يُعد التشتت الذهني أحد الأخطار المهنية التي يراها البعض من الخطورة بما يستدعي توجيه مزيد من الاهتمام إليها. وقد أفردت مجلة «نيوساينتست» في أحد أعدادها الأخيرة موضوع غلافها لهذه القضية التي تشغل بال عدد كبير من علماء النفس وأصحاب العمل والاختصاصيين لما لها من أثر مباشر على إنتاجية الموظف وقدرته على الإبداع ومن ثم ارتباطها المباشر بالوضع الاقتصادي للشركة أو المؤسسة المعنية.
وفي هذا الصدد تورد المجلة بعض الإحصائيات التي توضح أهمية الالتفات إلى الحالة الذهنية للموظف وتأثير هذه الحالة في إنتاجيته بشكل عام. فالبحوث التي تمت في هذا الشأن توضح أن عوامل الإلهاء الذهني قد تمتد وتستنفد ساعتين يومياً من ساعات عمل الموظف، وهذه العوامل تتضمن إشعارات البريد الإلكتروني والرسائل النصية عبر الهاتف النقال أو الأفراد الذين يسيرون في اتجاه نظر الفرد إلى جانب كثير من العوامل الأخرى، التي يصعب تجاهلها طوال ساعات العمل.
وبالنسبة للموظف فإن هذه العوامل قد تتسبب له في بعض الضيق، وقد تتسبب أيضاً في انخفاض إنتاجيته. لكن عندما يتعلق الأمر بالطيارين أو قائدي السيارات والشاحنات، فإن الأمر قد يؤدي إلى عواقب وخيمة. حيث أثبتت دراسة أجريت على السائقين عن طريق هيئة سلامة الطرق السريعة في الولايات المتحدة العام الماضي أن عدم الاهتمام بالطريق لمدة ثانيتين فقط من قبل هؤلاء السائقين يضاعف احتمال حدوث تصادم.
وتشير الدراسات إلى أن التشتت الذهني يصيب نحو 10% من الأطفال، ويصيب الذكور أكثر من الإناث، وتشير البحوث الطبية والنفسية إلى أن الطفل يمكن أن يعد مريضاً بالتشتت الذهني عندما تظهر عليه علامات سوء السلوك وارتباك التصرف في مواقف عديدة مختلفة، وعلى امتداد بضعة أشهر.
إن حالة التشتت الذهني لا يمكن تشخيصها طبياً، ولكن يمكن اكتشافها من خلال الأساليب النفسية المتبعة في الفحوصات النفسية، ومنها الملاحظة المباشرة والمقابلة التشخيصية وإجراء بعض الاختبارات النفسية المتخصصة للطفل الذي يشك في إصابته بالتشتت الذهني،
مع الأخذ بعين الاعتبار تاريخ الحالة وتفاصيل سلوكه اليومي وتصرفاته في فترات مختلفة مع دراسة وضع العائلة ووضعه المدرسي. ويعاني الطفل الذي يصاب بالتشتت الذهني من صعوبات في التعلم ليس بسبب عجزه أو ضعف ذكائه، بل لعدم قدرته على التركيز على الدروس.
معظم الأطباء يضعون مشكلة التشتت الذهني في إطار نفسي اجتماعي من حيث نشوئها أكثر منها في عضو عصبي، فالطفل الذي يعاني التشتت الذهني ليس لديه بالضرورة عجز في الإدراك والعواطف أو وجود خلل عصبي، ولا تظهر عليه أعراض ارتباك وظيفة الدماغ.
يعد التشتت الذهني لدى الأطفال والكبار حالة غير اعتيادية تكون أقرب إلى الحالة المرضية إذا ظهرت بعض الأعراض مثل عدم الاهتمام بالتفاصيل أو ارتكاب أخطاء سببها الإهمال في الواجبات المدرسية والعمل وغير ذلك من الأنشطة التي يختص بها في حياته اليومية والصعوبات الواضحة في إدامة الاهتمام بالواجبات أو الألعاب والضعف الواضح في الإصغاء خصوصاً عند توجيه الكلام إليه مباشرة،
وفشله في أداء المهام التي توكل إليه أو عدم الالتزام بالتعليمات، والصعوبة الواضحة في التنظيم وخصوصاً فيما يتعلق بالواجبات المدرسية أو الأنشطة الفوضوية الواضحة في سلوكه وتعامله، وتجنب العمل الجماعي الذي يستدعي جهوداً ذهنية،
وكره العمل الجماعي والانخراط به وانصراف الذهن بسهولة إلى التأثيرات الخارجية وكثرة النسيان خلال النشاطات اليومية التململ الواضح الذي يبدو على الشخص أو الطفل من خلال حركة الجسد التي يظهرها،
مثل التلوي بيديه وقدميه أو حين جلوسه على المقعد واللامبالاة الواضحة وعدم الاهتمام بالأشياء الضرورية الخاصة باللعب أو لوازمه المدرسية أو احتياجاته كالأقلام والأوراق والكتب والقرطاسية الملونة والأدوات المدرسية بالنسبة للطفل وأدوات العمل بالنسبة للموظف.
وتوضح البحوث التي تجرى في هذا الشأن أن هناك أناساً أفضل من غيرهم في التعامل مع عوامل الإلهاء التي تحيط بهم في أماكن العمل أو الدراسة. وحتى وقت قصير لم تكن هناك وسيلة سهلة لقياس قدرة الشخص على مقاومة هذه العوامل والتركيز في عمله على الرغم من أي مؤثرات خارجية،
وكذلك لا توجد أي وسيلة أو تقنية للتنبؤ بما إذا كان أحدهم سيكون أفضل من غيره في وظيفة التحكم في حركة الملاحة الجوية في المطارات بسبب قدرته على التركيز أم لا. غير أنه بحسب «نيوساينتست» فإن العالمة النفسية البريطانية نيلي لافي وفريق عمل مصاحباً لها قد توصلوا إلى طريقة موضوعية لقياس قدرة الشخص على التركيز في مواجهة الملهيات البصرية.
تقول ليفي إن الملهيات ليست بالضرورة الأشياء التي تقع أمام عين الفرد، فقد يكون الجسم الذي يتسبب في تشتيت الانتباه هو إعلان يحمل ألواناً صارخة في أحد جوانب الطريق أو جسم طائر يستحوذ على اهتمامك.
وتضيف في هذا الشأن: «المرء في هذا الحالة يفقد السيطرة على حواسه ولا يستطيع منع نفسه من الاهتمام بأشياء أخرى؛ فمجرد أن تتمنى ألا يشتت انتباهك شيء ما، لا يعني بالضرورة أنك ستنجح في تجنب الاهتمام به».
وتعتمد التقنية التي استخدمتها العالمة ليفي في قياس قدرة الفرد على التركيز وعدم الاستسلام للمغريات المحيطة على لعبة حاسوبية يُطلب من مستخدميها التركيز على الحروف التي تضئ في منطقة معينة من الشاشة والضغط على مفتاح واحد إذا رأوا حرف «إن» وعلى مفتاح آخر إذا رأوا حرف «إكس».
وخارج هذه المنطقة من الحاسوب توجد حروف أخرى تظهر بشكل سريع كي تصرف انتباه الفرد عن التركيز على ظهور حرفي «إكس» و«إن». ومن خلال هذه اللعبة يجري قياس كيف تزيد هذه الملهيات الوقت الذي يحتاجه الذهن للتركيز على حروف معينة بشكل صحيح.
وفي نهاية الاختبار، يكوّن الكمبيوتر مؤشراً على قدرة الفرد على التركيز وعلى مقاومة المغريات المحيطة. يقدم العلماء مجموعة من النصائح التي يمكن أن تساعد المرء على التغلب على آفة عدم التركيز، يمكن تلخيص بعضها في النقاط التالية:
- احصر تركيزك في شيء معين لفترة طويلة، مثل تأمل لوحة فنية معلقة على الجدار؛ ادرس كل دقائقها، في اللون والظلال والحركات، ولا تهمل أي تفصيلة فيها مهما كانت صغيرة، ثم أغمض عينيك وراجع اللوحة في ذهنك، ثم راجع كم التقطت منها وكم فاتك، أعد المحاولة مراراً.
- استرجع في ذهنك الطريق المعتاد الذي تمشيه أو تقطعه؛ حاول أن تتذكره بقعة بقعة؛ فمثل هذا التمرين يمكن أن ينمي لديك أيضاً حالة الانتباه والتذكر، فالتركيز ينمو بالممارسة والمداومة.
- لا تنتقل من فكرة إلى أخرى بسرعة. ركز في فكرة معينة واستغرق فيها كما لو كنت تتأمل مشهداً أمامك؛ سيساعدك ذلك على التركيز.
إعداد: حاتم حسين
