يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه المحاولة الأكثر نضجاً وقوة لتقديم تأريخ للامبراطورية البريطانية ورصد عناصر قوتها التي مكنتها من الوصول إلى ما يعادل أربعة أمثال الإمبراطورية الرومانية والى التوسع بمعدل مئة ألف ميل كل عام ثم إلقاء الضوء على المتغيرات التي كفلت زعزعة أركانها ثم الوصول بها إلى مرحلة الغروب النهائي مع تسليم مستعمرة هونغ كونغ إلى وطنها الأم الصين في عام 1997.
ويجد القارئ العربي في هذه البانوراما الهائلة الكثير مما يهمه ويعنيه وبصفة خاصة في محطتين فاصلتين وصلتا بالإمبراطورية إلى نزعها الأخير وهما أزمة السويس والانسحاب من عدن. يحاول المؤلف بيرز بريندون بداية أن ينفي تصورا يمكن أن يرد على ذهن القارئ بأنه من خلال كتابه «أفول وسقوط الإمبراطورية البريطانية» يسعى إلى استنساخ تجربة إدوارد جيبون من خلال عمله التاريخي الرائع حول سقوط الإمبراطورية الرومانية.
ورغم أن ذلك قد يكون صحيحا في ضوء التميز الذي طبع عمل جيبون حتى أصبح معه أحد المراجع التاريخية التي لا غنى عنها في التأريخ للإمبراطوريات وليس الإمبراطورية الرومانية فقط، إلا أن بريندون يحاول بروح جيبونية أن يقدم لنا رؤية مماثلة لمراحل صعود الإمبراطورية البريطانية وسقوطها بشكل بدا معه سواء بالوعي أو باللاوعي يحاول أن ينافس جيبون من خلال الحجم الهائل للموضوعات التي يتناولها والذي يشمل إفريقيا والشرق الأقصى والجهات الأخرى من الكرة الأرضية
في سرد تفصيلي للمغامرات الاستعمارية التي خاضتها بريطانيا على مدى عدة قرون من بليسي إلى أم درمان مرورا بحروب الزولو.. وغير ذلك من أحداث خاضتها الإمبراطورية. ولقد قام بريندون من أجل إعداد مادة كتابه تلك بأبحاث ميدانية عديدة وخصوصا في الجزء المتعلق بالتدافع الاستعماري البريطاني بشأن إفريقيا مقصد الاستعماريين الكبار مثل رودس الذي اقتدى بالرومان واحتذى بهم وكان يعتبر قيصرا آخر ذا شخصية غريبة الأطوار مولعة بالذات بشكل يتجاوز الخيال في بعض الأحيان.
في محاولة التأكيد على حيوية موضوعه وأنه يتجاوز التاريخ إلى عالمنا المعاصر يشير المؤلف إلى أن فهم تاريخ الإمبراطورية البريطانية وتطورها أمر لا مفر منه إذا أردنا استيعاب جذور الكثير من تطورات الأحداث في القرن الحادي والعشرين ومن ذلك على سبيل المثال أزمات العراق وزيمبابوي وأفغانستان وبورما وباكستان، وهي قضايا تعود في جانب منها إلى ارتباطها بمفهوم السلام البريطاني الذي مثل خليطا من المأساة والمهزلة في آن.
ويلخص المؤلف التاريخ الإمبراطوري البريطاني بأنه اعتمد على حسن التخطيط وقوة السلاح البحري وصيانة الإدارة المدنية والعسكرية والثورة الصناعية وضعف الدول الأوروبية المجاورة والمهارة في استغلال الشعوب المقهورة لصالح المستعمر الغازي.
وحسبما يذكر المؤلف فقد وصلت الإمبراطورية إلى القمة عام 1897 وتجلى ذلك في الاحتفال باليوبيل الذهبي للملكة فيكتوريا. ففي ذلك الاحتفال الذي قل مثيله من قبل أو من بعد استقبلت لندن أحد عشر رئيس وزراء ـ من المستعمرات ـ وعشرات المهراجات ومئات السلاطين. واحتلت فيكتوريا عرشاً يهيمن على ما لا يقل عن عشرين مليون كيلومتر من الكرة الأرضية وأكثر من ربع سكانها، ولم يكن للبقية أهمية بالغة بالنسبة للعاصمة البريطانية.
البدايات الأولى
في معرض إشارته إلى جذور الإمبراطورية يذكر بريندون أن الفيكتوريين الأواخر اعتقدوا أنهم ورثة الرومان وآمنوا بأنه لزام عليهم أن يضطلعوا بدور مماثل في جلب الحضارة لتلك الشعوب التي وصفوها بالهمجية.
في هذا السياق يعرض لنا المؤلف بعضا من ملامح المقارنة بين الإمبراطوريتين الرومانية والبريطانية، مشيرا إلى أن هذه الأخيرة كانت أكبر بنحو أربعة أمثال سابقتها الرومانية كما كانت أكثر سكانا كذلك موضحا أن توسعها كان بمعدل أسرع كثيرا حيث تم بمعدل نحو مئة ألف ميل مربع كل عام خلال القرن التاسع عشر، وهو ما يعني أنها كانت تتوسع بمعدل يقدر بنحو 270 ميلا مربعا كل يوم أو مساحة حديقة هايدبارك كل 5 دقائق.
ويقرر المؤلف أنه يمكن الإشارة إلى أن الإمبراطورية مرت بخمسة فصول درامية بدءا من المرحلة الأميركية والتي انتهت بفقدان لندن مستعمراتها الأميركية اثر هزيمتها العسكرية على يد القائد الأميركي جورج واشنطن في معركة يورك تاون عندما أجبر خصمه البريطاني عام 1781 على الاستسلام وتسليم سيفه إليه.
ومع ذلك فان بريطانيا الجزيرة الصغيرة الفقيرة بالموارد والسكان قامت من جديد وشيدت امبراطورية أخرى امتدت من القاهرة إلى هونغ كونغ مرورا بعدن. ثم كانت الامبراطورية الثالثة المتزامنة مع الثانية هي إفريقيا التي استمرت قوية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945.
وإذا كانت الحرب العالمية قد قللت الإمبراطورية فجعلتها شبه مفلسة فإن الحرب العالمية الثانية والتي كانت حقاً أكثر عالمية قد قضت عليها على النحو الذي تجلى في الأحداث التي تلت الحرب وأدت إلى انهيار الإمبراطورية فعليا.
وفي ذلك الصدد يذكر تصور هتلر بشأن قوة بريطانيا فيما قبل خوضه هذه الحرب فرغم إقراره بتفوق بريطانيا إلا انه ساهم في سقوط امبراطوريتها بشن حرب 1939/1945 العالمية عليها في محاولة خطيرة كادت أن تنجح لولا تدخل روسيا والولايات المتحدة في مقاومته والقضاء عليه.
فبعد هذه الحرب بدأت الشيخوخة تدب في أوصال الإمبراطورية بقوة وسرعة امتداداً من انتصار الثورة السلمية للمهاتما غاندي في الهند مما أفقدها شبه القارة وجاراتها. ثم بهزيمتها في السويس عام 1956 لارتكاب رئيس الوزراء انتوني ايدن واحدة من اكبر حماقات التاريخ بمحاولة فرض سيطرته العسكرية والسياسية على مصر بالقوة لان رئيسها جمال عبدالناصر أعلن تأميم قناة السويس بعدما كانت تحت ملكية فرنسا وبريطانيا.
حدث كل ذلك والشعب البريطاني لا يتجاوز بضعة ملايين ولا يملك جيوشاً جرارة بل أفضل سلاح بحرية في العالم لكنه استطاع بمهارة ومكر وتخطيط أن يجند أي عدد احتاج إليه من أهالي المستعمرات أنفسهم لضرب أي محاولات للتحرك ضد الاستعمار ونجح.
القبضة الحديدية
حتى أن العرب والمسلمين كانوا يشكلون أعداداً غفيرة من قوات الاستعمار ومات منهم مئات الألوف في ساحات الحروب التي لم تكن تهمهم أصلاً وفي معارك خاضتها لندن ضد العواصم الأوروبية الأخرى. هنا يشير المؤلف إلى مفارقة أنه بينما كانت قوات الإمبراطورية تنسحب من الهند وبورما وسيلان والملايو، وفيما يبدو محاولة للصمود أو ما يمكن اعتباره الرقصة الأخيرة للإمبراطورية
نجد أن بريطانيا تحاول تعزيز هيمنتها على الشرق الأوسط وهو ما يتجلى في إعلان إيدن أن الدفاع عن شرق البحر المتوسط هو مسألة حياة أو موت للإمبراطورية البريطانية، الأمر الذي ضمنه برنامج حزب المحافظين وأكد على استمرارية هذا النهج أن أرنست بيفين من بعده لم يسقط شيئا من سياسة إيدن مهما كانت تفاهتها أو عدم جدارتها بالاستمرارية.
وانتهت الامبراطورية عملياً بتسليم هونغ كونغ المستعمرة إلى الصين الأم عام 1997 بشروط قبلتها الصين لمصلحتها منها الإبقاء على الديمقراطية والنظام الاقتصادي الحر لمدة خمسين عاماً بدون أي تدخل من بكين إلا برضا الأهالي وأعضاء المجلس التشريعي المنتخبين.
غير أن الإمبراطورية رغم ما سبق لم تنته تماما وإنما وعلى غرار روما بدأت في التحول من السياسة إلى الثقافة وبفضل التكنولوجيا والاقتصاد حققت هذا التحول على نطاق غير مسبوق في التاريخ البشري حتى أنه يمكن القول إن العولمة تساوي اللغة الانجليزية إلى جانب ميكروسوفت.
ورغم اتساع موضوعات الكتاب على النحو الذي يمكن القول معه إنه يمثل استعراضا تفصيليا وشاملا لكافة المراحل التي مرت بها الإمبراطورية البريطانية إلا أننا في معرض عرضه هنا سنركز على المحطتين الرئيسيتين في حياة الإمبراطورية واللتين شكلتا مرحلتين فاصلتين وإليهما ينسب إلى حد كبير مع عوامل أخرى بالطبع تداعي الإمبراطورية البريطانية،
ألا وهما محطة أزمة السويس في عام 1956 وما أدت إليه من تداعيات فضلا عن الاحتلال البريطاني لعدن وظروف رحيله من هناك. في سياق استعراضه لهاتين المحطتين في حياة الإمبراطورية البريطانية يقدم لنا المؤلف على غرار بقية كتابه تفاصيل عديدة في إطار يحرص من خلاله على أن يعيش القارئ المرحلة التي يتناولها بأدق تفاصليها.
هنا وفي إطار تناوله لتطورات الأوضاع في الشرق الأوسط وأثرها على مسار الإمبراطورية البريطانية يعرض المؤلف لجذور اللحظة التي انتهت بغزو السويس والتي كانت المسمار الأخير في نعش الإمبراطورية وانتهت بتبعثرها وكذلك الرحيل من عدن.
ظل إسرائيل
يبدأ المؤلف روايته في هذا الخصوص من تطورات ما حدث قبل قيام إسرائيل والدور الذي لعبته بريطانيا بهذا الشأن فيذكر أنه لم يكد البريطانيون يتخلون عن انتدابهم على فلسطين حتى بدأ جيرانها العرب يدخلونها تملؤهم رغبة عارمة بأن يزيلوا إسرائيل من الوجود عند نشأتها، وعلى هذا وجدنا قادة مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق قد تصوروا إمكانية تحقيق نصر سهل وسريع،
فها هو الملك فاروق الذي ورث عرش مصر عن أبيه فؤاد في 23 ابريل 1936 يراهن على نتيجة الحرب في مايو 1948 حتى انه قام بإرسال قواته إلى قلب المعركة دون استشارة رئيس وزرائه، وهو ما يعتبره المؤلف تصرفا يعبر عن استهتار وطيش دل دلالة واضحة على طبيعة الملك
التي تتسم بالتهور والاندفاع وهي الطبائع التي يرى بريندون أنها تسم الملك واصفا موقفه على صعيد هذه العملية بأنه كان أحد مغامراته التي عرف بها في حياته الخليعة الفاسقة التي لا تعرف التقيد بالعرف أو الرسميات.
وفيما يشير إلى المأساة العربية في حرب 1948 ما يذكره المؤلف من أن فرق الهاجاناه اليهودية قامت بمدافعها ودباباتها وحتى طائراتها المقاتلة التي استوردتها من تشيكوسلوفاكيا بتطويق الجميع إلا الفيلق العربي التابع للأردن.
في معرض تفسير ذلك يشير المؤلف إلى أن الفيلق الأردني كان يخضع لقيادة جون جلوب المعروف بجلوب باشا مع طاقم من الضباط البريطانيين قاموا بالاستيلاء على مدينة القدس القديمة واستطاع الملك عبد الله أن يضم الضفة الغربية لنهر الأردن إلى ربوع مملكته.
إزاء هذه الأوضاع العربية المتردية يشير بريندون إلى أنه لم يلاحظ كل ذلك بعين ثاقبة وبصيرة نافذة إلا النقيب جمال عبد الناصر وهو الوطني الغيور الذي يلتهب حماسة وشجاعة وكان ممن جرحوا في القتال . لقد لاحظ عبد الناصر أن القيادة العليا حاولت إخفاء عجزها بتبني أساطير بشأن العدو الذي قيل عنه إنه يمتلك أبراجا تعمل بالكهرباء ترتفع من الأرض وتطلق النيران في كل اتجاه.
وهنا وبحكم موقعه فقد راح يكشف عن حالة الإهمال التي شابت الإعداد للحرب حيث أكد ناصر على العديد من الأخطاء التي شابت الإعداد للحرب من عدم وجود تركيز للقوات أو تخزين للذخيرة والعتاد فضلا عن عدم وجود استطلاعات أو مخابرات أو خطط سرية عسكرية أو غير ذلك وهو ما يؤكده ما ذكرته صحف القاهرة من أن الأوامر بالزحف صدرت للجيش قبل أن يكون لديه الوقت الكافي
لتنفيذ الأمر الذي وفر الفرصة لإسرائيل في النهاية للسيطرة على منطقة النقب ما كان بمثابة طعنة خنجر قسم العالم العربي والإسلامي إلى شطرين ففصلت مسلمي آسيا عن مسلمي أفريقيا. بل وصل الأمر، وفق ما يذكر بريندون إلى أن الهاجانا كانت تهدد أراضي النيل نفسها لولا تدخل ترومان بتقييد حركتها.
بذور الثورة
كان ذلك بمثابة بذور الثورة غير أن المؤلف ينظر إلى الأمر من زاوية أخرى وهى رؤية عبد الناصر زعيم الثورة لطبيعة تأثير الاحتلال البريطاني فقد أرجع ناصر الفساد في صفوف المصريين إلى المحتلين البريطانيين بشكل أكبر من الغزاة اليهود ،
ومما يذكره أنه وخلال مفاوضات الهدنة وجدناه يسأل نظيره الإسرائيلي عن كيف نجح الصهاينة في نضالهم مع الإنجليز وقد خلص إلى أن مصر إنما يجب عليها تراجع وضعها بشكل أساسي بسبب القهر الذي تعرضت له من قبل الاستعمار الإنجليزي وهو ما انتهى بها إلى أن تصبح فريسة لحكم فاسد وتحت رحمة مجموعة من الوحوش.
لقد كان أكثر هؤلاء الوحوش ضراوة من وجهة نظر ناصر هو الملك فاروق الذي وضع الحكومة المصرية تحت الوصاية البريطانية ذلك أنه من الناحية النظرية فإن معاهدة 1936 كانت قد منحت مصر الاستقلال كما نصت كذلك على إلغاء الامتيازات الأجنبية وقصر الحامية البريطانية على عشرة آلاف جندي حول منطقة قناة السويس،
وكانت القوة الاستعمارية دائما ما تزيد عن هذا الحد وازدادت بسبب أكبر خلال الحرب العالمية الثانية، ما يعني أن معاهدة 36 لم تكن سوى حبر على ورق. وبالمثل فإنه رغم تنزيل مرتبة وضع السير مايلز لامبسون من مفوض سامي إلى سفير عام 1936 إلا أنه تم التحايل على هذا الوضع من قبل وزير الخارجية أنتوني إيدن
حيث أصبح دور لامبسون بالفعالية نفسها والتأثير الذي كان عليه فيما قبل واستمر لامبسون في السيطرة على أرض النيل باسم اللورد كرومر وحافظ على الراية البريطانية ترفرف على مقر المفوض السامي. وفيما كان يشير إلى الحالة التي تميز وضعية لامبسون حتى بعد هذا التطور أنه كان يسافر في طول البلاد وعرضها في قطار خاص ويتجول في شوارع القاهرة يقود سيارته الرولزرويس مسبوقا باثنين من الموتوسيكلات،
فيما كان يشير إلى الوضعية الخاصة التي كان يتمتع بها والتي كانت تعكس النفوذ البريطاني على غير النحو الذي أقرته معاهدة 1936، وهو ما عززه الشتائم التي كان يكيلها إلى الملك فاروق. وفي ذلك راح يشير في أحاديثه إلى أن الملك كان رجلا كرس نفسه للملذات الحسية.
وفيما يمثل تأكيدا على هذه الرؤية يذكر المؤلف أن الملك كان بالفعل نهما شرها وخليع ومنغمس في المجون ومصابا بداء السرقة ومدمنا للمخدرات،. ومن الواضح هنا تحامل الرؤية البريطانية بشكل كبير على الملك فاروق سواء تلك التي عكسها رأى لامبسون أو المؤلف ذاته وهو ما تقدم روايات أخرى حديثة انطلاقا من مصادر تاريخية رؤى مناقضة لها بشأن طبيعة الملك.
سلوكيات فاروق
هنا وفي استفاضة في هذا الجانب يذكر المؤلف أن فاروق أحاط نفسه بمجموعة من الخدم الذين كانوا يرتدون لباساً خاصاً والمرافقين من سكان البلاد الواقعة شرق البحر الأبيض المتوسط، وكان يطلق النكات القاسية، وكان يبيع الألقاب ويشترى السيارات الفاخرة والفارهة التي كان يقودها بسرعة جنونية طائشة،وكان نموذجاً لمن يقوم بجمع الأشياء في نهم لا يشبع وظمأ لا يروى وجشع لا ينتهي.
ورغم كل ماسبق إلا أن الحقيقة التاريخية تشير إلى أن فاروق حاول تحدي سلطة الانجليز وقد تكون هذه التوصيفات القاسية التي يتبناها المؤلف نتيجة اعتماده على مصادر بريطانية وإن كان ذلك لا ينفي الكثير من الصفات السلبية التي كان يتسم بها الملك فاروق. المهم أن الملك عمل في 1942 على تحدي لامبسون نفسه في أجواء كانت غير مواتية للإنجليز سواء في مصر أو في العالم كله..
ففي تلك الفترة كانت الدبابات الألمانية تجوب الصحراء الغربية وسط أجواء تعاطف مع الألمان وسخط على الإنجليز وكانت جماهير القاهرة تهتف «إلى الأمام ياروميل» «عاش روميل» «يحيا روميل»
في تلك الأثناء طلب السفير البريطاني من الملك أن يدعو مصطفى النحاس زعيم الوفد لكي يشكل الحكومة وعندما ماطل فاروق كانت حادثة فبراير الشهيرة حيث طوقت القوات البريطانية قصر عابدين بالدبابات والعربات المدرعة وقدم للملك خطاب التنازل عن العرش ليوقعه.
وهنا ينقل المؤلف عن لامبسون الشامت في فاروق قوله أن الملك توسل إليه بأن يعطيه فرصة أخرى متناسيا تظاهره بالشجاعة واستئساده فيما سبق. وقد وافق السفير على هذا المطلب على مضض باعتبار تجنب شر القصر الذي يمكن أن يؤدي مخزون الكراهية لديه للإنجليز إلى انتهاز أي فرصة لطعن البريطانيين في الظهر.
وسط أجواء تلك الأزمة تخيل فاروق نفسه يطلق النار على لامبسون ويقرر طرد البريطانيين في ظل الحالة المزرية التي كان عليها والتي كان يشرب معها كأس الإذلال. ورغم كل أجواء الكتمان فقد تسربت وقائع هذه الأحداث الأمر الذي كان له أثر سلبي على المصريين الذين شعروا كذلك بالإذلال لما مارسه الإنجليز مع ملكهم بغض النظر عن موقفهم من فاروق.
فردا على هذه التطورات قدم محمد نجيب استقالته لخجله من ارتداء بزته العسكرية وكان ناصر يري أن الجيش قد أُصيب بخزي وعار كبيرين لفشله في التدخل وأنه لو كان لديه الجرأة ـ الجيش ـ لانسحب الانجليز مثل الشباب المخنث. كان ذلك دافعا لناصر والجيش للتحرك وعلى ذلك بدأ هو وغيره من الضباط التخطيط للانتقام والثأر.
وعلى النحو نفسه كانت مشاعر السياسيين والكتاب والطلاب والعمال والوطنيين عندما تم رفع القيود التي فرضت في زمن الحرب. وبوحي من المذاهب الأيديلوجية التي كانت رائجة في تلك الأيام وتراوحت من الماركسية والنزعة الإسلامية تزايدت المطالبات الشعبية بإجراء إصلاحات شاملة وبدأت المظاهرات العارمة التي أدت إلى صدامات دموية بين الشرطة والمتظاهرين.
عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق



