خرج المؤلف، في هذا المنعطف من الكتاب، عن نطاق القضايا السياسية بمفهومها الدقيق، ليتناول قضايا مجتمعية عديدة يرى من خلال استعراضها أنها تقوض مقولة الكراهية العربية للولايات المتحدة والأميركيين، إن لم تكن تثبت العكس، وإن على النحو الذي لا يعزز مقولات المتطرفين على الجانب الأميركي الذين يقولون بحسد العرب للغرب وأميركا بشكل خاص على ما وصلت إليه من قوة كانوا يتمتعون بها في مراحل تاريخية سابقة.

هنا يذهب المؤلف إلى أنه بغض النظر عن كل التحفظات فإن هناك نوعا من الإعجاب العربي الكبير، الذي ربما يصل إلى حد الافتتان بأميركا، ويصل في موقفه ذاك إلى حد التأكيد على أنه حتى المتشددين دينيا، حسب توصيف بعض وسائل الإعلام الغربية الذين لا يحبون أميركا وطريقة حياتها، يتمنون لو أن لديهم ذلك القدر من الحرية وكذلك التكنولوجيا الذي مكن الولايات المتحدة من أن تصبح قوة عظمى. وعلى ذلك يقرر المؤلف ما يراه حقيقة تتمثل في عدم وجود أساس للمقولة التي انتشرت بعد أحداث 11 سبتمبر بأن العرب يكرهون أميركا وما تمثله في العموم.

وهو يوضح وجهة نظره قائلا انه حقا يوجد اتجاه متنام يعكس آراء من قبل جماعات دينية إلى جانب القوميين العرب ينتابه قدر من القلق بشأن الغزو الثقافي الأميركي ومن ذلك على سبيل المثال انتشار الموسيقى والسينما الأميركية بين الشباب العرب والذين يبدون قدرا محدودا بالثقافة والموسيقى والأفلام العربية. غير أن الديمقراطية الحديثة والتعددية السياسية بشكل عام تحظى بالإعجاب في العالم العربي ويلحقها العديد منهم بشكل خاص بالولايات المتحدة أو (ملكية أميركية) على الرغم من امتلاك أوروبا تراثا عريقا في مجال الديمقراطية وتطبيقاتها المختلفة. هنا يؤكد المؤلف على أن المشكلة إنما تتمثل في سياسة أميركا الخارجية.

موضحا أن الرأي العام العربي لم يمل من طرح المشكلات العربية مع الولايات المتحدة وسياستها الخارجية من حيث أنها تمثل المعايير المزدوجة في تعاملها بشأن النزاع الفلسطيني الإسرائيلي ودعم المزاعم اليهودية في مقابل الحقوق العربية وطرد السكان العرب من أراضيهم. وقد زاد الحنق العربي منذ 2003 حيث التدخل الأميركي في العراق والذي تتمثل أهدافه الأساسية حسب رؤية العرب في الاستيلاء على النفط وضمان أمن إسرائيل وليس من أجل الديمقراطية.

والنقطة التي يود المؤلف أن يؤكد عليها بشكل أساسي هي أنه على الصعيد العربي يوجد تمييز كبير بين الثقافة الأميركية والسياسات الأميركية. ما يحز في نفس العرب سياسة أميركا الخارجية. إن رموز الثقافة الغربية الذين أصبحوا نماذج من منظور الشباب الأميركي وأماكن أخرى مختلفة من العالم لهم التأثير نفسه على مستوى العالم العربي ومن بينهم على سبيل المثال مايكل جاكسون ومادونا وديمي مور (في عزها) وبريان آدمر وشاكيرا وسلفيستر ستالون وبروس ويلز. ومن هنا يشير المؤلف إلى أن المعلقين الأميركيين الذين يذهبون إلى وجود اتجاهات سلبية تحكم أو تسيطر على الثقافة العربية إنما يرتكبون خطأ عندما يخلطون بين الموقف من السياسة الخارجية الأميركية وتلك تجاه نمط الحياة والثقافة الأميركية ككل.

ويذكر المؤلف أنه رغم استياء أصحاب التوجهات الدينية وقدامى القوميين العرب من تحالف الولايات المتحدة مع الأنظمة القائمة في المنطقة ما يعوق قدرتهم على تحدي هذه الأنظمة غير أن الجماهير غير المسيسة تضع الثقافة الأميركية في مرتبة عالية على النحو ذاته الذي يقوم به الليبراليون العلمانيون ودعاة حقوق الإنسان الذين يرون في السياسات الأميركية حماية لهم من الحكام المتسلطين مهما كانت رؤاهم بشأن السياسة الأميركية تجاه فلسطين.

يقول المؤلف، إنه فيما يستمع كثيرون من العرب، وليس كلهم بالطبع، إلى راديو سوا لدى قيادتهم السيارات، فإن ذلك لا ينفي عدم اقتناعهم أو عدم رضاهم عن السياسات الأميركية والتحيز لصالح إسرائيل، وفي الوقت ذاته عدم اقتناعهم بأن القنابل الانتحارية يمكن أن تكون رد فعل مناسب من قبل المضطهدين في مواجهة السلطة التي تقهرهم.

إن هذا الأمر الذي يعكس تحليل المؤلف يبدو جليا على ما يذكر في البرامج الأميركية على شاشات التلفزة العربية فيما يشبه الغزو. فمع حلول 2002 وسعت قناة إم بي سي من نطاق بثها لتقدم قناة جديدة هي إم بي سي 2 والتي تقدم في معظم بثها أفلاما هوليودية كما راحت تبث إم بي سي 4 والتي تقدم برامج فنية وحوارية أميركية.

وتحظى هذه القنوات وما يناظرها بشعبية كبيرة على المستوى العربي وبحصة إعلانية لا بأس بها. وحسب تصريح يورده المؤلف لأحد المخططين لهذه القنوات فإنه يؤكد على أنهم يعرضون أكبر كم من إنتاج هوليود الذي يلقى رواجا لدى المشاهد العادي، خاصة أن الإنجليزية هي لغة هذه الأفلام.

مفارقة مثيرة للدهشة

يعلق المؤلف على ذلك مشيرا إلى مفارقة أن يحظى الإنتاج الفني لدولة تلقى سياستها الخارجية قدرا كبيرا من الرفض عند العرب لكل هذه الشعبية. ويضيف إن هذه القنوات تعمل على موازنة تأثير قنوات مثل الجزيرة والعربية حيث يطالع المشاهدون العرب رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون وهو يعلن أنه جاء من أجل السلام فيما يقوم جنود إسرائيليون في خلفية المشهد بقمع الانتفاضة. أو برنامجا حواريا يظهر فيه الضيف ليتساءل: لماذا يعتقدون أن دمائنا أرخص من دمائهم؟ ما الذي يجعلنا أرخص منهم؟

غير أن المؤلف وفي محاولة لالتزام الموضوعية يشير إلى ما يذهب إليه بعض المعلقين من أن هذا الصخب بشأن الحضور الثقافي الأميركي على شاشات التلفزة العربية إنما يعزز التصورات الانتقادية التي يقدمها كل من توماس فريدمان وفريد زكريا بشأن (عدم الوظيفية العربية) حيث أنها في النهاية تعكس إفلاس صناعة الترفيه العربية، ولهذا يكون من الأرخص، في منظور البعض، شراء إنتاج جاهز سواء كان سيارات أو ثلاجات أو برامج ترفيهية.

فيما يذهب البعض الآخر في تفسير هذا الإقبال على برامج الترفيه الأميركية إلى أن العامة يبحثون عن ملاذ في التسلية الأميركية كمهرب من مشاكل المنطقة السياسية، التي يدرج الكثيرون الولايات المتحدة على أنها أحد أسبابها الرئيسية. وحسبما يقول أحد القائمين على بحوث التسويق أنه على وقع الموقف السياسي في المنطقة فإن الناس لا تريد فقط الأخبار السياسية فقط.

وينتقل بنا المؤلف إلى نقطة أخرى في السياق نفسه وهو الترفيه والإعلام وما يرمز إليه وضعهما من نفي لمقولة كراهية العرب للأميركيين فيشير إلى أن العالم العربي عمل على تقليد التليفزيون الأميركي سواء على مستوى الموسيقى أو السينما مع درجات متفاوتة من النجاح. وقد اجتاح تليفزيون الواقع العالم العربي عامي 2002 و 2003.

فمعظم برامج الواقع كانت نسخة من نظيرتها الدولية مثل (ستار أكاديمي) و(الأخ الكبير) رغم أن هذا الأخير تم إيقافه بعد أسبوع واحد من بثه على خلفية المعارضة الشديدة له في الدولة التي تم بثه منها. وقد ساد توصيف برنامج ستار أكاديمي بأنه يدعو إلى الرذيلة. كما يشير إلى أنه توجد كذلك وفرة في القنوات التي تقلد الغرب وتبث برامج موسيقية تمزج بين موسيقى البوب الغربية والألوان الموسيقية الجديدة في العالم العربي مثل روتانا وميلودي ومزيكا وزين.

الهوية العربية

في هذا الصدد يشير المؤلف إلى أن لبنان يقود العالم العربي في تقديم الاتجاهات الأميركية إلى العالم العربي حيث تتسرب القيم والتوجهات الغربية إلى المشاهد العربي. ويشير في ذلك بمنطق وشهد شاهد من أهلها إلى ما ذكره الأكاديمي أشرف جلال بشأن فيديو كليب للمطربة نوال الزغبي من: (غياب الهوية العربية والقيم الإيجابية وكذا القيم الغربية الإيجابية، كما أن البيئة العربية غير حاضرة ويوجد إلغاء كامل للمعاني والقيم العليا).

ويشير إلى نموذج لذلك في أغنية نانسي عجرم التي قدمتها في عام 2002 (أخاصمك آه) في فيديو خارج عن الأطر المألوفة في المجتمع العربي ، أثارت حالة استنكار في إحدى الدول العربية لدى تقديمها، ما أدى ببرلمانيين في عدد من الدول العربية إلى منع بث هذا الفيديو. ويفصل المؤلف في هذا الصدد مشيرا إلى نموذج آخر هو المغنية المصرية روبي في أغنيتها التي قدمتها عام 2004 (ليه بيداري كده). ولا يخلو تناول المؤلف في سياق هذا الأمر من الإشارة إلى ظاهرة تشويه التراث الأمر الذي يتبدي في التقديم الحديث للكلاسيكيات.

ومن التلفزة والغناء إلى السينما يشير المؤلف إلى أن السينما العربية كذلك والتي تقودها مصر سعت إلى تقليد نظيرتها الأميركية وهو الأمر الذي انتهى باقتياد ممثلات مثل يسرا ومعالي زايد إلى المحكمة على خلفية مشاهد غير لائقة لهما في فيلمي طيور الظلام وأبو الذهب على التوالي.

كما نالت من آخرين مثل المخرجة إيناس الدغيدي التي تتجاوز رؤاها الحدود وتعلن صراحة أنها لا تعترف بكلمة عيب في الفن. وإن كان المؤلف يشير كذلك إلى ان السينما العربية، المصرية أساسا، لم تخل من اتجاهات انتقاديه لأميركا على شاكلة فيلم خيري بشارة (أميركا شيكا بيكا).

وكذلك فيلم يوسف شاهين عام 2004. (الإسكندرية.. نيويورك) والذي يندد من خلاله بعنف الولايات المتحدة والذي امتد من هيروشيما إلى الوطن العربي في عملية غزو العراق، أو حسبما يشير سياق الفيلم فإن نيويورك والتي تمثل رمز الولايات المتحدة بتقتل أي حنين ، فهي مدينة تبرأت من هويتها القديمة، وهو لذلك يحاول أن يتخطى حنينه إليها.

الاعجاب الديمقراطي

يصحبنا المؤلف بعد ذلك في جولة على توجهات العرب تجاه الديمقراطية الأميركية مشيرا إلى أن الديمقراطية الأميركية وانفتاحها وكذا قوتها أمور تحظى بالإعجاب في العالم العربي. فبالنسبة لمعظم العرب، الذين يعيشون في بلدان الحرية السياسية فيها محدودة، وحكم القانون يتم انتهاكه فيما أن النخبة بكافة مستوياتها تتآمر للقضاء وإخماد الإبداع والحراك الاجتماعي والفرص الاقتصادية، فإن أميركا بالنسبة لهؤلاء تمثل قيمة (العمل).

إن الديمقراطية تعني وسائل إعلام حرة من أي قيود على شاكلة تلك القائمة في العالم العربي وهذا هو الشئ الذي يثير انتباه المعلقين العرب من وقت لآخر .. منذ فضيحة ووترغيت وحتى أبو غريب. وفي معرض الإشارة إلى ما يمكن اعتباره انبهار عربي بالديمقراطية الأميركية ينقل عن كاتب عمود مصري :

إن وسائل الإعلام الأميركية تساند إسرائيل ضد الأقطار العربية، ولكن بالنسبة للقضية العراقية فإنها اتخذت موقفا مختلفا. فلقد أطلقت على الجرائم الأميركية المشمئزة وغير الإنسانية، وكتبت بشكل واضح وموضوعي . إن الكتاب والمثقفين الأميركيين صدموا بالأحداث في العراق وأدانوا السياسة الأميركية.

ويقول المؤلف معلقا على ذلك : رغم انتقاداتها البالغة للسياسة الأميركية على الصعيد الدولي فإن الكثير من الأسر العربية من الطبقة الوسطى تأمل في أن يجد أبناؤها فرصا للتعليم في الولايات المتحدة.

ويستعين في الدلالة على رؤيته تلك بما ذهب اليه منتج تليفزيوني شارك في إنتاج فيلم عن أداء قناة الجزيرة خلال الحرب على العراق من أنه يتمنى أن يتمكن أبناؤه ذات يوم من العيش في أميركا والدراسة هناك لكي يغيروا الصورة الذهنية بالغة السلبية الموجودة لديهم بشأن الولايات المتحدة.

لقد راح يذكر ذلك رغم انتقاداته الحادة بشأن التدخلات الغربية على مدى العقود الماضية والتي دمرت العالم العربي وشوهت مجتمعاته. وقد راح يضيف : لو أنه عرضت علي فرصة عمل في الفوكس نيوز - المعروفة بتوجهاتها اليمينية المحافظة والتي تبدو مناقضة لأفكاره - فسوف أقبلها.

التضييق على العرب

غير أن الأمور ليست بهذه السلاسة، فقد أصبح الهروب إلى الولايات المتحدة اتجاها تحول دونه العقبات منذ 11 سبتمبر، وهو الأمر الذي ترافق مع تراجع في تدفق السياح ورجال الاعمال والطلبة العرب بسبب صعوبات الحصول على تأشيرة دخول، فضلا عن ذلك فإن جانب من رؤوس الأموال العربية التي كانت تستثمر في الولايات المتحدة قد عادت إلى المنطقة.

وفي ذلك يذكر هاموند الصعوبات التي يواجهها العرب والمسلمون في الولايات المتحدة هناك منذ تلك الأحداث وبشكل خاص بعد الغزو الأميركي للعراق في كافة ما تتطلبه حياتهم من إجراءات بدءا من رخصة القيادة وانتهاءا بإيداع شيك في البنك.

ويذكر المؤلف انه بينما يعد الفصل بين الدين والدولة في الولايات المتحدة أحد مصادر الإلهام لدى القوميين والليبراليين العرب فإن الكثير من المتشددين ، على خلفية هذه الحقيقة ينعتون الولايات المتحدة بأنها مجتمع غير ملتزم دينيا ولا يصلح نموذجا للعالم العربي.

ويستشهد في هذا المجال بما يذهب إليه الدكتور يوسف القرضاوي والذي يتم استضافته أسبوعيا على قناة الجزيرة ـ من خلال برنامج الشريعة والحياة ـ من أن (الإسلام يجب أن يأخذ بالتطور العلمي الغربي غير أننا لا نريد قيمهم، فهمهم وفلسفتهم).. منتقدا في ذلك التجربتين التونسية والتركية ذات الطبيعة العلمانية في المزج بين ما هو عليه الوضع في الغرب وطبائع الشرق معتبرا أن هذا المزيج غير مقبول.

وفي هذا الإطار يستعرض المؤلف رؤى عدد من الجماعات الدينية في المنطقة وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين في مصر التي قبلت التطبيق الديمقراطي وخاضت العملية الانتخابية عام 1980 في ظل قيادة المرشد الروحي الراحل عمر التلمساني.

ويتجاوز المؤلف في تناوله في هذا الإطار مشيرا من دون سند أو دليل إلى أن ذوي التوجهات الدينية والقوميين العرب يعتقدون، حسبما يزعم، أن الديمقراطية المفرطة أسفرت عن شخصية أميركية مرفهة غير قادرة على تحمل الصعاب، وأنهم يعتقدون أيضا، أو يأملون، أن أميركا تحافظ على وجودها فقط انطلاقا من الثروة التي تحوزها وأن مصيرها الانهيار والصراعات الداخلية العرقية . ويبدو أنه يستند في ذلك التحليل إلى ما أعلنه تنظيم القاعدة في العراق من اتهام الأميركيين بالتخفي وراء التكنولوجيا من اجل الدفاع عن أنفسهم إزاء الطابع المرفه الذي يتسمون به جراء وسائل الراحة الحديثة.

ويذكر أنه حينما فتحت القوات الأميركية النار على معتقلين في البصرة فبراير 2005 فإن رد جماعة الزرقاوي كان على هذا النحو: (ما هو الخطأ الذي ارتكبه هؤلاء المعتقلون الذين لا يحوزون وسائل الدفاع عن أنفسهم سوى حماية الله، على النحو الذي يجعل الجنود يعاملونهم على هذا النحو؟ إننا لن ندع جرائم طغاة العصر تمر دون حساب، وسوف نقضي عليهم من خلال أخوة يحبون الموت كما تحبون الحياة خاشعون في الليل وفرسان في النهار، كرسوا أنفسهم لحماية كتاب الله).

ويشير إلى أن الخطاب نفسه يتم تقديمه لدى الحديث عن إسرائيل وبشكل خاص انسحابها من لبنان عام 2000 في ضوء الطبيعة التي يتسم بها المجتمع الإسرائيلي لجهة تمتعه بالوسائل التكنولوجية الحديثة على النحو الذي أدى، حسب رؤية من يعرض لهم من الجانب العربي وهم ذوو الاتجاهات الدينية، إلى عدم تحملهم لحالات قتل على يد حزب الله وصواريخ الكاتيوشا التي كان يطلقها في هجماته على المستوطنات الإسرائيلية قرب الحدود مع لبنان. وقد عزز الفشل الإسرائيلي في القضاء على الحزب في حرب يوليو وأغسطس 2006 من هذه النظرة.

وإن كان يؤخذ على المؤلف في معرض تناوله لهذا الجانب ما يمكن اعتباره تشويها للرؤية الديمقراطية من قبل فئات عديدة في العالم العربي خاصة ذوي التوجهات الدينية حيث ينقل عن مصري مسلم من موقع على شبكة الإنترنت قوله: إن الديمقراطية في هولندا أقرت زواج مثلي الجنس والمخدرات الخفيفة مثل الحشيش، فيما أن دولة مثل كندا أقرت كذلك هذا الزواج وأقرت أميركا الحرب على أفغانستان والعراق.

وبعد ذلك تأتي وتدافع عنها؟ فيما ذكر آخر سمى نفسه إبن عمر : إنها الديمقراطية التي زرعت إسرائيل في أرضنا بدعوى الحق التاريخي لليهود، ثم هل تعرف أن إسرائيل هي أكثر الدول نجاحا على صعيد الشرق الأوسط نجاحا في الأخذ بالديمقراطية وفق جماعات حقوق الإنسان؟ فما يقدمه في هذا الصدد لا يتجاوز انطباعات شخصية لا يمكن الوصول من خلالها إلى نتيجة محددة يمكن نسبتها إلى فئة أو جماعة محددة دينية أم غير دينية.

البعد الأخلاقي

في رصده للموقف العربي تجاه الديمقراطية الأميركية يشير المؤلف إلى التحول الذي انتاب هذا الموقف بشكل خاص جراء فضيحة كلينتون ومونيكا لوينسكي حيث يذكر هاموند انه لم يجر النظر إلى الديمقراطية الأميركية على نحو يتسم بالسخف والوهن في نظر بعض العرب أكثر مما كان عليه الأمر خلال تلك الفترة.

وفي هذا الصدد يشير إلى أن انعدام الجانب الأخلاقي في حد ذاته مسألة لم تثر الدهشة أو الاستغراب في أذهان الكثيرين من العرب، غير أن حقيقة أن الرئيس الأميركي لم يكن لديه المقدرة على منع تطور الفضيحة على النحو الذي هدد مستقبله الرئاسي هو الذي أثار الدهشة.

غير أن ذلك لم يغفر للولايات المتحدة بشأن النظر إلى انعدام الأخلاق فيها فإذا كانت تلك النظرة أمرا يبدو معتادا أو مقبولا من قبل بعض الجماعات الدينية فإن القوميين الذين ينتابهم نقمة تجاه أميركا على دورها في الانقسام العربي ومساندة إسرائيل رأوا أيضا في القضية أو الفضيحة فرصة لتعزيز رؤيتهم وراحوا يؤكدون على المكانة العالية التي تحتلها الأخلاق كقيمة في الثقافة العربية.

وبينما رأى الكثير من الليبراليين الأميركيين مؤامرة من الجناح اليميني فإن الكثير من المعلقين العرب رأوا فيها مؤامرة من قبل إسرائيل لإسقاط كلينتون إزاء مساندته لعملية أوسلو للسلام والتي كان من المنتظر أن تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية يقودها ياسر عرفات. كل ذلك بسبب أن لوينسكي يهودية فيما أبدى آخرون تعجبهم من أن اللوم كله نال الرئيس كلينتون فيما أنه يجب أن يتجه بشكل أساسي إلى لوينسكي.

ويذهب المؤلف إلى أن إسرائيل تلحق بالولايات المتحدة على النحو نفسه في وصفها بالانحلال وانعدام الجانب الأخلاقي، وفي ذلك ينقل عن صحيفة مصرية قولها : إن الشواذ جنسيا منتشرون في إسرائيل على نحو غير مسبوق، فهناك نحو 10 آلاف إسرائيلي وجدوا يمارسون الجنس سويا وتم الكشف عن هذا الانحراف في حفل أقيم في تل أبيب. ويذكر أن هناك إحصائية تشير إلى أن نحو 25 بالمئة من المجتمع الإسرائيلي مصابون بالشذوذ الجنسي.

وفي معرض التأكيد على رؤيته بشأن انحلال المجتمع الأميركي وعدم التزامه بالقيم يشير إلى أن مترجما سابقا عمل في معتقل غوانتانامو حيث يتم احتجاز من تدعي الولايات المتحدة انتمائهم إلى تنظيم القاعدة بدون أي غطاء من النظام القضائي الأميركي او حتى معاملتهم انطلاقا من مواد ميثاق جنيف لمعاملة الأسرى أشار في كتاب له بعنوان (داخل السلك) كيف أن المحققات الأميركيات كن يحاولن اللجوء إلى الجنس من أجل الحصول على اعترافات من المعتقلين.

عرض ومناقشة : مصطفى عبد الرازق