يجد القارئ نفسه هنا أمام سلسلة متتابعة من توقعات الخبراء فيما يتعلق بالتطورات والاتجاهات المنتظرة في المرحلة المقبلة في قارتي أميركا الشمالية والجنوبية، ويلفت النظر بصفة خاصة توقع سياسة خارجية أميركية أقل نشاطاً وتأثيراً مع الاتجاه إلى تشجيع المؤسسات الدولية والانكماش دولياً.

بناءً على التقديرات القائمة على المؤشرات التقليدية للقوة الاقتصادية والعسكرية، سوف تبقى الولايات المتحدة هي القوة العالمية الأولى من الآن وحتى عام 2025. مع ذلك بقيت معرفة ضمن أي مقياس سوف تتوصل إلى المحافظة على موقعها المهيمن الذي احتلته منذ نهاية الحرب الباردة.إن الولايات المتحدة تشكل استثناءً بين الدول المصنّعة من حيث إنها سوف تشهد تزايداً سكانياً بأكثر من 17 بالمئة في عدد سكانها الذي سيصل إلى 364 مليون نسمة من الآن وحتى أفق عام 2030، وحيث سيكون مصدر أغلبية هذه الزيادة من الناطقين باللغة الاسبانية (من المكسيك خاصة).

بنفس الوقت سوف يتابع الاقتصاد نموّه بإيقاع يصل إلى معدل 3. 2 بالمئة سنوياً اعتماداً على التجديد التكنولوجي وعلى قطاع البحث والتنمية الذي تقدّر نفقاته بحوالي ثلث ما يتم إنفاقه عالمياً على هذا القطاع.ويبدو أن الولايات المتحدة، التي لديها 37 من أصل أفضل 50 جامعة في العالم وتجذب إليها عدداً كبيراً من الباحثين العلميين من جميع أنحاء المعمورة، مصممة على أن تحتفظ بقدرتها على التنافس في مجال اقتصاد المعرفة خلال السنوات المقبلة.

كانت الولايات المتحدة ما بين 1997 و2004 هي «المحرّك الاقتصادي للعالم». لكن واقع معاناتها من عجز قياسي في الميزان الجاري بحوالي 800 مليار دولار ووصل العجز الإجمالي في الميزانية إلى نسبة 1. 4 بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي بعد أن كان هناك فائض بنسبة 3. 1 بالمئة عام 2000 يجعل الاقتصاد الأميركي عرضة لتأرجحات دورية قد يكون لها آثارها السلبية على المستوى العالمي.

لقد أصبح من الواضح اليوم أن استقرار التمويلات الأميركية يرتبط بشكل خطير بالمصادر الخارجية إذ على الولايات المتحدة استيراد معدّل 1000 مليار دولار سنوياً من رؤوس الأموال الأجنبية من أجل تمويل عجزها واستثماراتها الخاصة المباشرة في الخارج. إن تقليص العجز في الميزانية الأميركية وزيادة الطلب الداخلي لاقتصادات كبرى أخرى هما بين الحلول المحتملة لهذا الوضع.

تطورات بالجملة

على صعيد آخر يتعلق بالثقافة والمجتمع والسياسة تتم الإشارة أولاً إلى أن المجتمع الأميركي يؤكد تقليدياً على مفاهيم الانفتاح والتعددية الثقافية والتدخل المحدود للسلطات الحكومية وللدولة العلمانية. مع ذلك يبدو من الواضح أكثر فأكثر أن بعض المبادئ القديمة للمجتمع الأميركي قد جرى وضعها موضع التساؤل وربما أنها قد تتطور خلال العشرين سنة المقبلة.

وهناك أربعة مظاهر قد يكون لها دورها في تحديد مسار التطور القادم وتتمثل في الهجرة التي يمثلها الناطقون باللغة الاسبانية، وواقع اللامساواة، والدور المتعاظم للدولة، وأخيراً مكانة الدين في السياسة الأميركية.

لا شك أن الولايات المتحدة في أرض للهجرة والتعددية الثقافية هي أحد سماتها الحاسمة. وكانت قد استقبلت تقليدياً موجات من الهجرات المقبلة من أوروبا من دون أي تغيير في منظومتها السياسية وقيمها.

لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لهجرات الناطقين باللغة الاسبانية، خاصة من المكسيك، والتي كان لها آثارها على التركيبة الاجتماعية للبلاد وقد تدفع المجتمع الأميركي شيئاً فشيئاً نحو الازدواجية اللغوية، أي الانجليزية والاسبانية، ومما سيكون له أيضاً آثاره على نظام الضمان الاجتماعي وعلى المواقف حيال المهاجرين.

في عام 2004 كان الناطقون بالاسبانية يمثلون بين 13 بالمئة و14 بالمئة من مجموع الأميركيين. ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 20 بالمئة عام 2030 و25 بالمئة عام 2050. ويمثل المكسيكيون الشريحة الأكبر بين هؤلاء المهاجرين

وكانت نسبتهم هي 31 بالمئة من مجموع الأميركيين المولودين خارج البلاد عام 2004. ويدخل سنوياً ما بين 000 400 إلى 000 500 مكسيكي سراً إلى الولايات المتحدة بحيث دلّت تقديرات عام 2004 أيضاً إلى أن عدد المهاجرين السريين هو حوالي 3. 10 ملايين شخص.

كانت الولايات المتحدة قد شهدت هجرات شبيهة في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. كان مصدرها هو ألمانيا وايرلندا. لكن خصوصية الهجرة الحالية هي أنها تتحدث لغة واحدة غير الانجليزية. ثم إن أغلبية المهاجرين القادمين من المكسيك يقيمون في جنوب غرب الولايات المتحدة، أي على طول الحدود المكسيكية ـ في كاليفورنيا والمكسيك الجديدة واريزونا وتكساس.

وينقل المساهمون في هذا الكتاب عن المفكر الأميركي صموئيل هنتنغتون، صاحب مقولة «صدام الحضارات» الشهيرة، قوله انه رغم التعددية الاثنية والثقافية للولايات المتحدة تبقى القيم الأساسية فيها هي انجلو ـ بروتستانتية.

مع ذلك يتم التأكيد هنا على أن التدفق المستمر للناطقين باللغة الاسبانية سوف يقلّص من أرجحية الثقافة الانجلو ـ بروتستانتية وسوف يغيّر بعمق المجتمع الأميركي. إذ سوف تصبح الولايات المتحدة في الواقع، إن لم يكن رسمياً، مجتمعاً مزدوج اللغة.

على الصعيد السياسي يطالب المهاجرون القادمون من المكسيك وغيرها من بلدان أميركا اللاتينية امتيازات اجتماعية أكبر، كما يطالبون بتعزيز دور الدولة. هذا المطلب الثاني تشاركهم بهم فئات أخرى متعددة من السكان من غير المهاجرين إذ تتمنى وجوداً أكبر للدولة، إنما لأسباب مغايرة تماماً عن أسباب المهاجرين.

في النموذج الأميركي للعلاقة بين الدولة والمجتمع تبدو الدولة في دور السهر على قدرة المواطنين التمتع بحقوقهم وامتلاك الثروة والعيش بسلام فيما بينهم. لكن دون تجاوز هذا الدور وعدم التدخل في الحياة الخاصة لهؤلاء المواطنين. ويتم التأكيد هنا أن الأميركيين لا يزالون حذرين حيال الدولة وبقدرتها على تحسين نوعية حياتهم.

لكن الأثر الكبير الذي أحدثته تفجيرات 11 سبتمبر 2001 على الذهنية الأميركية أدّى إلى حصول تحول تدريجي لمفهومهم عن دور الدولة. وبالتوازي مع عملية إعادة بناء الأجهزة الأمنية وإيجاد وزارة كبيرة للأمن الداخلي، قامت الحكومة بتبني العديد من الإجراءات التي شكّلت، في أحسن الأحوال، نوعاً من «الإزعاج» للمواطنين،

وفي أسوأ الأحوال، مساساً صريحاً بالحريات الفردية. لقد اعترف الرئيس الأميركي أنه سمح القيام بعمليات تجسس هاتفي على المحادثات الخاصة على مدى واسع. لكن هذه الإجراءات لقيت القبول عامة من قبل الأميركيين مما يدل بوضوح على قبولهم بتدخل الدولة في حياتهم الخاصة بهدف تعزيز الأمن.

بدت ضرورة وجود دولة قوية مقبولة أيضاً في سياق تنظيم سياسات الهجرة. ومن أجل تعزيز الأدوات التي تمتلك عليها الدولة من أجل احترام القانون قام الرئيس والكونجرس بنقاش إصلاحات للهجرة ترمي إلى زيادة حرس الحدود وتنظيم اعتداءات إرهابية جديدة سوف يؤدي إلى تدخل الدولة أكثر فأكثر في الحياة الخاصة للمواطنين وبالتالي إلى ابتعاد الولايات المتحدة أكثر فأكثر عن قيمها الأساسية.

من جهة أخرى إذا استمرت التوجهات الحالية فإن الولايات المتحدة لن تصبح مجتمعاً أكثر «لا مساواة». إن الفوارق بين الأغنياء والفقراء قد ازدادت أصلاً منذ مطلع سنوات الثمانينات المنصرمة. ولم يعرف العامل المتوسط منذ عام 2000 سوى ارتفاع حقيقي في أجره يعادل 1 بالمئة فقط مقابل 6 بالمئة بالنسبة لسنوات 1995 ـ 2000.

بالمقابل تضاعف دخل ال1 بالمئة الأكثر ثراءً من مجمل الدخل العام خلال سنوات 1980 ـ 2004، إذ ازدادت حصتهم من 8 بالمئة إلى 16 بالمئة بينما تضاعف أربع مرات دخل الشريحة الأكثر غنى (01. 0 بالمئة) حيث ازداد من 65. 0 بالمئة من الدخل القومي العام إلى 87. 2 بالمئة.

وتبدو اللا مساواة بشكل صاعق أكثر في مجال توزيع الثروات إن ثلث الثروات الأميركية تعود إلى 1 بالمئة من الأكثر ثراءً، ويعود الثلث الثاني إلى 9 بالمئة من الذين يلون الشريحة الأولى بالثراء ويقتسم 90 بالمئة من الأميركيين الثلث الباقي. لكن الأميركيين يعتقدون أن النجاح في متناول أي فرد ولا يزالون يثقون بـ «موديلهم» الاقتصادي المرن والديناميكي إلى أقصى الحدود.

المجتمع الأميركي متديّن بعمق، لكن هذا لا يمنع غالبية الأميركيين من الاعتقاد أن بلادهم ليست متدينة إلى درجة كافية. تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن التديّن الأميركي تكمن مقارنته بما هو قائم من تديّن في إفريقيا أو أميركا الجنوبية وإنما هو بعيد عمّا في أغلبية البلدان الأوروبية.

على الرغم من أن الولايات المتحدة هي جمهورية علمانية دستورياً، فإن الدين يلعب دوراً مهماً في سياستها. ويؤكد البعض أن المحافظين المسيحيين قد زادت قوتهم خلال السنوات الأخيرة وأنه كان لهم تأثير ملموس على السياسة التي تشكك بالفصل الدستوري بين الكنيسة والدولة. والرئيس بوش لم يخف أبداً أن برنامجه السياسي قد استلهم غالباً من إيمانه المسيحي.

وهناك العديد من أعضاء الكونجرس مسيحيين متحمسين، وكذلك بعض أعضاء المحكمة العليا. وكانت القناعات والمواقف الفردية حيال الإجهاض قد لعبت دائماً دوراً في النقاشات الخاصة بالتعيينات في المحكمة العليا. وهناك احتمال أن تتراجع الأغلبية المحافظة الحالية عن القرار الذي أعطى عام 1973 الشرعية لعملية الإجهاض.

مع ذلك يتم القول هنا انه قد يكون من المبكّر الوصول انطلاقاً من هذه التطورات القريبة العهد إلى استنتاج مفاده أن التيار الذي يستلهم إيديولوجيته من الدين سوف يتسع وسيتعزز نفوذه على السياسة الأميركية. وإذا كان من المؤكد أن الدين سوف يتابع التأثير على القناعات الاجتماعية للأميركيين فإن هؤلاء لم يغيّروا رأيهم حول ضرورة الفصل بين الدين والسياسة من يوم إلى آخر.

السياسة الخارجية

على صعيد السياسة الخارجية يبدو أن تديّن الأمة الأميركية كان له تأثيره على موقفها حيال إسرائيل. إن أكثر من ثلث الأميركيين يعتقدون أن إسرائيل تنجز نبوءة إنجيلية ولذلك يحسّون بالتضامن مع الإسرائيليين أضعاف ما يحسونه حيال الفلسطينيين. وبدا منذ فترة أن المجموعات المسيحية المحافظة أصبحت من المدافعين المتحمسين عن إسرائيل وخاصة عن حزب «الليكود». ولعل هذه الحالة الإسرائيلية هي الاستثناء الوحيد حول تدخل الدين في السياسة الأميركية.

بالنسبة للمستقبل تؤكد التقديرات أنه ليس هناك ما يشير إلى أن تديّن الأميركي سوف يتراجع، ولكن ليس هناك أيضاً ما يدعو للاعتقاد أن المعتقدات الروحانية سوف يكون لها تأثير أكبر على الحياة السياسية. إن استطلاعات الرأي تشير بالأحرى إلى عكس ذلك، وإن تأثير القناعات الدينية على الآراء التي يمكن أن توجه السياسة الخارجية سوف يبقى تأثيراً لا وزن له.

ويتم التأكيد في هذا السياق على أن تفجيرات 11 سبتمبر 2001 ورد الولايات المتحدة عليها، خاصة غزو العراق، يمثل أحد أكثر المراحل الأكثر عرضة للنقد في السياسة الخارجية الأميركية. وكان وصول جورج دبليو بوش إلى الرئاسة قد ترافق مع الصعود القوي لتيار المحافظين الجدد الذين يقولون بمقاربة تؤكد على الهيمنة الأميركية وحدها مع التأكيد أنه بمقدور الولايات المتحدة تغيير العالم بل وأنه عليها أن تفعل ذلك.

وفي بداية عهد إدارة بوش لم يكن واضحاً أنه سيتم تبنّي برنامج المحافظين الجدد ولم يكن هناك الكثير من الأميركيين يروق لهم أن يروا جيشهم وهو ينتشر في العالم من أجل نشر الديمقراطية. وكان الرئيس بوش قد وعد فعلياً بعكس ذلك أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية عام 2000.

تفجيرات 11 سبتمبر غيّرت المعطيات وتبنّت إدارة بوش مبدأ العمل الوقائي المدعوم من ثلثي الأميركيين والذي وجد تطبيقه في غزو العراق. بعد أربع سنوات من هذا الغزو بدا بوضوح فشل السياسة الداعية للحرب. وأمن الولايات المتحدة لم يتعزز كما أن الديمقراطية لم تقم في العراق.

ومع تزايد عدد القتلى الأميركيين والكلفة الباهظة للحرب ـ 564 مليار دولار حتى السنة المالية لعام 2008 ـ تعاظم عدد المناوئين للحرب في أميركا نفسها. وانتقلت شعبية بوش من 85 بالمئة غداة تفجيرات 11 سبتمبر إلى 28 بالمئة في شهر مايو من عام 2007.

إن فشل حرب العراق أعلن نهاية «ساعة المحافظين الجدد»، وليس من المعروف حتى الآن من سيخلفهم. ذلك أن الأمر كله متعلق باستمرار التهديدات الحالية من إرهاب وانتشار أسلحة نووية وبالشكل الذي سوف تأخذه التهديدات الجديدة ويتعلق أيضاً بما سيؤول إليه مفهوم «التدخل». كما سيلعب عامل الإدراك المتنامي لمحدودية موارد الولايات المتحدة وعامل الجذب المتراجع لـ «قوتها الهادئة» بسبب تدهور صورتها في العالم إثر حرب العراق.

وإذا كان العداء لأميركا لا يمثل ظاهرة جديدة فإن المشاعر التي أعقبت غزو العراق استمرت أكثر من قبل ونتائجها أكبر على الصعيد السياسي وأكبر عمقاً وأكبر اتساعاً. لكن ليس هناك ما يشير إلى أن الإدارة الأميركية الحالية مستعدة لإجراء تغييرات جوهرية في سياستها.

في المحصلة، وبالاعتماد على واقع الصعود القوي للصين حيث أن تطور العلاقات الصينية ـ الأميركية سيكون له تأثير حاسم على مستقبل النظام الدولي، وعلى الدور الجوهري الذي تلعبه مسألة ضمان التزود بمصادر الطاقة، يتوقع الخبراء المساهمون في هذا الكتاب أن تنحو السياسة الخارجية الأميركية في اتجاهين أساسيين.

الاتجاه الأول ينطلق من القول ان المؤسسات الدولية لا بد منها في عصر العولمة وعلى الولايات المتحدة أن تشجعها. وسوف تتابع أميركا ضمن هذا المنظور الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان لكنها لن تسعى إلى إجراء تغييرات الأنظمة بواسطة القوة أو أية وسائل قمعية أخرى. وبالتالي سوف تقتصر التدخلات العسكرية على الدفاع عن النفس والوقاية من الكوارث الإنسانية، وتحديداً مذابح الإبادة.

الاتجاه الثاني يكمن في تبنّي سياسة خارجية أقل نشاطاً. ويمكن لمثل هذه الإيديولوجية أن تتعزز عبر واقع قدرة الإدارة الأميركية على ضمان الأمن الداخلي، وعبر مشاعر العداء المتنامي حيال التدخلات الخارجية خاصة في العراق وأفغانستان.

وسيتم في هذه الحالة سحب القوات الأميركية من الأماكن التي تتواجد بها الآن باستثناء قواعد دائمة في أوروبا وفي منطقة المحيط الهادئ وربما في الشرق الأوسط. وسوف تحده واشنطن أيضاً من مشاركتها في المنظمات متعددة الأطراف ولن تتدخل في عمليات حفظ السلام وستقلل من نشاطها الدبلوماسي في النزاعات الدولية، بما في ذلك النزاع العربي ـ الإسرائيلي.

ثم إن كون هذه الدولة أو تلك ذات نظام ديمقراطي أو لا لن يكون له أي أثر على العلاقات الدبلوماسية معها. لكن مهما كان الاتجاه الذي ستكون له الغلبة فربما أن السياسة الخارجية الأميركية ستكون ممهورة بثلاث سمات حاسمة.

السمة الأولى هي التركيز على الحس العملي (البراغماتي). إن الولايات المتحدة سوف تظل القوة الوحيدة ذات النفوذ العالمي الحقيقي وستكون مسؤولياتها أكبر من أية دولة أخرى، كما أنها سوف تبقى هدفاً لأولئك الذين يريدون التشكيك بالنظام العالمي. بالتالي سيكون الهمّ الأول لأي رئيس أميركي هو المحافظة على أمن البلاد، ولن تكون هناك أهمية كبيرة للقيام بالتدخل من طرف واحد أو من خلال بنى متعددة الأطراف.

السمة الثانية هي أن موقف الولايات المتحدة فيما يخص استخدام القوة سوف يبقى موقفاً مرناً، خاصة فيما يتعلق بالدفاع عن النفس. بالمقابل سوف تتردد البلاد أكثر فأكثر بقبول أشكال أخرى لنشر القوات من أجل حفظ السلام أو للاستقرار بعد الحروب، خاصة تحت إشراف الأمم المتحدة.

أما السمة الثالثة والأخيرة فهي أن الموقف الأميركي حيال القانون الدولي سيبقى يعتبر القانون الداخلي أعلى من الحق الدولي. فالولايات المتحدة من موقعها كقوة عظمى ترى التسويات الدولية كواجب وليس كمصدر سلطة. ويبقى السؤال هو معرفة إذا كانت ستقبل بإعطاء صفة مؤسساتية متزايدة للعلاقات الدولية كرد فعل على احتمال تقهقر قوتها، إذا حانت مثل هذه اللحظة؟

في أميركا اللاتينية

تشير التحليلات المقدّمة إلى أن مسار التطور الذي ستعرفه أميركا اللاتينية من الآن وحتى أفق عام 2025 يرتبط بثلاثة عوامل أساسية هي: أحداث السياسة الداخلية والعلاقات مع الولايات المتحدة والقدرة على الاندماج أكثر في إطار العولمة.

إن عدد سكان أميركا اللاتينية لن يشهد تزايداً كبيراً خلال هذه الفترة، أي حتى 2025. ففي الوقت الذي تشير فيه التقديرات على أن آسيا ستمثل حينذاك 58 بالمئة من مجموع سكان العالم وإفريقيا حوالي 17 بالمئة فإن أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي لن تمثلا معاً سوى نسبة 5. 8 بالمئة.

لكن ربما أن هذا الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي لهذه المنطقة من العالم. كما أن بعدها الجغرافي عن مناطق النزاعات الاستراتيجية الرئيسية يشكل ميزة بالنسبة للمستقبل. لكن رغم هذا السياق الإيجابي نسبياً فسيكون دائماً على أميركا الجنوبية أن تواجه تحديات اقتصادية وسياسية كبيرة.

هناك بلدان كبيران في أميركا اللاتينية هما البرازيل (188 مليون نسمة اليوم و230 مليوناً في أفق 2025) والمكسيك (107 ملايين حالياً و130 مليوناً في أفق 2025). والمنطقة تعرف نمواً اقتصادياً مهماً منذ سنوات وسوف يستمر احتمالاً بمعدل 3 بالمئة سنوياً حتى عام 2020.

وتنتج أميركا اللاتينية 9 بالمئة من الطاقة العالمية، وتحديداً 15 بالمئة من البترول و5. 7 بالمئة من الغاز مع احتياطي يقدّر بـ 9 بالمئة من البترول و5. 4 بالمئة من الغاز، مما يعني أنها سوف تلعب دوراً أساسياً في الاستراتيجيات المستقبلية لتزويد البلدان المتقدمة والصاعدة والولايات المتحدة بالطاقة. لكن هذا قد يكون أيضاً مصدر منافسة متزايدة على هذه المنطقة.

على الصعيد السياسي تتمثل التحديات الأساسيات الذي سيكون من المطلوب مواجهتهما في أميركا اللاتينية بالنضال ضد اللا مساواة المتفاقمة والمعركة ضد العنف السياسي والجريمة المنظمة والإرهاب، وخاصة تجارة المخدرات.

وعلى صعيد العلاقات مع الولايات المتحدة والبناء الإقليمي، من الواضح أن واشنطن قد خففت كثيراً من تدخلها السياسي في أميركا اللاتينية منذ نهاية الحرب الباردة لكن لا بد من ملاحظة أن 32 بلداً في أميركا اللاتينية من أصل 34 قد اتجهت نحو تبنّي الديمقراطية خلال عقد من الزمن. لكن هذا المسار تزامن مع صعود موجة معادية لليبرالية ومعادية لأميركا.

مع ذلك تتميز اقتصادات بلدان أميركا اللاتينية بالانفتاح نسبياً على العولمة. ومن المتوقع أن تبقى المكسيك بعد 20 سنة مرتبطة بقوة في اقتصاد الولايات المتحدة بينما سوف تشكل البرازيل قطباً اقتصادياً صلباً له روابط قوية مع جميع جيرانه، وخاصة الأرجنتين.

كما سوف يحافظ الاتحاد الأوروبي على علاقات تجارية مهمة مع الدول الكبرى في أميركا اللاتينية. بكل الحالات إذا استطاعت أميركا اللاتينية أن تخترع سبيل تنميتها الخاص بها سوف تكون قادرة على استثمار إمكانياتها الكبيرة من أجل تحقيق نموها، وحسب نموذجها الاقتصادي والسياسي

تأليف: نيكول غنيزوتو وآخرون

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف