تلقي المؤلفة الضوء هنا على أسرار المرحلة التي أعقبت انطلاق المارد الذري من قمقمه وعجز فريق العلماء الذين أطلقوه عن فرض أي رقابة دولية عليه تكفل الحد من خطورته، وتتابع تلك المرحلة من التنافس بين واشنطن وموسكو في إطار ما عرف بسباق الفضاء، وتتوقف طويلا عندما يوصف تقليديا بالحقبة الذهبية، التي شهدت سلسلة متتابعة من الانجازات الأميركية والدور الكبير الذي لعبه العلماء الأميركيون في تحقيقها.
رغم جهودهم وشعورهم بأسى المسؤولية لم يستطع صانعو القنبلة الذرية الأميركية أن يفرضوا رقابة أو سيطرة دولية على هذه القنبلة الرهيبة التدمير، لم يستطيعوا على حد تعبيرهم «أن يعيدوا المارد أو الجان إلى القمقم». لكنهم، ولأول مرة في تاريخ أميركا ، أصبحوا معروفين أمام الجمهور العام، وأضحت أفكارهم ودعوتهم وتصريحاتهم جزءا من وعي وضمير الرأي العام في بلادهم، وأفضى ذلك إلى أن أصبحت مشورة هؤلاء الفيزيائيين - على نحو ما تقوله مؤلفة الكتاب ـ مطلوبة ومسموعة على صعيد اللجان والمؤسسات الحكومية في مجالات شتى، ومنها مثلا دوائر الصناعة ومواقع الإنتاج. ورفعهم الناس إلى مرتبة الأبطال ومعهم ارتفع شأن علم الفيزياء. ومنذ اختراع الرادار مع أوائل الأربعينات لم تشهد الساحة مثل هذا التقدير لعلماء الفيزياء الذين بلغ أمرهم أن كانوا يتلقون الدعوات ليصبحوا بمثابة الضيوف ـ النجوم في حفلات العشاء.
صحيح أن مشروع مانهاتن (لصنع أول قنبلة ذرية في التاريخ) صدر قرار بإنهائه وتفكيك أصوله، إلا أن الصحيح أيضا أن استمر العمل لإنتاج القنابل الذرية، وقد سبق ذلك أن اقترح البروفيسور إنريكو فيرمي في مختبر لوس ألاموس بأميركا صنع قنبلة مختلفة عن القنبلة الذرية تقوم على أساس الالتحام بدلا من أساس الانشطار وكانت تلك هي نواة القنبلة الهيدروجينية. وبعد أن وضعت الحرب الثانية أوزارها، وبدلا من أن يؤوب القوم إلى دعة السلام والاستقرار ونبذ الصراع العسكري، شهد العالم حالة معاكسة تماما لكل التوقعات. لقد تصورت واشنطن أنها باستخدامها قنبلة هيروشيما الذرية كفيلة بأن تضع نهاية لكل الحروب، لكن الذي حدث أن نشب صراع التسلح وسباق الأسلحة بين معسكر الغرب الذي تقوده الولايات المتحدة ومعسكر الشرق الذي تولى قيادته مع أواخر الأربعينات الاتحاد السوفييتي بعد أن زحفت قوات ستالين إلى حيث نشرت نفوذ الكرملين الشيوعي على دول شرقي أوروبا.
وفي غمار هذه الأوضاع ألقى الزعيم البريطاني ونستون تشرشل خطابه الشهير في كلية صغيرة بولاية ميسوري الأميركية في عام 1946 وقال فيه:من مدينة سيتين على بحر البلطيق إلى مدينة تريستا على بحر الأدرياتيك أسدل ستار حديدي على ربوع القارة الأوروبية. ولم تكد تمضي 3 سنوات حتى رد الاتحاد السوفييتي في عام 1949 بإعلان نجاح اختباره لأول قنبلة ذرية. وبعدها تواصلت سباقات التسلح في المجال النووي بكل خطورته فكان أن أجرت أميركا أول تجاربها الهيدروجينية في أكتوبر عام 1952 ولم يمر سوى 10 شهور حتى أجرى الاتحاد السوفيتي تجربته المماثلة. وفي مايو عام 1957 جاء دور بريطانيا وتجربتها وحملت كل منها وصف الضربة أو الخبطة أو حتى الحقنة وأدت إلى إصابة بعض العلماء من صانعيها بكوابيس أقضّت مضاجعهم على نحو ما اعترفوا به إلى مؤلفة هذا الكتاب.
أوبنهايمر يختنق
من ناحيته كان الأمر قد بلغ حد الاختناق بالنسبة للبروفيسور أوبنهايمر الذي يرجع إليه الفضل أساسا في التوصل إلى قنبلة أميركا الذرية.في صيف عام 1945 ثارت الأقاويل حول أن الرجل له أصدقاء يعتنقون الشيوعية وكانت تلك هي حقبة المكارثية في أميركا التي شهدت ما وصفوه أيامها بمحاربة «المدّ الأحمر» بدعوى اعتناق الشيوعية.
وفي غمار هذه الحرب التي شنها السناتور جوزيف مكارثي (1909 ـ 1957) طورد المثقفون التقدميون وحورب أفراد الصفوة المستنيرة من أدباء وفنانين ومبدعين وعلماء لدرجة أن أقدم نفر منهم على الانتحار.
وعندما أعلن أوبنهايمر معارضته لامتلاك القنبلة الهيدروجينية ،كان في هذا الإعلان نهاية اعتماده ضمن فريق العلماء المرْضّي عنهم في دوائر واشنطن ـ الكونغرس والبيت الأبيض على السواء.
1957 عام التحدي
رغم انقضاء حقبة المكارثية، ومع انشغال إدارة الرئيس أيزنهاور في قضايا سياسية مختلفة ما بين آثار الحرب الكورية (1953) وقضية حرب السويس (1956) وترتيب أوضاع الشرق الأوسط وهو المصدر الرئيسي ـ كما نعرف ـ لإمدادات البترول، إلا أن عام 1957 جاء ليضع إدارة أيزنهاور على شفا تحديات جديدة وبالغة الشراسة أيضا: في 5 أكتوبر من عام 1957 فوجئ العالم بأن الاتحاد السوفييتي أرسل قمرا اصطناعيا يزن 184 رطلا إلى أجواء الفضاء الخارجي يحمل اسم «سبوتنيك» وكان ذلك بالطبع لأول مرة في التاريخ.
قبل أن تفيق أميركا من صدمة الذهول أمام هذا «الفتح» الفضائي، من جانب الخصم الروسي العنيد، جاءتها الضربة الثانية بعد شهر واحد عندما أرسلت موسكو أيضا «سبوتنيك رقم 2» بوزن 1120 رطلا حاملا ـ لأول مرة كذلك ـ كائنا حيا هو الكلبة «لايكا».
تطلع الأميركيون إلى شاشات التلفاز ويومها طالعهم رئيسهم دوايت أيزنهاور يحاول تهدئة خواطرهم تحت شعار: «ولو.. نحن لسنا في سباق إلى الفضاء الخارجي فاهدأوا وطيبوا بالا».
بعد أقل من أسبوعين لم يهدأ بال الرئيس أيزنهاور نفسه، بل أصيب بنوبة شلل، وبعدها بأيام حشدت واشنطن كل أجهزة دعايتها كي تصاحب إطلاقها صاروخا إلى الفضاء تحت اسم «فانجارد» (بمعنى الرائد أو الطليعة) كان وزنه لا يتجاوز 5 ,3 من الأرطال، وسط صخب البروباجاندا (ص21) وعلى مرأى ومسمع من التليفزيون القومي.. انطلق فانجارد الطليعي.. ارتفع في السماء بضعة أقدام، وما لبث أن انحط إلى الأرض وبعدها تعرّض للانفجار.
وكان طبيعيا أن يواصل الأميركيون العمل لمواجهة هذا التحدي إلى أن جاء آخر يناير من عام 1958 ليشهد نجاحهم في الرد على سبوتنك الروسي بصاروخ «جوبيتر» حاملا قمرا اصطناعيا بوزن 31 رطلا. والمهم أنه في غمار هذه التحديات والمواجهات وفي حمى المنافسة العلمية ـ التكنولوجية جاء مخاض فريق الصفوة من علماء أميركا وأنبغ باحثيها أو بمعنى آخر جاء مولد جاسون. وهذا هو عنوان الفصل الثاني من الكتاب.
الرد على سبوتنيك
في هذا الاطار تعرض المؤلفة لعدد من المنظومات والكيانات والهيئات والمؤسسات التي أنشأها الأميركيون للرد على تحدي سبوتنيك الروسي. من هذه الكيانات كانت هيئة مشاريع البحوث العلمية المتقدمة وكانت تعرف باسمها المختصر «آربا» وهي مسؤولة أمام وزير الدفاع في البنتاجون وتتخلص مهمتها ـ حسب ما تنقل المؤلفة عن وثائق سرية فيما يلي:التعامل مع المشاريع العسكرية العالية الخطورة والمرتفعة التكاليف والواسعة الأفاق.
وكان وزير الدفاع يعني بهذا التوصيف أن تتناول مثل هذه الهيئة السرية مهام البحث والتطوير العلمي في مجالات كانت مستجدة بقدر ما كانت طموحة مع مطالع عقد الستينات.
وتتركز بالذات في مجالات غزو الفضاء والقذائف المضادة للصواريخ وما في حكمها. يومها سألوا واحدا من صفوة علماء تلك الحقبة:لماذا يا دكتور تقبل الالتحاق بمثل هذه الهيئات التي تحيط أعمالها بسياج مريب من السرية؟
أجاب الرجل بغير مواربة:كيف لا أفعل وقد دفعوا لي مبلغا مهولا من المال؟!
وهنا تعلق مؤلفتنا بما يلي:كان ذلك أسلوبا صريحا يفيد بأنه مهما كانت أسباب العمل لحساب حكومة واشنطن فلم يكن من بينها إطلاقا شعارات من قبيل متعة البحث العلمي أو تعزيز السمعة المهنية.
والحق أن أميركا لم تضنّ على هذه المجالات العلمية ـ العسكرية وغير العسكرية بإنفاق مبالغ طائلة من الدولارات.
شهدت تلك الفترة من القرن الماضي إنفاق أموال بشكل لم يسبق له مثيل في سالف الأيام، وبين عامي 1940 و1960 بلغ حجم الأموال التي أنفقتها الخزانة القومية الأميركية ما يوازي جبلا شاهقا يمكن لك أن تتسلق سفوحه بغير مبالغة (ص24) بل زاد هذا الجبل «الدولاري» ارتفاعا واتساعا حتى ليستوجب من المتسلق أن يستعين بحبال وخطافات لبلوغ قمة الإنفاق التي بلغ ذروتها.
وتوزعت البحوث والتطبيقات بين ميادين الطاقة النووية والاستكشاف تمهيدا لغزو الفضاء والتعرف على خصائص وتفاصيل المجموعة الشمسية التي تضم كوكب الأرض عضوا فيها ويلفت النظر في هذا السياق أيضا تلك الوشائج الحميمة من التعاون الذي نما وتطور بين دوائر السياسة في (القرار) والبنتاجون (العسكرية) والبحث (الأكاديمي) في الجامعات وأيضا دوائر الصناعة في طول أميركا وعرضها.
(وتلك دروس مستفادة أو لعلها تكون كذلك بالنسبة لواقعنا الراهن في العالم العربي). كان المطلوب ـ كما توضح المؤلفة ـ هو الأفكار الجديدة والطموحة التي تتفتق عنها مواهب هذه النخبة من الباحثين والأكاديميين والعلماء.
حكاية التقارير والندوات
في الإطار نفسه ظهرت مقترحات تدعو إلى استثمار مواسم الصيف لإجراء بحوث وعقد ندوات خاصة. وأفضى ذلك إلى ما أصبح يوصف بأنه «التقارير الصيفية» التي يستغل فيها الباحث أجازته ويأوي إلى هدوء مخيم على مختبره بين أسوار جامعة مرموقة خاوية في أشهر العطلات من طلابها وموظفيها. وقد يطول البحث فيتواصل إلى أشهر الخريف أو ما بعدها.
ويسترعي الاهتمام أيضا أن هذه البحوث والتقارير الصيفية كانت تحرص على مشاركة أجيال من شباب العلماء. ومن ذلك مثلا فريق العلماء الذي ضم 22 أستاذا باحثا والتأم عقده في صيف 1958 في رحاب كلية الحرب الوطنية في واشنطون.
وفي هذا يقول البروفيسور هويلر وهو من مخضرمي العلماء:م اللقاء في تلك البقعة التي يسودها الهدوء وتتمتع بمكتبة علمية لائقة. وعلى بساط بحوثه طرحت علينا دوائر الجيش والبحرية وسلاح الجو أصعب ما كانت تواجهه من معضلات وتم ذلك تحت جو من السرية الكاملة الفائقة.
حمل المشروع يومها اسم «الخطة رقم 137» واستغرق الاجتماع أسبوعين استمعنا فيهما إلى الاحاطات الموجزة التي قدمها مسئولو وزارة الدفاع.. وكانت إحاطات مكثفة استغرقت يومنا من الصباح إلى المساء وبعدها لم نكن نملك سوى تناول العشاء ثم الإخلاد إلى النوم وكان صيفا في واشنطن أشد حرارة من نار السعير.. ولكن المحصلة كانت مفيدة: كان عدد العلماء 22 وكان عدد الأفكار المطروحة هو 22 سواء بسواء.
تواصل المؤلفة تناول هذا الموضوع قائلة: إن هذه الاحاطات أفادت العلماء المشاركين.. بعضها كان رتيبا إلى درجة قاتلة وبعضها جاء مسليا إلى حد ملحوظ.. ولكنها كانت مثيرة للاهتمام وباعثة على التفكير العميق في كل حال..
نسألها ـ كقراء ـ عن أهم المواضيع التي أثارتها تلك الأنشطة الصيفية. تجيب قائلة (ص29):
كانت تتناول أمر الصعوبات التي تكتنف اكتشاف غواصات العدو في أعماق البحار.. وكذلك الحاجة إلى الاتصال بغواصاتنا في تلك الأغوار.
وشملت أيضا تمكين الجيش (الأمريكي) من خوض الحروب من خلال الجمع بين استخدام الأسلحة التقليدية والأسلحة النووية.. والإمعان في تدارس عناصر وأسباب التفوق الذي أنجزه الخصم السوفييتي في مجال القذائف الصاروخية وتطوير شبكات الرادار واستخدام المعدات الالكترونية.
دروس من الحشرات
ولم يكن ليفوت هذه النخبة المنتقاة أن نتطرق إلى حروب العصابات وأساليب مواجهتها أو ما كان يصفه نفر من هؤلاء العلماء الأميركيون بأنه دراسة «طرق التحايل وأساليب الخداع المستخدمة في اكتشاف تحركات العدو» وفي هذا الإطار كان طبيعيا أن يتدارسوا أمر وسائل الاستشعار الكيميائية التي تحاكي قدرة الحشرات على كشف الروائح المنبعثة من العناصر والأجسام..
ومنها أيضا وسائل الحرب البيولوجية التي لم تتورع عن اتباع أساليب من قبيل نقل العدوى المرضية الخطيرة إلى أجسام الجرذان ثم إطلاق جحافلها إلى المواقع المعادية.. وكان في مثل هذه الأمور ـ كما يقول واحد من العلماء المشاركين أيامها ـ ما يثير في النفس والجسم شعورا ممّضّاَ من.. الغثيان.
وفي كل حال فقد كان أهم ما طرحته تلك اللقاءات بكل ما حفلت به من إيجابيات أو سلبيات أمرا أساسيا هو: توصيف المشكلات و.. حل المشكلات.
وعندما كان العلماء المختارون يؤوبون إلى بيوتهم وعائلاتهم بعد دورات الصيف المكثفة الشديدة الحرارة.. كان كل منهم يحاول تعويض زوجته قدر الامكان عن ضياع العطلة الصيفية دون تسلية أو تغيير، إحدى هؤلاء الزوجات وهي السيدة ملدريد ميرف.. سألت الزوج العائد من حرارة القيظ في واشنطون:
ـ ما هو اسم مجموعتكم الصيفية هذه؟
ـ البنتاغون خلع عليهم اسم مجموعة الشروق
ـ أي شروق وأنتم تعملون في أشد أشهر الصيف سخونة؟ على كل حال أنا أقترح أن تخلعوا على أنفسكم اسما مشتقا من الأحرف الأولى لتلك الأشهر الساخنة.. بين يوليو ونوفمبر.
هكذا ولد الاسم الجديد.. «جاسون» أوله جيم من جولاي يوليو وآخره نون (نوفمبر بطبيعة الحال).
وكان بديهيا أن تكون هذه الصفوة من كبار الأكاديميين على علم بأسطورة جاسون وحكاية الجزّة الذهبية من فروة خروف أسطوري بدوره في ميثولوجيا الإغريق.. لهذا سألت المؤلفة واحدا من هؤلاء الأساتذة عما إذا كان تفكيرهم قد انصرف أيضا إلى أسطورة جاسون إياها.. وكانت إجابته كما يلي:سيدتي.. أنت تعطين الأمر أهمية مبالغا بها.. المسألة كانت مجرد اسم طرحوه علينا.. وارتحنا له.. وكفى.
حقبة ذهبية
مع الفصل الثالث تمضي مؤلفة الكتاب لتوضح كيف كانت ولادة «جاسون» وسط «حقبة ذهبية» كما تصفها من الثقة بالنفس من جانب أميركا وأيضا من واقع التحديات التي لاقتها من جانب السوفييت.. كانت مرحلة شديدة الخصوصية كما يعبر واحد من أولئك العلماء. وكان أهم ما يميزها هو استقبالها سيلا متدفقا من الأفكار والمفاهيم..
وفي هذا السياق يقول واحد منهم التقته المؤلفة في عام 2002 وهو البروفيسور جاك روينا:كل المطلوب في هذا الخصوص هو فكرة ومفهوم وبعدها يعطونك مائة مليون دولار.. ولهذا فالعلماء الذين صنعوا لكم القنبلة الذرية وهيأوا لكم الرادار.. بوسعهم أن ينجزوا أي شيء.. وما عليك سوى تهيئة أمرين أساسيين بالنسبة لهم وهما: رصيد المال.. وأولوية الاهتمام.
في كل حال، فقد عاش فريق جاسون السري من علماء أميركا فترة تسميها المؤلفة بأيام المجد.. معظمهم كانوا ـ كما ألمحنا من قبل ـ اختصاصيين في علوم الفيزياء، ومعظمهم أيضا ربطت بينهم أواصر عميقة وحميمة من الصداقة.. ومعظمهم كذلك كانوا أميل إلى جانب التنظير وطرح المفاهيم وتداول الأفكار.
عندما حل يوم الأول من يناير من عام 1960 أصبح هذا الفريق العلمي السري بمثابة هيئة رسمية ولكن سرية تابعة لحكومة الولايات المتحدة، وربما كان أفراد هذه الهيئة هم أول من استخدم الأداة الساحرة الجديدة التي حملت من يومها اسم الكمبيوتر ـ الحاسوب.
لكن الأغرب أنهم قرروا الحد من استخدام هذه الحواسيب الالكترونية بعد أن اكتشفوا أنها قد تصرف زملاءهم من جيل الشباب المساعدين عن التركيز على جانب الفكر والتنظير وخاصة في ضوء جاذبية تلك الحواسيب التي اقتحمت منذ تلك الفترة الباكرة ميادين البحث والتطوير.
كان يتولى إدارة الهيئة السرية مدير مخضرم ولجنة توجيهية.. وكان على هذا المدير ـ كما توضح المؤلفة ـ أن يتبع أسلوبا من التيسير والتخفيف وعدم التحكم أو التضييق.. كيف لا وهو يقود فريقا من نوابغ العقول الأكاديمية في بلاده..
والحق أن فريق «جاسون» لم يكن بحاجة إلى إدارة تقوم على أساس الضبط والربط بقدر حاجته كما يتذكر رواده إلى إدارة ديمقراطية تتيح أكبر قدر من حرية الفكر والتصرف لسائر الأعضاء.. يلخص واحد من هؤلاء الرواد المخضرمين سر نجاح هذا الأسلوب في الإدارة قائلا (ص47): لقد كان يقوم على أساس درجة عالية من التوافق بين الآراء.
عرض ومناقشة: محمد الخولي



