باتت الجرائم المرتكبة ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة وفي أماكن أخرى، لا سيما منذ أن أدلى الفلسطينيون بأصواتهم «بطريقة خاطئة» ومنحوا الفوز الانتخابي لحركة حماس، فاضحة إلى درجة أن ردة الفعل الوحيدة الصالحة عاطفيا هي الهياج والمناداة بأعمال متشددة.

لكن ذلك لا يساعد الضحايا وهناك احتمال أن يسبب الكثير من الأذى. أما تحركاتنا فيجب أن تكون متوافقة مع أحداث العالم الحقيقي، على الرغم من الصعوبة التي يمكن أن تكون عليها فكرة بقاء المرء هادئا عند مواجهة جرائم مشينة نحن في الولايات المتحدة متورطون فيها بشكل مباشر وحاسم.

ويعتبر مؤتمر «أنابوليس» الذي جمع بين الفلسطينيين والإسرائيليين ودعا إليه رئيس الولايات المتحدة جورج دبليو بوش، المبادرة الدبلوماسية الأولى الجدية، بصورة كامنة، التي تطلقها الإدارة الأميركية فيما يتعلق بالصراع العربي ـ الإسرائيلي.

لكن كان من الأجدر أن تستهل مفاوضات أنابوليس من النقطة التي وصلت إليها مفاوضات طابا في مصر في يناير 2001. فذلك الأسبوع كان بمثابة اللحظة الوحيدة، خلال 30 عاما، التي تتخلى فيها الولايات المتحدة وإسرائيل عن موقفهما الرافض، الذي حافظتا عليه في عزلة افتراضية حتى الوقت الحاضر.

وكانت مفاوضات طابا قاب قوسين أو أدنى من التوصل إلى تسوية على أساس إنشاء دولتين في ظل عملية تبادل عقلانية لبعض الأراضي. صحيح أن الفكرة التقليدية تقول إن الفلسطينيين رفضوا في طابا العرض الإسرائيلي السخي. لكن في واقع الأمر، فإن ذلك المؤتمر انتهى بشكل فظ بقرار من رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك، عندما أبلغه المفاوضون بأنهم كانوا على وشك التوصل إلى اتفاق.

ربما كانت مفاوضات طابا على وشك النجاح لأن الولايات المتحدة لم تتصرف كوسيط. فسياسة واشنطن تجاه الإسرائيليين والفلسطينيين كانت ملتوية لوقت طويل. «إن كل الإدارات الأميركية فضلت ، على الأقل في الأروقة الخاصة،منذ عام 1967،

عندما كسبت إسرائيل الحرب واحتلت الضفة الغربية وقطاع غزة ـ فضلت إعادة جميع الأراضي للفلسطينيين بغية إنشاء دولة فلسطينية مستقلة»، هذا ما لاحظه منذ شهرين المحلل السياسي الوقور ليسلي جيلب في «نيويورك تايمز بوك بريفيو». لاحظوا عبارة «في الأروقة الخاصة». ولماذا ليس في العلن؟

لكن جيلب لا يستطيع القول إن الفارق في الموقف يأتي من الخوف من اللوبي الإسرائيلي الرهيب، ذلك أنه يحاول إنكار فرضية أن الأمر يتعلق بقوة جبارة ومخيفة. وبالتالي فإن السؤال الذي يطرح نفسه مجددا هو: لماذا في الأروقة الخاصة فقط؟

ربما لأن ذلك النوع من التأويل يدعم الصورة الذاتية المريحة للولايات المتحدة «كوسيط نزيه» خائب الأمل في جهوده النبيلة جراء خطيئة أجانب عنيفين وغير عقلانيين، في حين يحدد للفلسطينيون الدور الرئيسي في الدراما.

ونحن نعلم ما قالته الإدارة الأميركية في العلن. فلقد رفضت حكومة واشنطن كل ما من شأنه أن يسمح بإنشاء دولتين. وذلك يحدث منذ عام 1976، عندما استخدمت الولايات المتحدة حق النقض الفيتو ضد قرار مجلس الأمن الذي طالب باتفاق يقوم على دولتين تفصل بينهما الحدود الدولية (الخط الأخضر)، مضيفة بذلك مزيدا من الفشل على القرار 242 الصادر عن الأمم المتحدة في نوفمبر 1967.

ويبدو أن العالم كله تقريبا بات متفقا الآن على إنشاء دولتين، تبعا للخطوط التي كانت قاب قوسين أو أدنى من أن تكون محل اتفاق في طابا. وذلك يشمل جميع البلدان العربية، التي توافق مقابل ذلك على تطبيع كامل للعلاقات مع إسرائيل.

كما يشمل إيران، التي تقبل بموقف الجامعة العربية، ويشمل حركة حماس، التي طالب قادتها مرارا وتكرارا وبشكل علني باتفاق قائم على دولتين حتى في وسائل الإعلام الأميركية. كما يشمل الشخصية الأكثر تمسكاً بالمقاومة في حماس، أي خالد مشعل، المقيم في سوريا. وهذا يعني أن إسرائيل قد رفضت الإجماع الدولي بصورة متكررة، والولايات المتحدة تدعم ذلك الرفض بصورة كلية.

ولقد بلغ الرئيس بوش حدودا متطرفة جديدة في ذلك الرفض، معلنا أن المستوطنات غير المشروعة في الضفة الغربية يجب أن تبقى بيد إسرائيل. لكن خط الحزب يبقى رابط الجأش: بوش ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس والبقية يرغبون بتجسيد «رؤية» بوش الخاصة بالدولة الفلسطينية، وذلك بالإصرار على بذل جهد نبيل «لوسيط نزيه» له تاريخ طويل في القيام بذلك.

ذلك الرفض يذهب إلى ما هو أبعد من الكلمات، والأهم من هذه هو الأعمال التي تنفذ على أرض الواقع، على غرار البرامج الاستيطانية وجدار الضم والإغلاق وحواجز التفتيش وأشياء أخرى أسوأ بكثير.

التاريخ عينه استمر حتى خلال انعقاد مؤتمر أنابوليس، وهنا نورد مثالا واحدا فقط، حيث انتهت إسرائيل، مؤخرا، من مصادرة المزيد من الأرض العربية لبناء طريق التفافية يستطيع الإسرائيليون من خلالها محاصرة الفلسطينيين.

أما الغرض من ذلك، فهو «دفع حركة الفلسطينيين بين بيت لحم ورام الله باتجاه الصحراء والحيلولة دون إمكانية وصول الفلسطينيين إلى الجزء المركزي من الضفة الغربية»، كما قالت حركة «السلام الآن» الإسرائيلية السلمية.

وذلك يشكل جزءا من مشروع التطوير المعروف باسم ( إي-1) في المنطقة الواقعة شرق القدس، والمصمم بغية ضم مستوطنة «معاليه أدوميم» الواقعة داخل إسرائيل وتقسيم الضفة الغربية إلى شطرين نتيجة ذلك، كما أشارت حركة «السلام الآن».

كما أكدت هذه الحركة السياسية (السلام الآن) على أنه في ظل هذا النوع من السياسة التي تنتهجها الحكومة، يبقى مؤتمر أنابوليس الشهير خاليا من أي معنى، في حين لم يتم التقدم بأي مقترح واقعي يرتكز على اتفاق الدولتين تبعا للخطوط العامة في مفاوضات طابا.

ولم يكن هناك سوى مفاوضات شكلية أفضت إلى عدة مقترحات تفصيلية وخصوصا اتفاق جنيف في عام 2002، المرحب به من قبل الجزء الأكبر من العالم ولكن المستبعد من قبل «الزعيم المتنكر بهيئة شريك»،

كما يصف المحلل السياسي الإسرائيلي أمير أورين العلاقة بين بلاده والولايات المتحدة، التي من دون دعمها ، لا تستطيع إسرائيل تحقيق أهدافها التوسعية. وذلك يجعل المسؤولية تقع على عاتقنا نحن الذين نعيش في الولايات المتحدة.

ثمة الكثير من العقبات التي تلوح في الأفق. وبعض أقرب مستشاري رئيس الوزراء ايهود اولمرت ساند سياسة «مبادلة الأراضي»، التي طرحها أفيغدور ليبرمان، الزعيم اليميني المتشدد لحزب «إسرائيل بيتنا».

ذلك النوع من التبادل سيمنح الفلسطينيين سلطة تكتيكية على المنطقة ذات الغالبية العربية في إسرائيل، وتحديدا منطقة المثلث المحاذية للخط الأخضر. في المقابل، ستقوم إسرائيل بضم المستوطنات التي تضم موارد المياه المهمة والأراضي الخصبة مع بقاء وادي الأردن بأيدي الإسرائيليين، من دون العودة إلى رأي السكان طبعا.

خلال الفترة المقبلة وعلى المدى الطويل، لا بد من القيام بجهد كبير في المجالين التثقيفي والتنظيمي بين سكان الولايات المتحدة الذين باتوا على نطاق واسع أكثر استعداداً لذلك، على الرغم من أنهم كانوا غارقين في الدعاية المغرضة والخداع. لن يكون الأمر سهلا، وهو لم يكن كذلك قط. لكن مهمات أصعب من هذه جرى تنفيذها بفضل الجهود المثابرة والتصميم.

ترجمة: باسل أبو حمدة عن «ربليون»