يلقي المؤلف الضوء هنا على مرحلة بالغة الأهمية من مسيرة السي.آي.إيه، حيث ينتقل من الصراعات حول تحديد دورها في الدوائر الفاعلة في واشنطن ومواقف مجموعة من الرؤساء الأميركيين منها إلى دورها على امتداد العالم، الذي وصل إلى ذروته في مرحلة الحرب الباردة وما حفلت به من صدامات امتدت من أفغانستان إلى نيكاراغوا مروراً بالقارة الأوروبية، ليصل بنا في النهاية إلى منعطف له ما بعده من هذه المسيرة الدموية الحافلة والممتدة.

ذات يوم من يناير 1976 وفي ساعة مبكّرة جدا تلقى وليام كولبي، مدير السي.آي.ايه طلبا للحضور إلى البيت الأبيض في تمام الساعة الثامنة صباحا. وعند وصوله بادره الرئيس جيرالد فورد بالقول إنه ينوي إجراء تغييرات مهمة في جهاز الأمن القومي. وفهم كولبي أن مسيرته الطويلة في الاستخبارات الأميركية قد بلغت نهايتها. في اليوم التالي أعلن الرئيس فورد أن دونالد رامسفيلد سوف يحل مكان شليزنجر كوزير للدفاع وأن برنت سكوكروفت سيخلف هنري كيسنجر كمستشار للأمن القومي. أما إدارة السي.آي.ايه فقد جرى إسنادها لجورج ه. بوش (جورج بوش الأب) الذي كان يعمل آنذاك ممثلا للحكومة الأميركية في الصين.

لم يكن جورج ه. بوش قد عمل سابقا في الأجهزة الاستخبارية ولم تكن لديه أية خبرة في الشؤون الإستراتيجية أو التسلح أو الأمن القومي. لكنه كان إداريا جيدا كما تشير الثروة الكبيرة التي جمعها في حقل الصناعة البترولية. لكن الرئيس لم يعيّنه لذلك السبب وإنما لخبرته السياسية. إذ كان قد جرى انتخابه مرّتين في الكونغرس، وكان مندوباً للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة قبل أن يترأس اللجنة القومية للحزب الجمهورية. وبسبب خبرته وشعبيته داخل الحزب كاد الرئيس فورد أن يسميه نائبا له.

اعترض السناتور الديمقراطي فرانك تشيرش بشدة على تعيين بوش على رأس السي.آي.إيه ذلك أنه لم يسبق أن تسلّم إدارتها سياسي باعتبارها «غير سياسية» حسب روحية القانون الذي تشكّلت على أساسه عام 1947. لكن ما كان تشيرش يرى به عيبا اعتبره الرئيس فورد ميزة إذ إن السياسي يمكنه أن يتعامل بجدارة مع لجان الرقابة البرلمانية الجديدة، وبوش يجيد الحديث مع الصحافة أيضا، ولم يتردد فورد في أن يعلن عبر التلفزيون عن قيام «أول عملية لإعادة تنظيم عالم الاستخبارات منذ عام 1947».

واجبات ومسؤوليات

لقد تحدث الرئيس فورد أيضا عما أسماه واجبات ومسؤوليات الأجهزة الاستخباراتية وعبّر عنها بالخط العريض في حصر نشاطاتها ب«عمليات الاستخبار الخارجية» واحترام «الحياة الخاصة والحريات المدنية» للأميركيين. وجاء في قائمة الممنوعات القول: «لا ينبغي لأي مستخدم لدى الحكومة الأميركية أن يتورّط أو يتآمر من أجل القيام بعمليات اغتيال سياسية».

أعلن الرئيس فورد في الوقت نفسه إنشاء ثلاث هيئات جديدة للرقابة الرئاسية. الأولى للإشراف على العمليات السرية، والثانية تكمن مهمتها في إعطاء مدير الوكالة المركزية للاستخبارات إمكانية تسيير عمل مجموع الأجهزة الاستخباراتية بفعالية أكبر. أما الهيئة الثالثة فمهمتها إبلاغ البيت الأبيض ووزير العدل عن النشاطات غير المشروعة المحتملة التي قد تلجأ لها السي.آي.ايه.

بذل جورج ه. بوش كل جهوده واستخدم جميع شبكاته وخبراته السياسية من أجل تخفيف التوترات بين السي.آي.ايه والكونغرس ووسائل الإعلام. وينقل عنه المؤلف قوله للرئيس: «أريد العمل على استبعاد السي.آي.ايه عن أغلفة المجلات وإلى درجة ما عن المقالات الصحافية». لكنه قال له أيضا: «إنني أنظر إلى هذا العمل كنهاية لمساري السياسي».

كذلك ينقل عنه المؤلف أنه كتب من الصين لأسرته أن المنصب الجديد قد يكون «مقبرته السياسية». لكنه «لبّى مع ذلك نداء الواجب» متذكرا أن والده، السناتور السابق، كان من داعمي السي.آي.ايه ومن المعجبين جدا بمديرها السابق الن دالاس.

مع تسلّم جورج ه. بوش إدارة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، كان يتنامى في الولايات المتحدة تيار متشدد ضد الوفاق مع الاتحاد السوفييتي خاصة بعد الزيارة التي قام بها الزعيم السوفييتي ليونيد بريجنيف إلى واشنطن عام 1973. التفّ ذلك التيار حول البرت وولستيتر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الذي كان يشجب اتفاقيات «سالت» حول الحد من الأسلحة النووية. ذلك على أساس أنها تسيء إلى الإبداع التكنولوجي وللامتيازات التي حصلت عليها الولايات المتحدة خلال فترة الحرب الباردة.

كان يتجمّع حول وولستيتر عدد قليل من المثقفين والسياسيين الذين كانوا، بأغلبيتهم، من الحزب الديمقراطي، لكنهم انتقلوا منه إلى الحزب الجمهوري، بل وأصبحوا في عداد الأكثر تشددا بين أعضائه. ولم يترددوا في انتقاء ليونته وأنه يتأقلم شيئا فشيئا مع الشيوعية بينما كانوا يدعون إلى سياسة تتسم بالحذر والحزم وإلى العودة لبعض القيم الأخلاقية. لقد شكّلوا في الواقع أصل تيار المحافظين الجدد الذي سيكثر الحديث حوله بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001.

سعى ذلك التيار المتشدد لخوض معركة ضد السي.آي.ايه باعتبار أنها بانحرافاتها تضلل القادة الأميركيين. وكان لأولئك الصقور بطلهم وهو رونالد ريغان، الديمقراطي السابق الذي انتقل إلى الحزب الجمهوري وكان مرشحا للفوز بترشيح الحزب له للانتخابات الرئاسية. كما كان الرئيس فورد نفسه مرشحا لذلك من أجل فترة رئاسية ثانية.

وفي ذلك السياق طلب الرئيس فورد من مدير السي.آي.ايه الاهتمام بأطروحات مجموعة وولستيتر ونقاشها معهم، كذلك توقف الرئيس عن ذكر كلمة «وفاق» في قاموسه. وتوصلت لجنة مشتركة مكرّسة لنقاش تقويمات السي.آي.ايه حول سياسة الوفاق إلى أن هذه الوكالة تقلل كثيرا من القدرات النووية للاتحاد السوفييتي كما تقلل أيضا من النوايا الحربية لدى الكرملين. كان ممثل الرئيس فورد، في أعمال تلك اللجنة هو بول وولفويتز.

سنوات عجاف

قبل شهر فقط من الانتخابات الرئاسية الأميركية في شهر أكتوبر 1976 تسرّبت النتائج التي توصلت لها اللجنة المكلفة بتقويم آراء السي.آي.ايه إلى الصحافة. وربما أن ذلك ساهم في هزيمة جيرالد فورد أمام جيمي كارتر، كما يشير المؤلف، ليؤكد مباشرة أن العفو الذي أطلقه الرئيس فورد حيال نيكسون فيما يتعلق بفضيحة ووترجيت لعب دورا كبيرا في نتيجة الانتخابات. فبفضل ذلك «العفو» نجا نيكسون من ملاحقة القضاء له، والناخبون لم ينسوا ذلك أبدا.

وعد كارتر بالعودة إلى القيم الأساسية للأمة، خاصة احترام الحريات الفردية وسيادة الأمم. هكذا لم تجد السي.آي.ايه، التي تمثل العكس، أي مكان في خطاب كارتر، لاسيما أن عملياتها السرية تلطّخ صورة الولايات المتحدة وتهدد الديمقراطية. أقسم كارتر أن تلك الحقبة قد ولّت دون رجعة.باختصار، بدا أن سنوات عجافا ترتسم أمام وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.

أبدى جورج ه. بوش استعداده مع ذلك للبقاء في وظيفته، حتى ولو كان لفترة قصيرة من الزمن. رفض كارتر الفكرة جملة وتفصيلا. هكذا ترك بوش إدارة السي.آي.ايه بعد أقل من عام من وجوده على رأسها. وتتم الإشارة هنا إلى أنه بقي مديرا جيدا بنظر العاملين فيها إذ دعمهم بعد اللحظات الصعبة التي مروا بها. وينقل عنه المؤلف قوله قبل مغادرتها: «بدأت العناوين بالتحسن في السي.آي.ايه».

وينقل عن وليام كولبي، أحد مديريها السابقين قوله انه لو كانت قد أجريت انتخابات رئاسية بعد جورج ه. بوش فإن هذا الأخير «ربما كان قد حصل على 98 بالمئة من أصوات» العاملين فيها. ويشير المؤلف إلى أنه بعد انتخاب جورج ه. بوش رئيسا للولايات المتحدة بالفعل في سنوات التسعينات، أطلقوا على مقر السي.آي.ايه تسمية: «مركز جورج ه. بوش للاستخبارات المركزية». وكان ذلك بمثابة تكريم للشخص الوحيد الذي كان مديرا للسي.آي.ايه ثم أصبح رئيسا للولايات المتحدة الأميركية.

وجد الرئيس جيمي كارتر بعض الصعوبة في إيجاد مدير جديد للسي.آي.ايه قبل أن يقع اختياره على الأميرال ستانسفيلد تيرنر، الذي قبل المنصب شريطة أن يمنحه الرئيس السلطات التي تسمح له بممارسة مهام وظيفته بصورة طبيعية. لقد ركّز تيرنر اهتمامه الرئيسي على الاستخبارات التكنولوجية. لذلك أراد فصل 820 من الضباط العاملين في إدارة العمليات. وفي محاولة التصدي لذلك قام هؤلاء بتسريب المعلومات إلى الصحافة حيث شجبوا، دون الإفصاح عن هويتهم، قرار تيرنر الذي يحرم الولايات المتحدة من عيونها وآذانها في العالم. ثم طالبوا باستقالة المدير الجديد.

لم يستمع الرئيس كارتر لهم، إذ كان يعتبر أيضا أن أهمية العمليات السرية هامشية وتنتمي إلى الماضي. بالمقابل كان شديد التعلق بحقوق الإنسان وبضرورة احترامها في العالم كله. مثل ذلك التوجه لم يكن سهلا على صعيد السياسة الخارجية، ذلك أنه كان ينبغي التآلف مع حلفاء لا يحترمونها والمراعاة الدبلوماسية لأولئك الذين كانوا يخرقونها كل يوم.

العودة إلى الواجهة

استعادت السي.آي.ايه بعض حظوتها لدى الرئيس كارتر أثناء المفاوضات حول اتفاقيات كامب ديفيد حيث كان الرئيس الأميركي قد جمع في شهر سبتمبر1978 رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن والرئيس المصري أنور السادات. استمرت المحادثات أسبوعين. كانت قاسية وصعبة لكن كارتر رفض أن تنفضّ قبل الوصول إلى اتفاق شكّل معاهدة السلام الأولى بين إسرائيل وبلد عربي.

كان نجاحا شخصيا لكارتر الذي اعترف لاحقا أن المعلومات التي قدمتها السي.آي.ايه عن شخصية المتفاوضين كانت ذات فائدة عظيمة. وينقل عنه المؤلف قوله: «عندما جئت إلى كامب ديفيد كنت أعرف كل شيء عنهما. لقد كانت حقيقة أكثر المعلومات قيمة التي حصلت عليها».

هدأت التوترات قليلا في الشرق الأوسط، لكن توترات أخرى ظهرت في إيران التي كانت منذ أشهر في حالة غليان شعبي وقامت مظاهرات كبيرة واجهها الشاه بزيادة القمع. مع ذلك نزل مليونا شخص إلى شوارع طهران في ديسمبر 1978.

ومثلما فعل الشاه عام 1953، فضل من جديد طريق المنفى، وكان مريضا أيضا. وبعد المرور بمصر والمغرب والمكسيك توجّه إلى الولايات المتحدة لمعالجة مرضه العضال. إن وصوله إلى نيويورك ساهم في إعطاء «مسحة من العداء لأميركا» بالنسبة للثورة الإسلامية في إيران، إذ بدا ذلك بمثابة البرهان على التواطؤ مع «الشيطان الأكبر» الذي يتآمر من أجل إعادته إلى السلطة.

في مثل ذلك السياق قام 400 طالب إيراني بالزحف إلى السفارة الأميركية في طهران في صبيحة أحد أيام نوفمبر 1979 واحتجزوا عدة عشرات من الأميركيين كرهائن ولمدة 444 يوما. أي «الفترة الأكثر قسوة في حياتي» كما قال الرئيس جيمي كارتر في مذكراته لاحقا. وبالتأكيد أكبر أزمة واجهتها إدارته.

أعلن الرئيس كارتر مرّات عديدة أن ذلك مثّل فشلا كبيرا للسي.آي.ايه التي لم ترتقب أصلا قيام الثورة في إيران. ولم تكن ترى وجود أي سبب لتغيير الوضع القائم منذ ربع قرن. وكان محللوها قد أكّدوا في صيف عام 1978 أن إيران ليست في وضع «ثوري أو ما قبل ثوري» وأن «الشاه سيظل في السلطة عشر سنوات قادمة». إنهم لم يكونوا يعرفون بمرضه ولا يكادون يعرفون اسم الإمام الخميني.

مع ذلك كانت هناك بعض الأسباب المخففة حيال «تقصير» السي.آي.ايه، إذ كان هناك اتفاق بين الشاه والقادة الأميركيين على أن يقيم الأميركيون أنظمة رصد وتنصّت على الاتحاد السوفييتي في الأراضي الإيرانية مقابل عدم التجسس أو التدخل في الحياة السياسية الإيرانية. هكذا في المحصلة، حرمت السي.آي.ايه نفسها من الوسائل الضرورية لفهم الوضع الإيراني وفقدت أحد المواقع الأساسية لمراقبة الاتحاد السوفييتي.

كذلك لعبت السي.آي.ايه دورا مركزيا في إخراج ستة دبلوماسيين أميركيين كانوا قد لجأوا إلى السفارة الكندية عند احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية بطهران، وذلك عندما أرسلت فريقا من عناصرها، على أساس أنهم يعملون بحقل السينما في هوليوود، وأنهم يريدون المساهمة في تقديم صورة عن إيران للعالم، وقامت بتزويدهم بجوازات سفر كندية استخدمها الدبلوماسيون الأميركيون للخروج دون أية صعوبة من طهران.

ثمّن الرئيس كارتر تلك العملية السرية وكانت إحدى العمليات التي كان قد سمح بالقيام بها في أواخر عهده، إلى جانب عمليات أخرى خاصة في أفغانستان بعد اجتياح الجيش الأحمر لها في ديسمبر 1979 تحت حجة حماية النظام من المتطرفين والحفاظ على الهدوء في المنطقة.

لسخرية القدر، كان الرئيس كارتر هو الذي حثّ السي.آي.ايه على التدخل في أفغانستان. وقد قامت بمساعدة الرئيس أنور السادات، بنقل الأسلحة وعشرات الملايين من الدولارات للمجاهدين الأفغان ضد الاحتلال السوفييتي.

وقد كانت الوكالة قد بدأت بدعمهم في الواقع قبل عدة أشهر وكان بريجنسكي يعتقد أن ذلك الدعم سوف يدفع السوفييت لاجتياح أفغانستان. وكان ذلك ما حصل. وينقل المؤلف أن بريجنسكي قال عندها للرئيس كارتر: «أمامنا الآن الفرصة كي نجعل الاتحاد السوفييتي يعرف فيتنام الخاصة به هذه المرة».

بداية الصعود الجديد

كان رونالد ريغان، المذيع والممثل والديمقراطي السابق في السبعين من عمره عندما أصبح الرئيس الأربعين والأكبر في السن في تاريخ الولايات المتحدة. وقد اختار جورج ه. بوش ليكون نائبا له. وتسلّم كاسبار واينبرغر وزارة الدفاع بسبب مشاركته الرئيس الاقتناع بأن الاتحاد السوفييتي يشكل تهديدا خطيرا تنبغي مكافحته بواسطة جيش أكثر حداثة وقوة ومزوّد بميزانية أكبر.

أما وزارة الخارجية فقد تولاها الجنرال الكسندر هيج. وتولّى «وليام كيسي»، مدير حملة ريغان، وصديقه الثري إدارة السي.آي.ايه. وقد اكتسب أيضا صفة عضو في الحكومة وهي الصفة التي لم يتمتع بها أي مدير سابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ولا حتى ألن دالاس في سنوات الخمسينات.

ومن خلال تلك الصفة أصبح كيسي من مستوى وزير الدفاع ووزير الخارجية، وقد كان يأمل واقعيا أن يلعب دور وزير خارجية في الظل مما أثار، دون تأخير، المنافسة بينه وبين الجنرال الكسندر هيج الذي استقال بعد فترة قصيرة، وهو الشخص الوحيد الذي كان يحاول إعاقة الصداقة الحميمة بين الرئيس ريغان ووليام كيسي إلى البيت الأبيض إلا مرات نادرة باستثناء الاجتماعات الرسمية. لقد كانت طريقته غير المتمدنة، خاصة حول مائدة الطعام، تثير رعب السيدة الأولى.

آذان وعيون

لم يكن كيسي غريبا عن عالم الاستخبارات حيث كان قد عمل فيه ضابطا ميدانيا في إطار «مكتب الدراسات الإستراتيجية» في سنوات الأربعينات، أي المكتب الذي كان أصل عالم الاستخبارات الأميركي. وقد أولى من موقعه كمدير للوكالة اهتماما كبيرا بجميع فروعها من التحليل إلى العمليات السرية ومرورا بالتجسس ومكافحة التجسس.

هكذا استعادت إدارة العمليات موقعها، وكان الرئيس ريغان نفسه قد توجّه مرات عديدة لضباط السي.آي.ايه بوصفهم «مقاتلي الحرب الباردة» مضيفا: «أنتم الآلة التي تتراجع أمامها قوى الاستبداد والقمع وسوف تدحرون مشروعها في السيطرة على العالم. وأنتم أيضا، رجال ونساء السي.آي.ايه تمثلون آذان وعيون العالم الحر».

كانت السي.آي.ايه بصدد العودة إلى الفعل والهجوم في ميدان العمليات السرية أولا. وقد جرى تعريفها «للمرة الأولى» منذ تأسيس الوكالة، بوثيقة رسمية على أنها «تتم من أجل دعم الأهداف الخارجية للسياسة الخارجية ويجري التخطيط لها وتنفيذها بطريقة لا يظهر فيها دور حكومة الولايات المتحدة ولا الرأي العام ووسائل الإعلام فيها. وهي لا تشمل النشاطات الدبلوماسية وتختلف عن جمع الاستخبارات».

نظّمت السي.آي.ايه عملية زرع حوالي 40 لغما في مياه ثلاثة مرافئ بنيكاراغوا بأميركا اللاتينية. وأثارت تلك العملية حفيظة الكونغرس الذي أبدى تعاونا أكبر مع الوكالة فيما يخص أفغانستان، وذلك باسم دفع كفاح الشعب الأفغاني ضد الغزاة السوفييت. ووصلت المبالغ التي وافق عليها الكونغرس من أجل ذلك الدعم إلى حوالي 3 مليارات دولار خلال 10 سنوات تقريبا.

ألحّ الكونغرس من أجل تزويد المجاهدين الأفغان بأحدث الأسلحة، خاصة صواريخ ستينجر المحمولة بواسطة الأشخاص من أجل إصابة الطائرات العمودية السوفييتية. عارضت السي.آي.ايه ذلك طويلا. أولا خشية التصعيد العسكري وثانيا تجنب العثور على أسلحة «من صنع أميركا» في أرض المعركة، لكنها رضخت في النهاية استفادت عدة مجموعات أفغانية من مساعدات السي.آي.ايه وسهّلت الأجهزة السرية الإقليمية مرور وإيصال الدعم.

أخذت أفغانستان مكانة خاصة على رقعة شطرنج الحرب الباردة، بالنسبة للولايات المتحدة. أما في الشرق الأوسط فقد صدرت فتوى ضد المحتل السوفييتي، طالبت المؤمنين بتحرير أرض الإسلام والقتال إلى جانب المجاهدين الأفغان. هكذا تواجد، حسب التحليلات المقدّمة، حوالي 000 15 من المقاتلين العرب، في أفغانستان. هؤلاء المقاتلون انقلبوا فيما بعد على حلفائهم الأميركيين.

كان الأميركيون عامة على يقين أن السي.آي.ايه تنشط في أفغانستان، أي كانت عملية سرية علنية. كذلك ساندت السي.آي.ايه نقابة التضامن في بولندا وبالتفاهم مع الفاتيكان. هكذا قام وليام كيسي، الكاثوليكي الورع، بعدة زيارات إلى روما واللقاء بمسؤولي الفاتيكان.

عرض ومناقشة: محمد مخلوف