يجد القارئ نفسه عند هذا المنعطف المبكر في الكتاب أمام تحليل مطول للمؤشرات المستقبلية في مجالين مهمين، هما الطاقة والبيئة، حيث تبرز الأهمية الكبرى للنفط الذي يتوقع أن يظل المصدر الأول للطاقة، على الرغم من التدني المنتظر للطلب عليه في عام2030، ولابد لهذا التحليل من المرور بوضعية الشرق الأوسط وبحر قزوين بصفة خاصة، لا يكتمل هذا التحليل من دون تحليل مواز لقضايا البيئة بكل تعقيداتها.

أصبحت مسألة الطاقة منذ عدة سنوات رهانا أساسيا بالنسبة لأكبر عدد من بلدان العالم. وفي سياق يتعاظم فيه الطلب بسرعة وتميل فيه أسعار البترول والغاز نحو الارتفاع غدا الوصول فيه إلى مواد الطاقة مصدر منافسة سياسية وإستراتيجية متنامية. ولا شك أن صيانة البنى والمنشآت القائمة وتطويرها سوف يتطلبان استثمارات كبيرة. أيضا ستكون عمليات التجديد التكنولوجي ذات أهمية بالغة في منظور استغلال أكبر لمصادر الطاقة المتجددة، فالمصادر المتوفرة ستنضب، وهذا يعني أن هناك إشارات استفهام كبيرة حول المستقبل.

بكل الحالات تدل المؤشرات المستقبلية على أنه منذ الآن وحتى عام 2025 سيزداد الطلب العالمي على الطاقة بمعدل 6. 1 بالمئة سنويا. ويمكن للحاجة إلى الطاقة أن تتجاوز في أفق عام 2030 أكثر من 50 بالمئة من الحاجة الحالية. ذلك أن الوكالة الدولية للطاقة أشارت في عام 2006 أنه من المرتقب ازدياد الطلب بنسبة 53 بالمئة من الآن وحتى عام 2030.

بالنسبة لأسعار البترول والغاز الطبيعي على المدى الطويل تبقى التقديرات معقّدة بسبب المتغيرات التقنية وكمية المصادر التي لاتزال وفيرة إنما ذات تكلفة عالية من حيث استثمارها، وأيضا بسبب النضوب التدريجي للحقول العملاقة القادرة على الاستجابة للطلب الكبير وأخيرا بسبب عدم استقرار المحيط الدولي.

توقعات

تفيد التوقعات بالنسبة للبترول أن حصته من الطلب على الطاقة سوف تتدنّى قليلا في أفق عام 2030. مع ذلك سوف يبقى مصدر الطاقة الأول. وكان الطلب العالمي على النفط قد ازداد خلال سنوات 2001-2005 بنسبة 8. 8 بالمئة سنويا، وارتفع استهلاك الصين وحدها بنسبة 46 بالمئة. ومن المتوقع أن يزداد استهلاكه ما بين عام 2004 وعام 2030 بنسبة 41 بالمئة أي من 5. 82 مليون برميل يوميا إلى 3. 116 مليون برميل. ثلثا هذه الزيادة سيخصّان قطاع النقل.

إن عملية اكتشاف حقول بترولية جديدة تتراجع ويعتمد جزء كبير من الإنتاج العالمي ومن القدرة على تأمين احتياطي على بعض الحقول الكبرى، خاصة في منطقة الشرق الأوسط. وتبقى هناك بعض علامات الاستفهام حول احتياطيات منطقة بحر قزوين. وتقدّر منظمة «الأوبك» أن إنتاج البلدان غير المنخرطة فيها سيبلغ ذروته حوالي عام 2015 بإنتاج 58-59 مليون برميل يوميا، وخاصة من حقول واقعة في عرض الشواطئ الإفريقية وفي أميركا اللاتينية.

أمّا الغاز الطبيعي فإن استهلاكه سيشهد قفزة كبيرة بنسبة 68 بالمئة من الآن حتى عام 2030، أي سيزداد من 2800 مليار متر مكعب الآن إلى 4700 مليار متر مكعّب. ومن المتوقع أن يتطور سوق الغاز الطبيعي المسال بسرعة أكبر حيث ستبلغ الزيادة السنوية 10 بالمئة. هكذا سوف تزداد الصادرات من الغاز الطبيعي المسال من 000 150 مليار متر مكعّب عام 2004 إلى 000 470 مليار متر مكعّب عام 2030 وسيكون من هذه الصادرات أن تساهم في تعميم سوق الغاز الذي لا يزال إقليميا إلى حد كبير.

ويمكن للفارق بين الارتفاع المتزايد للطلب وعدم مواكبة البنى المكرّسة لنقله - بحرا أو برّا- أن يكون مصدر توترات في الأسواق. وهناك تزايد في الطلب أيضا من قبل البلدان النامية والبلدان التي تمر في مرحلة انتقالية مثل روسيا. لكن ذلك لن يؤثر كثيرا على المنافسة. ففي عام 2030 سيكون طلب الصين من الغاز لا يزال أقل ب6 مرّات من طلب الولايات المتحدة وب5 مرات تقريبا من طلب الاتحاد الأوروبي.

بالمقابل من المتوقع أن يعرف طلب الفحم زيادة كبيرة في البلدان النامية ولكنه سوف يزداد أيضا من قبل البلدان المتقدمة على حساب الطلب على الغاز. إن ثلثي الإنتاج العالمي من الفحم اليوم مكرّسان لإنتاج الكهرباء حيث يشكل مصدر 40 بالمئة من إنتاج الطاقة في العالم. هكذا سيرتفع الطلب على الفحم عالميا من 5558 مليون طن عام 2004 إلى 8858 مليون طن في أفق عام 2030، وهذا ما يتناظر مع زيادة حصة الفحم في الطلب العالمي من 24 بالمئة إلى 26 بالمئة عام 2030.

ويبدو الفحم أكثر فأكثر بمثابة حل للطاقة اقتصادي ويمكنه أن يحل جزئيا محل الغاز والطاقة النووية بالنسبة لبلدان الشمال كما لبلدان الجنوب. وإذا كان الفحم يبقى مصدر طاقة ملوّثة نسبيا، فإن التكنولوجيات الجديدة جعلت استثماره أقل فأقل مصدرا «للتلوث» إن مثل هذه التطورات التكنولوجية ضرورية جدا لاسيما وأن جزءا مهما من إنتاج الكهرباء في البلدان النامية يعتمد على مفاعلات للفحم تنتج حوالي 20 بالمئة من غاز الفحم زيادة عن المفاعلات الغربية بالنسبة لكل وحدة كهربائية يتم إنتاجها.

وتدل التقديرات المقدّمة على أن حصة الطاقة النووية من الطلب العالمي للطاقة سوف تتناقص من 3. 6 بالمئة من إجمالي الطلب عام 2004 إلى 5 بالمئة في أفق عام 2030. وفي عام 2005 كانت الطاقة النووية تغذي 15 بالمئة من إنتاج الطاقة الكهربائية في العالم، ولكنها لم تشكل آنذاك سوى 1. 2 بالمئة من إنتاج الطاقة الكهربائية في البلدان النامية، بما في ذلك الصين والهند.

إن الطلب المتزايد على الكهرباء والذي قد يزداد بنسبة 100 بالمئة من الآن حتى عام 2030 قد يكون ممكنا أن يشكّل محرّضا قويا في مجال طلب التجهيزات لاسيما وأن الطاقة النووية غير ملوّثة للبيئة مما يبرر الحصول عليها.

وكانت الصين والهند إلى جانب بلدان أخرى قد ارتقبت القيام باستثمارات كبيرة من أجل شراء مفاعلات نووية جديدة، رغم أنها لا تعطي سوى جزء بسيط جدا من احتياجاتها في مجال الطاقة. وكانت روسيا أيضا قد أعلنت عن التجديد الكامل لمنشآتها النووية مؤكدة أنها سوف تزيد حصة الطاقة الكهربائية ذات المصدر النووي من 17 بالمئة إلى 22 بالمئة من مجمل الإنتاج اعتبارا من الآن وحتى عام 2020.

وفي سياق من عدم اليقين حيال الأمن في مجال الطاقة وحول السيطرة على إصدار الغازات السامّة حاولت المفوضية الأوروبية منذ فترة إطلاق النقاش من جديد حول الاستثمار في الميدان النووي. وكانت قمة البلدان المصنّعة السبع في واشنطن خلال شهر أبريل 2007 قد اعتبرت أن الطاقات المتجددة والتكنولوجيات الجديدة المتعلقة بالفحم والطاقة النووية بمثابة حلول تجديدية لحل المشاكل المتعلقة بأمن الطاقة وبالتبدلات المناخية.

لكن الطاقة النووية خيار معقّد ويستوجب اتخاذ قرارات طويلة الأمد وغير مضمونة النتائج. هذا يعني أن الحصول على نتائج سريعة على صعيد البيئة كما على صعيد إنتاج الكهرباء يتطلب أن يتم استئناف تنشيط القطاع النووي بعد فترة قصيرة وعلى مدى واسع.

بالمقابل تشكل الطاقة المائية المصدر الرئيسي لإنتاج الكهرباء عبر الطاقة المتجددة. وإذا كانت قدرة الإنتاج الكهربائي من مصدر مائي قد بلغت ذروتها في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية فإن هذا النمط من الطاقة سوف يسمح للصين بتغذية جزء أساسي من إنتاجها الكهربائي، وفيما يتجاوز بكثير الطاقة النووية.

ولا تزال هناك إمكانيات كبيرة في هذا المجال «المائي» لإنتاج الكهرباء في أميركا اللاتينية والهند وبدرجة أقل في القارة الإفريقية. وسوف يزداد كثيرا اللجوء إلى الطاقة الشمسية ونسبة 365 بالمئة ما بين عام 2000 وعام 2030 خاصة في البلدان المتقدمة، ولكن أيضا في البلدان الصاعدة والبلدان الفقيرة. ومع ذلك سوف تبقى حصة الطاقات المتجددة في الاستهلاك العالمي للطاقة متواضعة وبنسبة 2 بالمئة فقط في أفق عام 2030.

الشرق الأوسط والأوبك

ستستمر منطقة الشرق الأوسط بلعب دور حاسم في مجال الطلب العالمي على الطاقة. فالاحتياطي النفطي في المنطقة هو الأهم في العالم ويمكن أن يستمر كذلك مدة تزيد على 60 سنة أخرى. ثم إن هذا الاحتياطي من نوعية جيدة ومن السهل استثماره. وينتج الشرق الأوسط حاليا نسبة 68 بالمئة من مجموع الإنتاج النفطي العالمي. ومن المتوقع أن يبلغ الإنتاج ذروته نسبة 38 بالمئة من الآن وحتى أفق عام 2030.

وفي ذلك الأفق ـ 2030 ـ تدل التقديرات المقدّمة على أن إنتاج البترول في مجمل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (الجزائر وليبيا) سيكون قد ازداد بنسبة 3. 61 بالمئة، أي من إنتاج 8. 26 مليون برميل يوميا إلى 7. 43 مليون برميل، كما سيتضاعف إنتاج الغاز ثلاث مرّات ليصل إلى 900 مليار متر مكعّب.

كذلك يمتلك الشرق الأوسط مخزونات هائلة مؤكدة من الغاز الطبيعي يمكنها أن تستمر أيضا لمدة 245 سنة بمعدل الاستخراج الحالي للغاز. ثم إن نسبة تقارب 50 بالمئة من طلب الصين والهند للبترول يتم تأمينها من الشرق الأوسط الذي يُفترض أن يصبح أيضا مصدر تزويد أساسيا بالغاز لاسيما إذا جرى إنتاج بناء خط أنابيب الغاز الذي يربط إيران بالباكستان.

تمتلك السعودية أكبر احتياطي نفطي في العالم وسوف تبقى أكبر مصدّر له. مع ذلك تتم ملاحظة وجود انكفاء بين تقدير زيادة الإنتاج بين 2005 و2030 حسب تقارير الوكالة الدولية للطاقة لعام 2006 وبين ما تمّ تحقيقه في عام 2007. وتتم الإشارة هنا إلى أن الصادرات السعودية من البترول سوف تتجه تدريجيا نحو آسيا على حساب الولايات المتحدة وأوروبا.

بالتوازي مع هذا يُفترض أن تصبح السعودية قوة غازية أيضا، ذلك لأنها تمتلك رابع احتياطي عالمي من الغاز الطبيعي بعد روسيا وإيران وقطر. وسوف يزداد إنتاجها من هذه المادة من 60 مليار متر مكعّب عام 2003 إلى 155 مليار متر مكعب عام 2030.

ويمتلك العراق أحد أكبر الاحتياطات البترولية في الشرق الأوسط. وترتقب الوكالة الدولية للطاقة أن العراق سوف يشهد «أحد معدلات النمو الأكثر سرعة للإنتاج والأكثر ارتفاعا في الحجم بعد السعودية».

وقد دلّت دراسات قريبة العهد جدا على أن الاحتياطي النفطي العراقي هو ضعف التقديرات المقدّمة حتى الآن، وذلك بعد اكتشاف حقول جديدة موجودة في غرب البلاد. ويمكن للعراق في ظل ظروف أفضل للاستثمار والأمن أن ينتج 4 ملايين برميل يوميا خلال السنوات الخمس المقبلة.

لكن سرعة استئناف إنتاج العراق تتعلق بوضوح مع سرعة مسيرة التطبيع التي يصعب تقدير مدتها في إطار الظروف الراهنة. ومن المفترض أيضا أن يعرف إنتاج الغاز الطبيعي في العراق تقدما أيضا ليزداد من ملياري متر مكعّب عام 2003 إلى 32 مليار عام 2030.

وتمتلك إيران احتياطيا هائلا من البترول ومن المتوقع أن يزيد إنتاجها بنسبة 50 بالمئة من الآن وحتى أفق عام 2030. إن نصف النفط الإيراني يتم تصديره حاليا نحو أوروبا والباقي نحو آسيا وتحديدا كوريا الجنوبية واليابان والصين. ويُفترض أيضا أن يزداد إنتاج الغاز الطبيعي من 78 مليار متر مكعب عام 2003 إلى 240 مليار متر مكعّب عام 2030.

ويمكن لبلدان الخليج الأخرى، خاصة الإمارات والكويت، أن تضاعف إنتاجها من النفط لتصل الإمارات إلى 2. 5 ملايين برميل يوميا والكويت إلى 9. 4 ملايين برميل يوميا. أما وُجهة التصدير الأولى فقد فقد تكون أولا هي منطقة آسيا-المحيط الهادئ واليابان.

والإمارات منتج مهم للغاز الطبيعي بواقع 44 مليار متر مكعّب عام 2004 ويبلغ احتياطي الغاز المؤكد 6100 مليار متر مكعب، أي ما يعادل ما تمتلكه السعودية تقريبا. وتمتلك قطر ثالث احتياطي عالمي من الغاز.

ومن المتوقّع أن تزيد إنتاجها بطريقة ملحوظة من 41 مليار متر مكعّب عام 2004 إلى 255 مليار متر مكعّب عام 2030، أي ما يعادل 30 بالمئة من مجمل إنتاج منطقة الشرق الأوسط مع نسبة متزايدة من إنتاج الغاز الطبيعي المسال.

وستبقى فنزويلا هي المنتج الأول بين بلدان منطقة الأوبك باستثناء الشرق الأوسط ويليها كل من نيجيريا وليبيا والجزائر. ويمكن لنيجيريا أن تضاعف من إنتاجها بحيث يصل إلى 4 ملايين برميل يوميا عام 2020. وقد أبدت الولايات المتحدة اهتماما كبيرا بالبترول النيجيري بسبب مواصفاته الجيدة وسهولة نقله.

أما انغولا التي انضمّت إلى منظمة الأوبك عام 2007 فإنها أحد مصادر التزويد الهامة بالطاقة لكل من الصين والولايات المتحدة. ويُنتظر أن يبلغ إنتاجها ذروته في عام 2011 بإيقاع 6. 2 مليون برميل في اليوم، لكن بعض الخبراء يقدمون رقم 2. 3 ملايين برميل في اليوم بأفق عام 2020.

نظرة على البيئة

يعترف الجميع اليوم بالآثار السلبية الكبيرة لنموذج التنمية الصناعية على البيئة. وتؤكد مجموعة الخبراء التابعين للحكومات الأوروبية الذين يقومون بدراسات حول المناخ أنه أصبح من الثابت مع درجة عالية من القناعة المثبتة أن النشاطات الإنسانية منذ الثورة الصناعية في أواسط القرن التاسع عشر كان لها فعلها في زيادة سخونة الأرض.

وقد ثبت أيضا أن الصناعة مسؤولة عن إصدار نسبة 65 بالمئة من الغازات الضارّة والزراعة وقطع الغابات عن 32 بالمئة. لكن ليس هناك في الأفق ما يسمح بالقول أن هناك حلاّ بديلا. ثم إن أي تقليص محتمل للتلوث في البلدان المتقدمة سوف تقابله زيادة التلوث، في البلدان الصاعدة، خاصة في آسيا. هذا يعني أن تدهور البيئة سوف يستمر خلال السنوات القادمة على مستوى العالم كله.

ويتم التأكيد في محصلة القول إن نموذج التنمية الحالي يترافق مع زيادة سخونة المناخ. وإذا كان هناك احتمال للتخفيف من هذا الميل فإنه سيكون من الصعب جدا كبحه تماما في المستقبل المنظور. وتدل التقديرات الأقل تشاؤما أنه، حتى في حالة القدرة على المحافظة على حجم الغازات الضارة الصادرة عن المصانع بنفس مستوى عام 2000، فإن معدّل درجات الحرارة سوف يتابع ارتفاعه ب1. 0 درجة كل عقد.

هكذا يمكن للحرارة أن ترتفع من الآن وحتى أفق عام 2050 بما بين 4. 0 درجة إلى 2. 1 درجة. ويتم التأكيد أن آثار سخونة المناخ سوف تكون أكبر في بعض المناطق القاحلة وشبه القاحلة في إفريقيا وآسيا.

حيث ظهرت آثار التدهور على الطبيعة وحيث عواقب التلوث مرئية بوضوح. بكل الحالات تتمثل الآثار المباشرة لتدهور البيئة على المدى القصير والمدى المتوسط في التصنيع وتوسع المدن. وهذا ما سيؤدي أيضا إلى زيادة التلوث وإلى طرح صعوبات في ميادين التزود بالمياه والأمن الغذائي، خاصة في البلدان النامية.

ومن المشاكل المهمة التي سوف تنطرح في أفق السنوات المقبلة هناك شح المياه العذبة التي سيتزايد استهلاكها كثيرا في محمل العالم النامي بسبب الزيادة الديموغرافية بشكل خاص. إن أكثر من مليار شخص اليوم لا تتوفر لهم مياه الشرب، هذا في الوقت الذي قد يؤدي فيه إنهاك الأرض والتلوث والتصحّر إلى تقليص أكبر لمصادر المياه المتوفرة.

وسيكون تهديد هذه المظاهر أكبر فيما يخص التزود بمياه الشرب بالمناطق القاحلة وشبه القاحلة (الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والقرن الإفريقي وجنوب إفريقيا وشمال غرب الصين وآسيا الوسطى) حيث سيكون قد جرى، احتمالا، استهلاك نسبة 90 بالمئة من الموارد المتوفرة في الزراعة من الآن وحتى أفق عام 2030.

وتدل إحصائيات الأمم المتحدة أنه «في عام 2025 سوف يعيش أكثر من 8. 2 مليار شخص في بلدان أو مناطق تعاني من شح المياه» بحيث ستكون حصة الفرد في السنة أقل من 1700 متر مكعب من المياه. بل وهناك بعض البلدان ذات الكثافة السكانية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط لن تبلغ حصة الفرد فيها نصف هذا الحجم.

على مستوى المناطق

رغم معدّل التصنيع ومنظور وجود 76 بالمئة من الأوروبيين في المدن بأفق عام 2030 فإن أوروبا لن تعاني كثيرا من آثار تدهور البيئة من الآن وحتى عام 2025. وسوف يكون مصدر الخطر الأكبر على الصحة هو تلوث الجو بسبب التصنيع ووسائل النقل.

أما الولايات المتحدة فإنها تصدر حاليا حوالي 25 بالمئة من الغازات الضارة على المستوى العالمي، وتقول التوقعات المقدّمة إن هذه النسبة سوف تتناقص إلى 22 بالمئة عام 2030. ومن المنتظر أن تظهر العلامات الملموسة لسخونة المناخ في أميركا قبل عام 2020 وفي مقدمتها تزايد الجفاف في غرب البلاد وتزايد الأمطار مع شتاء «أكثر سخونة» في الشمال، وربما سوف يزداد عدد العواصف الاستوائية في خليج فلوريدا.

كانت حكومة جورج دبليو بوش قد اختارت عدم التوقيع على اتفاقية «كيوتو» وانتهجت سياسة بيئية تتأقلم مع الاحتياجات الاقتصادية الأميركية دون أن يُؤخذ بالاعتبار كثيرا إصدار الغازات الضارة التي قد تزيد خلال فترة 2002-2030 بنسبة 34 بالمئة.

وتدل التقديرات على إمكانية زيادة الكوارث الطبيعية في أميركا اللاتينية، وخاصة العواصف الاستوائية في أميركا الوسطى، مما سوف يمثل خطرا كبيرا على السكان الذين يقيم معظمهم في المناطق الشاطئية.

بالمقابل سوف تكون آثار سخونة المناخ متباينة في إفريقيا حتى عام 2025. ففي بعض المناطق يمكن للسخونة وتغيرات إيقاع سقوط الأمطار أن يؤديا إلى تدهور واضح للبيئة. هكذا زالت تقريبا بحيرة التشاد التي تقلّصت مساحتها من 000 25 كيلومتر مربع إلى 1200 كيلومتر مربع. ثم إن سخونة المناخ ستشكل شرطا ملائما لزيادة البعوض والذباب وبالتالي لزيادة الأمراض السارية مثل الملاريا التي تبلغ حصة إفريقيا منها 90 بالمئة من الإصابات العالمية.

الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

هاتان المنطقتان هما في عداد الأكثر جذبا في العالم إذ إن نسبة 87 بالمئة من مجموع مساحتهما البالغة 14 مليون كيلومتر مربع هي من الصحاري. والمنطقة مرشحة مستقبلا لزيادة الحرارة فيها مع تضاؤل كبير في هطول الأمطار بنسبة قد تصل إلى 20 بالمئة.

هذه العوامل المترافقة مع ازدياد استهلاك المياه بسبب التفجر الديموغرافي والتمدين والتصنيع واتساع الزراعة، يمكن أن تؤدي إلى مشاكل خطيرة فيما يتعلق بالتزود بالمياه. ثم إن بلدانا كبيرة مثل مصر وسوريا تربط مسألة المياه فيهما إلى حد كبير بسياسات الدول المجاورة في هذا الميدان.

على سبيل المثال إن نسبة 97 بالمئة من مصادر المياه في مصر و70 بالمئة في سوريا تأتي من الخارج. وتشكل مسألة إدارة الأحواض المائية موضوع العديد من الاتفاقيات متعددة الأطراف في المنطقة.

وتدل التقديرات الحالية على أن حصة الفرد من المياه اليوم في المنطقة المعنية هي حوالي 1200 متر مكعّب سنويا، ولكنها قد تتقلّص إلى 600 أو 500 متر مكعّب في أفق عام 2025. هكذا تتعلق حيوية التنمية البشرية والاقتصادية في المنطقة بنقل المياه من مسافات بعيدة وبمشاريع تحلية مياه البحر. وإذا لم يتم اتخاذ إجراءات واستثمارات مناسبة من الآن وحتى أفق عام 2025 فإن جميع المنطقة (ما عدا العراق) سوف تعاني من شح المياه.

وسوف يؤدي نقص المياه، على المدى المتوسط، إلى نتائج على الزراعة وسيزيد من التبعية الغذائية للمنطقة. ثم إن الزيادة الديموغرافية المتعاظمة وشح المياه في المناطق الريفية سيؤديان إلى تسريع إيقاع النزوح من الأرياف. وفي أفق عام 2015 سيكون 70 بالمئة من سكان المنطقة في المدن مما سوف يشكل امتحانا للبنى التحتية فيها وسيثير مشاكل خطيرة على صعيد توزيع المياه.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف