ربما كان هذا الجزء من الكتاب هو الأكثر أهمية بالنسبة للقارئ العربي، حيث يطل من خلاله على سلسلة من التوقعات المهمة بالنسبة لمستقبل المنطقة ودورها على الصعيد العالمي، وبصفة خاصة في قطاع الطاقة، وإذا كان احتياطي المنطقة من الغاز والنفط يشكل الورقة الرابحة في يدها، فإن هذه الورقة نفسها تفرض إدخال سلسلة ضرورية من الإصلاحات البنيوية واعتماد الإدارة السليمة لاستثمار العائد النفطي، وفي غضون ذلك تتوالى سلسة من التحديات ليس التصحر أقلها شأنا.

تحتوي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على 18 بلدا تمتد من المغرب الأقصى إلى إيران، أي المغرب (غرب مصر) والمشرق (شرق مصر). وهناك بلدان ترتبط، من قريب أو بعيد مع المغرب أو المشرق، مثل السودان والصومال وأفغانستان وباكستان وتركيا. إن تطورات مهمة تشهدها منطقتا الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على صعيد بناها وسياساتها وتفتح الطريق أمام إمكانية حدوث اضطرابات. من جهة، لا يشكل استقرار المنطقة مطلباً أساسياً بالنسبة لأمن وازدهار المناطق المجاورة وخاصة أوروبا والقوقاز وآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية فحسب، وإنما أيضا بالنسبة للعالم أجمع.

ومن جهة ثانية تمثل هذه المنطقة «برميل بارود» حقيقيا قد ينفجر بأية لحظة. ذلك أنه هناك عوامل مختلفة للأزمة من بينها الزيادة السكانية المستمرّة وتردّي البيئة وجمود الاقتصاد، بالإضافة إلى التوترات ذات الطبيعة السياسية والاثنية والدينية والتي يبدو أن إيجاد حلول لها لا يزال بعيدا. هناك إذن عوامل متداخلة وكامنة للنزاعات وتجمع بين الإيديولوجيات والعوامل البنيوية. ولا شك في أن هناك حاجة ملحّة للشروع بمجموعة من الإصلاحات العديدة الاجتماعية ـ الاقتصادية، وللسعي نحو تحسين آليات الحكم وإيجاد إطارات إقليمية للأمن القائم على مبدأ التعاون. لكن رغم هذا كله فإنه لم يتم تحقيق سوى تقدّم بسيط في هذه الميادين كلها.

المشكلات الإقليمية: إن منطقة الشرق الأوسط التي تمتلك أكبر احتياطي عالمي من البترول والغاز تنتج حاليا 28 بالمئة من نفط العالم. ومن المتوقع أن يرتفع هذا الإنتاج إلى نسبة 38 بالمئة في أفق عام 2030. ومن الآن حتى ذلك التاريخ من المحتمل أن يرتفع إنتاج مجموع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة تزيد عن 60 بالمئة ليزداد من 8. 26 مليون برميل يوميا إلى 7. 43 مليون برميل يوميا، أما إنتاج الغاز فتدل التقديرات على أن إنتاجه سوف يتضاعف ثلاث مرّات وصولا إلى 900 مليار متر مكعّب.

ويمكن لبلدان المنطقة، وخاصة السعودية وإيران والعراق، أن تقوم بتزويد الاتحاد الأوروبي بنسبة 50 بالمئة من احتياجاته مقابل 45 بالمئة حاليا. لكن التبعية الأوروبية للغاز هي أقل وضوحا الآن. لكن الزيادة المحتملة للواردات الأوروبية من المنطقة المعنية فلا ترتبط مستقبلا بسياسة الطاقة التي سوف تنتهجها روسيا وبتطوير البنى التحتية الأساسية لعمليات النقل.

وضمن القياس الذي تمثل فيه البلدان المنتجة في الشرق الأوسط المالك الوحيد لاحتياطي كبير فإن المنطقة، وخاصة بلدان الخليج، هي القادرة على تلبية حاجات النمو السريع للقوى الصاعدة من الطاقة.

إن الشرق الأوسط يقدّم أصلا حوالي 50 بالمئة من الطلب الصيني والهندي، ويمكن لحجم الغاز الذي تصدّره إيران وبلدان الخليج الأخرى من الغاز الذي تصدّره إيران وبلدان الخليج الأخرى من الغاز نحو الصين والهند أن يزداد، مما يستدعي تطوير قدرات تصنيع ونقل الغاز الطبيعي المسال من هذه المناطق أو إنشاء خطوط أنابيب لنقل الغاز تمر عبر الباكستان. وهناك أيضا دراسات حول طرق أخرى انطلاقا من إيران وتعبر آسيا الوسطى.

من جهة أخرى أدّى ارتفاع أسعار البترول إلى نمو إجمالي الانتاج المحلي في المنطقة بنسبة 5. 5 بالمئة عام 2004 وحوالي 7. 5 بالمئة عام 2005، أي ضعف معدل النمو الوسطي خلال سنوات التسعينات. على الصعيد الاقتصادي يشكّل ارتفاع العائدات من النفط والغاز ورقة رابحة بالنسبة للمنطقة.

لكن لا بد من إدارة سليمة وإصلاحات بنيوية من أجل الاستثمار الجيد للريع النفطي والغازي وتشجيع تنويع الاقتصاد ودعم نموّه. وينبغي لمثل هذا العمل أن يتم بأقصر وقت ممكن إذا كانت المنطقة تريد الانفتاح على المبادلات والاستثمارات الدولية وتطوير القطاع الخاص وتنويع مصادر الاقتصاد ونشاطاته وعدم ارتهانه لأسعار الطاقة.

إن إصلاح آليات الحكم والإدارات العامة سوف يشجع بالضرورة الإصلاحات الاقتصادية التي قد تكون هناك صعوبة على المدى القصير في تحمّلها وستتطلب بالضرورة إرادة سياسية قوية. مع ذلك فإن التوترات السياسية التي تجتاح القسم الأكبر من المنطقة لن تشجع الأنظمة المحلية على تبنّي إصلاحات أصبحت الحاجة لها واضحة وضاغطة، وإنما الإصلاحات التي قد تؤدي إلى ضعف الشبكات الداخلية لنفوذ هذه الأنظمة.

وإذا لم يتم القيام بالإصلاحات المطلوبة، فإن الأوضاع القائمة في أغلبية بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ستبقى ذات قوة جذب متواضعة نسبيا. وحجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة البالغة 1. 9 مليارات دولار عام 2005 والمتركزة خاصة نحو البلدان الغنية بالثروات الطبيعية يبيّن الاهتمام القليل الذي تثيره المنطقة على الصعيد الاقتصادي.

ثم إن الجزء الأكبر من التحويلات المالية لبلدان المنطقة لا تتأتى من الاستثمار وإنما المبالغ التي يحوّلها المهاجرون في أوروبا أو في بلدان الخليج والتي جرى تقدير قيمتها ب3. 20 مليار دولار عام 2004.

كذلك هناك فارق كبير بين البلدان الغنية بالمواد الأولية، وعلى رأسها مواد الطاقة، وبين البلدان التي تفتقر إليها، ذلك أن ارتفاع أسعار هذه المواد جلب فوائض مالية كبيرة لبلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المصدّرة للبترول. وتتم الإشارة هنا إلى أن البلدان المعنية استخدمت هذه الأموال بطرق عديدة.

ففي البلدان الكبيرة الغنية بمصادر الطاقة ، مثل الجزائر وإيران، أدى وجود اقتصاد ريعي إلى كبح مسيرة الإصلاحات وأعاق محاولات تنويع مصادر الاقتصاد، بينما شجّع بنفس الوقت المحافظة على نسبة بطالة عالية. وعلى تضخّم القطاع العام وأيضا على تطوير نزعة اتخاذ إجراءات حمائية.

لكن الوضع مختلف في بلدان الخليج (باستثناء إيران)، التي قامت بعمليات إصلاح لاقتصاداتها بفضل القيام بخصخصة جديدة وبتحديث ملحوظ لبناها التحتية الأساسية. أما في البلدان الفقيرة بالموارد الطبيعية، فإنه هناك ضرورة ملحّة لإجراء عملية إصلاح عميقة لآليات الحكم وللاقتصاد، ذلك أن نموّها مشروط بشكل كبير بالاندماج أكثر في دورات التبادل والاستثمارات الدولية.

وتتم الإشارة أيضا إلى وجود فارق كبير بين الدول التي تتوفر فيها اليد العاملة وبين البلدان التي تنقصها هذه اليد العاملة والمتمثلة بشكل رئيسي في بلدان الخليج التي يشكل المهاجرون نسبة كبيرة من اليد العاملة فيها. ويبدو أن هذه البلدان أصبحت تميل إلى الحد من الهجرة وإلى تقليص عدد المهاجرين فيها. إن مثل هذا القرار قد تكون له مستقبلا كلفة اجتماعية عالية كما ستكون له آثاره على اقتصاد البلدان التي تستفيد من تحويلات العاملين المقبلة من البلدان الغنية.

مشكلات مختلفة

أما البلدان ذات اليد العاملة المتوفرة بكثرة فإنها سوف تواجه مشكلة مختلفة، وهي ضرورة إيجاد ما يكفي من فرص العمل لأعداد متزايدة أكثر فأكثر. وفي الحالتين هذا يعني أنه يمكن للانفجار الديموغرافي (الزيادة السكانية الكبيرة) أن يطرح خلال العقدين القادمين، المشكلة البنيوية الأكثر أهمية بالنسبة لاستقرار منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمجملها.

فمنذ الآن وحتى أفق عام 2025، ورغم الانخفاض التدريجي في معدل المواليد، سيزداد عدد سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة 38 بالمئة لينتقل من 388 مليونا إلى 537 مليون نسمة، وسوف يزداد عدد أولئك القادرين على العمل بنسبة 40 بالمئة في شمال إفريقيا وقد يصل إلى 50 بالمئة في الشرق الأوسط، أي حوالي 80 مليونا قبل حلول عام 2020.

وتدل إحصائيات البنك الدولي على أن تأمين 100 مليون فرصة عمل سيكون ضروريا خلال العشرين سنة المقبلة من أجل الواصلين الجدد إلى سوق العمل، وهذا يفترض أن يصل النمو الاقتصادي السنوي إلى معدّل 6 بالمئة إلى 7 بالمئة خلال هذه الفترة.

لكن إذا حصل وانخفضت أسعار البترول وعرفت التنمية في القطاعات الأخرى غير الطاقة نفس الجمود الذي عرفته خلال العقود الأخيرة فإن هذا يعني 50 مليون عاطل عن العمل، أي ما يعادل 27 بالمئة من مجموع اليد العاملة، من الآن وحتى 20 سنة قادمة.

بالإضافة إلى هذا هناك أيضا المنافسة المتعاظمة لليد العاملة الخارجية المؤهلة التي قد تزيد من حدة مشكلة البطالة. وإذا جرى استثناء الصادرات من المحروقات فإن بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قد تبقى على هامش العولمة الاقتصادية، هذا باستثناء بعض بلدان الخليج مثل الإمارات العربية المتحدة والبحرين التي استثمرت في مجالات الخدمات المالية والموانئ والسياحة.

كما إن تدهور البيئة سيمثل تحديا آخر بالنسبة للمنطقة. وتشكل الصحارى أو المناطق الجرداء 87 بالمئة من أراضيها، وهذه النسبة مرشحة للازدياد بفعل التغيرات المناخية التي تؤدي إلى زيادة درجات الحرارة وتراجع نسبة الأمطار.

ورغم الاستثمارات العامة الكبيرة في مجال تأمين مياه الشرب، فإن تدهور البيئة الذي يزداد حدة بسبب الزيادة السكانية الكبيرة يمكن أن يؤدي إلى شح خطير في المياه. والحصة السنوية للفرد من المياه هي حاليا حوالي 1200 متر مكعب (مقابل 7000 متر مكعب كمعدل عالمي) ويمكنها أن تنخفض إلى 550 مترا مكعبا في أفق عام 2050.

ومن بين النتائج المباشرة للجفاف وللتصحّر هناك نقص إمكانيات ري الأراضي القابلة للزراعة وبالتالي زيادة التبعية حيال واردات المنتوجات الغذائية وتنامي الهجرة من الأرياف نحو المراكز المدينية. وتشير التقديرات أنه في عام 2015 سيكون هناك 70 بالمئة من سكان المنطقة في المدن. ويمكن أيضا لعدم كفاية المياه أن يكون له نتائجه السياسية.

ذلك أن بعض البلدان مثل مصر وسوريا تتلقى نسبة كبيرة من المياه العذبة من بلدان أخرى، وبالتالي تتأثر مباشرة بسياسات المياه التي تتبعها هذه البلدان المجاورة المعنية. تجدر الإشارة هنا إلى أنه جرى الشروع في إعداد برامج في المشرق والمغرب من أجل إدارة مصادر المياه منذ فترة قريبة.

وتدل التحليلات المقدّمة على أن مجرّد القيام بعملية جرد سريعة لبعض المؤشرات البنيوية الأساسية يكشف عن مدى اتساع التحديات المرتبطة بالتنمية والتي سوف تواجهها أغلبية بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بما في ذلك بعض البلدان الغنية بالثروات الطبيعية. لكن بكل الحالات تبقى مسألة تسوية المشاكل مرتبطة خاصة بالميدان السياسي.

من هنا سوف يكون تأخر الإصلاح الحكومي وغياب الديمقراطية والمنافسات الاثنية والطائفية في جميع منطقة الشرق الأوسط واحتمال قيام أزمة سياسية خطيرة في المشرق، أمورا ستكون كلها في المسائل الأساسية بالنسبة لمستقبل المنطقة.

ثلاثة رهانات كبرى

يعيش المشرق حالة تبدلات سريعة، فالديمقراطية هي موضوع نقاشات حامية والهويات الاثنية والطائفية تظهر على السطح أكثر فأكثر. لقد جرت الإطاحة ببعض الأنظمة (مثل العراق) بينما تواجه أغلبية الأنظمة الأخرى ضغوطا داخلية وخارجية. السلطات القائمة ترى في هذه التطورات مصدر إخلال بالاستقرار ،لاسيما في ظل تسييس الإيديولوجيات الدينية والاثنية، مثلما تشير أمثلة أفغانستان والعراق وتركيا ولبنان. عملية التسييس هذه أدّت إلى ضعف مؤقت أو جزئي للدولة أو ربما انهيار سلطتها على جزء من أراضيها.

وخلال سنوات التسعينات نمت ظاهرة التطرف في العديد من الدول وامتدت مجالات من الفوضى. يضاف إلى هذه الظواهر تدويل النزاعات المحلية، وخاصة النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي والذي تتركز حوله وتتعاظم التوترات الإقليمية كلها.

يبقى إيجاد حل للنزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي هو الرهان الأكثر أهمية بالنسبة للمجموعة الدولية. السؤال اليوم هو معرفة ما إذا كانت ستقوم دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على جزء من تراب فلسطين أم لا. إن فلسطين تمثل القضية الكبرى للقومية العربية وللإسلام السياسي ولليسار المعادي تقليديا للإمبريالية. وسوف تتابع هذه القضية تعبئة الالتزام السياسي لدى العرب والمسلمين في العالم.

كذلك تنظر أغلبية سكان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى جميع النزاعات على أنها تعبير عن مسألة واحدة ، هي العداء الغربي حيال الإسلام. هكذا يتم النظر إلى الوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة. وبمقدار ما تتضاءل فيه حظوظ الوصول إلى سلام عن طريق التفاوض يؤدي إلى قيام دولتين، فإنه من المحتمل أن يستمر مستقبلا الاستياء والمرارة والحقد ضد الغرب ممثلا بإسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا بل وسيتعاظم مما يجعل التهديدات أكبر بالنسبة لمختلف بلدان الاتحاد الأوروبي، بسبب القرب الجغرافي.

ويتم ترقب تحدٍ آخر ستعرفه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال العشرين سنة المقبلة، ويتمثل في التداخل بين توجهين أساسيين هما الديمقراطية من جهة والتطرف من جهة أخرى. وكان الإسلام السياسي قد وجد بشكل فاعل في المنطقة المعنية خلال القرن العشرين، وذلك على الصعيدين السياسي والفكري.

وتؤكد التقديرات المقدّمة أنه من المستبعد أن تتضاءل مثل هذه الاتجاهات في المستقبل القريب، وستبقى رهانا ثقافيا وسياسيا بالنسبة للنخب العلمانية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. لكن مدى القوة والانتشار اللذين يمكن أن تبلغهما هذه الاتجاهات يرتبط تماما بمدى نيّة وقدرة النخب السياسية في المنطقة على إجراء إصلاحات لتحسين آليات الحكم في بلدانها.

توقعات دالة

تتم الإشارة هنا إلى أن موقف الحركات السياسية ذات الإيديولوجية الإسلامية حيال مسألة الديمقراطية قد شهد تطورا كبيرا. ففي البداية كانت ذات موقف نقدي متشدد ضد الديمقراطية، لكن ظهر لديها خلال سنوات التسعينات اتجاه أكثر ميلا نحو الاقتراع الشعبي، وذلك على خلفية الاقتناع بأن شريحة مهمة من الناخبين قد تصل إلى حوالي 40 بالمئة يمكن أن تعطي أصواتها لهذه الحركات. لكن هذا لا يعني، مع ذلك.

أن الديمقراطية في البلدان المعنية بها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سوف تكون بمثابة امتداد طبيعي لهذا التطور على المدى المتوسط. بالمقابل قد يؤدي الاستياء السائد بسبب حدوث انتخابات مزورة أو بسبب رفض المجموعة الدولية نتيجة بعض الانتخابات (مثل حالة حماس)، إلى جعل الديمقراطية نفسها ذات قوة جذب أقل.

وإذا كان يتم التأكيد على الدور المهم الذي يمكن أن يلعبه الدعم الغربي لاجراء انتخابات حرّة وعادلة في المنطقة، بل واعتبار أن مثل هذا الدعم حاسما من أجل تشجيع الديمقراطية، فإنه يتم التأكيد أيضا على أن الحركات المتطرفة ذات الأقلية يمكنها أن تشوش أي توجه نحو الديمقراطية. لاسيما وأن هذه المجموعات المتطرفة الصغيرة لا يمكن تمثّلها في إطار الحياة الديمقراطية، ذلك أنها قد تبنّت العنف.

ويتم التأكيد هنا أيضا على أن تنامي قوة الحركة المتزمتة عقائديا في عدد من بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ستكون له نتائجه. فعلى الصعيد الإيديولوجي سوف تتم ترجمة هذا التنامي بالعداء الشديد حيال المعتدلين، جميع المعتدلين، من أجل تخويف الاتجاهات الديمقراطية الوليدة التي ينظر لها المتطرفون على أنها أدوات بيد الإمبريالية.

وتشير التحليلات المقدّمة إلى أن الاتجاهات المتطرفة تزيد من إمكانية القيام بعمليات عسكرية في المنطقة وخارج حدودها. وما يجري في العراق اليوم، يقدم في واقع الأمر، مجالا لتدريب المتطوعين الأجانب على المعارك. وبمقدار ما تطول مدة الأوضاع القائمة في العراق ستزداد قدرة هؤلاء على التحرك ب«فاعلية» أكبر.

هنا يتم التأكيد على أن دعم القوى السياسية المعتدلة ذات الإيديولوجية الإسلامية، المؤيدة للتوجه البرلماني، يبدو أن السبيل الوحيد الممكن من أجل مكافحة الجماعات المتطرفة. بالطبع لا بد وأن يواجه مثل هذا الجهد عقبات كبيرة. فمن جهة يمكن للديمقراطيات الجديدة أن تكون محكومة بشكل سيئ وغير مستقرة سياسيا. ومن جهة أخرى سيبقى التطرف بمثابة تهديد لأمن الغرب مهما كانت درجة ديمقراطية أنظمة المنطقة. من هنا يتم التأكيد على ضرورة دعم عملية إصلاح بنيوي لآليات الحكم كي تستمر الاندفاعة الديمقراطية.

وفي معرض الحديث عن الانتماء الاثني، يؤكد المساهمون في هذا الكتاب على القول إن أغلبية حدود دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قد جرى رسمها بصورة مصطنعة من قبل القوى الاستعمارية السابقة من دون أخذ الوقائع الاثنية والطائفية بالاعتبار. وكانت النخب في هذه المنطقة قد رأت في التوترات الاثنية والطائفية والقبلية نوعا من المساس بالأمن الوطني، أي كتهديد للوحدة الوطنية ومحاولة لإعاقة سيطرة الدولة على المجتمع.

وبشكل عام حاولت دول المنطقة كلها تمثّل الأقليات الموجودة فيها وقد حققت بعض النجاح في ذلك خلال القرن العشرين. لكن التوجه انعكس اعتبارا من نهاية عقد الثمانينات الماضي حيث برزت عدة توترات على خلفية اثنية وعقائدية بدت وكأنها تمثل تهديدا بهز استقرار المنطقة، والتي تعاني أصلا من حالة «مزمنة» من عدم الاستقرار.

بالنسبة لمنظور المستقبل القريب تشير التقديرات إلى أن منطقة الشرق الأوسط ستبقى منطقة مواجهات وتمزقها التوترات السياسية والاثنية. وهناك خطر أن تبقى حالة النزاع القائمة في العراق وفلسطين عامل عدم استقرار معمم.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف