توقعت منظمة الصحة العالمية أن يكون الاكتئاب ثاني أخطر الأمراض التي تهدد العالم بحلول عام 2020. وفي بريطانيا أفاد مكتب الإحصائيات الوطنية أن 10% من أبناء الشعب البريطاني الذي يبلغ تعداده 60 مليون نسمة مصابون بالاكتئاب.

فما هو السبب وراء هذا الانتشار السريع لهذا المرض الذي تؤكد منظمة الصحة العالمة إنه سيكون بين أكثر الأمراض فتكا بالبشر خلال سنوات قليلة؟ أفردت مجلة (نيوساينتست) العلمية تحقيقا مطولا في أحد أعدادها الأخيرة للإجابة عن هذا السؤال وذلك بتبيان الأعراض الحقيقية للمرض ومسبباته وطرق العلاج منه وأحدث ما توصل إليه العلم في هذا الشأن.

تقول المجلة على لسان البروفيسور رونالد دومان من جامعة يا ل الأميركية إن السبب الذي يرجحه العلماء لتزايد حالات الاكتئاب في العالم في السنوات الأخيرة بهذه المعدلات المخيفة التي رُصدت في بريطانيا ودول أوروبية وأميركية أخرى هو ما نطلق عليه مصطلح ( التغريب)،

وهو ما يعني إضفاء الطابع الغربي أو اللمسة الغربية على كل إيقاعات حياتنا سواء شئنا نحنا أم أبينا. ففي المناطق التي لا يزال الناس فيها ملتزمين بأساليب الحياة التقليدية، تتراجع حالات الإصابة بالاكتئاب بشكل كبير بحسب أحدث الإحصائيات الواردة في هذا الشأن وفقا للمجلة.

ولكن بمجرد أن تطغى الثقافة الغربية على نماذج الحياة التقليدية، يبدأ الاكتئاب في شق طريقه بين البشر بشكل يصعب معه السيطرة عليه. ولكن لماذا التغريب بالذات؟ هكذا يتساءل كاتب التحقيق. وتأتي الإجابة أيضا على لسان البروفيسور دومان الذي يؤكد أن الثقافة الغربية تتسبب في العلاقات غير السوية وغير محددة المعالم التي من ثم تزيد معها إمكانية انهيار تلك العلاقات،

فضلا عن أنه يصعب في ظل الثقافة الغربية توقع طبيعة أماكن العمل وتصرفات الموظفين تحت الضغوطات التي تقع وتمارس عليهم، ناهيك عن تفاقم حالات التشرذم في المجتمعات بسبب عدم وجود علاقات اجتماعية سليمة. إلى جانب ذلك، على حد تعبير البروفيسور، فإن انتشار التقنيات الحديثة يتسبب في كثير من الأحيان في تعدد الخيارات بشكل قد يؤدي إلى الإرباك ومن ثم التوتر الذي بدوره يقود إلى الاكتئاب.

وللاكتئاب أعراض كثيرة منها ما يمكن التعرف إليه بسهولة، ومنها ما لا يظهر كعرض نفسي، بل يتخفى كعرض عضوي أو شكوى، مثل سرعة الشعور بالإرهاق والتعب والخمول؛ عدم الاستمتاع بالوقت والنشاطات التي كانت ممتعة في السابق؛ اضطرابات في النوم كالأرق وأحياناً كثرة النوم؛ وجود آلام عامة غير محددة بالجسم من دون مرض عضوي واضح؛ تزايد أعراض القلق والعصبية الزائدة عن المعتاد؛

اضطرابات في الجهاز الهضمي؛ أعراض خاصة بنشاط الفرد وحيويته، كالحركة الزائدة وعدم الاستقرار، أو على العكس الاتكال والإحباط، أو حتى كثرة الشعور بالإرهاق السريع وفقدان الطاقة، وهناك أعراض نفسية عامة مثل أعراض انخفاض الشهية للطعام، قلق وتعكر المزاج،

الشعور بالحزن، نوبات البكاء، وقلة في التركيز والقدرة على القراءة والمذاكرة وبالتالي انخفاض المستوى الدراسي؛ الشعور بعدم الثقة بالنفس والتعب؛ الأفكار التشاؤمية بأنواعها، وبتفاقم الحالة أفكار حول جدوى الحياة أو التفكير والتمني بالتخلص منها.

وعلى الرغم من أن مرض الاكتئاب هو من أكثر الأمراض النفسية والعضوية انتشاراً في العالم، إلا أن الطب الحديث لم يتوصل بعد إلى معرفة الأسباب المباشرة والحقيقية للإصابة به. ولكن توجد نظريات وملاحظات تدل على بعض أسبابه، منها الآتي:

- وجود نقص أو تغيرات في الموصلات العصبية.

- وجود تغيرات غير طبيعية في حساسية أو عدد المستقبلات الموجودة على غشاء الخلية العصبية، والتي تتحكم في نقل أو تأثير الناقلات والهرمونات وجميع المواد الكيميائية الموجودة في المخ والتي تؤثر في فعاليات ووظيفة الخلية العصبية.

- وجود تاريخ عائلي سابق للإصابة بالاكتئاب عند الشخص نفسه، ولكن توجد أنواع من الاكتئاب لا ترتبط بأية آثار وجوده في العائلة.

- وجود ضغوط نفسية شديدة في حياة الشخص، فالإجهاد النفسي وضغوط الحياة من أهم الأسباب التي تسبب حدوث مرض الاكتئاب، ولكنها في الأغلب غير كافية لتطور المرض. ربما تكون ضغوط الحياة السبب في ابتداء المرض، ولكن حتى يتمكن المرض من إنسان تكون الاستعدادات الوراثية والعضوية سبباً رئيسياً له.

وهناك عدد كبير من الأمراض التي تصيب الجسم تسبب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة الإصابة بالاكتئاب كعرض أو مرض ثانوي لتلك الحالة مثل بعض أمراض الغدد الصماء، كمرض السكر واضطرابات الغدة الدرقية، وبعض الأمراض الروماتزمية كالتهاب المفاصل،

وبعض الأمراض السرطانية الخبيثة كسرطان الرئة والثدي والبنكرياس وغيرها وبعض أمراض الجهاز العصبي كشلل الرعاش وجلطات الدماغ والتصلب المتعدد وغيرها وبعض الآثار الجانبية لأنواع من الأدوية كالكورتيزون، وبعض مضادات ارتفاع ضغط الدم وغيرها.

ومن ثم فإن الاكتئاب يمكن أن يكون بسبب مرض جسدي آخر أو يكون متزامناً مع مرض جسدي آخر أو نتيجة آثار جانبية لعلاج مرض جسدي آخر. وتشير الأبحاث إلى وجود علاقة وثيقة بين القلق والاكتئاب، فهما، وإن كانا مرضين نفسيين مستقلين، فإنهما في أكثر الأحيان متزامنان مترافقان؛ فأحيانا يكون القلق جزءًا من الاكتئاب أو نتيجة أو سببا له.

كما أن علاج الاكتئاب وخصوصاً العلاج الدوائي، أي مضادات الاكتئاب، مفيد جدا في علاج القلق في أكثر الأحيان. يقول البروفيسور دونمان إن الإفراط في الأحلام قد يتسبب في الإصابة بالاكتئاب. فهو يصف عملية المرور بحلم بأنها آلية يطلق المخ فيها العنان للشخص كي يحقق ما لا يمكن تحقيقه في الحقيقة. فالاكتئاب، على حد قوله، يمكن أن يتولد نتيجة الإفراط في الحلم،

الأمر الذي يتسبب في اضطراب أنماط النوم عند الفرد ويزيد من إرهاق الشخص الذي يحلم بشكل مفرط لأنه يزيد من شعوره بالعجز عن تحقيق طموحاته إلا في الأحلام مما يصيبه بتعب نفسي وعضوي بصرف النظر عن الساعات التي يخلد فيها إلى النوم.

ولذلك فإن علماء النفس والأعصاب، بحسب المجلة، مجمعون في النهاية على أن علاج الاكتئاب على المدى البعيد يكمن في تلبية الاحتياجات البشرية الموجودة في عقل الإنسان الباطن، وهي الاحتياجات التي تتضمن الأمن والاستقلالية والخصوصية والشعور بالكفاءة.

وتشير الدراسات المسحية إلى أن المجتمعات الغربية تواجه خطر خسارة والتضحية بالعلاقات الإنسانية ، وهي العلاقات التي تعد المصدر الرئيسي والمؤكد للسعادة والرخاء الاقتصادي. وفي ضوء الصعوبة الشديدة لبلورة هذا النوع من العلاج،

فإن كاتب التحقيق يخلص إلى أن الوضع ليس بالسوء والقتامة التي يتصورها البعض. فهناك بارقة أمل على حد تعبيره تكمن فيما يطلق عليه مصطلح ( اقتصاديات السعادة) الذي يصفه كاتب المقال بأنه انتشر

واكتسب أرضية كبيرة في الفترة الأخيرة وأصبح مجالا خصبا يصف الحاجة إلى رصد وتعقب حاجة الناس للسعادة عن طريق مؤشرات مشابهة لتلك المستخدمة في تتبع وقياس القوة الاقتصادية و إجمالي الناتج المحلي. وقد يكون هذا هو السبيل الأكيد والوحيد حتى الآن لعلاج الاكتئاب.

إعداد: حاتم حسين