نتابع مع المؤلف هنا التفاصيل الكاملة والسرية لعملية الغزو الثلاثي التي تم إقرارها كرد فعل على قرار ناصر تأميم قناة السويس، وهي العملية التي خاطبت مصالح لدى مختلف أطرافها، فمن ناحية رأت بريطانيا أنها تقضي على خصمها ناصر في القاهرة .

وتمكنها من استعادة جانبا من هيبتها ومن ناحية ثانية رأت فيها فرنسا تحقيق الهدف نفسه وإن كان لصالح إضعاف قدرة مصر على مساندة الثورة الجزائرية، فيما اعتبرت إسرائيل العملية بمثابة قضاء على خطر بارز أمامها يتمثل في توجهات الثورة المصرية آنذاك، والتي كانت تلهب مشاعر القومية العربية. على هذه الخلفية كان تحرك إيدن حيث أمر وزير خارجيته سلوين لويد بالتوجه سرا إلى سيفرز بالقرب من باريس لترتيب الأمور مع جي موليه وبن غوريون.

ووفقاً للجنرال موشي ديان الذي حضر الاجتماع، فإن لويد أعطى الانطباع أنه يساوم مع تجار مبتزين مستغلين وأظهر امتعاضه مما جرى خلال المحادثات غير أنه تم إحراز تقدم وبدأت المفاوضات في اجتماع تال. هنا يشير المؤلف إلى الطبيعة التي كانت تسم إيدن وتتمثل في سعيه إلى الحفاظ على أموره في سرية تامة وعدم كشفه سوى القليل من القضايا التي يكون طرفا فيها. فيذكر أن إيدن أخبر عددا محدودا من وزرائه بتطورات الترتيبات مع فرنسا وإسرائيل من أجل تهيئة مجلس الوزراء لإقرار خطة الغزو والتي كانت تقوم على أساس مبادرة إسرائيل بالهجوم على مصر على أن تبدو بريطانيا بالمشاركة مع فرنسا وكأنهما يشاركان في فصل المتحاربين.

ومن النقاط التي يلفت المؤلف النظر إليها في هذا الخصوص أن إيدن أبقى أيزنهاور بعيدا عن هذه الترتيبات. وفي إطار السرية التي يؤكد على كونها جزءا من طبيعة إيدن يذكر بريندون أن الأمر وصل به إلى حد عدم الثقة في كبار قادته العسكريين ورغم ذلك فقد نما إلى علم بعضهم قبل ثلاثة أيام من العمليات من خلال الفرنسيين أن إسرائيل قد تهاجم مصر وأن الأسطول البريطاني سوف يتحرك للتدخل بناء على ترتيبات تقوم على أساس عدم الاستجابة للإنذار الأنجلو فرنسي النهائي الذي يطلب من ناصر الانسحاب من القناة.

الإنذار النهائي

يعرض لنا المؤلف جانبا من سير العملية على النحو الذي جرت به متناولا بعض الجوانب الخاصة التي استطاع الحصول عليها من خلال مصادره.. فلقد قام الإسرائيليون بالدخول إلى سيناء في 29 أكتوبر وبعد بعض المعارك العنيفة بدأ المصريون في التراجع لحماية القناة ولم تنتظر فرنسا سريان الإنذار النهائي لتطلب من الجانبين الانسحاب ولم يبد عليها أي توتر إزاء ما بدا من أنها تقاتل بالنيابة عن الإسرائيليين وهو ما أصاب إيدن بالارتباك الشديد.

وعلى العكس كانت قوات السلاح الجوي الملكي البريطانية في قبرص مترددة في إطلاق أسراب طائراتها على الأهداف العسكرية المصرية، مما دفع بن غوريون إلى الطعن والتشكيك في نزاهة بريطانيا.

علاوة على ذلك فإن قطع الأسطول البريطاني المكون من 130 قطعة حربية والتي أبحرت من مقرها في فاليتا بمالطا لإنزال الجنود ومعداتهم إلى البر لم تستطع الوصول إلى بورسعيد قبل 6 نوفمبر وخلال هذا الأسبوع كان الجيش يتخبط نتيجة الأوامر المتضاربة وغير المدروسة من رجال السياسة الذين كانوا يريدون كسب الحرب أثناء الادعاء بمحافظتهم على السلام.

في هذه الأثناء بدأت المعارضة تحشد مواقفها في الداخل والخارج وهو ما انعكس في استقالة أنتوني ناتينج من حزب المحافظين، فيما احتج مسؤولون في وزارة الخارجية على وجود مؤامرة أسماها أحد الوزراء الصغار بأنها أكبر عملية دمج مأساوي بين «ما هو غير قابل للتنفيذ وبين ما هو غير قابل للتصديق».

كما استقال السكرتير الصحافي لإيدن وفي يقينه أن الإرادة الإلهية تتمثل في هدف القضاء على رئيسه الذي جن عقله في ذلك الوقت. وخرجت دعوات رسمية تطالب إيدن بإعادة القوات البريطانية قبل فوات الأوان، كما رفع حزب العمال دعوى أمام القضاء ضد ما وصفه بالعمل البوليسي والذي رآه يتنافى مع ميثاق الأمم المتحدة ومواثيقها.

مواقف عبثية

فضلا عن ذلك يشير المؤلف إلى عبثية الموقف على خلفية الإنذار النهائي فبمقتضاه ولو تم تنفيذه على أرض الواقع وتحرك كل طرف 10 أميال من القناة فإن ذلك كان يعني أن القوات المصرية قد تضطر إلى التراجع إلى الخلف في حين يتقدم بن غوريون إلى داخل الأراضي المصرية.

ويبدو أن الأوراق اختلطت كثيرا على النحو الذي افسد كل خطط إيدن، فقد كانت المشاركة في العمليات ضد مصر وهي الضحية بدلا من إسرائيل وهي المعتدية تكشف عن أن دور حفظ السلام الذي كان من المفترض أن تقوم به بريطانيا أمرا عاريا من الصحة.

كما أن استخدام الفيتو لإبطال مشروع القرار الذي يطالب بوقف فوري لإطلاق النار في مجلس الأمن بالأمم المتحدة إنما يعني أن الهدف الحقيقي لبريطانيا هو الاستيلاء على قناة السويس، وفي مواجهة هذه الحقائق لم يجد إيدن، متخذا موقف الدفاع، سوى أن يدعو لويد إلى التأكيد لمجلس العموم على أنه لم تكن هناك أية اتفاقات مسبقة مع إسرائيل في أكذوبة يصفها المؤلف بالحقيرة.

لقد احتشد الوطنيون الشرفاء في بريطانيا من كل الطبقات والأهواء ومختلف الانتماءات السياسية معارضين سياسة حكومة الحرب معتبرين أن الهجوم على مصر يمثل نوعا من الخيانة فيما أبدت مجموعة السويس ابتهاجها بتأكيد سلطتها الاستعمارية على النحو الذي راح معه أحد هؤلاء

يعلن في حالة من الفرحة أن المنطقة المحيطة بقناة السويس تعد بشكل أو بآخر جزءا من المملكة المتحدة. وعلى نفس النحو ذهب أحد اللوردات هو ليفربروكس في تصريح لصحيفة «الديلي اكسبريس» إلى أن إيدن كان يقوم بدور رئيسي في حماية حياة الإمبراطورية البريطانية.

الصحافة تفتح النار

أما على جانب الصحافة فقد خرجت كتابات تنتقد ما ألحقه إيدن من ضرر بعلاقات التحالف مع الولايات المتحدة جراء خداع أيزنهاور، فإذا كانت بريطانيا لا تدور في فلك أميركا كدولة تابعة، إلا أن الطرفين حليفان وما لا يتحمله التحالف هو نقص الصراحة.

ويشير المؤلف إلى أن كلا من أيزنهاور ودالاس وزير خارجيته كان يمكن لهما أن يقبلا الموقف البريطاني الفرنسي لو أن الأمور جرت على أرض الواقع على نحو سليم، فضلا عن ذلك فإن التدخل الروسي في المجر أجبر الولايات المتحدة على اتخاذ موقف مضاد على النحو المعروف للكافة وفرض عليها معارضة الغزو بلهجة حادة.

في الوقت ذاته لجأ أيزنهاور إلى القوى الاقتصادية المهيمنة لأميركا من أجل فرض رؤيته وفي هذا رفض تعويم الاسترليني وأصر على أن أغراض السلام والاستقرار يجب خدمتها وعدم التسرع في محاولة تقديم مساعدة استثنائية لبريطانيا تتعلق بإمدادات النفط.

واستفاد في الوقت ذاته من العداء لعملية السويس في دول الكومنولث مثل كندا والهند وباكستان وقام بحشد الدعم على مستوى الأمم المتحدة وليس فقط على مستوى الرأي العام الدولي لجهة فرض عقوبات على الدول المارقة التي شاركت في الغزو.

على المستوى الشخصي يمكن أن نلمس وطأة الموقف على إيدن من خلال ما ينقله لنا المؤلف من حديث جرى بين إيدن وموليه قام المسؤولون الفرنسيون بتسجيله وفيه نلمح بوادر انهيار إيدن حيث راح يقول: «أنا انتهيت ولا استطيع الاستمرار.. العالم كله يلعنني ويسبني ولا استطيع حتى الاعتماد على المحافظين. أسقفية كانتربري والكنيسة ورجال النفط ضدي.

ها هو الكومنولث يتمزق فنهرو يريد أن يحطم وشائجها ولم تعد لا كندا ولا استراليا تحت قيادتنا وأنا لا أستطيع أن أحفر قبر التاج ولا يمكن أن أجعل انجلترا البطل الوحيد». وعلى ذلك كانت النتيجة المنطقية إعلان وقف إطلاق النار في اليوم ذاته الذي وصلت فيه قوات الغزو المحمولة بحراً إلى بورسعيد.

وهم خضوع المصريين

يقول المؤلف في معرض تعليقه على هذه المأساة البريطانية: لقد كان إيدن يحلم بخضوع المصريين واستسلامهم، لكن سرعان ما تبين له مقاومتهم الباسلة ولم تستطع قوات الحلفاء أن تحتل إلا الطرف الشمالي للقناة، وهو الجزء المغلق بالسفن التي أغرقتها القوات المصرية.

وعلى ذلك توقفت الأعمال العدوانية ضد مصر وبدأ انسحاب أولى دفعات القوات البريطانية في الوقت الذي كان يتم فيه إنزال آخر وقد كانت مفارقة جعلت أحد الجنرالات وهو ستوكوبل يراسل وزارة الحربية قائلا: لقد أنجزنا المستحيل.. فقد قطعنا الطريق إلى أرض المعركة ذهابا وعودة في أسرع وقت ممكن».

ولعله مما ساعد على دحر العدوان الثلاثي وإلحاق الهزيمة بإيدن وبخططه للحفاظ على الإمبراطورية مساعي أيزنهاور بشكل منفرد تكريس جهده لهدف استعادة الوضع الراهن. وعلى ذلك فقد سعى لإجبار الإسرائيليين على الانسحاب من سيناء من دون أن يعدهم بأي شيء من أجل أن يكشف ويعري التحالف البريطاني الفرنسي ويمهد لتسليم السويس لقوات من الأمم المتحدة.

من العجيب ما يشير إليه بريندون من رفض بريطانيا التسليم بالهزيمة وعلى ذلك عمل إيدن على تحويل الهزيمة إلى نصر إلى حد الادعاء أن التدخل البريطاني أنقذ الموقف في الشرق الأوسط بجلب الأمم المتحدة وهي فكرة خيالية دحضها وسخر منها أحد أعضاء حزب العمال هو اللورد دينيس هيلي الذي راح يشبه هذا الموقف بموقف آل كايوني بادعائه أنه نجح في تحسين كفاءة وأداء البوليس في شيكاغو!

وحسبما يقرر المؤلف فإن النتيجة الحقيقية لما جرى في تلك الأثناء تمثلت في أن هيبة عبد الناصر قد تزايدت على نحو غير مسبوق في ذات الوقت الذي أفلت فيه هيبة إيدن وتلاشت. لقد قام رئيس الوزراء، على حد وصف أحد الأعضاء عن حزب العمال، بإجراء أضخم انسحاب من السويس منذ زمن سيدنا موسى.

اغتيال سياسي

لم يكن لدى مجموعة السويس أي شيء تطرحه سوى التعبير عن استيائها من ضعف إيدن، وراح البعض يقتبس المقولة التي كان يرددها تشرشل ليس لدي شك في الجرأة على البدء في أمر ما إلا أن المشكلة أنني قد لا أعرف كيف يمكن أن أوقفه» لقد كان القيام بالغزو ثم إلغائه في الوقت ذاته تقريبا مثل من أعد كل شيء من دون أن يعرف ما الذي يجب عليه عمله بالتحديد.

ومع هذا الوضع الكارثي لم يجد إيدن الذي بدا عليه المزيد من العجز سوى أن يطير للاستشفاء في جمايكا رغم تحذير أحد الأصدقاء بأن جميع الأطباء هناك من السود، وعند عودته كانت خناجر المحافظين موجهة إليه.

لقد كانت الظروف كلها مهيأة للاغتيال السياسي لإيدن وعزز من ذلك اعتلال صحته الأمر الذي اعتبر سببا كافيا لذلك، وهنا صعد إلى الواجهة كل من ماكميلان وباتلر وعلى ذلك طلبت الملكة إليزابيث من الأول تشكيل الحكومة في 10 يناير1957 الأمر الذي صادف تحفظا من قبل الرئيس الأميركي أيزنهاور باعتبار أن باتلر من السهل العمل معه فيما أن ماكميلان يتشابه مع إيدن، حيث إن كليهما لا يحتمل رؤية موت بريطانيا كقوة استعمارية.

ورغم أن الفرنسيين كانت لديهم وجهة نظر أخرى فإن أيزنهاور كان يرى أن مصير بريطانيا فيما بعد المرحلة الاستعمارية يكمن في أوروبا محاولا أن يرى في أحداث السويس ميزة تتمثل في احتمال أن تلقي بتأثيرها لجهة إرغام بريطانيا على قبول السوق المشتركة التي كانت تتحفظ بشأنها.

يشير المؤلف إلى أن لحظة السويس مثلت علامة فارقة على طريق تحلل الإمبراطورية فقد انتهزتها الولايات المتحدة بزعامة أيزنهاور فرصة لملء الفراغ الذي تركته بريطانيا وفرنسا فيما بين البحر المتوسط والخليج قبل أن تسرع روسيا لشغله وعلى ذلك فإنه في أوائل 1957 تم إعلان ما سمي «مذهب إيزنهاور» تحت دعوى الكفاح والنضال العالمي ضد الشيوعية.

وكان المذهب يقوم على استعداد أميركا لتقديم الدعم الاقتصادي والمساعدة العسكرية لبلدان الشرق الأوسط حال طلبها. ولم يلق المذهب سوى القليل من الترحيب من قبل بعض الدول فيما رفضه الرئيس ناصر

باعتباره شكلا جديدا من أشكال حلف بغداد، أما على المستوى العربي بشكل عام فقد سادت نظرات الارتياب بشأن الموقف الأميركي الأمر الذي يرى معه المؤلف انه قد يكون مبررا في ضوء الخوف من فرض سيد جديد ألا وهو الأونكل سام بدلا من «جون بول».

نهاية الإمبراطورية

لقد كان انسحاب بريطانيا من السويس عملاً مخزياً لا يمكن مقارنته، حسب تشبيه المؤلف، إلا بطرد البيزنطيين من الإسكندرية على يد المسلمين. ويشير المؤلف إلى أن الكثير من نقاد إيدن يشيرون إلى أن الفشل الذريع في هذه العملية كان بمثابة نهاية الإمبراطورية حتى أن أنتوني نانتينج راح يصف السويس بأنها حشرجة الموت للإمبراطورية البريطانية،

فيما راح الوزير المفوض لمجلس الوزراء بيرك تونيد يصف أزمة السويس بأنها الخط الفاصل السيكولوجي واللحظة التي بات فيها من الواضح أن بريطانيا لم يعد بإمكانها بعد ذلك أن تصبح قوة استعمارية عظيمة، وحتى الجناح الأيمن لحزب المحافظين أصبح في حالة انكسار يرثي لها.

فيما ذهب آخرون في وصف الحدث إلى أن تدمير الإرادة الوطنية كان هو الحدث الأكبر والمصاب الفادح للسويس، مضيفين أنه شكل نهاية الكومنولث ككيان اقتصادي وتجمع عسكري وقضى على الآمال في أن يكون هذا الاتجاه الطوعي الاختياري بديلاً غير رسمي للإمبراطورية. لقد قدمت السويس، حسبما ذهب، قوة دفع ودعم للأعداء في عدن وقبرص ومالطا والدول الإفريقية التابعة.

تعزيز الاستقلال الإفريقي

التقويم نفسه هو الذي وصل إليه عبد الناصر، وفي هذا يشير المؤلف إلى تأكيد الزعيم المصري على أن أزمة السويس ساعدت البلدان الإفريقية على الإصرار على استقلالها. وأضاف أنها قضت على إمكانية استخدام الطرق الاستعمارية التي سادت القرن التاسع عشر.

أما الملك حسين ملك الأردن الذي أصبح حينئذ يتطلع إلى أميركا فقد وصف الحدث قائلا «إنها حقاً والله لمأساة.. إنه اليوم الذي انهارت فيه بريطانيا متنازلة عن اكبر ركائزها وهنا على وجه الخصوص».

وفي عبارات بليغة يقول المؤلف في معرض الحديث عن تأثير أزمة السويس على الإمبراطورية البريطانية: لقد شعر الأميركيون أيضاً بأن طبقات التاريخ التكوينية قد تحولت بشكل صارخ في السويس،

وإذا تمعنا في قراءة أرنولد توينبي بدلاً من جيبون الذي ولت أيامه نجد أن الأميركيين، على حد ما يقول بريندون، اعتبروا أن الحضارة البريطانية تفسح الطريق بشكل محسوس وملموس لحضارتهم. وقد كان عبد الناصر هو القيصر الجديد أو الفرعون الذي يمتلئ رجولة وحيوية في استجابته لتحديات القوى العظمى.

ويوضح المؤلف أن هذه الخلاصات بدت مأساوية وكارثية للبعض مستعينا في ذلك بما ذهب إليه دانكن سانديز الذي تولى وزارة الدفاع في وزارة ماكميلان، حين راح يؤكد على أنه من الناحية الجوهرية

ورغم أن الأزمة كان لها تأثيرها الكارثي على بريطانيا إلا أن الإمبراطورية لم تصبح فجأة وبدون مقدمات ولا أسباب قوة عظمى من الدرجة الثانية. لقد جاءت هذه الآراء وسط واقع يرفض حتى الاعتراف بالتحولات وأن بريطانيا قد تخلت سواء طوعا أو كراهية عن دورها كإمبراطورية لا تغيب عنها الشمس.

ورغم الآمال إلا أن الواقع كان شديد الوطأة فلم تصمد وعلى ذلك يذكر بريندون أنه خلافا للأساطير التي سيطرت على العقول والألباب بقدر كبير فإن التحالفات الامبريالية لم تعد إلى أدراجها في 1956 لأن حرية الحركة البريطانية كانت محاصرة بواشنطن فضلا عن القيود الاقتصادية المخيفة التي أدت إلى تقليص حجم الأسطول الملكي.

وسط هذه الأحوال، حاول البعض الإشارة إلى أن الأمور ما زالت يمكن تداركها فرغم أن السويس قد أجهزت على الكومنولث، إلا أن هذه المنظمة وعلى حد رؤية هؤلاء، احتفظت بكيانها العالمي كما أن بريطانيا لا يزال في حوزتها حلفاء وأسلحة نووية وهو ما قد يمكنها حال توافر متغيرات أخرى من الحفاظ على وضعها أو استعادة وضع الإمبراطورية.

على صعيد الواقع فإن بريطانيا، وفيما بعد السويس، وبمساعدة أميركية حافظت على حلف بغداد المريض وإن تحت مسمى آخر هو «منظمة الحلف المركزي» كما حافظت على أصدقاء لها في المنطقة ومن بينهم بعض الحكام العرب وكذلك احتفظت ببعض النفوذ في العراق وليبيا إلى أن وقعت

فيما بعد الانقلابات الوطنية في 1958 و 1969 على الترتيب وعند استقلال الكويت عام 1961 وقعت مع بريطانيا معاهدة صداقة لحمايتها ضد العراق الوحدوي، وحتى وقت متأخر حتى 1967 كان هناك ما يربو عن عشرة آلاف رجل من القوات البريطانية في الخليج.

عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق