من العام إلى الخاص ينتقل أندرو هاموند مؤلف هذا الكتاب ليتناول قضية الأميركيين المسلمين داخل الولايات المتحدة ومدى تأثير قضاياهم على المواقف العربية تجاه واشنطن. وفي تناوله لهذه القضية ينطلق من الواقعة الشهيرة التي حدثت في 18 مارس 2005 والمتمثلة في قيام سيدة مسلمة تدعى أمينة ودود وتنحدر من أصول هندية بإمامة المسلمين في نيويورك خلال صلاة الجمعة.

وهو ما أثار جدلاً كبيراً في أوساط المسلمين سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها حول الاتجاه الإسلامي الذي يمثله أو يقوده بشكل أساسي السود والأميركيون غير العرب، والإسلام كما يمثله العلماء العرب والعرب المهاجرون إلى الولايات المتحدة، والذي اعتبر ذلك بمثابة انتهاك لأحدى القواعد الشرعية التي استقر عليها الدين منذ ظهور الإسلام.

يشير المؤلف إلى أنه على صعيد العالم العربي حدثت حالة من الغضب العارم على هذا التطور الذي وصفته إحدى الصحف المصرية ـ المساء ـ في صفحتها الأولى قائلة «إنهم يلوثون الإسلام في أميركا». فيما راحت صحيفة أخرى هي «الأسبوع» تتحدث عن مساع لأمركة الإسلام ومؤامرة لتدميره على يد أبنائه. غير أن الملاحظة المهمة التي يشير إليها المؤلف، وهى جديرة بالاعتبار قوامها أن العالم العربي كله انغمس في قضية محددة بناء على موقف أو حدث وقع من قبل مسلمين يعيشون في الغرب.

منذ أحداث 11 سبتمبر واندلاع الانتفاضة الفلسطينية في عام 2000 أصبحت محاولة فهم أميركا مشروعا رئيسيا للنقاش في العالم العربي وقد راح المعلقون الذين لديهم دراية بالشؤون الأميركية يحثون العرب على الوصول إلى فهم أفضل لطبيعة وسياسات الولايات المتحدة والمجتمع الأميركي. وعلى هذا النحو كان هناك جهد ملحوظ لربط العرب في الشرق الأوسط مع أولئك الذين يعيشون في الولايات المتحدة من خلال برامج على شاكلة ذلك الذي تثبه قناة الجزيرة بعنوان «من واشنطن»، وبرنامج قناة العربية «عبر المحيط».

كما أن عددا من وسائل الإعلام راحت تلح على أن العالم العربي والحكومات العربية يجب أن يكثفوا جهودهم لطرح قضاياهم على نحو كبير للرأي العام الأميركي. في هذا الإطار أعدت الجامعة العربية خطة عام 2001 تقضي بإنفاق نحو مليون دولار على إعلانات مدفوعة في عدد من الصحف العالمية.

غير أن المشروع انتابه قدر من التحول بما يجعل منه محاولة لكسب الرأي العام أكثر منه مشروعاً حقيقياً في مجال هدفه الأساسي حيث تحول إلى فكرة تقوم على تمويل زيارات لعواصم غربية رئيسية ومدن أميركية من قبل فلسطينيين عاديين من أطباء وطلبة ومتعطلين عن العمل ووعاظ جرحوا خلال الانتفاضة.

وكان ذلك الأمر جزءا من حملة تقوم على إنفاق نحو 25 مليون دولار على مدى عامين بالتعاون مع جماعات حقوقية أميركية عربية في الولايات المتحدة على أن تترأسها المناضلة الفلسطينية حنان عشراوي كمتحدثة إعلامية باسم الجامعة العربية.

لقد كانت الآمال كبارا في ذلك الوقت باعتبار أن الحملة تعكس بداية لاتجاه جديد بشأن تقديم القضية الفلسطينية في الغرب، غير أن الأمر لم يصادف سوى الفشل، حيث بقيت عشراوي في رام الله، فيما لم يتم توفير التمويل اللازم، وفق ما يقوله المؤلف، وفي الوقت ذاته انصرفت أنظار العرب إلى أزمة العراق وانصرف جهدهم إلى محاولة وقف الحرب ضده.

ويشير المؤلف في هذا الخصوص إلى أنه ربما كانت المحاولة الوحيدة الناجحة على صعيد عرض الموقف العربي خاصة من التطورات التي تشهدها القضية الفلسطينية تلك التي قام بها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز والذي كان آنذاك ولياً لعهد السعودية، خلال لقاء جمعه مع الرئيس بوش في مزرعة هذا الأخير في تكساس أبريل 2002

حيث قدم له صورا لفلسطينيين قتلوا أو تم بتر وتشويه أجزاء من أجسادهم من قبل الجيش الإسرائيلي وصور أخرى لعمليات تدمير لحقت بمنازل ومدن فلسطينية. لقد راح المسؤول السعودي الكبير يعلن آنذاك: لقد رأيت من واجبي أنه يجب على أن أقدم له صورة ملخصة عن حقيقة الأوضاع بشكل مباشر ومن دون أي وسطاء. ويبدو أن الرئيس بوش تأثر كثيرا لهذه الصور.

مبادرة ورفض

يشير المؤلف إلى محاولة أخرى قام بها الأمير السعودي الوليد بن طلال والتي قدم خلالها 10 مليارات دولار لعائلات ضحايا أحداث الحادي من سبتمبر حيث رفضها عمدة نيويورك إزاء البيان الذي أصدره الوليد بشأنها والذي ربط فيه بين أسباب الهجمات ومواقف الولايات المتحدة المساندة لإسرائيل.

فقد راح الأمير الوليد يقول إثر جولة قام بها في موقع الدمار في نيويورك بعد أيام من الهجمات: إن الحكومة الأميركية يجب أن تعيد النظر في سياساتها في الشرق الأوسط وتتبنى موقفاً أكثر توازناً تجاه القضية الفلسطينية. إن إخواننا في فلسطين يعانون من الذبح على يد الإسرائيليين فيما العالم يدير خده لهذه المذابح.

لقد بدت وسائل الإعلام العربية ساخطة إزاء رفض مبادرة الأمير الوليد على النحو الذي كشف بحق إلى أي مدى لا تحتل القضية الفلسطينية بما تحمله من طرد للسكان ومعاناة أي أهمية لدى الأميركيين، غير أنه لم يكن لدى أحد اقتراح بشأن الوسيلة الفعالة بشأن لفت نظر الولايات المتحدة إلى ذلك.

وقد عزز موقف جولياني من التحذيرات التي تسود الإعلام العربي بشأن مستوى الكراهية الناتج عن معاناة الفلسطينيين فقد راحت صحيفة عربية تقول نقلا عن الوليد بن طلال قوله: لدينا حالة واضحة ويجب أن نحول معركة وسائل إعلامنا نحو واشنطن، مركز الولايات المتحدة ومركز صنع القرار السياسي. وفي الأيام التي تلت الهجمات مباشرة فإن الكثيرين في المنطقة راحوا يحبسون أنفاسهم لرؤية ما إذا كانت ربما تصرف أنظار بوش إليهم بدلا من أن تصرفه عنهم.

لقد كان من الممكن النظر للأحداث حسب الوجهة التي يريدها المرء، فقد كان يمكن التعامل معها على صعيد القرار في واشنطن كنتيجة للمساندة الكبيرة لإسرائيل وتجاهل المعاناة الفلسطينية، كما كان يمكن النظر إليها على أنها تعد دليلاً على أن العنف الحاصل في العالمين العربي والإسلامي بما فيه الفلسطيني يعد أحد أوجه العنف الأشمل الذي مثلته القاعدة.

ويخلص المؤلف إلى أن الرغبة في تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة كان يقودها التبسيط المزمن الذي حكم دوما المواقف العربية تجاه واشنطن. وقد ساد الأمل لدى السياسيين والمحللين في أن إدارة بوش الجمهورية التي خلفت الرئيس كلينتون ستكون أكثر تأييدا للمواقف العربية.

وبشكل جزئي وعلى خلفية مثل هذه التصورات فإن الحكومات العربية مساندة من قبل وسائل إعلامها لم ترى ضرورة سعى القيادة الفلسطينية إلى التوصل إلى السلام مع الحكومات الإسرائيلية خلال فترة أوسلو على الرغم من أنه لم تكن هناك مؤشرات ذات مغزى إلى أن القيادة الفلسطينية تتبنى هذا الاتجاه.

خيبة أمل عربية

في ضوء ما يبدو أنه عجز عربي، وفق السياق الذي يعرض له المؤلف على صعيد ما كان يجري في عالمنا، انتهت الآمال العربية بحكومتين إسرائيلية وأميركية متشابهتين تعكسان سيطرة الجناح اليميني. وكانت الإدارة الأميركية التي تم إعلان تشكيلها في 2001 تعكس سيطرة الجناح اليميني المؤيد للسياسات الإسرائيلية والذي كان يرفض حلا يقوم على أساس حدود 1967 وإلزام إسرائيل بالتخلي عن انتهاكاتها في الأراضي المحتلة.

وقد راحت إسرائيل تعلن بالفعل أن هذا - التخلي عن جميع الأراضي التي احتلتها 67 - يمكن أن يؤدي إلى حرب أهلية في إطار الدولة اليهودية فيما التزمت القيادة الفلسطينية بالقيام بما تراه واجبا تجاه شعبها وأعطت نفسها الكثير من الوقت على أمل حدوث تطورات جديدة يمكن لها أن تجعل الإسرائيليين

ومسانديهم يصلون إلى إدراك أنه لا يمكن أن يوجد سلام باستثناء ذلك الذي يقوم على قرارات الأمم المتحدة، فكانت قمة كامب ديفيد التي دعا إليها كلينتون في أخريات أيامه وقامت على أساس فكرة الحزمة الواحدة وكان مصيرها الفشل.

وفي إطار تناوله ورصده للمواقف العربية تجاه الولايات المتحدة يخصص المؤلف فصلا من كتابه للقضية الفلسطينية وفي ذلك يشير إلى أن التوجهات العربية تجاه الولايات المتحدة اليوم إنما يحددها وبشكل رئيسي السياسة الأميركية تجاه النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، والمستوى أو الدرجة التي يتم إدراكها لجهة انحياز هذه المواقف لإسرائيل وعلى حساب الفلسطينيين.

وهنا يشير هاموند، إلى أنه إذا كان قد نظر بشكل إيجابي للسياسة الأميركية عام 1956 إزاء موقفها من الغزو الثلاثي لمصر، فإن ذلك، حسبما يقرر، إنما كان موقفا أميركيا خالصا لحساب إحلال نفوذ قوة عظمى محل قوى بائدة غير أن ذلك لم يجعلها تتخلى عن إسرائيل فيما بعد وإنما التزمت مواقفها بإصرار ووضوح.

وفي هذا الخصوص يستعرض المؤلف جانبا من تطور النزاع العربي الإسرائيلي مرورا بحربي 1967 و1973 ونشأة ونمو حركة الكفاح الفلسطيني ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية، والتي كانت بمثابة مظلة لمنظمات وجماعات التحرير الفلسطينية المختلفة.

كما يعرض لجانب من تطورات العلاقات الأميركية الإسرائيلية على نحو ما هو معروف على النحو الذي مثل في النهاية نوعا من التحالف بين الجانبين إلى الحد الذي أصبح معه العرب ينظرون إلى إسرائيل على أنها تلعب دور الوكيل للسياسة الأميركية في المنطقة.

تأثير كيسنجر المحوري

يعرج على الموقف بشأن القرار 242 مشيرا إلى انه كان هناك اتجاه أميركي قوي بفرض عقوبات على إسرائيل حال عدم تنفيذ القرار من بينها وقف صادرات السلاح اليها غير أنه يشير إلى الدور الذي لعبه وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر في صياغة موقف بلاده تجاهه

حيث نحى فكرة الانسحاب الشامل من الأراضي العربية وغلب فكرة الانسحاب من أراض عربية مع التأكيد على ضرورة عدم الضغط على إسرائيل من أجل تحقيق هذا الأمر، وهو ما ألتزمته الولايات المتحدة في سياساتها على مدى السنوات والعقود التالية مع استثناءات محدودة منها طلب الرئيس الأسبق كارتر من مناحم بيجين خلال محادثات كامب ديفيد 1978 وقف المستوطنات في الضفة الغربية

وكذلك تهديد بوش الأب بوقف ضمانات مالية لإسرائيل عام 1992 غير أن الرئيس بوش الابن مثل تأكيدا للقاعدة حيث خرج في 2004 ليعلن من جانبه وبشكل أحادي أن الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود 1967 أمر غير عملي على شاكلة فكرة عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم.

ويوضح المؤلف أنه في ضوء احتلال إسرائيل المرتبة الأولى من حيث تلقي المساعدات السنوية من جانب الولايات المتحدة فقد أصبح ينظر للأمر في العالم العربي على أن هذه الأخيرة تمثل ممولا لعمليات الاستيطان والاحتلال.

ويذكر أن إجمالي المساعدات العسكرية لإسرائيل منذ عام 1948 وحتى عام 2006 وصل إلى أكثر من 99 مليار دولار فيما ارتفع عام 79 إلى 9. 4 مليارات واقترب من هذا الرقم عام 2001 حيث وصل إلى 1. 4 مليارات دولار.

وعلى ذلك فقد شعر العرب بدهشة كبيرة وبالازدواجية الأميركية على نحو مبالغ فيه عندما تم ضبط سفينة أسلحة مهربة إلى الفلسطينيين تقدر قيمتها بنحو عشرة ملايين دولار قادمة من إيران أو حزب الله. وهنا فإنه مما يعزز من النقمة العربية الزعم السائد بأن المساعدة المالية الأميركية لإسرائيل تمول الجدار العازل المثير للجدل، أو الحاجز الأمني والذي يجري بناؤه منذ عام 2002 حول مناطق فلسطينية في الضفة الغربية.

ويقرر المؤلف أنه فيما بين حرب السويس 1956 واندلاع الانتفاضة عام 2000 أصبح يتم تصنيف الولايات المتحدة في أذهان العرب على نطاق واسع على أنها عدو لطموحاتهم بشأن الاستقلال الفلسطيني.

غير أنه يحاول ان يوحي بتعقد الأمر على نحو مربك، فالسياسة الأميركية، حسبما يحاول المؤلف أن يوضح، في المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية كانت تحكمها بشكل أساسي المصالح النفطية. وفيما قبل 1967 فإن القضية الفلسطينية لم تكن تحتل أولوية كبرى في اهتمامات الرأي العام العربي والغربي، حسبما يزعم، في ضوء أن الضفة الغربية والقدس كانتا تحت سيطرة الأردن.

تبلور القضية الفلسطينية

رغم أن مشكلة اللاجئين كانت قائمة إلا أنها ضاعت في غمرة الغبطة الغربية بقيام إسرائيل الوليدة ورؤاها المثالية فيما أن وسائل الإعلام العربية التي تسيطر عليها الحكومات ركزت بشكل أساسي على الفكرة الجزئية المتعلقة بقيام إسرائيل دون الحقيقة الماثلة في أن نحو مليون فلسطيني تم طردهم من أراضيهم.

وهذا تحليل خاص بالمؤلف حيث أن قضية اللاجئين لم تغب عن الاهتمام العربي منذ نشأتها وكانت محورا للإعلام العربي الذي تمثل بشكل أساسي في الإعلام المصري خلال عقد الستينيات الذي يتناوله هاموند إلى الحد الذي يشير معه البعض إلى أن الدعامة الأساسية التي قام عليها نظام عبد الناصر في مصر إنما هو القضية الفلسطينية بكافة أبعادها ومنها البعد المتعلق باللاجئين الفلسطينيين.

المهم أنه يشير إلى أن القضية الفلسطينية بدأت في التبلور مع حرب 1967 وقيام منظمة التحرير الفلسطينية وقد استغرق الأمر من ياسر عرفات نحو عقدين من الزمان لكي يشكل وعيا عاما بفكرة حل الدولتين، مركزا جهده على تحرير الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية متجنبا أو رافضا فكرة المشاركة في دولة علمانية تتكون من اليهود الذين وفدوا إلى فلسطين وسكانها الأصليين من العرب.

وحتى بعد اتفاق سلام 1993 والذي تعلق أساسا بالأراضي الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي فإن حقيقة أن قضية اللاجئين ما زالت حية وتفرض نفسها واصلت تأثيرها لجهة تقييد المساندة الأميركية للفلسطينيين في حل النزاع في ضوء أن هذه القضية إذا تم حلها حتى بمنطق الدولة الواحدة، ستغير من طبيعة التركيبة الديمغرافية للدولة العبرية على نحو يجعلها تضم أعدادا من اليهود أقل من العرب.

وبغض النظر عن الأسباب فإنه يبدو واضحا أن الإدارات الأميركية المتعاقبة ترفض وبشدة تبني أي موقف محدد لصالح الطرف الفلسطيني فيما يتعلق بقضية العودة سواء في نطاق حل الدولتين أو الدولة الواحدة وهو ما يشير إليه أن حل الدولة الواحدة الذي يبدو من سياق حديث المؤلف أنه مرفوض إسرائيليا لما سيلقيه من تأثير على طبيعة الدولة العبرية بدا أنه ـ حسب استطرادات المؤلف في شرح رؤيته ـ هو الحل العملي المطروح،

حيث يشير هاموند إلى أن سياسات الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس لم تجعل هناك مفرا من الإقرار بواقعية حل الدولة الواحدة لشعبين أكثر من أي وقت مضى في ضوء الصعوبة التي تفرضها عمليات التداخل السكاني والعمراني بين المناطق الفلسطينية والإسرائيلية في ظل سياسة الاستيطان وهو الحل الذي يؤيده،

حسب هاموند، النخبة المثقفة على الجانبين. ولا يبدو في الأفق بناء على هذه الرؤية سوى أن إسرائيل تميل إلى اندثار الفلسطينيين حتى تتخلص من مشكلتهم تماما ويبدو أن هذا هو الواقع وليس في إطار التمنيات فقط.

ثم يتطرق المؤلف من هذه التفصيلات إلى تحديد الموقف العربي مشيرا إلى أنه على صعيد المجتمعات العربية يمكن التمييز بين ثلاثة أنواع متفاوتة من المواقف تجاه السياسة الأميركية بشأن النزاع: أولها تلك التي تمثلها الحكومات، وثانيها ذلك الذي تمثله المعارضة، أما الثالث فهو ذلك الذي يمثله الرأي العام.

فعقب توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979 بدأت علاقات الحكومات العربية مع الولايات المتحدة في التحسن عامة غير أنها لم تصادف التطور نفسه على صعيد جماعات المعارضة والرأي العام حيث كانت الأمور تجري على نحو مختلف.

التدخل في الحرب الأهلية

كان من بين اللحظات الأساسية في ذلك التدهور لحظة التدخل الأميركي في الحرب الأهلية اللبنانية في أعقاب الغزو الإسرائيلي عام 1982 الذي استهدف القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية، حيث استقرت هناك إثر خروجها من الأردن عام 1970.

لقد قادت الولايات المتحدة آنذاك قوة دولية تكونت من وحدات فرنسية وبريطانية وإيطالية انتشرت لمراقبة عملية رحيل عناصر منظمة التحرير الفلسطينية واستعادة الاستقرار. غير انه في عيون معظم العرب باستثناء الميليشيات المسيحية التي مثل الوجود الفلسطيني بالنسبة لها نهاية السيطرة المسيحية في البلاد،

فإن هذا الأمر عبر عن جهد أميركي لتعزيز إنجازات الغزو الإسرائيلي وتسليم البلاد ثانية إلى العناصر الموالية للغرب والذين سيعمدون إلى التسوية مع إسرائيل وتشكيل تحالف معها. بمعنى آخر تم تصنيف الموقف الأميركي على أنه التزم جانب إسرائيل والأطراف اللبنانية التي كانت تسعى للتحالف معها آنذاك.

وفي عام 1983 تمكنت عناصر من حزب الله من القيام بعملية انتحارية أودت بنحو 241 من جنود مشاة البحرية الأميركية فضلا عن 50 عنصرا من القوات الفرنسية فيما كان بداية لمرحلة جديدة للمقاومة الإسلامية ومبشرا بميلاد العمليات الانتحارية.

وفي المنظور العربي كذلك فإن الولايات المتحدة تعد متورطة بشكل مباشر في مذبحتي صبرا وشاتيلا في ضواحي بيروت عام 1982، حيث سمح أرئيل شارون وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك للميلشيات المسيحية بدخول المخيمين من أجل اجتثاث العناصر الفلسطينية المسلحة معتقدا، حسبما صرح شارون نفسه فيما بعد، بأن الأميركيين أعطوه الضوء الأخضر للقيام بذلك.

التوأمة الثقافية

يشير المؤلف إلى أن العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل كانت دوما على مائدة البحث على مستوى السياسيين العرب غير أنها أصبحت أكثر مجالا للتناول من قبل العامة في السنوات الأخيرة خاصة بفعل دور التلفزة العربية.

وفي ذلك يستعرض الرؤى المتبادلة مقدما على المستوى الأميركي تلك التي تطرحها شخصية مثل دانييل بايبس أحد أكثر الكتاب الأميركيين تأثيرا لجهة صياغة صورة العرب والمسلمين في الولايات المتحدة والذي يشير إلى أن ما يقرب بين البلدين..

الولايات المتحدة وإسرائيل.. التراث اليهودي المسيحي المشترك وأن أشخاصا من أقطار تتسم بالحكم الشمولي ـ يقصد الدول العربية ـ من الصعب عليهم أن يدركوا أهمية الروابط الشخصية والثقافية والسياسية بين الشعوب الحرة.

عرض ومناقشة : مصطفى عبد الرازق