في ختام هذا الكتاب يقدم المؤلف تحليلاً شاملاً لتوقعات المستقبل بالنسبة للاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أنه سيظل من أكثر مناطق العالم أمناً وثراء، لكن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يبدوان أقرب إلى السير في المنطقة الرمادية حيث العديد من التحديات والمشكلات.

ويتوقف القارئ طويلاً عند التوقعات المتعلقة باستمرارية الحضور الحاسم للعولمة في الميادين الاقتصادية والسياسية والثقافية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة غياب القوى التي ترفض هذا الحضور، وتسعى إلى إبعاد ظل العولمة عن مستقبل الشعوب والأمم. تشير التحليلات المقدّمة للتوجهات العالمية إلى أن التطورات الإقليمية وتحولات القوى الكبرى على مدى العقدين المقبلين تنبئ بمنظومة دولية فيها الكثير من ملامح الاستمرارية، والقطيعة أيضاً، في أفق عام 2025. وذلك بالقياس إلى ما هو قائم الآن.

فمن جهة سوف تستمر بعض التوجهات الأساسية مثل عولمة الاقتصاد، بل انها مرشحة للترسيخ أكثر، مما سيزيد من التداخل في النشاطات الاقتصادية الدولية، ولكن أيضاً مما سيزيد من أشكال الشقاق داخل الدول. وفيما بينها، ومن جهة أخرى سوف تبرز قوى عالمية جديدة ستغير من طبيعة التوازنات القائمة وستضع مسألة تسيير العالم أمام امتحان صعب. سيصبح العالم إذن أكثر تداخلاً وأكثر تبعثراً في الوقت نفسه. وتفيد التحليلات المقدمة أنه من المحتمل قليلاً أن تكون المنظومة الدولية، اعتباراً من الآن وحتى عشرين سنة مقبلة، تحت سيطرة قوة عالمية واحدة، أو أنها ستكون خاضعة لاتجاه سائد واحد.

وتعاظم تعقيد السياق الدولي سوف يزيد من صعوبة ممارسة السلطة على الآخرين وبالتالي سيكون من الصعب بشكل أكبر تحديد الأولويات الدولية من منظور مواجهة التحديات المشتركة. من هنا لا يمكن عملياً تقديم استقراء للظواهر الاقتصادية والسياسية والثقافية المستقبلية، من خلال نظريات أو خطط كاملة متكاملة؛ وسيتم ذلك بالأحرى من خلال تقويم محصلة التداخلات بين اتجاهات ومبادئ متناقضة. ما يتم التأكيد عليه هو أن العوامل البنيوية التي سوف تحدد مصير مسائل التعاون والتنافس والصراعات خلال العقود المقبلة هي عوامل مرشحة للتغير والتطور. ذلك أنه إلى جانب الأدوات التقليدية لامتلاك السلطة العسكرية والاقتصادية هناك معايير جديدة مدعوة لأن تلعب دوراً أكبر مما كان الأمر سابقاً.

ويتم تحديد هذه المعايير على أنها ذات طبيعة مادية كمواد الطاقة والمياه والأراضي القابلة للزراعة؛ وفكرية كالمعارف الخاصة بعلوم تجديد التقنيات؛ وأخيراً ذات طبيعة معيارية تتعلق بمفاهيم أكثر تجريداً، مثل مفهوم الشرعية بالمعنى السياسي والقانوني والثقافي. بكل الحالات سيكون مطلوباً من القوى الرئيسية الدولية أن تستطيع التدخل «مجتمعة» على مختلف المستويات وفي جميع دوائر نفوذها من أجل الدفاع عن مصالحها ومواجهة المشاكل الدولية.

العولمة والتنوّع

تتفق القراءات المستقبلية على القول إن «صحة الأرض» سوف تتأثر خلال العشرين سنة المقبلة نتيجة لتداخل العوامل الديموغرافية والبيئية والتقنية، وأيضاً، وأساساً، العوامل المتعلقة بالطاقة. الاتجاهات الحالية تسمح بالقول إنه يرتسم في الأفق تدهور شروط الحياة الإنسانية، وليس هناك ما يسمح بالقول إن العديد من بلدان العالم لن تواجه أزمات حقيقية على صعيد البيئة وشح المياه والأغذية وعناصر الطاقة.

ويتم التأكيد هنا على أن هذه الأزمات ستبلغ درجة الخطورة في أفق سنوات الثلاثينات والأربعينات المقبلة، وأن مواجهة هذه الأخطار المعلنة يتطلب اتخاذ قرارات على المستويين الإقليمي والعالمي، إلى جانب تكريس استثمارات كبيرة في ميدان البنى الأساسية وميدان البحث. في المحصلة يتم التأكيد على أن تجاوز عتبة معينة من واقع تدهور البيئة لابد أن يؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي وإلى دورات من الفوضى.

تدل الإحصائيات المقدمة على أن عدد سكان البلدان النامية سوف يزداد في أفق عام 2025 من 2. 5 مليارات نسمة إلى 6. 6 مليارات نسمة، بينما من المفترض أن يبقى عدد سكان البلدان المتطورة ثابتاً من دون تغير تقريباً، أي بحدود 2. 1 مليار نسمة. وفي بعض المناطق التي يتضافر فيها تأثير الانفجار السكاني الكبير وتدهور البيئة يغدو الأمر مصدر قلق أكبر؛ كما هي الحالة في مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وافريقيا السوداء (جنوب الصحراء).

بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط من المتوقع أن يزداد عدد السكان بنسبة تقارب 40% من الآن وحتى عام 2025، بينما المناطق القاحلة التي تمثل الآن نسبة 87% من المساحة الكاملة لهذه المنطقة من العالم سوف تزداد نسبتها بفعل ارتفاع درجة حرارة الأرض وتراجع كميات الأمطار. النتيجة المباشرة لمثل هذا الواقع هي تدنّي كمية المياه العذبة للفرد إلى النصف عام 2025.

كذلك سوف يزداد ضغط مشكلة المياه في بعض بلدان الساحل الأفريقي وأيضاً في شرق القارة وجنوبها، حيث التوقعات المقدّمة مغرقة في التشاؤم. أمّا الصين فتدل القراءة المستقبلية المقدّمة على أنها سوف تعرف هي أيضاً وضعاً مقلقاً بسبب تضاؤل مساحة الأراضي القابلة للزراعة وعدم كفاية المياه العذبة وتدهور البيئة والتلوث؟

وحيث إن هذه الأمور مجتمعة تشكل تهديداً حقيقياً على تنمية البلاد في المدى المتوسط. ومن الظواهر التي يتم التأكيد عليها خلال العقدين المقبلين تدهور الوسط الريفي والهجرة إلى المدن مما سيطرح مشكلات كبيرة على الصعيد الصحي في العديد من البلدان النامية، وتدل الإحصائيات المقدمّة على أن نسبة سكان المدن ستبلغ في أفق عام 2025 حوالي 38% من سكان الهند، أي ما يعادل 550 مليون نسمة و57% في الصين.

أي ما يزيد على 800 مليون نسمة و70% في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أي ما يقارب 380 مليون نسمة. على صعيد الطاقة سوف يزداد الطلب العالمي بنسبة 50% من الآن وحتى عام 2025، وستكون البلدان النامية هي مصدر ثلثي هذه الزيادة. ومن المتوقع أن يمثل النفط والغاز والفحم نسبة 81% من الطلب العالمي عام 2025، بحيث يبقى البترول هو مصدر الطاقة الأكثر استخداماً في قطاع النقل، والفحم في إنتاج الكهرباء، خاصة في الهند والصين.

بكل الحالات ستبقى مسألة الغازات الصادرة عن المصانع والسيارات وغيرها أحد أهم المسائل المطروحة على العالم في أفق العقدين المقبلين، وتشير التقديرات هنا إلى أن كمية الغازات الصادرة من البلدان النامية قد تتجاوز ما تصدره البلدان المتطورة في أفق عام 2030. الصورة «التوليفية» التي يتم تقديمها في توصيف العالم عام 2025 هي أنه عالم مأهول بعدد أكبر من السكان وأكثر جدباً وأكثر تلوثاً، باختصار أقل «إيجابية» لحياة عدة مليارات من البشر.

ويتم التأكيد على أن وقف هذا المسار المتدهور يتطلب تبنّي سياسات ترمي إلى تسيير أفضل للموارد الطبيعية في العالم والتخفيف من حدة أخطار التوجهات السائدة اليوم، من هنا يبرز مفهوم «الأمن الجماعي» الذي يلتزم به كل الدول في المدى البعيد. ما يتم تأكيده أيضاً هو أن العولمة ستبقى على الصعيد الدولي عاملاً حاسماً في السياسة والاقتصاد والثقافة. لكنها سوف تشتمل بنفس الوقت على أبعاد عديدة، وأحيانا متناقضة، وبصورة متعاظمة خلال العقدين القادمين.

من المحتمل أن تتسارع العولمة الاقتصادية، وسيزداد تدفق السلع والخدمات ورؤوس الأموال بالنسبة لعدد متزايد هو الأخر من البلدان. وسيكون الفارق الكبير مع المراحل السابقة في نقل المصانع والشركات لنشاطاتها بالنسبة للإنتاج والخدمات بفضل تكنولوجيات المعلومات والاتصالات التي جعلت هذا النقل ممكناً وميسوراً.

هكذا سيتم تشجيع التنسيق في النشاط الاقتصادي على الصعيدين الإقليمي والعالمي بحيث تقوم مختلف البلدان بإنتاج جزء من عمليات يشترك بها الجميع من وجهة النظر هذه سوف يغدو العالم متداخلاً خلال العقود القريبة القادمة. بالمقابل سوف تكون آثار عولمة الاقتصاد متنوعة بالنسبة لمسألة عدم المساواة في العالم. فعلى صعيد دخل الفرد قلّصت العولمة من الهوة الفاصلة بين الاقتصادات الناشئة.

كما في الصين والهند والبرازيل، وبين اقتصاد البلدان المتطورة ومثل هذا التوجه ينبغي أن يستمر لكن البلدان التي لا تتوصل إلى الاندماج في إطار التدفقات التجارية وتيارات الاستثمار العالمية فإنها قد تجد نفسها مهمشة أكثر فأكثر. في الوقت الحاضر هناك 25 بلداً تستأثر بنسبة 80% من التجارة العالمية في الوقت الذي لا تمثل حصة 56 بلداً آخر سوى أقل من نسبة 1. 0% من هذه التجارة العالمية.

وتتم الإشارة هنا إلى أنه من المناسب تقويم آثار العولمة والنموذج الراهن للتنمية على ضوء عدد أكبر من المقاييس. فمستوى معيشة السكان لن يتم قياسه على أساس الثروة النسبية فقط، مع أن هذا المقياس سوف يبقى مؤشراً مهماً وسيكون من المرجو، على المدى المتوسط أو الطويل، أن يؤخذ بالاعتبار «الثمن» الاجتماعي والآثار المترتبة على البيئة من أجل تقييم استراتيجيات التنمية والنمو المأخوذ بها.

ضغوط وتحديات

تفيد التقديرات أن المنافسة الدولية للوصول إلى الأسواق والى مصادر الطاقة سوف تضع مختلف اقتصادات العالم ومجتمعاته تحت ضغط كبير. لكن التحديات التي ينبغي مواجهتها تختلف بالنسبة للبلدان النامية عما هي بالنسبة للبلدان المتطورة. وهذا يجعل من العسير، بل من المستبعد، تبني نموذج اقتصادي وحيد علي الصعيد العالمي.

البلدان المتطورة سيكون عليها تبني منظوماتها الاقتصادية بحيث تقوم بتوجيه مواردها نحو القطاعات التي تمتلك فيها امتيازات نسبية. أما البلدان النامية فسيكون عليها أولاً بأول التغلب على نقاط الضعف المتعلقة بالشأن السياسي، والاقتصادي فيها وتحسين بناها التحتية الأساسية بحيث تحسن المناخ الملائم للاستثمارات.

هذا التصحيح في المسارات سيؤدي إلى توترات وربما إلى شروخ جديدة داخل المجتمعات وفيما بينها؟ وذلك بين أولئك الذين يستفيدون من العولمة وأولئك الذين يعانون من آثارها. وإذا كانت حدّة اللامساواة قد تتضاءل على الصعيد الكوني، فإنها قد تزداد في مناطق مثل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وبعض مناطق القارة الأميركية السوداء.

ويتم التأكيد في هذا الإطار على أن التدهور المرتقب بالنسبة لعوامل أساسية مثل الديموغرافيا والبيئة يمكن أن يهدد استقرار البلدان التي لن تتوصل إلى التأقلم مع العولمة، وتتخلى عن بعض النشاطات لصالح الاقتصادات الصاعدة. بالإضافة إلى هذا سيؤدي الوعي المتزايد بواقع الحرمان والظلم بفضل ثورة المعلومات، إلى زيادة التوترات في العديد من مناطق العالم.

العولمة تتجاوز إذن الميدان الاقتصادي الصرف كي تؤثر على الميادين السياسية والثقافية. إن سكان العالم ومجتمعاته تتأثر بهذه الظاهرة التي غدت عاملاً حاسماً في تحديد الخيارات السياسية والتوجهات الاجتماعية للدول. مثل هذا الوضع سوف يترسخ أكثر حسب القراءة المقدّمة، خلال الفترة القادمة وذلك بمقدار ما ستكون فيه العولمة مندمجة أكثر فأكثر في الحياة اليومية للبلدان والمجتمعات.

البعد الثقافي للعولمة يبدو موضع جدل كبير. ففي الوقت الذي تتابع المجموعات الدولية الكبرى المالكة لوسائل الإعلام نشر قيم المستهلك الغربي في العالم، فإن قنوات تلفزيونية فضائية مثل «الجزيرة»، تقدم رؤية مختلفة للواقع. بالتوازي مع هذا تقدم شبكات الانترنت ووسائل الاتصال المتنقلة، من هواتف وغيرها، هامشاً أكبر لاستهلاكية الأفراد.

ثم إن التداول العالمي للأفكار والمعلومات والصور سوف ينعش التواصل والتداخل على صعيد العلاقات بين البشر لكن قيام عالم أكثر تداخلاً لا يعني بالضرورة انه أكثر انسجاماً، لكن التلاقي بين أنماط السلوك الاجتماعية حول نماذج معروفة للاستهلاك يتناظر بنفس الوقت مع عملية تجزئة ـ وأحياناً تعارض ـ ثقافية متعاظمة.

وتفيد التحليلات المقدمة أن العولمة ستكون ذات طابع إقليمي مع تشجيع التنوع الثقافي أكثر مما ستكون غربية، كما هو الوضع اليوم. إن الاتجاهات المستقبلية قد تزيد من التمازج والتعارض الثقافيين في آن. فردود أفعال المجتمعات ستكون مختلفة تبعاً للمتغيرات الثقافية والاجتماعية والسياسية والمجتمعية المحلية.

ثم إن التطورات العلمية ستثير دائما تباينات حول القيم. كما سوف تثير نقاشات فيما يخص النتائج الأخلاقية المترتبة على التقدم العلمي، لاسيما في حقل التكنولوجيات الحيوية. على الصعيد السياسي يمكن لعملية رفض العولمة أن تأخذ ثلاث صيغ. هذه الصيغ تتمثل في النزعة القومية السياسية والاقتصادية، والنزعة الدينية المتزمتة.

وأخيراً الاحتجاج الشعبي، في الصيغة الأولى يمكن للعولمة ان تؤدي إلى بروز نزعات قومية منغلقة عل نفسها في العديد من المجتمعات، بما في ذلك الغنية منها، باسم المحافظة على حالة من الانسجام السياسي أو الثقافي أو الإثني. بالتوازي تصطدم العولمة مع حركات متزمتة ذات ايديولوجية عقائدية تنمو وتتكاثر في المجتمعات النامية وفي المجتمعات المتطورة أيضاً وفي أغلب الأحيان باسم المحافظة على الهوية.

كذلك شهدت السنوات الأخيرة تنامي دور قوى المجتمعات المدنية مع التعبئة المتزايدة للرأي العام مما سيكون له مستقبلاً دور في تحديد توجهات السياسة الدولية لمختلف بلدان العالم. ويتم تحديد السمة الغالبة للعولمة خلال العشرين سنة المقبلة بالقول إنها لن تكون شاملة تماماً، فبعض البلدان ورغم الجهود التي تبذلها، لن تتوصل إلى الاندماج الكامل في هذه العولمة.

ولن تكون أيضاً كاملة، ذلك أن شرائح من السكان داخل كل دولة سيتم استبعادها منها، أو أنها ستخشى إمكانية استبعادها منها مثل هذه المنظومة يتم وصفها بأنها غير مستقرّة وتكشف عن مخزون كبير «محتمل» من التوترات. هكذا يمكن للعولمة، بسبب تداخلها مع الديناميات المحلية والإقليمية أن تؤدي إلى عالم أكثر تشرذماً مع اختلافات كبيرة، حسب المناطق، فيما يتعلق بالسياسات الأمنية.

ثلاثة تحديات

لا شك في أنه من الصعوبة بمكان توقّع التطورات السياسية بسبب المفاجآت التي يمثلها العامل الإنساني. لكن قد يكون من الممكن اعتماداً على تطور التوجهات البنيوية والتأمّل بالرؤية الاستراتيجية للقوى الدولية الفاعلة الرئيسية، إلقاء بعض الضوء على مستقبل المنظومة السياسية الدولية ومحاولة تحديد أطر السياق العالمي وطرح بعض الأسئلة الجوهرية الخاصة بتطور مصادر السلطة والشرعية والديمقراطية.

في البداية، يبدو أن العولمة ستغدو العامل الأكثر حسما في توجيه السياسة الدولية. وذلك نظراً لعدم وجود نظام دولي محدد بشكل دقيق يمكن مقارنته مع ذلك النظام الذي كان قائما طيلة فترة الحرب الباردة. هكذا ستكون السبل والأدوات التي تلجأ إليها القوى الاقتصادية الجديدة من أجل ترجمة وزنها الاقتصادي إلى نفوذ سياسي بمثابة العناصر الحاسمة في تحديد المنظومات السياسية المستقبلية ورهانات الأمن في العالم.

كذلك يمكن القول إن التعددية، تعددية الأطراف في النظام الدولي، ستكون واقعاً لا جدال فيه. فالصعود القوي لقوى عالمية وإقليمية جديدة مثل الصين أو الهند أو البرازيل أو اندونيسيا، سيجعل النظام الدولي أكثر، تنافراً مما كان عليه الأمر سابقاً.

كذلك تم الإشارة إلى أن مسألة تسيير الأمور التي تخص العالم سوف تواجه امتحاناً صعباً، ذلك أن طبيعة العلاقات بين القوى القديمة والجديدة ستكون حاسمة في هذا الإطار. إن التداخل والتعقيد المتزايدين للعالم سيولّدان مشاكل تتطلب إجابات متفق عليها. لكن سيكون من الصعب أكثر معالجة مشاكل أساسية بشكل جماعي مثل مشاكل الفقر وتدهور البيئة.

وملاحظة أخرى يتم التأكيد عليها، وهي أن قدرة الغرب على التأثير على الشؤون الدولية سيتم التشكيك بها مستقبلاً، لا سيما في ظل انحسار وزنه في الميزان «الديمغرافي» وفي إجمالي الإنتاج الداخلي العالمي. وبما أنه سيكون للقوى الصاعدة رؤيتها الخاصة للعالم، والتي ربما تكون مغايرة إلى حد كبير لرؤية القوى الغربية الراهنة فإنه سيكون من الصعب على البلدان الغربية تحديد الأولويات الدولية، بالتالي سينبغي البحث عن بواعث جديدة في منظور إمكانية تطوير التعاون الدولي.

مستقبل الاتحاد الأوروبي

الاحتمال المطروح حول مستقبل الاتحاد الأوروبي، في الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب، هو القول إنه سيبقى في أفق عام 2025 أحد أكثر مناطق العالم ثراء وأمناً. مع ذلك لا يتم استبعاد أن يواجه العديد من الصعوبات في المحافظة على موقعه.

فشيخوخة السكان سوف تغير الموازين القائمة بين عدد العاملين إلى عدد الطاعنين في السن. هذه الظاهرة سيكون لها وزنها الكبير في مضاعفة الميزانيات الاجتماعية والطبية، مما سيثقل بدوره على التمويلات العامة، وإذا كان من المفترض بقاء العديد من الصناعات الأوروبية قادرة على المنافسة، فإنها سوف تتابع مع ذلك نقل بعض أدوات إنتاجها إلى الخارج.

هكذا سوف يوحد منشأ القيمة الاقتصادية، أكثر فأكثر، خارج نطاق الاتحاد الأوروبي. ولا شك في أن أوروبا سوف تحافظ على امتيازاتها في بعض القطاعات التقنية الأساسية، مثل الاتصالات الالكترونية أو قطاع الطاقة المتجددة.

لكن يمكن لموقعها أن يكون أقل مبعثاً على الطمأنينة في ميادين أخرى إما بسبب إحراز منافسيها قصب السبق، مثل الولايات المتحدة في مجال المعلوماتية، أو لكون أن هؤلاء المنافسين قد زادوا كثيراً من استثماراتهم في ميدان البحث أو أنهم قد تخلصوا من تخلفهم المتراكم، مثل الهند في مجال خدمات المعلوماتية، أو الصين في مجال التقنيات الحيوية.

يبقى الرهان الكبير أمام الاتحاد الأوروبي هو في القدرة على إنعاش إمكانية المنافسة في الأسواق الدولية من دون تهديد التلاحم الاجتماعي لبلدانه. والنتيجة التي سيتم التوصل إليها سوف تكون حاسمة بالنسبة للاستقرار الداخلي في أوروبا، كما بالنسبة إلى إمكانية لعب دور في القضايا الدولية المصيرية.

بكل الحالات يتم طرح تساؤل واضح: هل قيام منافسة متنامية على الصعيد الدولي سوف يؤدي إلى التقريب بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أم أنه سوف يباعد بينها؟ لقد نظر الرأي العام في مختلف البلدان الأوروبية غالباً إلى التكامل الأوروبي على أنه بمثابة تهديد إضافي للهويات والمصالح الوطنية أكثر مما هو وسيلة لمواجهة الرهانات التي تطرحها العولمة.

ثم ان الشعور المعمم بالخشية من العولمة يشكل تربة خصبة من أجل ازدهار الحركات السياسية المتطرفة عبر اللعب على العواطف الشعبية، وأيضاً ازدهار إجراءات الحماية الاقتصادية، الأمر الذي قد يعيق متابعة التكامل الأوروبي وتوسيع الإطار السياسي للاتحاد، ويمكن لواقع الاستقطاب الاجتماعي وشيخوخة السكان أن يعززا مثل هذه التوجهات.

وفيما يخص قضية التزود بمواد الطاقة فإن الاتحاد الأوروبي سوف يجد نفسه في وضع غير مريح إستراتيجياً. ففي أفق عام 2025 من المفترض أن تقوم بلدان «الأوبك» بتزويده بحوالي نصف احتياجاته من البترول، والنصف الباقي سيكون مصدره النرويج وروسيا التي سوف تبقى «دون شك» هي مصدر التزود الرئيسي بالغاز يليها كل من الجزائر والنرويج.

هذا يعني أن أي انقطاع في التزود بالنفط ولو بصورة مؤقتة، سيكون له عواقب اقتصادية كبرى بالنسبة للاتحاد الأوروبي وأيضاً نتائج مباشرة على مصالحه الإستراتيجية. في مثل هذا الإطار يتم التأكيد على أهمية التطورات التي ستعرفها عدة مناطق في العالم بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وفي مقدمة هذه المناطق كل من روسيا والشرق الأوسط.. وإلى حد ما إفريقيا السوداء.

بالنسبة لروسيا تفيد التقديرات المقدمة أن هناك تهديدات كثيرة تحوم حول المسار التطوري لمستقبل البلاد ويمكن لها أن تدفعها نحو انتهاج مسارات متنوعة خلال العشرين سنة المقبلة، لكن روسيا سوف تتابع بكل الحاولات محاولة استعادة مكانتها كقوة وريثة للاتحاد السوفييتي السابق ولذلك سوف تحاول لعب أوراق مختلفة مع العديد من الشركاء.

وستبقى الطاقة هي ورقة إستراتيجية رابحة بالنسبة للسياسة الخارجية الروسية. وإذا كان لروسيا مصلحة كبيرة في إقامة شراكة إستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي فإن مثل هذا التوجه قد يتقهقر لصالح نوع من إعادة التوازن عبر التوجه نحو الولايات المتحدة الأميركية والصين.

مسرح للمواجهات

أما بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط فستبقى، حسب القراءة المستقبلية المقدمة مسرحاً للمواجهات وساحة ممزقة بسبب توترات سياسية واثنية متجذرة فيها بعمق، إلى درجة القول إنه لا يمكن استبعاد انهيارات في الشرق الأوسط، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى سقوط بعض الأنظمة. بكل الحالات يتم التأكيد في المحصلة على انه يمكن لبلدان الشرق الأوسط أن تبقى شركاء محدودي المصداقية بالنسبة لأوروبا.

في المحصلة النهائية يتم تحديد التحدي الحقيقي الذي يواجهه الاتحاد الأوروبي في المشاركة في توجيه مسيرة التغيير التي يشهدها العالم، إذ بعد ثلاثة قرون من الهيمنة الغربية يبدو أن التاريخ قد دخل في دورة جديدة مع ظهور قوى صاعدة وفي وقت تميل فيه السلطة لا محالة، نحو مناطق أخرى من الكوكب الذي نعيش عليه.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف