في ختام هذا الكتاب ينفتح الأفق أمام مجموعة مهمة من الأسئلة التي تدور في جوهرها حول تسييس العلم،حيث تشدد المؤلفة على أن مجموعة جاسون جاءت نتاجا خاصا بالثقافة الأميركية،وأن التجربة الأوروبية لم تفرز شيئا مناظرا لها حتى اليوم،وهي تشير أيضا إلى توقعات باستمرار المنطق الذي يقف وراء وجود مجموعة جاسون في دهاليز الحياة السياسية الأميركية.
السؤال المحوري الأخير الذي تطرحه المؤلفة بشأن مجموعة العلماء الأميركيين الذين عملوا تحت جناح السرية في خدمة حكومات واشنطون على مدى سنوات عديدة - هذا السؤال يتعلق بمصير هذه المجموعة التي اصطلحوا على إطلاق اسم «جاسون» عليها.. والسؤال بداهة يقول: جاسون.. إلى أين؟ وهذا هو عنوان الفصل التاسع - قبل الأخير- من الكتاب.
لقد كانت «جاسون« مؤسسة علمية وبحثية وفكرية في التحليل الأخير. لكن يبدو أن مشكلتها هي استمرارها عبر تلك السنوات، التي كادت تستغرق جيلا كاملا من عمر الزمن. وفي هذا الصدد تحرص المؤلفة على أن تنقل عبارة حافلة بالدلالات أدلى بها البروفيسور مار؟ن جولدبرغ وكان من إعلام مجموعة جاسون حين التقى المؤلفة خلال مراحل اعداد الكتاب. يومها قال عالم الفيزياء الكبير: مشكلة المؤسسات أنها كثيرا ما تعيش وتستمر بعد انتهاء المهام التي تكون مكلفة بأدائها.
والمعنى ببساطة أن مثل هذه المؤسسات يتجاوزها الزمن، ويفترض بالطبع أن تجري إحالتها إلى التقاعد.والمشكلة أن مجموعة أعضائها وإداراتها لا تكاد تشعر بهذه الأوضاع. حتى بعد أن عمد الكونغرس الأميركي في عام 1995 إلى شطب بنود المشورة العلمية من اعتمادات الميزانية القومية وحتى بعد أن بدأت مشورة مجموعة جاسون تقابل بموقف من الإهمال من جانب كبار المسؤولين في دوائر واشنطون نفسها.
وسواء كان هؤلاء المسؤولون على خطأ أو صواب في هذا الموقف.. وسواء كان من بينهم من أراد أن يبعث برسالة إلى مجموعة جاسون بأن عّف الدهر على ما كانوا يقدمون.. فالحاصل أن هذا التجاهل للنصيحة العلمية.. ناهيك أن تصدر هذه النصيحة عن صفوة مخضرمة من نوابغ العلماء. جاء ليثير المخاوف والقلق في دوائر المجتمع العلمي والبحثي بالولايات المتحدة.
التجاهل من إدارة بوش
من هنا، فمع حلول عام 2004 وجدنا اتحاد «العلماء المشغولين بقضايا مجتمعهم» يوجه اتهاما للحكومة ـ إدارة الرئيس بوش الحالية-على أنها تعمد إلى «كبت وتشويه وتقويض دعائم المشورة العلمية» على اختلاف مضامينها وتباين مصادرها.. ويبدو أن الإدارة الحاكمة لم تكد تلقي بالا إلى مثل هذه الاحتجاجات أو التحذيرات..
ها هي مؤلفة كتابنا تحيل (ص196) إلى مسؤول رفيع في دوائر وزارة الدفاع حين صرح في عام 2005 بأن دوائر البنتاجون العسكرية كانت تنظر بعين الزراية أو الاستهانة إلى العلماء تحت شعار «أن هؤلاء المعتوهين لا يفهمون المشاكل المعقدة التي يتعين علينا التعامل معها»!
ويجدر ألا ننسى أن دوائر البنتاغون في تلك الأيام كانت تحت سيطرة دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي السابق وأعوانه من زمرة المحافظين الجدد الذين كانوا، وربما لا يزالون، يصدرون عن رؤية إلى العالم ونظرة إلى القضايا والآراء والتخصصات مفعمة بقدر لا يحسدون عليه من الغرور والاستعلاء والثقة المفرطة في النفس وهو ما أفضى بالإدارة التي يتحكمون في مقاليدها إلى مواجهة مشاكل بغير حصر أفضت بدورها إلى خسائر جسيمة ومغارم فادحة في السمعة الدولية والمصداقية الإعلامية والاعتمادات المالية بل وفي صفوف العسكريين الذين سقطوا ما بين قتيل ومصاب في مسارح العمليات في كل من أفغانستان والعراق.
في كل حال تبدلت الظروف في غير صالح مجموعة جاسون السرية من صفوة علماء الفيزياء وما في حكمها من تخصصات في العلم التطبيقي. ومع هذه السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين أدرك أعضاء هذه النخبة أن بقاء مجموعتهم السرية تحت عنوانها الكلاسيكي «جاسون» أصبح مرهونا بإمكانية أن يتاح لهم سبل التمويل من مصادر تحترم تخصصاتهم وتصغي إلى مشورتهم وتبني خططها على أساس ما يقومون به من جهود في أهم مجال يعنيهم ويعني أيضا الممول المنتظر ويحمل عنوان: البحث والتطوير.
مطاردة كفيل محترم
هكذا كان الأمر مطروحا على مدار السنوات القليلة الماضية: البحث عن كفيل محترم.. فاهم ومستنير يتولى تمويل مجموعة من العلماء الرفيعي المستوى والمختارين بعناية فائقة والمستقلين من الناحيتين المهنية والسياسية، بمعنى أن ولاءهم الأول يتوجه نحو التخصصات العلمية التي يعملون في سلكها.
مع هذا كله فقد ظل معظم هؤلاء العلماء متمسكين بالبقاء في إطار مجموعة جاسون. ومنهم مثلا البروفيسور «ويل هابر» الذي كان يعد انتظامه في هذه المجموعة السرية خدمة للوطن وللعلم على السواء.
هذا الأستاذ تصفه المؤلفة (ص222 وما بعدها) بأنه رجل نحيف، دائم الابتسام، تشع الحيوية من أعطافه، ويصدر عن قصة حياة غير عادية إذ كان مولده في الهند من طبيب اسكوتلندي كان في خدمة الجيش البريطاني (المحتل وقتها) وأم أميركية طبيبة أيضا. انه يتذكر في طفولته وقائع الحرب العالمية الثانية. ويتذكر أيضا كيف حصلت الهند على استقلالها عام 1947 وكيف فقدت عائلته مدخراتها وعادت إلى أميركا التماسا للرزق.. وكيف أوصله نبوغه واجتهاده الدراسي إلى الالتحاق بجامعتي برنستون وكولومبيا.
أما عن التحاقه بجماعة جاسون السرية فيقول الدكتور «هابر» إنه كان سعيدا بالانضمام إلى هذه الصفوة المتفوقة من العلماء إذ كان مستواهم العلمي أرفع ما يكون، وفي مجال علوم الفيزياء على وجه الخصوص.
تقول المؤلفة في هذا الصدد: العلماء يريدون أن يعرفوا كيف تتشكل الأشياء، وما هي قوانين حركتها، وكيف تتم هذه الحركة. وعندما يهتدي العلماء إلى تلك الأسرار، ساعتها يتطلعون إلى ما يختفي تحت سطح هذا العالم المائج بالاضطراب والمائل إلى العنف لدرجة الهلاك. في ظل هذا كله، يستطيع هؤلاء العلماء أن يتصوروا عالما أدق نظاما وأروع جمالا، وهذا هو بالضبط ما يعينهم على الصبر والاحتمال ويزودهم بقدرات الاستمرار.
هواجس 11 سبتمبر
مع هذا كله فقد بدا البروفيسور هابر في لقائه مع مؤلفة الكتاب وقد استبدت به الهواجس، وكان اللقاء تحديدا في شهر أكتوبر من عام 2001، أي بعد أيام أو أسابيع قليلة من فاجعة الحادي عشر من سبتمبر التي ألمتّ بالمركز التجاري في قلب مدينة نيويورك. ورغم مواصلة حبل الحوار بين الطرفين، كان البروفيسور لا يلبث يعود إلى الحادثة وشخصيات مرتكبيها.
وفي هذا الإطار أيضا كان يتساءل عن الدوافع والمبررات، وكان يؤرقه إلى حد الأسى العميق حقيقة أن أميركا لم تستطع حماية نفسها (ص224) وكيف أن مشورة مجموعة جاسون السرية من العلماء المتميزين لم يكن لها فائدة أو جدوى. وعند هذا المنعطف من الحوار أضاف عالم الفيزياء الكبير قائلا: أتصور متشائما أنه بات من المستبعد أن يأتي حين من الدهر يسود فيه السلام الشامل حيث لا خطر ولا تهديدات.
أنا أقرأ في هذه الأيام قصائد من الشعر الروسي. ومازلت أذكر القصيدة التي تصور جنديا روسيا تؤرقه الذكريات حين يتذكر زوجته من ناحية فيما يؤرقه التفكير في المعركة المقبلة من ناحية أخرى. مازلت أتذكر بيتا في هذه القصيدة الروسية يقول:
ما السلم إلا طائف من خيال موهوم فالخطر مائل.. ولسوف يظل مائلا على الدوام.
مع الأستاذة «ياء»
من الفيزيائي قارئ ومتذوق الشعر الروسي إلى البروفيسور «ياء». هذا هو الحرف المسجَّل كناية عن اسمه.. أو بالأدق اسمها.. هي أستاذة عالمة، شكلت بكل مقياس استثناء مميزا وبارزا عندما انضمت إلى مجموعة جاسون السرية فكان أن كسرت بذلك تقليد اقتصار جاسون على الأساتذة الرجال.
ولكن ما الذي جذبها كي تنضم إلى جاسون؟
في إجابتها عن هذا السؤال المطروح على لسان مؤلفة الكتاب أجابت الأستاذة «ياء» أن عوامل الجذب على تعددها اخُتزلت في عنصر جوهري واحد هو: التحدي. نالت الدكتوراه في علم الكيمياء وحملت لقب أستاذ متميز في قسم الفيزياء بالجامعة التي عملت فيها.. تحكي عن كونها «جاسون» بمعنى انضمامها عضوا في الصفوة المنتقاة من هؤلاء العلماء تقول: في جاسون.. كل ما هنالك أن تكون فعالا ومثيرا.. ولا يهم إن كنت ذكرا أو أنثى.
الأستاذة كما وصفتها المؤلفة (ص326) سيدة طويلة القامة.. ذهبية الشعر.. لا تضع مساحيق الماكيا. وترتدي ثيابا بسيطة وربما تبدو امرأة عاطلة من رواء أو رّقة لولا رشاقة حركتها.. وصدق حديثها وهدوء جلستها. انضمت إلى «جاسون» من منطلق الفضول كي تعرف والتحدي كي تنافس. وهي تتصور أنْ كان التوقيت من حسن حظها إذ جاء هذا الانضمام في عام 1993 أي بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها وطبعا بعد أن أغلق دفتر حرب فيتنام بكل ندوبه وسلبياته ومآسيه..
وبعد زوال الخصم السوفييتي العنيد.. ومعنى هذا أيضا أن أصبحت معفاة من وصمة التعاون مع الحاكمين في ورطة فيتنام دع عنك إن لم تكن تعمل تحت وطأة التوتر الشديد الذي كان سائدا في مرحلة ما بعد القمر الاصطناعي الروسي «سبوتنيك» وهي حقبة الستينات المائجة بعوامل الرفض والتحدي والثورة والاضطراب.
هذه الأستاذة التي شاءت أن تخفي شخصيتها وأن نطرح آراءها تحت اسم أو بالأدق حرف الياء المستعار يؤرقها أمر طالما أقضّ مضاجع المفكرين والمصلحين والفلاسفة والعلماء. إنه أمر العلاقة بين العلم والسياسة، فالعالم الحق لا يستطيع أن يخدم سيدين في وقت واحد. ومسايرة المفكر أو العالم للمجتمع تؤدي كما تقول هذه الأستاذة (ص228) إلى تسييس العلم ذاته وهنا يجد العلم من يبالغ في تقييم نتائجه وفي تفسير دلالات تلك النتائج أو يجد من يرفض هذه النتائج دون مبرر معقول وبغير سابق إنذار..
وذلك لخدمة أغراض ومآرب سياسية.. والعلم هو الخاسر في كل الأحوال.. من هنا فالمشكلة أو هي الأزمة صعبة في الموقفين: من الخطر تجاهل أن مسايرة المجتمع تؤدي إلى تسييس العلم.. ومن الخطر بنفس المقياس الرضوخ أو الاستسلام أمام ظاهرة التسييس هذه.. وإذا ما أغرق المجتمع في تعاطي تلك المشورة المبنية على مقتضيات السياسة فالمجتمع يخاطر بضياع ما يستطيع علماؤه أن يقدموه.. وهو قدرتهم على بناء الدليل وإرسائه على أساس من المعرفة والمنطق والحق.
دعوة إلى التأريخ
في كل حال، تتصور الأستاذة «ياء» أن من المهم تسجيل تجربة جاسون ـ ذلك الفريق السري من صفوة علماء أميركا ـ وعبر سنواته التي زادت على الثلاثين في كتاب يؤرخ للمجموعة منذ أيامها الأولى التي شهدت هؤلاء العلماء وهم يتعاملون مع المشاكل ويسْدُون مشورتهم إلى مسؤولي الحكومة بشأن قضايا من قبيل الدفاع الصاروخي والتجارب النووية ومحاولات ارتياد الفضاء الخارجي وما في حكمها.
تؤكد هذه الأستاذة ويؤكد رفاق طريقها أيضا ـ ولاسيما من أعضاء نفس الصفوة السرية أو التي كانت كذلك ـ أن من الأهمية بمكان الحفاظ وسط هذا كله على عنصر جوهري هو من ألزم ما يكون بالنسبة للعلاقة بين الحكومة، أي حكومة وبين العلماء.. هذا العنصر تلخصه كلمة واحدة هي: الاستقلالية.
وفي هذا السياق تقول مؤلفة الكتاب:لو أحجمت أو توقفت حكومة الولايات المتحدة عن الإصغاء إلى ما يشير به العلماء المستقلون بشأن ما يتم اتخاذه من قرارات سياسية تتعلق بالقضايا العلمية، ومنها مثلا: تغير المناخ، الدفاع الصاروخي أو الأسلحة النووية، فإن المشورة التي ستحصل عليها الحكومة جديرة بأن تأتي من علماء يعرفون مسبقا ما يود مستخدموهم أن يسمعوه.
ويتمثل الخطر هنا في أن تظل الحكومة معزولة لكي تتخذ قراراتها لا استنادا إلى الحقائق العلمية.. بل استنادا إلى الوقائع السياسية.وهذا هو الذي يدفع أميركا ـ مثلا ـ إلى رفض التوقيع على اتفاقيات المناخ الدولية (كيوتو وغيرها) بصرف النظر عما إذا كان كوكب الأرض يتعرض بالفعل لظاهرة التسخن. ثم أن ساسة واشنطن ينفقون بلايين الدولارات على نظم الدفاع الصاروخي بصرف النظر عما إذا كانت هذه النظم ستصبح فاعلة في يوم من الأيام.
وهم ينشرون دعواهم لاستخدام الأسلحة النووية التكتيكية بغضّ النظر عما إذا كانت هذه النوعية من الأسلحة مناسبة للظروف السائدة حاليا على مستوى العالم ودون درس عميق للآثار الاشعاعية التي يمكن أن تنجم عنها في يوم من الأيام.
جاسون.. لماذا؟
ثم تخلص المؤلفة (ص230) إلى محصلة تقول: من هنا فالموقع الوحيد الذي قد يتيح لأولي الأمر (في أميركا) أن يحصلوا على مشورة أو نصيحة علمية يمكن الركون إليها بوصفها لا تصدر عن مآرب سياسية.. لابد وأن يكون على من طراز جماعة جاسون، بمعنى صفوة من نوابغ العلماء وأكابر الاختصاصيين في مجالات العلم التطبيقي المختلفة.. تتاح لهم سبل التمويل مأمونة وسخية ووافية بالمطلوب.. وتُهيأ لهم سبل العمل في جو من السرية بعيدا عن صخب الحياة اليومية وأضواء العلن وفلاشات الإعلام..
فيما يتمتعون في أعمالهم بمستوى محترم من استقلالية القرار دون أن تملى عليهم سياسات فوقية أو يجدون أنفسهم وقد باتوا رهن إرادات سلطوية.. مع هذا كله فهذا الأسلوب الذي اتبعوه بالنسبة لمجموعة جاسون مازال يجد من يؤيده ويدافع عنه ويرى فيه فائدة جمة مما يحقق المصالح القومية للولايات المتحدة..
ويلفت النظر في هذا المقام أن هناك من يربط بين جاسون كمجموعة وتجربة وأداء وبين الثقافة الأميركية حيث تؤكد المؤلفة أن أصدقاء أميركا عبر المحيط الأطلسي، وهي دول غرب أوروبا، لم يتوصلوا إلى مثل هذا الأسلوب في طلب المشورة العلمية من جماعة تعمل سرا وفي استقلالية تامة كي تسدي للحكومة مشورتها دون خشية من حساب أو عقاب.
وربما يرجع السبب في تصورنا إلى طابع الفردية أو الاستقلالية الذي تميزت به الثقافة الأميركية فهي في التحليل الأخير ثقافة محدثة صاغتها عناصر من المهاجرين وشراذم من المستوطنين القادمين من خارج الأرض الأميركية التي كانت تعرف باسم «العالم الجديد».
وربما يصعب أحيانا أن نطلق عليها وصف ثقافة إذ أنها تفتقر إلى جذور ضاربة بأصالة في أعماق الزمن وتربة التاريخ الطويل، ومن ثم تعوزها ما تتمتع به سائر الشعوب والحضارات الأخرى من خبرة طويلة ومراس محنك بقضايا الحياة.
على الجانب الآخر من نفس المعادلة، يمكن القول بأن هذه الحداثة في التجربة الأميركية لم تؤصل في تربتها أسس حكومة ذات تقاليد عتيقة أو نظم ولوائح وقواعد بيروقراطية من شأنها أن تزيد من سطوة القابضين على مقاليد الحكومة فإذا بهم قادرون من حيث يشعرون أو لا يشعرون على فرض آرائهم وتصوراتهم على من يتعاملون معهم، يستوي في ذلك مرؤوسوهم من كبار الموظفين وقد يستوي أيضا مستشاروهم من نوابغ العلماء.
والتأكيد في هذا المجال ـ على نحو ما تفعل مؤلفة الكتاب في سطور صفحاته الأخيرة (ص231 وما بعدها) ـ ينصّب على عنصر النبوغ الفكري والكفاءة المهنية وعمق الخبرة العلمية والممارسة البحثية.. وهنا تنقل المؤلفة أيضا عن البروفيسور «ويليام بيري» وهو من المنضمين إلى جماعة جاسون منذ أوائل الثمانينيات كما أنه أيضا أستاذ نابغ في علوم الرياضيات - تأكيده بأن أفراد مثل هذه المجموعة لابد وأن يكونوا أساسا عند أعلى مستوى من التضلع والتفقّه في تخصصاتهم.
العلم وإسداء المشورة
في هذا الخصوص يقول الأستاذ بيري بصراحة مباشرة:في مسائل السياسة أو الأخلاق.. فإن ثقتي في جاسون (يقصد بوصفه عضوا في تلك المجموعة) لا تعدو ثقتي في أي شخص متعلم وفاهم آخر. لكن في مسائل العلم والمشورة العلمية (المرتبطة بالمصالح القومية) تتجه ثقتي تماما إلى هذه النخبة وهذا المستوى من العلماء.
تمضي المؤلفة بعد ذلك لتقول:إن العالِم الضليع يصلح لكي يكون مستشارا جيدا. وهذا الصنف من العلماء الثقات يتحلون بنهج يتبعونه في التفكير والتعامل مع المشكلات يقلّب الأمور على مختلف جوانبها ويعي أن من المحتمل أن يجانبه الصواب أو يكون على خطأ في أي لحظة. وهم يتناولون مثل هذه الأمور، لا من منطلق معتقدات أو تصورات مسبقة ولكن على أساس من الحقائق الموضوعية ومن إقامة الحجة وإثبات الدليل.
عرض ومناقشة: محمد الخولي



