمر مختلف.. وبصراحة أنا لم أكن أعرف هذه الحقيقة كأستاذ متخصص في علوم الفيزياء..

الصوت في الأعماق

في واقع الأمر لم يكن اهتمام السلاح البحري الأميركي بالبحار والمحيطات راجعا إلى مجرد رسو السفن أو إلى زيارات الأسطول الأميركاني لهذا الثغر البحري أو ذلك الميناء.. كانت مشاكل البحرية - كما توضح المؤلفة ـ مترابطة ومتداخلة في آن معا: كيف يتسنى اكتشاف غواصات العدو السابحة تحت سطح الماء،

وكيف نستطيع أن نستر أو نخبئ غواصاتنا عن عيون وكشافات الأعداء.. وفي هذه الحالة. كيف نهيئ سبل التواصل مع غواصاتنا إذ هي سابحة بدورها ومستورة أيضاً في أعماق البحر المحيط؟ كانت الطريقة الأساسية لمقاربة مثل هذه المشكلات تتلخص في كلمة واحدة هي: الصوت.

ومن ثم كانت الأسئلة مطروحة على النحو التالي:

هل نستطيع كشف غواصات العدو من خلال الإنصات إلى صوت محركاتها؟

هل بوسعنا تخفيض الصوت الصادر عن محركات غواصاتنا؟

كيف يمكن التمييز بين أصوات محركاتنا.. ومحركاتهم.. نقصد محركات الأعداء... خاصة وكلها غائصة في غور الأعماق؟

هل يمكن تحديد موقع الغواصة داخل المياه العميقة من خلال بث أو إرسال موجة صوتية ثم استراق السمع بالإصغاء إلى صداها؟

إلى أي مسافة يستطيع الصوت أن «يسافر» في تلك الأعماق وهل يتغير مسار الصوت ورحلته حسب نوعية ما يطرأ على المحيط من تغيرات؟

تلك هي المعاني التي قصد بها فريق من علماء جاسون بأن المحيط على خلاف الهواء له متغيراته واختلاف درجات حرارته وتباين كثافات الموج الذي يضطرم ويتلاطم بين سطوحه وأعماقه.. كانوا شغوفين حقا بأن يدرسوا ويفهموا ويطّلعوا.. كانت صناعتهم أساسا هي المعرفة وكانوا يعدون أنفسهم تلاميذ ودارسين بالنسبة للمجالات التي لم يسبق لهم التخصص في مساقاتها.

الاهتمام بالمناخ والبيئة

إلى جانب مجموعة جاسون البحرية كما قد نسميها، كانت هناك أيضاً مجموعة جاسون المناخية والبيئية.. أفراد هذه المجموعة شغفوا بهذا التخصص الجديد - تغيرات المناخ وأحوال البيئة فوق كوكب الأرض.. لأنها كانت أموراً مستجدة واهتمامات وافدة مع نهايات القرن العشرين على حياة الناس.. يستوي في ذلك الساسة والجمهور والعلماء، حتى ولو كانوا يعملون ضمن سياجات وسواتر من السرية والكتمان.

ثمة سبب آخر لهذا الشغف بحكاية المناخ وتغيرات البيئة الكوكبية. ويتمثل - كما توضح مؤلفة الكتاب (ص134) - في ما يمكن وصفه بأنه عقدة فيتنام. هذه العقدة هي التي دفعت بالكثير من علماء جاسون إلى الابتعاد قدر الامكان عن أجندة الدفاع والسلاح والبنتاجون.. كان المناخ وتقلباته وأحواله ومتغيراته.. تخصصا.. «بريئا» على نحو ما تصفه المؤلفة..

وزاد من أهميته أن كانت تزداد خطورته كقضية «طازجة» أصبحت مدرجة عند قمة الأولويات من أجندة الحكومات والرأي العام على السواء.. ومع مطالع الثمانينات كانت هذه البنود من أجندة الاهتمام قد تبلورت في عبارات وشعارات ما لبثت أن وجدت طريقها إلى بؤرة هذا التركيز الحكومي أو المؤسسي والمجتمعي أيضا.. عبارات من قبيل التسخن الكوكبي.. الأمطار الحمضية.. ظاهرة الدفيئة أو الاحتباس الحراري..

والغريب أنهم كعلماء لم يكن بوسعهم أن يقطعوا على سبيل الحسم بطبيعة هذه التغيرات التي طرأت على مناخ كوكب الأرض. يقول واحد منهم: كنا نخطو مع الثمانينات على أعتاب حقبة الاحتباس الحراري ولم يكن لدينا سوى النزر اليسير من المعلومات العلمية الموثوقة التي ترشدنا إلى الاتجاه الصحيح.

لهذا بادروا في ربيع عام 1977 إلى عقد واحد من المؤتمرات العلمية الباكرة أو الرائدة لتدارس هذه الظاهرة من احترار الأرض ومن تكاثف الانبعاثات من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي..

وبأسلوبهم العلمي أيضاً عكفوا على تشكيل نموذج بحثي للظاهرة باستخدام الحاسوب الذي أصبح بداهة رفيقا لهم فيما انشغلوا به من أعمال.. هذا النموذج العلمي حمل الاسم والتوصيف التالي: ملامح الطاقة والمناخ: نموذج على الاستقرار المناخي المستند إلى مؤثرات الطقس.

وفي إطار هذا النموذج تدارسوا أيضاً العلاقة بين أكسيد الكربون وبين التساخن العالمي وبمناسبة الطقس فقد جاء الاهتمام به ليشكل انعطافة أساسية في مسار وتشكيل واهتمامات هذه المجموعة السرية من علماء أميركا..

كلمة الطقس في الانجليزية هي (weather). وحين كان علماء جاسون يلفظون بها كانوا ينطقونها بصورة مغايرة بحيث تحاكي كلمة أخرى هي (whither) ومعناها إلى أين.. وما هو الاتجاه؟ ومع التكرار سادت الكلمة الأخيرة وقد لخصوها في سؤال يتردد حول مجموعة جاسون من أساسها: بين المسار والمصير.

font color="0066ff">عرض ومناقشة: محمد الخولي