أثناء زيارتي لغرينلاند في مايو الماضي قمت بجولة عبر القارب في منطقة ديسكو باي، وذلك للوقوف على وقع ظاهرة الاحتباس الحراري على تلك المنطقة الساحلية. وبحسب أهل المنطقة، فإنني لم أكن أستطيع القيام بمثل تلك الرحلة في هذه المنطقة في الماضي، ببساطة لأنها كانت متجمدة ولم يكن من الممكن استخدام القارب فيها.

ومن ثم فإن جولتي بالقارب كانت في حد ذاتها إحدى دلائل الاحتباس الحراري في الولايات المتحدة. إن الاحتباس الحراري حقيقة واقعة وليس مجرد نظرية. فهو يمثل ظاهرة قادرة على إعادة رسم ملامح الكون على امتداد أجيال عديدة قادمة.

ولا شك أن عدم مراقبة التغيرات المناخية الحاصلة في العالم هو أمر له عواقبه الوخيمة؛ فدلائل هذه التغيرات واضحة كل الوضوح أمام الجميع، ومنها المناخ الحار والفيضانات الساحلية والجفاف والاضطراب الحاصل في الأنظمة البيئية وتعرض الكثيرين للموت بسبب موجات ارتفاع الحرارة وانتشار الأمراض بسبب التلوث. غير أن البلدان الفقيرة هي الأكثر تضررا من آثار هذه الظاهرة.

ولقد استغرق الأمر من العلماء سنوات طويلة لكي يفندوا آراء المنكرين لظاهرة التغير المناخي، غير أن المشكلة الآن تكمن في أن هؤلاء المنكرين للظاهرة قد حل محلهم أناس آخرون يشكلون عائقا جديدا ويتمثلون في هؤلاء الذين يقرون بالتغير المناخي ولكنهم يقولون إن ثمن مواجهته باهظ للغاية ومن ثم فإننا لن نستطيع فعل شيء.

في السنوات المقبلة، يتعين على كل من يعيش في العالم التعامل مع الاحتباس الحراري باعتباره تحديا وفي الوقت نفسه باعتباره فرصة. فنحن يمكننا التعامل مع الاحتباس الحراري بحلول مبتكرة من شأنها تنمية اقتصادات الدول وخلق جيل جديد من الوظائف ذات العائد الجيد، بما فيها الوظائف التي لا تحتاج إلى مؤهلات عليا وتتركز في المجالات التي لا تسبب تلوثا بيئيا.

لقد أدركنا نحن جميعا في الولايات المتحدة مدى قوة الوظائف التي لا تتسبب في التلوث البيئي. فعلى سبيل المثال حدث في ولاية بنسلفانيا أن فقد عدد كبير من الأميركيين وظائفهم بعد إغلاق المصانع التي كانوا يعملون فيها نظرا لتأثيرها السيئ على البيئة.

غير أن الوضع قد تغير اليوم، حيث عاد نحو 1000 عامل وعاملة إلى مواقعهم بعد تعديل نظام وطبيعة العمل هناك. فتقليص الانبعاثات الضارة بالبيئة يقلل بشكل كبير من نسب التلوث الذي بدوره يتسبب في أمراض عديدة مثل السل والأزمات القلبية والمشكلات العصبية. ومن ثم فإن اتخاذنا إجراءات وقائية في هذا الشأن سيجعل سكان العالم أكثر صحة.

وعلى الرغم من أن الرئيس بوش وأعضاء حكومته فشلوا في توجيه الاهتمام اللازم إلى هذه القضية، إلا أن الغالبية العظمى من الشعب الأميركي ليس لديها قدر المبالاة نفسه الموجود لدى الحكومة. فمنذ الحصول على الغالبية في الكونغرس الأميركي،

فإن الديمقراطيين في مجلسي الكونغرس يعملون على وضع الأجندة التشريعية للولايات المتحدة ونجحنا في هذا الصدد في إعطاء الأولوية لقضية الاحتباس الحراري وعمليات تقليص الانبعاثات الضارة بالبيئة.

وكان تشكيل لجنة خاصة بالطاقة والاحتباس الحراري من أول الأشياء التي قمت بها بعد تولي منصب رئاسة مجلس النواب. وقمنا أيضا بتمرير تشريع قوي وجريء في مجال الطاقة يخلو من التعقيدات الإدارية التي عادة ما تحول دون تنفيذ مثل هذا النوع من التشريعات.

إننا نعمل على خفض الدعم المقدم لشركات النفط والغاز الخاصة وبدلا من ذلك نزيد الاستثمارات في مجال الطاقة البديلة والمتجددة. ونسعى أيضا إلى الحصول على 15% من الطاقة الكهربائية في الولايات المتحدة من مصادر الطاقة المتجددة.

ولدينا في الوقت نفسه التزامات قوية بشأن توفير الطاقة البديلة والاعتماد على الوقود الحيوي وتدريب العاملين على تولي الوظائف غير المضرة بالبيئة وعمل بحوث في مجال التغير المناخي والطاقة المتجددة. فمثل هذه الأمور تمثل الحلول التي من شأنها قيادة البلاد إلى مستقبل أفضل.

إن أحد العناصر المهمة التي نعتمد عليها في جهودنا هي العمل في إطار دولي جماعي. ففي الوقت الذي ينبغي فيه لكل دولة أن تتخذ خطوات خاصة من أجل مكافحة الاحتباس الحراري، فإن دول العالم يتعين عليها العمل سويا للوصول إلى اتفاق جماعي من شأنه منع هذا التغير الكارثي في المناخ. ويحدوني أمل شديد في أن تلعب أميركا دورا نشطا وبناءً في هذه الجهود.

أثناء أسفاري الأخيرة منذ توليت منصب رئيسة مجلس النواب، التقيت عددا من الرؤساء ورؤساء الوزارات والملوك في مختلف أنحاء العالم، غير أنني سعدت للغاية بمقابلة الشباب. ففي الوقت الذي لا يزال هناك بعض من قادة الدول الذين ما برحوا يشكون في جدوى الحوار بين الدول،

فإن شباب العالم يتحاورون سويا عبر مختلف وسائل الاتصال مثل البريد الإليكتروني والمدونات والرسائل النصية القصيرة. هؤلاء لديهم أفكار وطموحات من أجل المستقبل ويريدون أن يعلموا ما إذا كان قادتهم سيتخذون خطوات حاسمة لوقف الاحتباس الحراري وحماية كوكب الأرض. وبدوري فإنني أعتقد أن العام المقبل سيشهد تحركا حاسما من جانبنا في هذا المضمار.

ترجمة: حاتم حسين عن «ايكونوميست»