في الوقت الذي يشهد العالم طفرة تقنية تطال جميع أوجه الحياة بشكل لم يعد معه خيار العزلة والإصرار على السياسات الحمائية خيارا، لم تجد الدولة الفقيرة بدا من اللحاق بركب العلم والتقنية حيث فتحت الدول النامية، على الرغم من ضعف مواردها الاقتصادية، أبوابها أمام طوفان التقنية الحديثة بمختلف أطيافها.
وكانت تقنية النطاق العريض التي طال انتظار العالم لها للتغلب على ما كان يعتري قطار الإنترنت من بطء تتلاشى معه الفوائد الجمة للشبكة العالمية- كانت من أحدث الأبواب التقنية التي أطلت عبرها الدول الفقيرة في العالم التي تعيش فيها النسبة الأكبر من السكان على أقل من دولارين يوميا. غير أنه على الرغم من الفوائد الكبيرة التي تحملها تقنية الشريط العريض لهذه الدول، إلا أنها تجعلها في الوقت نفسه مرتعا خصبا للقراصنة الذين يعيثون فساداً في الشبكة العالمية.
لقد أصبح الدخول إلى شبكة المعلومات الدولية، سواء في الدول الصناعية المتقدمة أو النامية مخاطرة غير محسوبة العواقب، حيث انتشر القراصنة، منتظرين الانقضاض على أول فريسة تقابلهم، وهي بالطبع المستخدم الذي لا يملك إلا مجرد برامج إلكترونية لا تجهض في معظم الأحوال الحيل المتجددة التي يلجأ إليها القراصنة الذين يسخرون ذكاءهم في الإضرار بكل من تطاله أيديهم على الشبكة العنكبوتية، ليتحول الانترنت من وسيلة إعلامية إلى ساحة قتال اختلفت فيها الأسلحة، إلا أن النتيجة واحدة وهي الخسائر الفادحة للضحية وغنائم الحرب للقراصنة.
المشكلة بطبيعة الحال تشترك فيها الدول النامية والمتقدمة على حد السواء، ولكن الخطر الأكبر يطال الدول النامية التي ليس لديها من الوسائل ما يُمكنها من تجنب الخسائر الاقتصادية الكبيرة لهذه الجرائم. وفي هذا الصدد تفرد مجلة «نيوساينتست» العلمية موضوعا في أحد أعدادها الأخيرة تتناول فيه الأخطار التي أتت بها تقنية النطاق العريض للدول النامية مع محدودية مواردها وعدم قدرتها على حماية نفسها من أخطار هذه التقنية.
وتورد المجلة بعض الإحصائيات التي تؤكد على الأضرار الكبيرة التي تخلفها الجرائم العنكبوتية أو الإنترنتية كما يسميها البعض، حيث تشير آخر التقديرات إلى أن خسائر المصارف الأميركية الناجمة عن التصيد الاحتيالي عبر الانترنت، وصلت إلى ملياري دولار حيث يقوم القراصنة بتصيد زبائن المصارف، وذلك بإرسال رسالة الكترونية مزيفة تدعوهم لزيارة موقع مزيف، حيث تتم سرقة أرقام حساباتهم وكلمات المرور السرية الخاصة بهم.
وكان تقرير بريطاني قد كشف حديثاً عن تزايد هجمات القراصنة على مواقع الانترنت وأجهزة الكمبيوتر عبر رسائل البريد الالكتروني من خلال محاولات التسلل خلسة إلى أجهزة المستخدمين.
وأظهر التقرير أنه تم خلال شهر واحد اعتراض 716 رسالة بريد الكتروني من هذه النوعية كانت جزءا من محاولات هجوم وتسلل بلغت 249 محاولة استهدفت 216 من عملاء مؤسسة تقوم بعملية فلترة وتنقية لرسائل البريد الالكتروني عبر أجهزة الخادم لديها لصالح عملائها.
وأشار التقرير، الذي أعدته مؤسسة «معامل الرسائل الرقمية للبريد الالكتروني البريطانية» إلى أنه من بين هذه الهجمات محاولة هجوم تم القيام بها 200 مرة عبر نوعية واحدة من رسالة بريد الكتروني استهدفت إحدى المنظمات بشكل مركز، مضيفاً أن هذه الأعداد تمثل تزايدا كبيرا بالمقارنة بالأرقام التي تم رصدها في الأعوام الماضية.
وتشير «نيوساينتست» إلى أن عام 2001 قد شهد توقيع أول معاهدة دولية تعالج مشكلة الجرائم الإلكترونية وأُطلق عليها ميثاق مكافحة الجريمة الإلكترونية من قبل المجلس الأوروبي وقتها، وهو الجهة التي تبنت وصاغت الميثاق. غير أن 21 دولة فقط على مستوى العالم قامت بالتصديق على الميثاق، منها الولايات المتحدة الأميركية وكندا و اليابان وجنوب إفريقيا.
وكانت السويد أول دولة تسن تشريعات خاصة بجرائم الحاسب الآلي والانترنت، حيث صدر قانون البيانات السويدي عام 1973ليعالج قضايا الاحتيال عن طريق الحاسب الآلي إضافة إلى شموله فقرات عامة تشمل جرائم الدخول غير المشروع على البيانات الحاسوبية أو تزويرها أو تحويلها أو الحصول غير المشرع عليها.
وتبعت الولايات المتحدة الأميركية السويد حيث شرعت قانونا خاصة بحماية أنظمة الحاسب عام 1976وفي عام 1985حدّد معهد العدالة القومي خمسة أنواع رئيسية للجرائم المعلوماتية وهي جرائم الحاسب الآلي الداخلية، جرائم الاستخدام غير المشروع عن بعد، جرائم التلاعب بالحاسب الآلي، دعم التعاملات الإجرامية، وسرقة البرامج الجاهزة والمكونات المادية للحاسب.
وفي عام 1986صدر قانون أميركي يحدد جميع المصطلحات الضرورية لتطبيق القانون على الجرائم المعلوماتية كما وضعت المتطلبات الدستورية اللازمة لتطبيقه، وعلى اثر ذلك قامت الولايات الداخلية بإصدار تشريعاتها الخاصة بها للتعامل مع هذه الجرائم ومنها قانون ولاية تكساس لجرائم الحاسب الآلي. وتأتي بريطانيا كثالث دولة تسن قوانين خاصة بجرائم الحاسب الآلي، حيث أقرت قانون مكافحة التزوير والتزييف عام1981.
وتطبق كندا قوانين متخصصة ومفصلة للتعامل مع جرائم الحاسب الآلي والانترنت حيث عدلت في عام 1985قانونها الجنائي بحيث شمل مواد خاصة بجرائم الحاسب الآلي والانترنت. يقول سيمور جودمان، من معهد جورجيا للتقنية في ولاية أتلانتا: «عدد قليل للغاية من الدول يعترف بأهمية الأمن الإلكتروني.
فمعظم الدول التي وقعت أو أبدت موافقة على الميثاق هي من دول العالم الصناعية المتقدمة. ويخشى خبراء الحاسب الآلي أن هذا الأمر يعني تولد فراغ قانوني سيترك الدول النامية والفقيرة لتتحول إلى مرتع خصب يعيث فيه القراصنة فساداً، لاسيما في ظل غياب أي رادع يحكم تصرفاتهم وألاعيبهم».
وتشير المجلة إلى أن الحل موجود ولكن من الصعب تحقيقه على المدى القصير. فلقد أطلق الاتحاد الدولي للاتصالات اللاسلكية، الذي يتخذ من جنيف مقرا له، مبادرة عالمية تهدف إلى تطبيق الكثير من التقنيات المستخدمة في الدول المتقدمة في الدول النامية والفقيرة لحمايتها من أخطاء التقنية. غير أن هذه المبادرة تواجه تحدياً كبيراً.
فعلى الرغم من حقيقة أن التحديات الأمنية الحاسوبية هي واحدة في الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، مثل الرسائل غير المرغوب فيها والفيروسات وغيرها، إلا أن الدول الأفقر هي الأكثر معاناة من غيرها من تأثيرات هذه المشكلات وذلك لأنها تفتقر إلى الموارد المالية التي يمكن من خلالها التغلب على هذه التحديات. فهذه الدول للأسف لا تملك وسيلة اتخاذ إجراءات وقائية لتجنب بعض الفيروسات القاتلة ولا تستطيع أيضا تنظيم برامج تدريبية لتأهيل كوادر يمكنها تثقيف الشعب أو مستخدمي الشبكة العالمية ضد مخاطر برامج القراصنة.
يقول جودمان إن السبيل الوحيد لحماية الدول الفقيرة من مخاطر التقنية الحديثة لا يتمثل في توفير موارد مالية لهذه الدول، حيث إن هذه الموارد قابلة للفناء في أي وقت ولا يمكن ضمان إنفاقها فيما خصصت له، بسبب غياب آليات التحكم والمراقبة في هذا الدول.
ويضيف في هذا الصدد: «توفير فرق إنقاذ مؤهلة لهذه الدول تعلم أبناءها كيفية التصدي لهذه المشكلات وتدرب كوادر فنية محلية على مواجهة التحديات الإلكترونية هو الطريق الأمثل وليس توفير الموارد المالية». وتختتم المجلة تحقيقها بالإشارة إلى المثل الصيني الشهير الذي يقول: «اعطني سمكة لتطعمني يوما وعلمني الصيد لتطعمني طوال العمر».
إعداد: حاتم حسين
