يلقي المؤلف الضوء هنا على توقعات الخبراء بالنسبة لأوضاع كل من روسيا والصين والهند، وهو يشير بصفة خاصة إلى التقارب المنتظر بين روسيا والقوى الدولية الصاعدة، وذلك على حساب الغرب عامة وأوروبا بصفة خاصة، ويشدد على الشراكة الاستراتيجية المنتظرة بين بكين ونيودلهي والنتائج الهائلة التي يمكن أن تترتب عليها.

بعد عشرين سنة سيكون مفهوم الاتحاد السوفييتي قد فقد كل دلالة له. ومع مرور الزمن سوف تتحلل هذه المنطقة التي وحّدت سابقا 15 دولة كي تشكل عدّة مناطق متمايزة هي أوروبا الشرقية، على حدود الاتحاد الأوروبي، وجنوب القوقاز ذات الرابطة الوثيقة مع منطقة البحر الأسود، وآسيا الوسطى، القريبة جدا من الصين، وأخيرا جنوب آسيا.

لكن الفيدرالية الروسية سوف تبقى قطب الرحى بين جميع هذه المناطق. وحتى عام 2025 سيكون ازدهار روسيا مرتبطا بعدد من الأمور المجهولة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والدستورية والاجتماعية. هناك أولا تساؤلات حول التوجهات التي سوف يتخذها النظام السياسي الروسي. وكان فلاديمير بوتين قد نجح بعد عام 1999 في تعزيز ركائز دولة كانت ضعيفة عبر ترميم السلطة التنفيذية المركزية.

وقال الرئيس الروسي إن روسيا قد أرست أسس «ديمقراطية ذات سيادة» تتكيّف مع الظروف الخاصة بها. وتتميز هذه الديمقراطية «نظريا على الأقل» بوجود انتخابات منتظمة وحرية مضمونة من قبل الدستور وكذلك هناك قوى سياسية معارضة، لكن هذا لا يمنع وجود هيمنة متنامية للدولة على وسائل الإعلام مع وجود أشكال من الضغط على المجتمع المدني. لكن بكل الحالات لا شك أن مركزية الدولة التي كرسها بوتين، بعد سنوات من السياسة غير المستقرة في ظل بوريس يلتسين، قد جلبت استقرارا لا بد منه للنظام السياسي الروسي.

لكن التقديرات المقدّمة تدل على أنه اعتبارا من عام 2025 قد تؤدي التباينات بين دولة مركزية ومجتمع مدني مهمّش أكثر فأكثر إلى تشجيع صعود قوة شخصيات «رجعية» تشكك إيديولوجياتها بالوضع القائم. هذا مع التأكيد على أن الخطورة في روسيا قد تأتي خاصة من نزعة قومية متشددة ومنغلقة على ذاتها.

مسلسل التحديات

على الصعيد الدستوري يمكن أن تواجه الفيدرالية الروسية في غضون العشرين سنة المقبلة مشاكل تتعلق ببنية السلطة وتوزيعها بين مجمل التراب الوطني . وكانت منطقة شمال القوقاز قد ظهرت بمثابة مصدر «تصدّع» في العلاقات الفدرالية الروسية على قاعدة حالة من الفقر الشديد وزيادة سكانية عالية نسبيا وسياسة مركزية غير جيدة مما جعل وضع هذه المنطقة مصدرا للقلق.

وبالتالي سوف تبقى التوترات السياسية قوية في المستقبل القريب. وفي حالات أخرى، يمكن لإقامة علاقات وثيقة على المستوى الإقليمي مع البلدان المجاورة، وخاصة الصين، أن تخلق توترات في العلاقات بين المركز والمناطق الروسية.

والتنمية الاقتصادية الروسية هي موضع الشكوك أيضا. وتدل بعض التقديرات على أن قطاع البترول والغاز مثّل حتى 25 بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي الروسي عام 2003 بينما لا يعمل فيه سوى أقل من 1 بالمئة من مجموع السكان. لذلك سوف يكون على روسيا تنويع مصادر دخلها وجذب استثمارات في قطاعات غير الطاقة.

ثم إن قطاع الطاقة نفسه يحتاج إلى إصلاحات عميقة تقدّر كلفتها بحوالي 715 مليار يورو بالنسبة لسنوات 2003-2020. وسيكون على روسيا أيضا أن تواجه سلسلة من المشاكل الاجتماعية من الآن وحتى عام 2025. فهناك أولا الرهان الديموغرافي، إذ تدل التوقعات المقدّمة إلى أن عدد سكان روسيا سوف ينخفض خلال العشرين سنة المقبلة من 2. 143 مليون نسمة إلى 2. 129 مليون نسمة.

هذا إلى جانب تناقص نسبة الشباب وتزايد نسبة المتقاعدين. وروسيا تعرف إحدى أكبر النسب العالمية من حيث عدد المصابين بفيروس «الايدز». ويتم التأكيد أنه سيكون على روسيا إعادة توزيع النمو الاقتصادي فيما يتعلق بمستوى معيشة مواطنيها وآفاق إيجاد فرص العمل في مختلف مناطق البلاد.

وفي ظل غياب إصلاحات بنيوية عميقة، فإن روسيا قد تواجه وضعا اجتماعيا-اقتصاديا مثيرا للجدل حيث أن بعض المدن والمناطق ستكون على مستوى العالم المتقدم بينما أن أخرى ستبقى قريبة من الأوضاع في العالم الثالث.

ولا شك أن روسيا سوف تسعى إلى المحافظة على دور عالمي، وعلى موقع نافذ في أقصى عدد ممكن من المنظمات الدولية. وهناك اهتمام خاص بمجلس الأمن الدولي الذي يمثل دعامة القانون الدولي والمنتدى الوحيد الذي يمكن لروسيا أن تمارس فيه نفوذا على جميع المسائل الدولية الكبرى.

كذلك تهتم روسيا بالمنظمات الدولية الأخرى وفي مقدمتها منظمة التجارة العالمية. وسوف يبقى التوجه نحو أوروبا ذا أهمية بالغة لروسيا من وجهة نظر إستراتيجيةحيث أن أوروبا قد تساعد على الأمن أكثر مما تكون مصدرا للقلاقل.

مع ذلك تشير بعض الآراء إلى أن السياسة الخارجية الروسية سوف تبتعد عن الغرب وعن أوروبا كي تتبنّى موقف أكثر كونية -يونيفرسال- وربما أنها سوف تتجه أكثر فأكثر صوب القوى الكبرى الصاعدة مثل الصين والهند وتركيا.

ومن المتوقع أيضا أن تحاول موسكو المحافظة على الروابط المتميزة مع واشنطن. مع ذلك سوف لن يكون للولايات المتحدة نفس النفوذ الراجح الذي كانت تمتلكه على السياسة الداخلية والخارجية الروسية خلال سنوات التسعينات.

إن روسيا تمتلك عدة أوراق رابحة. فدورها الراجح حاليا عبر الطاقة كعامل نفوذ قد ينتامى مع الابتعاد عن أوروبا والاقتراب من آسيا والولايات المتحدة. وعلى صعيد امتلاك قوات مسلحة حديثة سوف تركّز روسيا جهود تحديث جيشها وصناعاتها العسكرية من الآن وحتى عام 2025 على منحيين.

ففي المقام الأول ستسعى إلى تجديد وتحديث قدرتها الرادعة. وثانيا ستحاول بناء قوى متحركة ومحترفة قادرة على الدفاع عن المصالح الحيوية للبلاد في الداخل وعلى الحدود. بكل الحالات من المتوقع أن تحصل روسيا حتى أفق عام 2025 على مكانة أرفع مما كانت عليه عند انهيار الاتحاد السوفييتي، وسيزداد على المسرح العالمي.

وما يتم التأكيد عليه هو أن المسألة المركزية بالنسبة لروسيا مستقبلا تكمن في التوتر بين الاتجاه نحو نزعة مركزية أكثر فأكثر استبدادية وبين انفتاحها على العولمة. ولن يكون إيجاد نقطة التوازن بين الأمرين أمرا سهلا.

الصين المقبلة

ستكون الصين بدون شك إحدى القوى الفاعلة الحاسمة على المسرح الدولي خلال القرن الحادي والعشرين. وهي تضم حاليا 20 بالمئة من سكان المعمورة وتنتج حوالي 5 بالمئة من ثرواتها. وتمثل 12 بالمئة من الطلب العالمي في ميدان الطاقة وتمتلك 3. 1 تريليون دولار من الاحتياطي بالعملات الصعبة. وقد أصبحت الوجهة الثانية، بعد الولايات المتحدة ، فيما يخص الاستثمارات المباشرة.

وفي أفق 2025-2030 سيصل عدد سكان الصين، حسب كل التقديرات، إلى 44. 1 مليار نسمة وسيرتفع طلبها من البترول بنسبة 135 بالمئة ومن الغاز 260 بالمئة ومن الفحم 105 بالمئة. ولا شك سيتطلب النمو استيراد كميات كبيرة من مصادر الطاقة ومن الاستثمارات في البنى التحتية الأساسية.

ومن المفترض أن يؤدي النمو الاقتصادي إلى أن تزيد الصين إجمالي إنتاجها المحلي بثلاثة أضعاف من الآن وحتى عام 2025 لتحتل المرتبة العالمية الثانية بعد الولايات المتحدة . وستصبح الصين عندها أيضا أكبر قوة تجارية في العالم. وسوف تمارس قوة جذب لا نظير لها نحو عموم منطقة جنوب آسيا وشرقها.

هذه المنطقة سوف تنتج حوالي 40 بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي العالمي في عام 2025. وهناك ما يسمح بالاعتقاد أن الصين التي تلعب الآن دورا أساسا في العلاقات الدولية سوف يكون لها مستقبلا نفوذ حاسم على النظام العالمي الجديد . وسيمكنها أن تحدد هيكلية السياسة والاقتصاد العالميين بالتعاون، أو بالتنافس، مع «قطبين» أو «ثلاثة أقطاب» آخرين.

هكذا سوف يكون للتحولات التي تعرفها الصين خلال العشرين سنة المقبلة نتائج أساسية على إعادة تنظيم المنظومة العالمية. إن الازدهار الصيني الاستثنائي يثير تساؤلين أساسيين. الأول يتعلق بمعرفة المدى الذي سوف يستمر عليه نمو البلاد، والثاني بمعرفة الأولويات التي ستكون للصين كقوة فاعلة عالمية.

السؤالان مترابطان، ويمكن للإجابة عليهما أن تذهب في منحى دفع الوضع الداخلي والدولي نحو الاستقرار، أو في منحى إثارة القلق على الصعيد العالمي. ومن أهم التحديات الداخلية الصينية قضية ضمان التزود بالطاقة وإنتاج الكهرباء خلال العشرين سنة المقبلة.

والصين تعرف أنها تعاني من الهشاشة في هذين الميدانين فنصف وارداتها من البترول تقريبا تأتي من مناطق توترات في الشرق الأوسط و80 بالمئة من احتياجاتها للمحروقات تمر عبر الطرق البحرية. وكانت الصين قد عقدت اتفاقات بمهمة في مجال الطاقة مع أربعة بلدان أساسية هي المملكة العربية السعودية وإيران وانغولا وروسيا التي تؤمن لها اليوم 45 بالمئة من احتياجاتها مقابل 13 بالمئة عام 1995. وقد أبدت الصين مؤخرا اهتماما كبيرا بنفط إفريقيا وعقدت اتفاقات مع نيجيريا والسودان وليبيا.

وتتميز الصين بسيطرة الدولة على الاقتصاد ويتم تقدير نسبة المؤسسات العامة ذات المردودية الضئيلة بحوالي 40 بالمئة من مجموع المؤسسات الصينية. كما أن الحزب الشيوعي الصيني يؤمّن وصول نخب اجتماعية جديدة إلى مواقع القرار الاقتصادي والسياسي مما يؤدي إلى قيام نموذج «رأسمالي هجين» يقوم على مبدأ «الزبائن».

ويتم التأكيد هنا أن عملية التحديث الاقتصادي في الصين لم تترافق مع إصلاحات سياسية حقيقية وهناك القليل من العناصر التي تسمح بالقول أن مثل هذه الإصلاحات قريبة في ظل قيادة الحزب الواحد الذي يمارس سيطرة كاملة على وسائل الإعلام ولا يولي أهمية كبيرة لمسائل حقوق الإنسان.

لكن بشكل عام، وحتى لو كان من المحتمل قليلا أن يتطور النظام الصيني في المستقبل المنظور باتجاه إقامة ديمقراطية حقيقية، فإن هذا النظام سوف يظهر في السنوات المقبلة أكثر ميلا للمشاركة وأكثر انفتاحا على التنوع وأكثر انتباها للقوى الفاعلة الكبرى داخل المجتمع المدني مثل تلك القوى التي تمثل عالم الأعمال أو جمعيات الدفاع عن البيئة.

هكذا يمكن للصين أن تتطور نحو «سلطة استبدادية ليّنة»، وإذا استطاعت المحافظة على التطور الاقتصادي للبلاد وعلى استقرارها السياسي، فإن قدرتها على حل الإشكاليات الداخلية التي قد تتعرض لها ومدّ نفوذها الدولي سوف يتعززان بالضرورة.

بالمقابل تُبدي الصين حرصا كبيرا على عدم إثارة مشاعر الخوف لدى العالم من صعودها وتنامي قوتها وهكذا تصف مسيرتها الحالية ب«الصعود السلمي». كما أنها تؤكد على مبدأ «عدم التدخل» في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة، بل وتعتبر هذا المبدأ بمثابة «حجر الرحى» في رؤيتها للنظام العالمي.

وتتم ملاحظة أن نموذج التنمية الصيني قد جذب إليه الكثير من التعاطف داخل البلدان النامية التي رأت فيه نموذجا للتحرر حيال النفوذ الغربي. كما أن الأولوية التي تعطيها الصين لتعددية الأقطاب في العلاقات الدولية ولشرعية منظومة الأمم المتحدة تلعب لصالح الصين باعتبار أن ذلك يشكل حاجزا أمام «نزوات» السياسة الخارجية الأميركية.

وكان من نتيجة سياسة «الحياد» التي انتهجتها الصين أن جلبت لها صداقات العديد من البلدان النامية ولكن أيضا من البلدان الأوروبية وبعض الدول الديمقراطية في آسيا. تبقى هناك ثلاثة أسئلة حاسمة بالنسبة لمستقبل الصين. السؤال الأول هو معرفة إذا كانت بكين تتبنى واقعيا مبدأ التعددية والتعاون بدافع السهولة أو بدافع القناعة؟

الإجابة عن هذا السؤال هي ذات أهمية كبيرة على المدى الطويل. إن انضمامها إلى مجلس الأمن الدولي يعني بالنسبة لها المسؤولية وإنما أيضا السلطة. وقد تبنّت سياسة تقوم على تبنّي عدد من الإجراءات في مجالات الاقتصاد والتقنيات والثقافة والأمن حيال البلدان التي توقع معها صفقات في ميدان الطاقة. الأمر الذي يميّزها عن البلدان الغربية ويعزز موقعها على الساحة الدولية.

والسؤال الثاني يتعلق بمعرفة إذا كانت الصين تريد المحافظة على الوضع الدولي القائم أم أنها تريد «إصلاحه»؟ وهذا السؤال يتضمّن سؤالا آخر وهو معرفة إذا كانت الصين ستتبنّى البنى والبرامج الدولية التي حددتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مع ما يترتب على هذا من قبول القواعد التجارية

ومبادئ الديمقراطية والحرية أو أنها سوف تبتعد عن هذا كله؟ ما يؤكده الخبراء والمساهمون في هذا الكتاب هو أن الصين، بسبب حجمها وخصوصية ثقافتها سوف تساهم خلال السنوات المقبلة في تحوّل الوضع الدولي القائم، أرادت ذلك أم لم ترده.

لكن ما هو «السبيل الصيني باتجاه المستقبل؟ هذا هو السؤال الحاسم الثالث. التأكيد على أن هوية الصين كقوة عظمى صاعدة لم تتميّز ملامحها بعد، يتم القول إنه من المسموح التفكير بأنها سوف ستحدد لنفسها دورا خاصا بها وسوف تجد سبيلها إلى ذلك. ولا شك أن وجهات نظر الولايات المتحدة وأوروبا وأمم أخرى سوف يتم أخذها بالاعتبار عند حساب المصالح الوطنية الصينية، لكنها لن تحدد أبدا هذه المصالح.

إن الصين تدرك الضعف النسبي لصعودها القوى وتدرك أيضا فائدة اللجوء إلى مقاربة تقوم على مبدأ التعاون. بالمقابل يمكن لقضية «تايوان» التي تعتبرها الصين جزءا منها أن تلعب باستمرار دور هز الاستقرار الإقليمي، كما يمكن لتدهور العلاقات الصينية ـ اليابانية أن يدفع نحو تبنّي سياسات خطيرة على المستوى الإقليمي.

بنفس الوقت تحاول الصين توسيع علاقاتها التجارية الثنائية مع العديد من الدول. ولا شك أنها ترمي في المحصلة إلى تقليص النفوذ الأميركي. ويصب تعزيز «منظمة تعاون شنغهاي»، التي تضم الصين وروسيا وقزاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان واوزبكستان، في نفس الاتجاه.

قضايا الهند

«الهند تحب التناقضات»، كما يصفها المساهمون في هذا الكتاب بناء على القول إن هذا لا يشكل أحد أسس الديمقراطية فحسب. وإنما يعكس أيضا الوجوه المتعددة لتنميتها الاجتماعية ـ الاقتصادية. وتضم الهند اليوم 25 بالمئة من نشاطات الخدمات المرتبطة بتكنولوجيات المعلومات التي هاجرت من بلدانها الأصلية نحوها.

لكن اقتصادها يعتمد بشكل أساسي على الزراعة التي تشكل 22 بالمئة من إجمالي إنتاجها الداخلي ويعمل بها 55 بالمئة من القادرين على العمل. وإذا كانت الطبقات الوسطى الهندية التي تمثل ما بين 150 و200 مليون نسمة تريد المساهمة في دورة الإنتاج والاستهلاك العالمي فإن ثلث السكان ـ حوالي 360 مليون ـ لا يزالون يعرفون حالة من البؤس المدقع بواقع أقل من دولار واحد في اليوم للعيش.

ثم إن هذه البلاد التي تبلغ نسبة المتعلمين فيها 70 بالمئة من الذكور وأقل من 50 بالمئة من الإناث بالنسبة للبالغين تخرّج سنويا 000 300 مهندس ومجاز في العلوم وحوالي 000 10 من حاملي الدكتوراه من ال380 جامعة وال1500 معهد للبحث. يضاف إلى هذه التناقضات واقع أن الهند تشكل فيدرالية معقّدة تضم مكوّنات متنافرة من حيث اللغة والثروة والتنمية البشرية والدينامية السياسية والهويات الاثنية والدينية.

ومما يثير الدهشة هو أن هذه الأمة العملاقة التي تعد أكثر من مليار نسمة لم تستطع المحافظة على الديمقراطية وتعزيزها فحسب وإنما ضاعفت إجمالي إنتاجها الداخلي خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة. وتدل التقديرات المقدّمة أنها سوف تستطيع متابعة إيقاع النمو الاقتصادي السنوي بنسبة تتراوح بين 6 بالمئة إلى 8 بالمئة خلال العشرين سنة المقبلة. هكذا سوف تحتل الهند المرتبة الرابعة على الصعيد العالمي بعد الولايات المتحدة والصين واليابان.

لكن الهند تعاني، مع ذلك، من العديد من المشاكل الداخلية، وفي مقدمتها مسألة الاستقرار السياسي والاجتماعي. أما الأسباب الداعية لذلك فهي عديدة أيضا وليس أقلها شأنا النمو الديموغرافي الذي سيشهد زيادة خلال العقدين المقبلين تقدر بحولي 350 مليون نسمة، وتبعية كبيرة في ميدان الطاقة تصل إلى 40 بالمئة بالنسبة للبترول و87 بالمئة بالنسبة للغاز،

لكن الهند تستكفي ذاتيا فيما يخص الفحم، كذلك ينبغي على الهند مواجهة تزايد النفقات ثلاثة أضعاف أو أكثر في بعض القطاعات الرئيسية مثل النقل والصحة والتربية. وهذا كله في أفق عام 2025. وإذا كان الاستقرار السياسي يبدو ثابت الأركان اليوم بعد المواجهات بين الهندوس والمسلمين عام 2002 فإن مشكلتين كامنتين يمكن أن تشكلا تهديدا للحمة المجتمع الهندي خلال السنوات المقبلة.

فمن جهة هناك الفوارق التي تتعمّق بين المناطق بل وداخل هذه المناطق حيث تتركز الاستثمارات حول عدة مراكز مدينية كبرى. ومن جهة أخرى هناك واقع بقاء الأقلية الإسلامية على هامش السياسة والمجتمع. هذا التهميش وعدم تحسين المستوى التربوي والمشاركة في التمثيل السياسي يمكن أن يؤدي إلى تنامي التطرف السياسي والديني.

وبفضل الزيادة السكانية ومتوسط العمر الاطول، بمعدّل 70 سنة عام 2025 سوف يقارب عدد سكان الهند مثيله في الصين ثم سوف يتجاوزه خلال العقد التالي (2025-2035). وستكون ميزة الهند على الصين وعلى البلدان المتطورة هي «شباب» سكانها بمعدل وسطي 4. 30 سنة عام 2025 وأقل من 34 سنة في عام 2035.

وتبلغ الزيادة السنوية حاليا في عدد القادرين على العمل 7 ملايين عامل إضافي وسوف تصل إلى 15 مليونا كل سنة من الآن وحتى عام 2025، هذا يعني أن ما بين 200 و250 مليون فرصة عمل ستكون ضرورية لامتصاص هذه اليد العاملة الزاحفة.

لكن وجود يد عاملة رخيصة الكلفة يجذب أعدادا متزايدة من المستثمرين في قطاع التصنيع خاصة، مما يمكن أن يهدد مكانة «ورشة العالم» التي تمثلها الصين حاليا. بالمقابل ينبغي على الهند القيام باستثمارات كبيرة في ميادين البنى الأساسية من نقل وغيرها. وهذا ما يتم تقديم قيمته خلال العشر إلى 15 سنة المقبلة بما بين 150 إلى 200 مليار دولار.

تجدر الإشارة أيضا إلى أن 56 بالمئة من الهنود لا تصلهم الكهرباء وعمليات قطع التيار الكهربائي تتردد كثيرا في المناطق الأخرى. كذلك تشهد الهند تبعية متزايدة في مجال الطاقة. وتدل التقديرات أن الطلب في هذا المجال سيزداد بنسبة 109 بالمئة في أفق عام 2025. كذلك تدل نفس التقديرات إلى أن استهلاك الغاز سيرتفع بنسبة 190 بالمئة.

أما أكبر الواردات فسيكون مصدرها منطقة الشرق الأوسط ثم استراليا وماليزيا. أمام الهشاشة في ميدان الطاقة تبنّت الهند إستراتيجية للعمل على عدة جبهات. فمن جهة تسعى إلى تطوير نسبة الطاقة النووية في إنتاج الكهرباء بحيث قد يغطي القطاع النووي ما بين 20 بالمئة إلى 25 بالمئة من حاجة البلاد للكهرباء عام 2050.

بالتوازي مع هذا يتم التفكير بحلول داخلية للحد من الواردات التقليدية. وفي مقدمة هذه الحلول تطوير الإيمان عن الطاقة البديلة (الشمسية وغيرها). وبنفس الوقت تبنّي سياسة التنقيب عن حقول جديدة للبترول والغاز في أراضيها. كذلك تلجأ الهند إلى إقامة اتفاقيات ثنائية مع العديد من البلدان لتأمين تزودها بمصادر الطاقة.

إذا كانت السياسة الخارجية الهندية تتركز كثيرا على الأمن في مجال الطاقة، فإن الهند تسعى أيضا إلى إيجاد مكان لها على مسرح العلاقات الدولية. ويبدو أنها تسعى أيضا إلى إيجاد مكان لها على مسرح العلاقات الدولية. ويبدو أنها تسعى إلى إقامة شراكة إستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية.

وهذا ما بدت تباشيره مع توقيع الاتفاق الهندي-الأميركي لعام 2004 الذي نص على التعاون في ميدان البرامج الفضائية والطاقة النووية المدنية. وجرى بعد هذا التوقيع على اتفاق تعاون عسكري-إستراتيجي ثم اتفاق تعاون نووي.كذلك ترتسم في الأفق شراكة مستدامة مع الهند بعد التقارب الإستراتيجي بين البلدين.

وقد أصبحت الصين الشريك التجاري الثاني للهند وإذا استمرت التوجهات الراهنة سوف تصبح الشريك الأول لها. وتشترك الهند والصين بالبحث عن التحرر من نظام دولي حددت القوى الغربية معالمه، إلى جانب إرادتهما بتطوير «نموذج» للتنمية يتماشى مع تقاليدهما الثقافية. وتخلص التوقعات المقدّمة إلى القول إن العملاقين الآسيويين قد يتوصلان إلى تقارب إستراتيجي حقيقي بينهما على المدى الطويل.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف