تتناول المؤلفة هنا جانبين مهمين في دراسة الجهود التي بذلها العلماء الأميركيون في خدمة أمن بلادهم ومصالحها القومية ،وفي الجانب الأول تلقي الضوء على جهودهم في إطار حرب فيتنام وبصفة خاصة انتقادهم لأسلوب روبرت مكنمارا في إدارة تلك الحرب، كما تتطرق إلي الكيفية التي نظرت بها أطراف عديدة إلى دورهم في تلك المرحلة، كما تشير إلى الدروس المستفادة من هذا كله.
بحلول عام 1966 كان فريق العلماء السري في أميركا الذي حمل اسم «جاسون» قد أثبت وجوده وزادت ميزانيته وقدم إسهاماته وخاصة في مجال كان حيويا في تلك الأيام من ذروة اشتعال الحرب الباردة. وكان هذا المجال تحديدا هو سبيل الكشف عما كان يجري من اختبارات وتجارب نووية. قبلها كان تجريب فعالية أو عدم فعالية القنبلة النووية يتمثل في أمر واحد وكان هذا الأمر ببساطة هو تفجيرها. وكان الأمر يتطلب وسائل علمية موثوقة لتقصي ما كان يتم من اختبارات لذلك السلاح النووي المدمر الخطير سواء كان الاختبار يتم في الفيافي أو البراري أو تحت سطح البحر.
وبفضل هذا التقدم في أسلوب الكشف عن ذلك النوع من التجارب، وهو تقدم كان يسير لحسن الحظ في خطى متوازية على مستوى القوى النووية الثلاث الكبرى، أميركا.. روسيا.. انجلترا، أمكن لهذه الأطراف أن تصل إلى نوع من التوازن النووي مما أفضى بدوره إلى إمكانية توقيع أول معاهدة حيوية الأهمية لحظر إجراء التجارب النووية وهي الصك الدولي الذي ما برح يشكل أساسا متينا ووطيدا لإقرار السلام العالمي. في ضوء مثل هذه الإنجازات التاريخية، تواصل مؤلفة كتابنا بحثها فتطرح في هذا السياق سؤالا مهما يقول: كيف كانت النظرة في الماضي والحاضر إلى تلك الصفوة السرية من علماء أميركا التي حملت اسم جاسون؟
المؤلفة تجيب عن هذا السؤال المحوري من خلال مقولتين تطرح كل منهما في فصل مستقل من فصول كتابها. المقولة ـ الإجابة الأولى تلخص النظرة إلى فريق جاسون من العلماء على أنهم «أبطال». وهذا هو عنوان ومن ثم موضوع الفصل الرابع. المقولة ـ الإجابة الثانية تلخص النظرة إلى المجموعة نفسها من هؤلاء العلماء على أنهم «أشرار»، وهذا بدوره هو عنوان ومن ثم موضوع الفصل الخامس من هذا الكتاب.
عن «الأبطال»
في فصل «الأبطال» توضح المؤلفة كيف كان هؤلاء العلماء يراودهم شعور بالاستياء إزاء دور أميركا في حرب فيتنام. مع ذلك فقد دفعهم شعورهم كمواطنين أميركيين إلى محاولة مساندة بلدهم من خلال ما قدموه من بحوث وتقارير علمية تحمل عنوانا واحدا هو: فيتنام.
من هذه الدراسات مثلا ما بحث فيها واضعوها إمكانية قطع طريق الإمدادات التي يتزود بها محاربو جنوبي فيتنام من شماليها وهذا الطريق كان يحمل اسم «طريق هوشي منه» وتناولت الدراسة إمكانية استخدام أجهزة استشعار ووسائل الكترونية وطائرات مخصوصة لقطع إمدادات الطريق المذكور.
وفي هذا السياق كان على هؤلاء العلماء أن يبعثوا برسالة (ص67) إلى وزير دفاع تلك الفترة ـ روبرت مكنمارا ـ ينتقدون فيها أسلوبه في إدارة تلك الحرب التي أحدثت دمارا واسعا في رأيهم من دون أن تحقق نتائج عملية أو ملموسة.
وأفاض العلماء أيضا في انتقاد هزال البيانات التي قدمت لهم عن أوضاع فيتنام، ولكنهم اقترحوا تجريب إنشاء نقاط مخصصة للتضييق على «المتمردين» ومحاولة خنق وسائل مواصلاتهم وإمداداتهم (وكان مصطلح التمرد هو المعتمد في أدبيات حرب فيتنام بديلا عن مصطلح المقاومة التي جابهت الوجود الأميركي في تلك الأدغال المترامية بجنوب شرقي آسيا).
أضاف علماء جاسون أيضا دراسة حول التشويش الصوتي على أجهزة البث ومنظومات الاتصال عند الجانب الفيتنامي. يسترعي النظر في هذا السياق ما تؤكده مؤلفة الكتاب (ص68) من أن رسائل وانتقادات ودراسات مجموعة جاسون كانت من العوامل الجوهرية التي تسببت في استقالة وزير الدفاع مكنمارا بعد أن كشفت تلك الدراسات فداحة الأخطاء واتساع الثغرات التي شابت الأداء العسكري الأميركي في أحراش آسيا.
عمليات الرعد القاصف
في هذا الإطار أيضا برزت الدراسة التي حملت اسم «الرعد القاصف» وقصدت إلى استخدام متوسع للمدفعية لا لتحقيق هدف عسكري، ولكن لإحراز غاية سياسية في الأساس، وهي تخويف عناصر ومسؤولي فيتنام الشمالية من خلال قصف إمداداتهم من الوقود ومن ثم إعاقة مساعداتهم التي كانت تدعم مقاتلي الجنوب مما يفضي بالجميع ـ كما كان مأمولا ـ إلى مائدة المفاوضات.
من جانبها انطلقت دوائر البنتاغون في واشنطون إلى تصعيد خطير في جهدها العسكري. ولم يأت صيف عام 1965 إلا وكان الأميركيون قد استخدموا طائراتهم الحربية في قصف محطات الكهرباء وخطوط السكك الحديدية والموانئ والقطارات والجسور.
هنالك كلفوا مجموعة جاسون بتقييم كل هذه.. «الإنجازات» فما كان من هؤلاء العلماء إلا أن أصدروا تقريرا سريا بالطبع خلصوا فيه بالحرف إلى ما يلي: «... إن كل ما قامت به العسكرية الأميركية من قصف فيتنام الشمالية لم ينجم عنه أي أثر ملموس يمكن قياسه في تحجيم قدرة هانوي على دعم وتصعيد العمليات المضادة في جنوب فيتنام».
ميزة زراعة الفقراء
مضى التقرير في سطور أكثر تعمقا ليقول:والحق أن فيتنام الشمالية لم تتأثر أو تتضرر كثيرا من كل ما قامت به القوات الأميركية. لماذا؟ لأنها كانت قد أقامت اقتصادها على أساس الزراعة الكفافية وهي زراعة الفقراء، كما أنها مورد ونشاط يصعب تقصيه وقصفه على عكس الصناعة التي لابد وأن تتم داخل مؤسسات يمكن تحديد مواقعها وفي معامل من السهل قصفها.
بل أن مصانعها لم تكن تنتج أي كميات يعتد بها من العتاد العسكري لأنها ببساطة كانت تتلقى هذا العتاد من الصين والاتحاد السوفييتي.. وكل ما حدث هو زيادة تسلل عناصر الشمال للانضمام إلى قوات المقاومة ضد الأميركيين في ساحات الجنوب.. ولاشك أن العسكرية الأميركية قد أساءت الحكم على ما يتمتع به أهل فيتنام الشمالية من قدرات الصمود وإرادة التصميم والاستمرار.
في ضوء هذه التطورات والأوضاع كان مطلوبا من فريق جاسون السري أن يتوصل إلى سبيل يكفل إصابة «طريق هوشي منه» بالشلل أو على الأقل بالعطب بوصفه الشريان الحيوي للمقاومة الوطنية الشرسة التي اكتوى الأميركيون بنارها في جنوب فيتنام.
فكرة مختلفة
كان علماء جاسون يعارضون في غالبيتهم عمليات القصف العشوائي أو الجماعي شبه الأعمى التي تمارسها القوات الأميركية تحت شعار الحيلولة دون وقوع فيتنام ـ الجنوب في حبائل العقيدة الماركسية والنفوذ السوفييتي ـ الشيوعي. ولهذا كان مطلوبا منهم أن يتوصلوا إلى سبل أكثر دقة ومهارة. والحاصل أنهم توصلوا بالفعل إلى سبيل تصفه المؤلفة (ص73) بأنه قام على أساس فكرة حاذقة وبسيطة بل وأقرب إلى تفكير.. الأطفال!
فكرة قامت على أساس نشر أجهزة صوتية على طول هذا الطريق بواسطة الطائرات. وبعدها تقوم أسراب أخرى من الطائرات بإلقاء أجهزة فوق رؤوس الأشجار لتشغيل هذه المعدات الصوتية عند اللزوم. وهذا اللزوم يحدث أو تتهيأ ظروفه عند اقتراب أو دخول قوات المقاومة المعادية من المناطق التي يخترقها الطريق.
ساعتها تعمل أجهزة التشغيل فإذا بمعدات الصوت تحدث ضجيجها يدوي في أرجاء المكان وبعدها تتولى معدات البث الصغيرة (الترانزستورز) إرسال إشاراتها إلى جهاز حاسوب الكتروني (كمبيوتر) مركزي يتولى حساب وتحديد مواقع القوات المعادية ويرسل بدوره نتائج حساباته إلى مراكز القوات الجوية التي تبادر إلى إرسال طائراتها إلى المواقع المحددة لقصفها وتدميرها.
جاءت هذه الأفكار بعد دراسات نظرية وميدانية لطبيعة الأرض وللغطاء النباتي في فيتنام. وفي سياق دراستها وتداولها في دوائر البنتاجون كانت تثار مشاكل طريفة من قبيل أن أجهزة الصوت كانت تبعث بضجيجها وإشاراتها عندما كانت المناطق المستهدفة على طول طريق هوشي منه تتعرض لاختراقها من جانب قطعان الفيلة وما في حكمها من جحافل حيوان الغابات.
ومع ذلك فقد أسفرت الفكرة ـ رغم بساطتها عن التقليل من الأعداد الغفيرة من قتلى الفيتناميين وكان منهم مزارعون بسطاء ومدنيون عزّل كانوا يسقطون ضحية القصف والتدمير العشوائي الذي كان يمارسه العسكريون الأميركيون.
والمهم أيضا أن هذه الدراسات وتلك الأفكار التي نبعت بين صفوف علماء فريق جاسون هي التي أرست بصورة أو بأخرى أسس الحرب الالكترونية التي ما لبثت أن تطورت إلى استخدام الحواسيب وما في حكمها في إدارة المعارك على مسارح العمليات. وكان الفضل لعلماء جاسون في إشاعة بل وتعميم استخدام أجهزة الاستشعار الالكتروني في تحديد مواقع العدو مما أدى بصورة أو بأخرى إلى الحد من خسائر الأرواح في كلا الجانبين.
بعدها توضح المؤلفة كيف أن انشغال فريق جاسون بأمر فيتنام والحد من خسائرها قد آذن بالتوقف في شهر يونيو من عام 1972 وفي ضوء ما شهده ذلك الصيف من بدء المفاوضات بين الجانبين ومعه كان بدء انسحاب القوات الأميركية من أراضي فيتنام.
وإذا كان فريق جاسون قد اقترح إنشاء حاجز الكتروني يحول دون تسلل المقاتلين من شمال فيتنام إلى جنوبها، فإن إنهاء هذا المشروع من تلك البقعة الآسيوية لم يكن ليشكل بحال من الأحوال نهاية لتطوير هذه الفكرة وإنضاج مثل هذا الاقتراح.
وفي هذا الصدد يقول واحد من هؤلاء العلماء وهو البروفيسور ستيفن لوكاسيك (ص89):لأول مرة منذ استحداث الأسلحة النووية وقذائف الصواريخ التسيارية.. يصبح لدينا تكنولوجيا جديدة تماما أطلقنا عليها اسم الأسلحة الذكية.
ورغم أن فكرة الحاجز الالكتروني المانع للتسلل في فيتنام كانت في وقتها فكرة ساذجة إلى حد مريع، إلا أنها كانت المهد الذي ولدت فيه فكرة أجهزة الاستشعار بأكملها.. تلك الأجهزة الدقيقة التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من كل حاسوب.
عند هذا المنعطف من البحث تنهي مؤلفة الكتاب الفصل الرابع الذي حمل ـ كما أسلفنا ـ عنوان «الأبطال» وهو عنوان لا نجد له في تصورنا كقارئين ومحللين أي مبرر سائغ أو معقول. فبرغم أن فريق العلماء السري ـ جاسون - كان مجمعا على هدف تقليل الخسائر في الأرواح ورافضا لحكاية القصف العشوائي أو التدمير الجماعي
الذي كانت تشهده وتعانيه تلك الأصقاع البعيدة من جنوب الشرق الآسيوي، إلا أن سيرتهم في سياق الفصل الرابع من الكتاب ظلت تفيد بمشاركتهم كعلماء ومفكرين وباحثين عاملين في خدمة المجهود الحربي لبلادهم من دون أن يحققوا ما يمكن أن يستحقوا عليه لقب البطولة أو فضلها أو شعاراتها.
ورغم كل شيء فما كانت فيتنام بكل ملابساتها ساحة لإحراز بطولة بالمعنى الذي يعتد به. وربما لهذا تفتتح المؤلفة سطور الفصل الخامس من كتابها بالإحالة إلى مقابلة أجرتها في عام2002 مع واحد من أفراد فريق جاسون وهو البروفيسور إد فريمان الذي قال:رغم كل شيء
فقد عملت شخصيا في مجال الأسلحة النووية وكان بوسعي أن أتعايش مع هذا العمل، ليس لأنني تصورته أمرا يجوز الإقدام عليه، ولكن لأنني تصورت أن مبادئ الردع لها أهميتها ومغزاها. من هنا مضت الأمور على ما يرام إلى أن جاءت (حرب) فيتنام.. التي تسببت في تفكيك هائل وجسيم في بنية جاسون.
دروس مستفادة ومريرة
تعلق المؤلفة عند مفتتح هذا الفصل الجديد من الكتاب من خلال سطور تقول: لقد سبق لمجموعة جاسون العلمية السرية أن تعلم أفرادها من دروس مشروع مانهاتن لصنع القنبلة الذرية. من هذه الدروس المستفادة والمريرة أيضا ما تعبر عنه المؤلفة في سطور هذا الفصل الخامس على النحو التالي أن العلم الحاذق يمكن أن يكون عنصرا حيويا ولا غنى عنه لسلامة الأمن القومي ولكن يمكن أيضا أن يتسبب في خطر جسيم.
لقد صنعوا به القنبلة الذرية وأنهوا بها حربا عالمية رهيبة دامت 7 سنوات عجافا أو متأججة النيران.. لكنهم أطلقوا بهذا قوة فيزيائية جبارة من عقالها ويمكن أن يساء استخدامها لا لوقف الحرب أو لصنع السلام بل لتدمير الحضارة من أساسها.
لقد قدموا مشورتهم ونفذوا مشاريعهم بشأن الحرب الأميركية في فيتنام ولكنهم وقعوا بذلك على جانب أصبح جسيم الخطر في مسارح العمليات العسكرية، بل وفي غمار الحروب الحديثة وهو المعارك الالكترونية.. وكأنهم بذلك صنعوا المارد الجني الخاص بهم وأطلقوه من قمقمه من دون أن يتمكن أحد، لا هم ولا غيرهم ،من إعادته إلى محبسه القديم..
كانوا ثلة من كبار العلماء. وارتضوا أن يخدموا السياسة تحت جناح من السرية والكتمان. أنجزوا أشياء كثيرة.. ولكنهم لم يسلموا ـ كما نقدوا أنفسهم فيما بعد - من آفة تصيب كل البشر ولا يسلم منها إنسان حتى ولو كان مفكرا أو مبدعا أو عالما أو أكاديميا.. هذه الآفة المدمرة لها اسم واحد هو: الغرور.
بين الندم والاستقالة
إذ أدرك نفر من مجموعة جاسون خطورة ما تم على أيديهم في فيتنام بادر بعضهم إلى الاستقالة من هذه المجموعة السرية من علماء أميركا. وكان منهم البروفيسور سام ثريمان الذي قدم «استقالة هادئة» كما وصفها لأنه لم يعلنها رسميا ولا كان يصدر في سلوكه هذا عن احتجاج صاخب أو مواقف زاعقة.. وقصاراه أن توقف عن الذهاب إلى مقر اجتماعات جاسون ثم أوقف أنشطته العلمية في إطارها.
بيد أن زميلا آخر في نفس السلك الأكاديمي، هو البروفيسور «هنري كندول» اتخذ خطوة أبعد وأكثر فاعلية وعمقا ورصانة حين استقال وشفع هذه الاستقالة بتكوين جمعية جديدة حملت عنوانا له دلالة لا تخفى وهو: اتحاد العلماء المهمومين (بالشأن العام).
تعلق المؤلفة في هذا السياق تقول: كان يستبد بهم شعور بالتعاسة إزاء تحويل أفكارهم العلمية مباشرة لخدمة الحرب في فيتنام.. وخلف هذه التعاسة كان يكمن شعور آخر بأن هناك من خدعهم أو تخلى عنهم أو خان ثقتهم ـ لماذا؟ - لأنهم عندما اقترحوا حاجزا أو فاصلا يستخدم تكنولوجيا الأصوات لتحديد الأهداف المطلوب التعامل معها على طريق هوشي منه الموصل بين شمال وجنوب فيتنام..
كان هدفهم تحجيم الهجمات وتقليل الغارات الأميركية ومن ثم الحد من عمليات القصف العشوائي التي كانت تشنها الطائرات الأميركية ويذهب ضحيتها جموع غفيرة من فلاحي جنوب الشرق الآسيوي المدنيين العزل..
لكن البنتاجون ما لبث أن وضع أفكارهم موضع التطوير فإذا بدوائره العسكرية تتحول بها إلى إنشاء سور عازل الكتروني بالغ الخطورة أمكنه أن يشق ساحة فيتنام بأسرها وأن يستخدم أساليب كهربة المواقع وكشف أسرارها الكترونيا فكان أن اتسع نطاق الخطر والقصف وتدمير أساليب الحياة بالنسبة لسكان فيتنام.
التلويح بسلاح نووي
ربما زادت مخاوفهم بل كوابيسهم عندما سمعوا في إحدى حفلاتهم البسيطة واحدا من كبار القادة في هيئة الأركان بالبنتاغون يلمح إلى إمكانية استخدام «أسلحة نووية تكتيكية يتم إلقاؤها في أماكن بعينها من مواقع العدو» في فيتنام.
هنالك شمر علماء الفريق السري عن سواعدهم وأصدروا تقريرا عمدوا فيه إلى طرح حقائق عسكرية، وأفكار موضوعية بعيدا عن طرح الاعتبارات الأخلاقية أو الدواعي الإنسانية أو العاطفية التي رأوا أن العسكريين لن يأخذوا بها ولن يضعوها بالتالي موضع أي اهتمام.
كان قصارى تقرير جاسون (ص97) هو تنبيه قادة البنتاجون إلى أن استخدام ما وصفوه بأنه «أسلحة نووية تكتيكية» في حرب جنوب شرقي آسيا فكرة سيئة لا من ناحية معنوية أو أخلاقية فقط، ولكن من وجهة عملية بحتة تقول ببساطة إن استخدام السلاح النووي التكتيكي
كما يصفه مروجوه ليس أمرا مقصورا على أميركا ولا هو حكر لها وإن بالإمكان أن يرد السوفييت بتزويد الخصم الفيتنامي بنفس النوعية من هذه الأسلحة التي تستخدم ضد الجنود الأميركان في أدغال آسيا..
ثم هناك عملاق آسيوي متربص آخر في ذلك الإقليم اسمه الصين (وكانت طبعا صين ـ ماوتسي تونغ) وهي عملاق محاط بألف علامة استفهام وألف غلالة غموض من حيث قدراته ونواياه وإمكاناته ومخططاته ومن ثم فقد خلص تقرير جاسون إلى التحذير من «أننا قد نصبح هدفا للسلاح النووي التكتيكي بقدر ما أننا نستهدف الطرف الآخر بذلك السلاح».
كل هذه التحذيرات والتحفظات أودعها علماء جاسون في تقريرهم الذي رفعوه إلى البنتاغون تحت العنوان التالي: «الأسلحة النووية التكتيكية في جنوب شرقي آسيا». ومع أن هذا التقرير ظل مصنفا بوصفه مستندا سريا في الأرشيف القومي للولايات المتحدة، ورغم أن الذي تم الإفراج أو الإعلان عنه هو عنوان التقرير فقط ـ
إلا أن دوائر المثقفين ومجامع الأكاديميين في أميركا ظلت تشير بأصابع الاتهام إلى مجموعة جاسون بوصفها «الطغمة» التي اختارت أن تضع البحث العلمي خادما للساسة والسياسة في واشنطون..
وبلغ الأمر أن يعلن طالب دكتوراه في جامعة شيكاغو قائلا: في عقد التسعينات كنت أود استكمال أطروحتي تحت إشراف البروفيسور «غومر» لكن هاأنذا أرفض هذا الإجراء.. فلن أكون دارسا تحت إشراف رجل شارك في إجراء دراسة لصالح عمليات البنتاجون في فيتنام.
عرض ومناقشة: محمد الخولي



