هل يمكن أن تحل الطاقة الشمسية محل الوقود كمصدر العالم الرئيسي للحصول على الطاقة؟ هل يمكن أن تُحل مشكلة الطاقة في العالم بالسهولة التي يراها بعض العلماء الذين يتخيلون أن الأمر لا ينطوي على أي مشكلة وأن ما يمنع الاعتماد على الطاقة الشمسية هو نفوذ شركات النفط في العالم؟ هذان السؤالان هما محور تحقيق ورد في أحد الأعداد الأخيرة من مجلة «نيوساينتست» العلمية يفيد أن العالم أصبح أخيراً على مشارف عهد جديد في مجال توليد الطاقة.
تقول المجلة إن حل مشكلات الطاقة في العالم ليس بالأمر العسير نظرياً. فالعثور على قطعة أرض شديدة التعرض للشمس تصل مساحتها إلى نحو نصف مساحة ولاية تكساس ثم إيجاد وسيلة للحصول على 20% من الطاقة الشمسية الموجودة في هذه المساحة هما خطوتان كفيلتان بحل المشكلة، حيث ستكون لدى العالم وقتها طاقة كافية تلبي احتياجات العالم من الطاقة عن طريق أكثر مصادر الطاقة المتجددة نظافة، وهي الطاقة الشمسية.
فهل يمكن أن يكون الأمر بهذه السهولة؟ على امتداد السنوات الماضية لم يتوقف المؤيدون للطاقة الشمسية عن توقع حدوث إنجاز علمي جديد يؤدي إلى ثورة في مجال توليد الطاقة الشمسية. ولكن على الرغم من توالي هذه التوقعات إلا أن شيئاً جوهرياً لم يحدث، وذلك جراء ارتفاع تكلفة مثل هذه المشاريع وعدم جدواها حيث انه، على عكس الحال مع بدائل الطاقة الأخرى مثل الطاقة النووية وطاقة الرياح.
لا يوجد تمويل يكفي لبدء مشاريع عملاقة للحصول على الطاقة الشمسية بشكل يمكنه تلبية احتياجات العالم المتنامية من الطاقة. غير أنه يبدو أن ثمة تغيراً قد حدث على هذه الساحة كما تشير المجلة. فقد تجمعت عوامل عديدة مثل الرغبة السياسية والضغوط الاقتصادية والتطورات التقنية التي من شأنها أن تضعنا على مشارف عهد جديد في مجال توليد الطاقة في العالم.
وتضيف المجلة أن حلم الاعتماد على الشمس لتلبية احتياجاتنا من الطاقة أصبح أكثر واقعية وذلك بفضل الارتفاع الجنوني لأسعار النفط إضافة إلى الإجماع العالمي على الأضرار التي يسببها هذا النوع من الوقود على البيئة. فضلاً عن ذلك، فقد شهدت الفترة الأخيرة طفرة كبيرة في مجال البحوث العلمية التي تتناول قضية الطاقة الشمسية والدور الذي يمكن أن تلعبه في تجنيب العالم كثيراً من المشكلات المرتبطة بالطاقة.
ويشير كاتب التحقيق إلى أن أكثر البحوث التي تمت في هذا الشأن في السنوات الأخيرة تركزت بشكل خاص على الخلايا الشمسية والتي تعرف أيضاً علمياً باسم الكهروضوئية. ومن المعروف أن الخلايا الشمسية (الكهروضوئية) تستخدم في عملية تحويل الإشعاع الشمسي مباشرة إلى الكهرباء، وتعرف هذه الآلية بالتحويل الكهروضوئي أو التحويل الفوتوفلطائي.
ويتوقع أن يساهم تحويل الطاقة الكهروضوئية عملياً في تقليل استهلاك الوقود وإلى خفض التلوث البيئي. وقد بدأت نظم الخلايا الكهروضوئية تنتشر تدريجياً في تطبيقات الإنارة والاتصالات وضخ المياه وغيرها. ويعود اكتشاف الأثر الكهروضوئي إلى القرن قبل الماضي عندما قام العالم بكيرل في عام 1839 م بدراسة تأثير الضوء في بعض المعادن والمحاليل وخصائص التيار الكهربائي الناتج عنها.
كما أدخل العالمان أدم و سميث مفهوم الناقلية الكهربائية الضوئية لأول مرة عام 1877م وتم تركيب أول خلية شمسية من مادة السيلينيوم من قبل العالم فريتز عام 1883م حيث توقع لها أن تساهم في إنتاج الكهرباء مستقبلاً.
ومن جهة أخرى ساعد تطوير نظريات ميكانيكا الكم على تفسير الكثير من الظواهر الفيزيائية وخاصة المرتبطة بالكهرباء الضوئية في فترة الثلاثينات والأربعينات من القرن الحالي، وذلك عندما تم تفسير ظاهرة الحساسية الضوئية لمواد السيليكون وأكسيد النحاس وكبريت الرصاص وكبريت الثاليوم.
وقد سُجّل في 1941 تصنيع أول خلية شمسية سيليكونية بكفاءة لا تتجاوز 1%، ثم أعقب ذلك إنجاز مختبرات بل الأميركية لتصنيع البطارية الشمسية في منتصف الخمسينات بكفاءة بلغت 6% استخدمت آنذاك في التطبيقات الفائية. كما تم في الفترة نفسها تركيب أول خلية شمسية من مواد كبريت الكاديوم وكبريت النحاس أطلق عليها فيما بعد الخلايا الشمسية ذات الأفلام الرقيقة.
بعد تلك الفترة ازداد تسارع بحوث التطوير في العلوم الفيزيائية والهندسة لأشباه الموصلات، وخاصة ما يرتبط بدراسة التبادلات الكهربائية الضوئية، مما ساعد على تطور الخلايا الكهروضوئية وتقنياتها باتجاه تحسين كفاءتها وخفض تكلفتها. وقد أدى ذلك إلى ازدياد مستوى إنتاج الخلايا الكهروضوئية بقدرات تتراوح بين الميلي وات إلى الكيلوات.
أما الفترة الأكثر أهمية للخلايا الكهروضوئية فقد تمثلت في عقدي السبعينات والثمانينات، وخاصة بعد تطور علوم التركيب المجهرية الدقيقة لأشباه المواصلات. وقد اعتبرت الخلايا الكهروضوئية حينذاك إحدى الطرق العلمية الطموحة لتوليد الكهرباء في المصادر المتجددة للطاقة.
وقد ساعد ازدياد الطلب على استخدام مجمعات الخلايا الكهروضوئية حيث انخفضت نسبياً تكلفة إنتاجها بصورة معقولة ووصل إنتاجها إلى عشرات الميجاوات وتعرف الخلية الكهروضوئية بأنها أداة إلكترونية مصنوعة من أشباه المواصلات يتشكل عبرها فرق في الجهد عند تعرضها للضوء، ويتولد عنها تيار كهربائي ترتبط قيمته بمعامل امتصاصها للضوء. وعند توصيل حمل كهربائي ما (مصابيح إنارة مثلاً ) بين طرفيها فإن التيار الكهروضوئي المار وبالتالي الطاقة الكهربائية الناتجة يستطيع تشغيل المصباح.
وتستخدم الخلايا الكهروضوئية في أغراض عديدة مثل إنارة المركبات والأقمار الصناعية والإرشادات الضوئية والإرشادية وأجهزة الرصد البحري ومحطات الاتصالات والاستقبال وحماية أنابيب النفط والغاز الطبيعي من التآكل المعدني. وكذلك في أغراض التبريد في الثلاجات المتنقلة في المدن والمناطق النائية لحفظ الأدوية والأطعمة إلى جانب تحلية وضخ المياه للشرب وفي مجال الحماية والأمن حيث تستخدم في الأجهزة التحذيرية المدنية والعسكرية وفي إنارة وكهربة الأسيجة المعدنية إلى جانب استخدامها في إنتاج الهيدروجين.
المشكلة الرئيسية التي تقابل العلماء مع الخلايا الشمسية هو ارتفاع تكلفتها بشكل كبير، الأمر الذي دفع بعض الباحثين إلى التفكير في وسائل حديثة من أجل التغلب على هذا العائق ومن ثم فتح الباب على مصراعيه للاستفادة من القدرات الكبيرة لهذه الخلايا. وأحدث ما توصل إليه العلماء في هذا الشأن كان استخدام خلايا شمسية بلاستيكية يجري تصنيعها بشكل يشابه طريقة طبع الصحف وذلك لأن كل المواد المستخدمة في تصنيعها هي من المواد القابلة للذوبان.
وتشير المجلة إلى أن إنتاج خلايا شمسية رخيصة التكلفة بهذه الطريقة هو الإنجاز الحقيقي الذي ظل العلماء يأملون في تحقيقه على امتداد السنوات الماضية، مؤكدة أن الفترة المقبلة ستشهد مزيداً من البحوث التي من شأنها أن تحدث ثورة جديدة في مجال الطاقة الشمسية وتفتح الباب على مصراعيه أمام العالم لتقليص اعتماده على النفط واللجوء إلى بديل أكثر فعالية ونظافة واستقراراً ويسراً.
إعداد: حاتم حسين