يواصل المؤلف في إطار محاولته رصد المواقف العربية تجاه الولايات المتحدة والأسس التي تحكم هذه المواقف استعراض مسيرة العلاقات بين الجانبين. وهو ينطلق من المرحلة التي مثلها بوش الأب ليشير بعد ذلك إلى مواقف الإدارة الأميركية خلال رئاسة بيل كلينتون تجاه القضايا العربية ويقدم ذلك برؤية قد تبدو بالغة التبسيط.
حيث يذكر أن كلينتون جاء ليضفي ملمحا جديدا على السياسة الأميركية التي يرى المؤلف أنها جاءت على غير النهج المعتاد في مساندة إسرائيل. ويبنى المؤلف موقفه هنا على التوجه الذي أعلنه الرئيس الأميركي الأسبق خلال خطابه أمام المجلس الوطني الفلسطيني وفيه تبنى، حسب تفسير هاموند، الموقف الفلسطيني بإشارته إلى قضية طرد الفلسطينيين من أراضيهم على يد الصهيونية، فضلا عن محاولته كذلك التوصل إلى اتفاق لإقامة دولة فلسطينية بين يوليو 2000 و يناير 2001. وربما يكون المؤلف في هذا الجانب قد جانبه الصواب إلى حد ما ذلك أنه لا يمكن في معرض تقييم موقف إدارة تواصلت على مدار ثماني سنوات الحكم عليها من خلال تصريح في خطاب أو حتى نوايا ومحاولات باءت كلها بالفشل.
وهنا فإن إدارة كلينتون، في المنظور العربي، لم تمثل استثناء من القاعدة بشأن المواقف تجاه القضايا العربية خاصة القضية الفلسطينية، والتي لم تشهد تحركا على طريق الحل خلال حكم تلك الإدارة. ولا يعفي موقف ياسر عرفات خلال محادثات كامب ديفيد الثانية الطرفين الأميركي والإسرائيلي من تهمة الفشل ذلك أن عرفات في المنظور العربي إنما تمسك بحقوق فلسطينية ثابتة رفض التخلي عنها باعتبار أن حل القضية إنما يتطلب تحركات على صعيد المواقف الإسرائيلية في ضوء حقيقة أن الطرف الفلسطيني لم يعد يملك ما يتنازل عنه.
في سياق استعراض فترة كلينتون كذلك يذكر المؤلف أن مسار الموقف الأميركي تحول على نحو كبير في الاتجاه المعاكس لتبني رؤية متوازنة، إثر انطلاق ما يمكن اعتباره مرحلة جديدة في المقاومة الفلسطينية من خلال العمليات الانتحارية في معادلة الصراع حيث راحت وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت تعلن عام 1996 أنه لا يمكن مقارنة بناء المنازل - المستوطنات - بتفجير الأشخاص الأبرياء على أي نحو من الأنحاء. وفي سياق الاستعراض التفصيلي لمسيرة العلاقات يتناول المؤلف توجهات المواقف الأميركية في ظل إدارة بوش الابن والتي وقعت خلال فترة حكمها أحداث 11 سبتمبر بما كان له من تأثيرات جوهرية على السياسات الأميركية.
يشير المؤلف هنا إلى أنه خلال حكم هذه الإدارة بدا أن التحول في المواقف الأميركية قد وصل قمته وكان من المؤشرات على ذلك أنها ألقت باللوم في مجريات الصراع على الطرف الفلسطيني وبشكل أساسي على الرئيس ياسر عرفات وأعلنت بالتالي أنه لا يمكن إعلان قيام دولة فلسطينية بدون نهاية للأشكال المسلحة للمقاومة ضد إسرائيل.
وقد جاء ذلك وسط تحولات عديدة ألقت بتأثيراتها السلبية على الطرف العربي في مواجهة الولايات المتحدة على النحو الذي وجد العالم العربي نفسه خلاله بعد ذلك قليل الحيلة وهو يتابع تشجيع إسرائيل لعملية غزو العراق في عملية وصفها البعض بأنها الكارثة العربية الثانية في العصر الحديث بعد نكبة 1948
تحريض على الكراهية
في سياق تناول المؤلف هذه التطورات يعرض للتحريض الذي مثله كتاب أميركيون مثل فريد زكريا من (النيوزويك) وتوماس فريدمان من (النيويورك تايمز) واللذين عملا على التأليب على الدول العربية الرئيسية في النظام العربي باعتبارها تربة خصبة للتطرف ونمو عناصر القاعدة المتهمة بالترتيب لـ وتنفيذ أحداث سبتمبر.
وهنا ينقل عن زكريا في معرض تناوله للرؤية الأميركية قوله : إن صناع السياسة والمحللين الأميركيين يعتقدون الآن أنهم لا يحاربون من أجل استئصال الإرهاب، فيما أن هذا الأخير ليس سوى مجرد أداة، إنها حرب من أجل هزيمة الأيديولوجيات : الشمولية الدينية.
وهنا يصدق المؤلف على ما يذهب إليه زكريا قائلا إن هذا التحليل صحيح إلى حد كبير، فأمراض أو مشاكل العالم العربي المستفحلة أصبحت تمس المصالح الأميركية الحيوية جراء ما تنتجه من حالة سخط شديد. وقد كان من نتيجة هذه العملية من التحريض المتواصل ظهور مصطلحات جديدة في قاموس التعاطي الأميركي مع القضايا العربية ومنها مصطلح (الجهادي) و(الجهاديين) بدلا من المتشدد والمتشددين في وصف بعض الجماعات ذات التوجهات الدينية في عالمنا العربي.
فيما راح الرئيس بوش نفسه يعزز هذا التناول من خلال إطلاقه توصيفات على شاكلة (الجهاديين المتشددين) و(الإسلاميين الفاشيين). وعلى هذا كانت معركة الصراع على كسب العقول من خلال الإعلام فجاء إنشاء سوا والحرة على ما أشار المؤلف من قبل لمواكبة التأثير الذي تمارسه قناة المنار التابعة لحزب الله وقناة الجزيرة، كما تم في العراق إنشاء قناة العراقية وجريدة الصباح على الخلفية نفسها.
حديث الديمقراطية
أما فيما بعد الحرب على العراق فقد راحت الإدارة الأميركية تتحرك على صعيد جبهة أخرى وهى جبهة (دمقرطة الأنظمة العربية) من خلال السماح بمزيد من المشاركة السياسية لإفساح المجال أمام الحكم لدماء جديدة وكذا التأكيد على حكم القانون وتطبيق إصلاحات تتعلق باقتصاد السوق. كما عملت في الوقت نفسه الإدارة على تعزيز اتجاه التصالح لدى الأنظمة العربية والتقارب مع إسرائيل.
وهنا يذكر المؤلف أن الكثير من هذه الأنظمة، إن لم تكن كلها، لديها قدر من الرفض المبدئي لهذا الأمر وإن كان الرأى العام هو العقبة الأساسية أمام التطور على هذا الدرب. ورغم ما سبق يشير المؤلف إلى تشكيك البعض في الخطط الديمقراطية الأميركية للمنطقة في ضوء ما يذهب إليه كتاب ومحللون سياسيون عرب من أن الولايات المتحدة لا تبدي الكثير من الاهتمام بشأن هذا التطور على النحو الذي يؤدي إلى بزوغ نظم ديمقراطية كتلك التي توجد في أوروبا أو حتى الولايات المتحدة ذاتها، في ضوء احتمالات أن يؤدي التطور الديمقراطي عربيا إلى الإتيان بنظم ذات توجهات معادية للولايات المتحدة وإسرائيل إلى السلطة.
وينقل هاموند في هذا الصدد ما يذهب إليه الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة والذي يقول: (اعتقد أن الولايات المتحدة غير جادة على الإطلاق بشان الديمقراطية في الشرق الأوسط. إن ذلك قد يؤدي إلى مجيء أنظمة يمكن لها أن تقول لا لواشنطن وتتحداها خاصة في ضوء سياساتها الموالية لإسرائيل).
غير أن المؤلف لا ينكر هذا الأمر ويشير في معرض التأكيد عليه إلى أن بعض المحللين السياسيين الأميركيين من ذوي الاتجاهات التي تمثل تيار اليمين المحافظ والذين يدرجون في عداد الموالين لإسرائيل يرون أنه من العملي لواشنطن أن تفرض حلولها التي تراها على الثقافة العربية المتقلبة والتي يرونها ضد إسرائيل أيضا.
هل ينعكس ذلك في شكل سياسات تقوم بموجبها الولايات المتحدة بمحاولة التوصل إلى حلول لمشكلات المنطقة؟ في محاولة لتحديد الرؤية العربية في هذا الخصوص يذهب المؤلف إلى أن هناك قدرا محدودا من الاعتقاد على الصعيد العربي بأن الولايات المتحدة سوف تعمل على التوصل إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية.
فيما يوجد في الوقت ذاته قدر كبير من الهواجس والمخاوف بشأن السياسات الأميركية عما كان عليه الوضع خلال فترة هزيمة 1967 بشأن طبيعة السياسات الأميركية، خاصة في ضوء تزايد التأثير الإسرائيلي على الولايات المتحدة وكذلك حماس بعض الأميركيين للدولة العبرية.
أولوية القضية الفلسطينية
هنا ينقل المؤلف عن غسان سلامة المفكر ووزير الثقافة اللبناني الأسبق خلال المنتدى الإستراتيجي العربي في دبي 2004 قوله: حتى إذا تم عولمة العالم العربي والتحول نحو حكومات تقوم على الديمقراطية فإننا سنجد أن المواطنين العرب العاديين أكثر اهتماما بالقضية الفلسطينية من الحكومات ، فالفكرة التي تقوم على أن الحكومات هي السبب في الاهتمام الكبير الذي تحتله القضية الفلسطينية لدى المواطن العربي غير صحيحة.
إن الأمر على العكس تماما. مضيفا: إنني أعرف أن هناك فكرة رائجة في الولايات المتحدة مؤداها أن القضية ستدخل طي النسيان إذا ما راجت الديمقراطية، غير أنها على المستوى الفعلي تحتل اهتماما أصيلا في عقل المواطن العربي.. وعلى ذلك فإن الإجابة يجب ألا تقوم على أساس محاولة إغلاق ملف القضية بالنسيان.
ويوضح المؤلف أن هذا الفهم يأتي ردا على بعض التصورات التي تقدم في الولايات المتحدة وتقوم على أساس أن بعض المكاسب الاقتصادية والمعيشية يمكن لها أن توفر مناخا مواتيا على صعيد العلاقات العربية - الأميركية وتقضي على قوى الممانعة لدى بعض العروبيين المناصرين للقضية الفلسطينية من خلال تعزيز التوجهات الأحادية لدى الأقطار العربية والشعور بالتمايز في الهويات.
وفي مجال تفنيد هذه الرؤية يذكر هاموند أن العراق قدم المثال الصارخ على ما سبقت الإشارة إليه. لقد كان التصور يقوم على سهولة إزاحة ديكتاتور عربي يقود نظاما قوميا عربيا عن السلطة، غير أن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن، فإذا كان من خططوا للحرب في واشنطن قد تصوروا يسر مهمة إقامة حكومة حليفة تقوم على أسس علمانية فقد خاب ظنهم وجاءت حكومة أخرى تقوم على أساس طائفي شيعي وموالية لإيران في الوقت ذاته، عدو الولايات المتحدة.
ولم تجد إدارة بوش أمامها إزاء هذا الواقع سوى التعاطي مع النتائج غير المرغوب فيها لعملية غزو العراق على أمل أن المصالح العملية والاقتصادية الناجمة عن علاقات جيدة مع الولايات المتحدة يمكن أن تحيد أي دافع لمناهضة السياسات الغربية التي تتسم بالجذرية في توجهاتها تجاه الوضع في العراق.
ويصل المؤلف من خلال هذا الفهم إلى التأكيد على ما يراه حقيقة تتمثل في أن التطبيق الحقيقي للديمقراطية في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى نتائج ذات طبيعة كارثية على المصالح والتوجهات الأميركية الأمر الذي يفصل فيه القول على نحو يبدو بالغ المنطقية وقد لا يكون هنا مجال للتفصيل فيه.
النظم العربية والديمقراطية
يفصل المؤلف بعد ذلك في قضية الديمقراطية التي مثلت مصدر توتر في علاقات الأنظمة العربية مع الولايات المتحدة في السنوات القليلة الماضية، فيشير الى أنه رغم ما مثلته الحرب على العراق من مصدر قلق كبير لدى الزعماء العرب، إلا أنهم لم يحاولوا التدخل لعرقلة الخطط الأميركية بشأنها، مما كان له تداعيات سلبية على مختلف النظم العربية ومن ذلك مثلا على صعيد سوريا أن الحرب أدت إلى خسارة موقعها في لبنان.
على صعيد قضية الديمقراطية ذاتها يشير هاموند إلى ما يعتبره محاولات من الأنظمة العربية للالتفاف على دعوى الديمقراطية من دون رفضها مباشرة، ويورد في ذلك تصريحات لقادة عرب. ورغم أنه قد لا يوجد خلاف بشأن تراجع مستوى الديمقراطية عربيا، فضلا عن عدم رغبة بعض الأنظمة العربية في الأخذ بها، إلا أن ما يؤخذ على المؤلف، وغيره من الكتاب الغربيين، بل وغير الغربيين، تقديم الديمقراطية كقيمة عليا ذات بعد واحد في التطبيق هو التطبيق الغربي وهو ما لا يعد صحيحا تماما.
المهم أن المؤلف يشير إلى ما يعتبره لغة مزدوجة بشأن الديمقراطية في مواجهة الضغوط الأميركية، فهم من ناحية يقولون انهم سيفتحون الباب أمام التوجهات الديمقراطية، فيما أنهم على مستوى آخر يزعمون أن هناك بعض الحساسيات والخصائص التي تحول دون تطبيق الأسلوب الغربي في الديمقراطية.
وهنا يستعرض بعض تصريحات قادة عرب تؤكد على أن الديمقراطية الغربية قد لا تتوافق مع التقاليد العربية والإسلامية ومن ذلك التصريح الذي ذهب فيه زعيم عربي إلى ( إن الدول العربية تعمل بجد من أجل تحقيق الديمقراطية طبقا للمعايير التي تراها مناسبة). غير أنه في التحليل الأخير، فإن الأمر لم يخل من قيام بعض الدول العربية وتحت ضغوط من الولايات المتحدة ودعوات من الداخل ببعض الإصلاحات الإجرائية على مستوى الحكم.
غير أن المؤلف في هذا السياق يتطرق إلى ما يمكن اعتباره مشكلة بنيوية في موقف الولايات المتحدة ذاتها من هذه القضية مشيرا إلى تعايشها مع أنظمة غير ديمقراطية عربية عديدة وصلت في بعضها إلى حد مسايرة النظام العراقي بزعامة صدام حسين خلال فترة من حكمه من دون أن يبدو بينهما أي تعارض أو حتى تلوح بالدعوة إلى الديمقراطية.
ويذكر في معرض التأكيد على ما يذهب إليه موقف إدارة بوش الصامت في الوقت الذي كان فيه صدام حسين، حسب المؤلف، يستخدم الأسلحة الكيماوية ضد قرية حلبجة الكردية عام 1988 الأمر الذي أسفر عن مقتل أكثر من 5 آلاف شخص.
وضمن ما يذكره في هذا الخصوص التحول الذي انتاب موقف الإدارة الأميركية تجاه ليبيا والدخول في مرحلة من الحوار بين البلدين إثر إعلان الزعيم الليبي معمر القذافي عن التخلي عن برنامج ليبيا النووي في أعقاب الغزو الأميركي للعراق.
رسالة من واشنطن
بعض هذا الاستعراض الذي يركز في معظمه على تناول الرؤية الأميركية بشأن (فرض الديمقراطية) يحاول المؤلف في سياق مسعاه تقديم رؤية متوازنة عرض موقف الجانب العربي خاصة على صعيد النخبة المثقفة فيذكر أنها تذهب إلى أن الحل العادل للقضية الفلسطينية وليس تغيير الأنظمة هو الذي يمكن أن يحقق الديمقراطية.
وعلى ذلك، ووفقا لهذه الرؤية، فإنه بمجرد حل النزاع، يحين آوان إنهاء الأنظمة الشمولية والتي يأتي على رأس أهدافها مواجهة الحركات القومية التي تتشكل على مستوى الأقطار العربية والمساندة للمواقف الفلسطينية وتقوض الاستقرار الإقليمي العربي.
غير أن الحرب الأميركية على العراق، من هذا المنظور الذي تعكسه النخبة، كانت بمثابة قلب لمعادلة هذا الرأي رأسا على عقب. لقد كانت الرسالة الجديدة من واشنطن أن العالم العربي بما في ذلك الفلسطينيون بحاجة إلى دمقرطة أنفسهم من أجل استحقاق الدولة الفلسطينية، ما يكشف عن أن الهوة بين الموقفين العربي والأميركي كبيرة ومن الصعب ردمها أو تجسيرها.
ويعرض هاموند في هذا السياق لتفاصيل سجال عربي أميركي مباشر وغير مباشر بشأن من المخطئ ومن المصيب على النحو الذي يشبه الحالة العبثية بشأن أيهما سبق الآخر : البيضة أم الدجاجة؟ ففريد زكريا في مقالة له في (النيوزويك) تحت عنوان (سياسات الغضب) يتساءل لماذا يكرهوننا؟ - أي العرب؟
فيما أنه على الجانب الآخر يثير الكثير من العرب بدورهم أطروحة الكراهية متسائلين: لماذا يكرهنا الغرب؟ ويضيف : لقد مضى على إنشاء إسرائيل أكثر من 56 عاما - تصل إلى 60 عاما مع دخولنا عام 2008 - فيما مضى على مخططات إنشائها أكثر من قرن، ومع ذلك فإن تلك القضية ما زالت تؤجج الصراعات في المنطقة ومن المتوقع أن يستمر تأثيرها على هذا النحو لفترة مقبلة.
في مجال تفسير الأهمية التي تحتلها إسرائيل في السياسة الأميركية يشير المؤلف إلى وجود جماعات تعكس اتجاها عاما في الولايات المتحدة يؤكد على حيوية دور إسرائيل بالإشارة لمشاعر الكراهية للولايات المتحدة في العالم العربي.
وفي ذلك يذكر أن برنارد لويس في مقالة له منذ نحو عقد مضى - مقالة جذور الغضب والتي نشرت في مجلة (الأتلنتك مونثلي) - ذهب الى أن (جذور أو أصول معاداة الولايات المتحدة لا تكمن في مساندة إسرائيل أو حتى مساندة واشنطن لأنظمة ديكتاتورية وإنما، حسب وجهة نظره، في الشعور المكبوت بالغضب والنقمة جراء الخزي من تحول القوة من العالم الإسلامي الى الغرب المسيحي).
فإذا اعتبرنا أن مساندة إسرائيل هي السبب فإن الإتحاد السوفييتي كان من بين أولى الدول التي ساندت قيام إسرائيل، فيما أن الولايات المتحدة هي التي أرغمت قوى العدوان الثلاثي وتشمل بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على الانسحاب من مصر إثر عملية الغزو في 1956.
ولا يخفى ما في هذا المنطق الذي يقدمه لويس من مغالطة وإخفاء للحقائق حيث أن متابعة تفاصيل قيام إسرائيل تكشف عن حقيقة الدور الأميركي في هذا الخصوص، وفضلا عما سبق فإن الموقف الأميركي من عدوان 1956 إنما جاء على خلفية مصلحة أميركية بحتة كانت تتمثل في صعوبة تأييد هذا العدوان وفي الوقت ذاته التنديد بالعدوان السوفييتي على المجر، فضلا عما كان للولايات المتحدة من مصلحة في الإجهاز على الإمبراطورية البريطانية التي كانت في مرحلة النزع الأخير وهو الأمر الذي فتح الباب أمام الإمبراطورية الأميركية.
فضلا عما سبق، فإن الكراهية ، حال الإقرار بوجودها لم يشتد عودها بين يوم وليلة والأمثلة التي يستعين بها لويس لا تؤرخ سوى لفترة قديمة في الصراع وقتها كان العرب ما زالوا ينظرون للولايات المتحدة نظرة الدولة المتقدمة التي قد تسهم في تخليص العالم من الاستعمار غير أن تطورات هذا العقد - الخمسينيات - والعقود التالية حتى البدايات الأولى من القرن الحادي والعشرين تعزز اتخاذ موقف يقوم على التساؤل بشأن اتخاذ واشنطن سياسات مناهضة للمصالح العربية ومتصادمة معها؟
عرض ومناقشة : مصطفى عبد الرازق


