الانتخابات الشرسة والنزيهة أيضاً الدائرة في أحد البلدان المحورية في القارة الإفريقية تعد مثالاً يُحتذى به. هذا البلد ليس جنوب إفريقيا، حيث وجه انتخاب يعقوب زوما رئيساً للحزب الحاكم في الثامن عشر من ديسمبر ضربة قاصمة لخصمه ثابو مبيكي.

وعلى الرغم من أن هذا الانتخاب يضع زوما في موقف قوي لقيادة جنوب إفريقيا عندما تنهي الولاية الثانية لمبيكي كرئيس للبلاد في أبريل 2009، إلا أن خلافته لمبيكي ليست بالأمر المؤكد بأي حال من الأحوال والانتخابات في كينيا قد تمثل نموذجاً لما قد يحدث في جنوب إفريقيا وبقية القارة السمراء بشكل عام.

قد لا تكون لدى كينيا عوامل الجذب نفسها التي تتمتع بها جنوب إفريقيا، غير أنها باعتبارها نموذجاً للاستقرار والرخاء في شرق إفريقيا، فإن المستوى العالي للعملية الديمقراطية الحاصلة هناك له أهميته الكبيرة التي يجب أن توضع في الاعتبار.

فجيران كينيا الشماليون والغربيون وهم السودان وإثيوبيا وأوغندا والصومال كلهم يعانون بدرجات متفاوتة من الحرب والصراع القبلي والاضطهاد الحكومي والعنصرية وما يرتبط بكل هذه الأمور من مشكلات وعواقب وخيمة.

وإذا نظرنا إلى كينيا ونحن في بلد مثل الكونغو أو رواندا فإنها ستبدو كواحة من الهدوء والسكينة. غير أن النجاح الذي تحققه كينيا هو نجاح نسبي. فكينيا نفسها طالما عانت من سوء القيادة والإدارة والفساد والصراعات القبلية.

وعلى الرغم من حصولها على مليارات الدولارات في صورة مساعدات دولية، إلا أن معظم سكانها البالغ تعدادهم 35 مليوناً لا يزالون فقراء. صحيح أن هناك دولاً قليلة في العالم تعاني من درجة التعقيد العرقي ذاتها التي تعانيها كينيا التي يوجد بها أكثر من 40 قبيلة

معترف بها وصحيح أن الطقس السيئ الذي تعانيه البلاد لا يساعد على بناء اقتصاد ريفي متكامل، إلا أن السبب الرئيسي في مشكلات كينيا هو وجود نظام سياسي استأثر فيه الحزب الحاكم بمعظم أجزاء الكعكة دون غيره.

ولهذا السبب كانت الشراسة التي جرت بها العملية الانتخابية في كينيا مشجعة للغاية. فالرئيس مواي كيباكي البالغ من العمر 76 عاماً والذي كان يبحث عن رئاسة ثانية، حقق نمواً اقتصادياً وصل إلى 6% هذا العام.

وبعد سماحه بقدر كبير من الحرية السياسية فاقت ما كان يسمح به سلفه دانيال أراب موي، تعهد كيباكي في برنامجه الانتخابي بتوسيع نطاق مجانية التعليم وتطوير البنية التحتية. غير أنه فشل في مكافحة الفساد بشكل فعال، حيث إنه يعاني من وجود مجموعة من أكثر الشخصيات فساداً في كينيا داخل حكومته.

خصمه الرئيسي في الانتخابات، وهو رايلا أودينجا الذي يصغره بأربعة عشر عاماً ويتفوق عليه نشاطاً وديناميكية، تخلى عن ميوله الاشتراكية وعمل طوال الحملة الانتخابية على التقرب من الفقراء ومخاطبة مشكلاتهم إلى جانب التحدث إلى الأقليات لاسيما الأقليات المسلمة للتعرف على معاناتهم.

بصرف النظر عن الطرف الذي كسب الانتخابات، فإن المهم من وجهة نظر الشعب الكيني هو أن يقبل المهزوم بالنتيجة ويعمل على تطبيق مبدأ المنافسة السلمية. إن معظم القارة الإفريقية قد تخلصت من عهد دولة الحزب الواحد، غير أن شعوبها لا تزال بحاجة إلى الاقتناع بأن تعدد الأحزاب لا يعني بالضرورة حدوث فوضى.

فالحزب الحاكم في جنوب إفريقيا يبدو غير سعيد لأنه استسلم للمنافسة الداخلية بشكل وضع الرئيس مبيكي في وضع محرج، حيث يبدو مبيكي غير راغب في مضايقة الحكم الديكتاتوري لزيمبابوي بإقامة انتخابات عادلة.

ولكن إذا كانت دولة تعاني من درجة الفقر والتعقيد العرقي التي تعانيها كينيا واستطاعت على الرغم من ذلك خوض انتخابات حقيقية من دون وقوع أي صراع مدني، فإن أي دولة أخرى في إفريقيا ستستطيع عمل الشيء نفسه. إن ما حدث في كينيا يعطي مثالاً يجب أن تحتذي به دول القارة كافة.

ترجمة: حاتم حسين عن «إيكونوميست»