إذا كانت أزمة السويس الصخرة التي تحطمت عليها الإمبراطورية البريطانية وما جاء بعد ذلك استمرارا على الطريق الذي بدأ خلال هذه الأزمة انتهاء بالسقوط التام مع تسليم هونغ كونغ للصين عام 1997، فإن المؤلف يفصل القول في تناول تطورات الاحتلال البريطاني لعدن وموقع هذه القضية في إجمالي تداعي الإمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس.
يشير بريندون في معرض تناوله هذه القضية إلى أن الحكومات المتعاقبة في لندن انخرطت في تنافس محتوم للمحافظة على القاعدة الموجودة هناك وكانت الصراعات من أجل الاستقلال الأكثر مرارة وبرهنت على ان بريطانيا كانت تمتلك مقومات البقاء على مسرح الشرق الأوسط، فيما كانت أحداث السويس تجثم على صدر البريطانيين مذكرة بحتمية رحيلهم. يشير المؤلف إلى أنه في تلك الأجواء وإثر انتهاء تطورات قضية السويس على نحو عزز موقف الزعيم العربي جمال عبدالناصر تزايد الشعور القومي العربي، ما أدى إلى زيادة حالة الاحتقان تجاه الاستعمار وخاصة بريطانيا الأمر الذي وجد متنفسه في إذاعة «صوت العرب».
وقد امتد هذا الاتجاه إلى طبقة المثقفين التي وجدت لدى بعض أفرادها مشاعر امتنان وود تجاه الإنجليز، وجاء هذا الامتداد بسبب الغباء المطبق لمغامرة إيدن. وفي ذلك ينقل المؤلف عن محام مصري خاطب صديقا انجليزياً له في عدن قوله: «لقد قدمتم لنا شكسبير وأوسكار وايلد وديكنز.. وكل هذا أفسدته السويس جراء تحالفكم مع الإسرائيليين فكيف بالله تفعلون ذلك»؟ وفي استعراضه لقضية الوجود الإنجليزي في عدن يطرح المؤلف سؤالا محوريا يدور حول أسباب بقاء الإنجليز في عدن حتى 1967 طالما فقدت القاعدة الانجليزية هناك سبب وجودها وعلة بقائها.
التاريخ الصعب: في عودة بالذاكرة إلى الوراء يمكن القول ان الاحتلال البريطاني لعدن جاء نتيجة أسباب ملفقة نظرا لحاجة بريطانيا إلى قاعدة خاصة بها لتخزين الفحم تمهيداً لافتتاح قناة السويس عام 1869 وهنا فقد ادعى الإنجليز أن أهالي المدينة اعتدوا على زورق بريطاني مر بمياههم الإقليمية فحشد المحتل مجموعة من جنوده وبعد معركة استمرت عدة أيام، سقطت المدينة. ظلت عدن منذ عام 1838 وحتى عام 1936 تتبع حكومة بومباي، ولا تتبع التاج البريطاني مباشرة، وبالتالي فلم تخضع للقوانين البريطانية، ولم تعرف تلك التغيرات، التي استفادت منها بعض الدول العربية المحتلة، إبان تلك الفترة، من طرقات ومدارس ومستشفيات ونظم وقوانين، وتعددية سياسية وحزبية.
وقد تطورت عدن من مدينة تتكون من سلسلة من الأكواخ المتواضعة إلى ميناء حر مزدهر، واكتسبت طابع الهند حيث انها، على ما يذكر بريندون، لا تزال المدينة تبدو وكأنها ضاحية من ضواحي شبه القارة الهندية، فالكثير من مبانيها، وخصوصاً في المقاطعة البيضاء عند نقطة «ستيمر» تشبه إلى حد كبير المباني الهندية في بومباي.
وفي سياق تناوله وتقديمه إطلالة ولمحة بشأن تاريخ عدن يذكر المؤلف أنها فقدت دورها الاستراتيجي عام 1947 كحلقة وصل مع الهند، فأضحت جزءاً من الماضي أكثر من خدمتها للحاضر. ولعل ذلك ما دعا أحد السفراء إلى أن يكتب لسلوين لويد في ديسمبر 1956 أن عدن هاجعة في سبات طويل أو هي تحتضر وتلفظ أنفاسها الأخيرة.. فالقواعد البريطانية حول شبه الجزيرة العربية أصبحت محطات على طريق يؤدي إلى المجهول.
هنا يتطرق المؤلف إلى الموقف من الاحتلال البريطاني لعدن فيشير إلى ازدياد أجواء العداء للوجود البريطاني هناك بسبب تدهور الأحوال المعيشية. ويذكر أنه من بين المؤثرات على تطورات الوضع هناك كانت أزمة السويس التي كشفت عن أن بريطانيا قوة يمكن مواجهتها وقهرها كما أن إغلاق قناة السويس ألقى بتأثيراته السلبية على مدينة عدن كميناء يعتمد بشكل أساسي على هذه الصفة، وعززت من ذلك برامج الإذاعة التي كانت تبث من القاهرة وتنشر الروح المعادية للبريطانيين والتي كانت تلقى صدى كبيرا هناك.
يقول بريندون إنه إزاء هذا الوضع لم يكن بوسع البريطانيين فعل شيء لمواجهة نداءات الأخوة العربية وحملات التنديد بالاستعمار وفيما يكشف عن تأثير ناصر يذكر بريندون أن صوره وهو مبتسم كانت توجد على كل جدار وكان الصبية يسخرون من الأوروبيين بالهتاف باسمه. ورغم ذلك فلم يكن الوضع يسمح للتجمعات السكنية المتناثرة في القفار القاحلة الجرداء الممتدة من البحر الأحمر إلى الربع الخالي بالتحرك رغم أنها كانت تسجل ملاحظاتها على الضعف البريطاني إزاء حالة الفوضى التي كانت تحياها هذه المناطق ذاتها.
وقد استفاد البريطانيون من الوضع السائد لكي يؤمنوا قاعدتهم في عدن ومن أجل ذلك تم توقيع العديد من الاتفاقيات مع الجيران الممزقين تقوم على أساس تقديم المعونات والمنح والحماية مقابل التعاون والتحالف.
غير أنه يبدو، وفقا لما يذكره بريندون، أن السيطرة على الأوضاع على نحو كامل كانت تفوق المقدرات البريطانية ذلك أن انتشار الأسلحة الحديثة فضلا عن مطالبات إمام اليمن ومحاولته بسط سيطرة حكومته ومدها إلى منطقة خليج عدن أدت إلى تفاقم الاضطرابات القبلية، وقد تدخل سلاح الجو الملكي البريطاني وانتهى الموقف بتوصل البريطانيين إلى اتفاق بدا غامضا مع الإمام ونظرا لعدم وضوح جوانب هذا الاتفاق فإنه وفر للإمام ذريعة لإثارة الاضطرابات في المحميات الجنوبية.
نبوءة كيرزون
غير أنه بحلول الخمسينات من القرن الماضي تكررت الغارات المسلحة من اليمن وفي الطرف الآخر للطيف السياسي بدأ عبد الناصر المنتصر يذكي نيران الثورة في ما سماه راديو القاهرة «جنوب اليمن المحتل» وهو ما أفرز المزيد من القلاقل، ورغم ذلك رفضت بريطانيا الاعتراف بها والإقرار بأنها تواجه حرب عصابات، وراح رئيس الأركان البريطاني يشير إلى وصف ما يحدث بأنه مناوشات عسكرية تحت السيطرة.
هنا يقرر بريندون نقطة أساسية تتمثل في أن البريطانيين إنما احتفظوا بعدن لأن ذلك كان في مقدورهم ولم يجدوا دافعا أو أسبابا تجبرهم على الانسحاب. فضلا عن ذلك فإن أزمة السويس يبدو أنها لم تكن درسا كافيا لهم للقيام بإعادة تنظيم وهيكلة سياستهم الاستعمارية. وعلى ذلك فإنه في المنظور البريطاني الرسمي فإن بريطانيا كانت لا تزال تنظر لنفسها كجزء حيوي من العالم الحر وهو ما يعني أنها لا يمكن أن تقبل بدور متواضع بشأن مقدرات النظام الدولي على شاكلة ذلك الذي تمثله السويد أو سويسرا.
ولم يرد في حسبان أحد ممن يقومون على إدارة السياسة البريطانية تلك المقولة التي أطلقها اللورد كيرزون منذ أكثر من نصف قرن تقريبا ويتنبأ فيها بأنه بمجرد سقوط الهند والمستعمرات الكبيرة فإن ذلك سيعقبه لا محالة التوابع الأقل حجما والأصغر شأنا.
إزاء هذه التعثرات التي بدا أن بريطانيا تواجهها على مختلف الصعد وزاد منها ذلك الموقف الحرج الذي بدا في عدن، حيث كانت دعوة وزير الحربية الأسبق من حزب العمال جون ستراشي إلى ضرورة مراجعة الاستراتيجية العالمية لبريطانيا على نحو يتمثل في التوقف عن التصرف كما «لو كنا لا نزال نمثل امبراطورية عالمية».
هنا يشير المؤلف إلى أن جانبا من أسباب عدم الحرص على القيام بهذه المراجعة لا يتمثل بأسباب عاطفية وإنما يعود أيضا إلى أسباب عملية باعتبار أن الاعتراف بتراجع الامبراطورية وتدهورها يمكن أن يكون له تأثير مأساوي على غرار نظرية الدومينو، حيث سيؤدي إلى سلسلة من الأحداث غير المحمودة.. فمن ناحية سيكون لذلك تأثير سلبي على التسهيلات العسكرية البريطانية.
ومن ناحية ثانية سوف يهدد في مقتل سيطرتها على مصادر الإمداد بالمواد الخام فضلا عن التداعيات السلبية على تحالفات بريطانيا مع أميركا بشأن مناهضة الشيوعية. كما كان من بين الأسباب التي تقدم في مجال التمسك بالإمبراطورية أن الإقرار بهذا الانهيار سيؤدي إلى التقليل من قيمة التاج البريطاني ويضعف الإسترليني والصادرات غير المرئية ويسفر عن تراجع مستوى المعيشة داخل بريطانيا نفسها.
رؤية قصيرة المدى
على ما يذكر بريندون فلقد كان لدى الساسة البريطانيين ورجال الدولة أسبابهم التي قد تبدو مقنعة على المدى القصير غير أنها تتضمن على المدى الطويل نوعا من الرفض للإقرار بتلاشي المكانة الدولية وهو ما جعلهم يرفضون الإقرار باستقلال عدن.
وهنا يشير المؤلف إلى أن من بين الأسباب التي فرضت التمسك بعدن التطورات التي وقعت في قبرص وهددت بأن تحولها إلى فلسطين أخرى، ما كان يلقي بتأثيرات سلبية على الدور الذي تؤديه قبرص للإمبراطورية البريطانية، وهنا برزت عدن باعتبارها نقطة حيوية في سلسلة من المواقع الحيوية تمتد من جبل طارق إلى هونغ كونغ. وقد وفر ذلك لبريطانيا مركزا دائما في الشرق الأوسط.
فضلا عن ذلك فقد كانت هناك مؤشرات بأنه قد يتم اكتشاف نفط في عدن وهو احتمال كان يفرض، حسبما ذكر هاورلد ماكميلان ساخرا، أن تستمر بريطانيا في سيطرتها على الأوضاع هناك «سيكون من الأفضل أن نترك المشيخات المحلية والحكام في حالة من التناحر والتنافس والانفصال. وفي هذا الوضع سيكونون سعداء بحمايتنا ويمكن أن نلعب بفريق ضد الآخر بدلاً من أن ندمجهم في وحدة واحدة وهو ما قد يؤدي إلى سعيهم للحصول على الاستقلال والمطالبة بحق تقرير المصير».
ومع ذلك فإنه إثر تصاعد الكفاح في المنطقة من اجل الاستقلال تم فرض حالة الطوارئ هناك غير أن بريطانيا قررت على مضض تأمين عدن من خلال اتحاد جنوب الجزيرة العربية على شاكلة الاتحادات في الهند الغربية وافريقيا الوسطى وقد كان اتحادا، حسبما يصفه المؤلف، يمثل شكلا بدون جوهر يعكس تركة الامبراطورية المريضة التي فقدت أهميتها.
فلقد كان اتحاد جنوب الجزيرة العربية غير قادر على توحيد العناصر المختلفة وقد تأكد سقوطه بواسطة العقيد عبدالله سلال الذي قاد تحركا عسكرياً في سنة 1962 في اليمن، وهو الأمر الذي أطلق شرارة حرب أهلية ضروس لم تقف عند الحدود الجنوبية وقامت القاهرة وموسكو بمساندة السلال في حين ساندت لندن والرياض الخصوم الملكيين.
وها هي الامبراطورية البريطانية تقف بجوار الفريق الثاني، وبالرغم من الأسباب القبلية والشخصية فإن عدن والثوريين الوطنيين بها قاموا بالثأر وخصوصاً مجموعة ميليشيا صغيرة سميت بـ «جبهة التحرير الوطني» التي كان لها دور كبير في ازدياد عدد الإضرابات وأعمال المقاومة على حد ما يذكر المؤلف والاغتيالات في المدينة والتي كانت تضم وقتها 250 ألف نسمة.
في ردفان
غير أن الأمور لم تنته بسلام لبريطانيا وبدا أنها تغوص في مستنقع هناك في أكتوبر 1963. في صباح الرابع عشر من أكتوبر ذلك العام كان عدد من أبناء منطقة ردفان، الواقعة في محافظة لحج الجنوبية، على رأسهم الشيخ غالب بن راجح، عائدين من مدينة تعز الشمالية، إلى بلادهم، لكنهم فوجئوا بنقطة تفتيش عسكرية، وضعها الاحتلال البريطاني، بهدف نزع سلاح القبائل، بعد توارد معلومات عن تحركات مريبة لبعض المواطنين، تهدف للاستفادة من النظام الجمهوري الجديد، الذي أعلن في شمال اليمن قبل عام في 26 سبتمبر 1962.
ولما رفض الشيخ غالب وأصحابه تسليم سلاحهم، بدأت مشادة، فاحتكاك، فإطلاق نار، فثورة امتد لهيبها لتصل أولا إلى جبال ردفان، ذات التضاريس الوعرة، ثم امتدت لتصل إلى عمق أوكار المستعمر البريطاني، في مدينة عدن وضواحيها. لم يكن في تصور أحد من أبناء الجنوب أن تلك الرصاصات، التي انطلقت، ستكون الشرارة الأولى الحقيقية لإشعال فتيل الثورة ضد الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.
ولعل قسوة رد الاحتلال، على من وصفهم إعلامه بالمخربين والمتمردين الذين يشير المؤلف إلى الاسم الذي أصبحوا يعرفون به وهو «ذئاب ردفان»، وتحريك الطائرات لقصف مواقعهم، وهدم منازلهم، واستشهاد الشيخ غالب بن راجح ورفاقه، الذين نظر إليهم المثقفون والمتعلمون باعتبارهم طلائع التغيير، ونظر إليهم العامة باعتبارهم أصحاب كرامات، كانت العامل الحاسم في صب زيت استمرارية نيران الثورة فيما بعد.
وحسب وصف هذه السياسة من قبل بريطانيين «لقد كانت سياسة قذرة وبات من الواضح أن من المستحيل القضاء على المقاومة في ردفان حيث تم تشريد ما لا يقل عن 8 آلاف شخص، وفي غضون ذلك وجدنا أن الإجراءات القمعية العنيفة لم تسمن من جوع في مواجهة قناصة عدن، ناهيك عن القنابل وأكمنة الشرطة».
في ظل هذه الحملة من التخريب والمذابح اتخذت جبهة التحرير الوطنية أهدافاً لها ممثلة في خطوط الأنابيب المؤدية إلى مصفاة تكرير البترول البريطانية وعملاء الاستعمار الموجودين في المنطقة وخصوصا عناصر المخابرات والمذيعين.
وفي عام 1965 قام البريطانيون بتعليق الدستور وفرض الحكم المباشر، ومن أجل وأد المقاومة والحصول على المعلومات، كان المشتبه فيهم يرسلون لمركز تحقيق تستخدم فيه كل أنواع القسوة في التعذيب. كما تمت كذلك الاستفادة من الطرق العلمية الحديثة في التعذيب والتي كان البريطانيون يستخدمونها في كينيا وقبرص وبروناي والكاميرون البريطانية وايرلندا الشمالية وأماكن أخرى.
وشملت هذه التكتيكات الصعقات الكهربائية والوقوف على الحائط والضوضاء ونظاما غذائيا مكونا من الخبز والماء فقط والحرمان من النوم. لقد كانت صرخات الضحايا في عدن تسمع في نادي ضباط الصف، الذين كانوا يمرحون ويطلقون النكات والتعليقات.
وفي استجابة للضغوط من الرئيس ليندون جونسون الذي تورط في حرب فيتنام، أعلنت حكومة حزب العمال بقيادة هارولد ويلسون تمسكها بالبقاء في عدن حيث أرادت واشنطن من حليفها عبر الأطلنطي أن يبقي شرق السويس حتى تقلل من المخاوف من أن الولايات المتحدة سوف تستولي على العالم لأنها تريد أن تصبح روما أخرى، وساعد على ذلك مشاعر الحنين التي كانت لدى ويلسون تجاه وضع بلاده كدولة امبراطورية.
حشرجات الإمبراطورية
كانت كل تلك المظاهر بمثابة نوبات تواجه بها بريطانيا لحظة موت الامبراطورية فرغم ما بدا من توافق لحظي بين الولايات المتحدة وبريطانيا عززه المساعدة الأميركية لدعم الجنيه الإسترليني إلا أن ويلسون ذاته وبقية السياسيين البريطانيين كانوا على يقين أن الإسترلينيني لن يتحسن إلا إذا تم خفض الالتزامات بشكل كبير.
ووسط مقاومة لذلك أعلن وزير الدفاع البريطاني في 2 فبراير 1966 في ضوء رغبته ترك عدن بمجرد إصدار أمر بذلك، ان بريطانيا ليس لديها النية في التنصل من مسؤولياتها الاستعمارية في الشرق الأوسط وأنها تنوي أن تظل قوة عالمية بالمعنى العسكري، غير أنه لم يمض على ذلك التصريح سوى ثلاثة أسابيع حتى تم الإعلان عن اقتطاعات حادة وتخفيضات كبيرة في القوات البريطانية شرق السويس والتخلي عن كل جنوب شبه الجزيرة اليمنية بما فيها القاعدة الموجودة في عدن، وتأكد القرار بظهور أزمة مالية أخرى فرضت الاقتصاد في النفقات، وبناء على ذلك تقرر عدم الاحتفاظ مستقبلا بأية قواعد.
وفرت تلك الظروف الفرصة لتراجع سيطرة بريطانيا على عدن خاصة مع زيادة الهجمات التي شنتها جبهة التحرير الوطنية فكبدت الجيش البريطاني 369 إصابة عام 1967 كان من بينها 44 إصابة خطيرة. وزاد من سوء وضع بريطانيا قيام لجنة من الأمم المتحدة بعملية تفتيش أشارت إلى الطبيعة السيئة للوجود الاستعماري البريطاني وهو ما زاد من حالة الكراهية للبريطانيين.
وعلى الرغم من انتصار إسرائيل على مصر في حرب الأيام الستة في 1967 إلا أن ذلك كان له تأثير سلبي على الوجود البريطاني حيث أشعل العداء لهم فخرج العرب في عدن يهتفون بأن أية رصاصة ضد بريطانيا هي رصاصة ضد إسرائيل.
وقام مقاتلو جبهة التحرير الوطنية بالهجوم على سجن كريتر وبدأ السلب والنهب والحرق والقتل العمد وقامت القوات البريطانية تحت قيادة الكولونيل تولين ميتشيل الذي كان يطلق عليه «ميتش المجنون» بإعادة احتلال كريتر، غير أن الجبهة استطاعت فرض سيطرتها. وقد تواصلت أعمال المقاومة حتى أنه لدى بدء المفاوضات في جنيف كان القتال متواصلا في شوارع عدن، الأمر الذي انتهى بمشهد الرحيل الأخير للبريطانيين في 14 نوفمبر 1967.
لقد كان همفري تريفيلن آخر مندوب سامي بريطاني غير سعيد بنقل السلطة للثورة، ولكنه أشار في معرض التخفيف من وطأة الأزمة إلى أن البريطانيين لم يجبروا على الحرب للخروج من عدن تاركين وراءهم الفوضى وعدم الاستقرار تماماً كما فعلوا في فلسطين. وقد وافقه في ذلك التقويم سياسي بريطاني آخر هو ديفيد أوين الذي امتدح موقف بلاده في هذا الشأن قائلا: إن سجل بريطانيا في التخلص من المستعمرات يعد مجيدا، فيما رأى كثيرون آخرون خدموا في عدن الاحتلال هناك على أنه اتسم بقدر كبير من انعدام الجانب الأخلاقي من البداية وحتى النهاية.
وفي مذكرات لم تنشر للمستشار القانوني للمندوب السامي ريغنالد هيكلنغ ندد بالسيطرة المروعة التي مارستها بريطانيا على العرب، وفي ذلك راح يقول انه قد يظهر في المستقبل مؤرخ يقوم بالتأريخ للأيام الأخيرة للامبراطورية في شبه الجزيرة العربية، مضيفا أنهم سوف يرون خبراتنا من 1799 وحتى 1968 كإحدى السلطات الأنانية حتى انهيارها وتراجعها وإنتهائها برغبة في الحكم الذاتي. ويضيف لو أن هذا المؤرخ اتسم بطابع الفيلسوف فسوف يصل إلى نتيجة مؤداها أنه لا يمكن لأمة أن تحكم بنجاح شعبا يكرهها.
نذر الانهيار البريطاني
تم التخلي عن عدن في ظل أجواء اتسمت بالقلق بشأن انهيار بريطانيا وخلال أسبوعين من ذلك الرحيل هبطت قيمة الجنيه بمعدل 3. 14%. وكانت تلك الخطوة نهاية لحديث رئيس الوزراء عن أن بريطانيا إما أن تكون قوة عظمى أو لا تكون. وفي النهاية لم تجد بريطانيا أمامها سوى إعلان التخلي عن كل الارتباطات الإمبريالية في يناير 1968 وإعلان أنها ستنسحب من مستعمراتها باستثناء هونغ كونغ منطقة الخليج خلال ثلاث سنوات.
ومن المفارقات ذات الدلالة البالغة التي يشير إليها المؤلف في معرض تناوله لتطورات السقوط ما قبل الأخير للإمبراطورية البريطانية من خلال محطة عدن تلك المتعلقة بموقف الولايات المتحدة. فعندما كان وزير الخارجية البريطاني في طريقه عبر الأطلسي يحمل الأنباء عن انسحابات بلاده بدا وزير الخارجية الأميركي دين راسك غاضبا أو حزينا على هذا التطور معلنا أنه سيترك الإعلان عنها لنظيره البريطاني.
لقد بدا أن راسك غير مصدق لتحول الإمبراطورية العظمى إلى إنجلترا صغرى، وكان من المثير للسخرية أن الولايات المتحدة التي كانت ذات يوم مجالا لانبثاق الإمبراطورية تنظر إلى انحسار هذه الإمبراطورية على أنه خسارة للمجتمع البشري. يشير المؤلف إلى أن ما كان يثير توتر واشنطن هو ما يتحتم عليها مواجهته بناء على هذا التطور وهو الاضطلاع بدور الشرطي العالمي في ضوء استحالة مواصلة بريطانيا لهذا الدور.
غير أن الولايات المتحدة الطامحة والطامعة قبلت المهمة التي يبدو أنها كانت تنتظرها وسرعان ما نصبت نفسها لشغل هذا الفراغ ليدخل النظام الدولي في مرحلة جديدة من الخضوع لسيطرة إمبراطورية أخرى هي الإمبراطورية الأميركية التي لا تزال تحكم قبضتها على النظام الدولي وسط حديث، يبدو مبكرا، عن قرب سقوطها.
عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق



