يجد القارئ نفسه هنا على موعد مع رصد متكامل لمسيرة السي.آي.إيه منذ بداية تولي وليام كولبي مسؤولية إدارتها في أوائل أكتوبر عام 1973، عندما شكلت الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط في ذلك الشهر مفاجأة كبرى للوكالة تناقض كل توقعاتها وصولاً إلى اضطرار الرئيس جرالد فورد للتوقيع خطياً على مذكرة للقيام بعملية سرية لأول مرة في تاريخ الرئاسة الأميركية.
بدأ وليام كولبي فترة إدارته للسي.آي.ايه بمفاجأة غير سارّة، ذلك أن حربا قد انفجرت في مطلع أكتوبر 1973 في الشرق الأوسط، حيث باغت الجيشان المصري والسوري إسرائيل بهجوم لم تستطع الوكالة الاستخبارية الأميركية أن تكشفه أبدا. بل على العكس كانت قد أرسلت عشية اندلاع الحرب تقريرا للبيت الأبيض أكّدت فيه أن نشوب حرب في المنطقة أمر غير محتمل. كما أن محللي السي.آي.ايه لم يتفوهوا بشيء حول الأزمة الخاصة بتجميد صادرات النفط العربي إلى البلدان الغربية، ولم يتصوروا وقوعها أصلا.
كانت السي.آي.ايه على دراية بواقع ميزان القوى العسكري في المنطقة، وأنه كان يميل بوضوح نحو كفة إسرائيل. لكنها لم تتفهّم البواعث الحقيقية لدى القادة العرب الذين كانوا مستعدين للمغامرة من أجل تحقيق انتصار رمزي. هذا ما غاب تماما عن السي.آي.ايه، كما يقول مؤلف هذا الكتاب. وهو يعيد ذلك إلى طريقة التفكير الأميركية التي لا ترى سوى منطقها الخاص وتطبقه على الآخرين.
وفي خريف عام 1973 أيضا كشفت «النيويورك تايمز» أن السي.آي.ايه قامت بعمليات في تشيلي من أجل قلب نظام الرئيس سلفادور الليندي. هذا ما كان قد أنكره الرئيس نيكسون وكذلك أنكرته السي.آي.ايه. وتتم الإشارة إلى أن الكونغرس الأميركي كان قد طلب قبل عدة أشهر من ريتشارد هلمز عمّا إذا كانت الوكالة قد حاولت الإطاحة بالنظام في تشيلي؟ وكانت الإجابة: لا. وهل كانت قد قدمت أموالا لمعارضي الليندي وكانت الإجابة أيضا: لا.
مجوهرات الوكالة
عندما وصل كولبي إلى إدارة السي.آي.ايه أمر بإجراء تحقيق داخلي. وتبيّن أن هلمز قد كذب على الكونغرس عدة مرّات. كان الخيار صعبا أمام كولبي: فإما أن يحمي صديقه ومعلّمه السابق أو يحترم القانون الذي يقضي بمثل هذه الحالة بتحويل المسألة إلى العدالة.
وقد اختار الحل الثاني، الأمر الذي ترتب عليه إدانة هلمز بالسجن لمدة عامين مع وقف التنفيذ وبغرامة 2000 دولار. كان ذلك الحكم سابقة أولى في تاريخ وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية . إن هلمز والسي.آي.ايه لم يغفرا أبدا لكولبي «خيانته» وسماحه بالكشف عن بعض النشاطات التي تقوم بها الوكالة أمام الجمهور العريض.
وكانت دهشتهما أكبر عندما نشرت «النيويورك تايمز» ما بين يونيو وديسمبر 1974 ما لا يقل عن 200 مقال حول السي.آي.ايه. بالإضافة إلى عدد من المقالات التي استهدفت الوكالة في عدة صحف أخرى. وبتاريخ 22 ديسمبر من تلك السنة جذب مقال صحافي انتباه أميركا كلها.
كان بتوقيع سيمور هيرش الحائز على جائزة بوليتزر الشهيرة عن التحقيقات التي كان قد نشرها حول الفظائع المرتكبة أثناء الحرب الفيتنامية. كان عنوان المقال: «عمليات كبيرة قامت بها السي.آي.ايه في الولايات المتحدة ضد الحركات السلمية ومعارضين آخرين أثناء سنوات رئاسة نيكسون».
وقد بدأ المقال بما يلي: «دلّت مصادر رفيعة في الحكومة على أن الوكالة المركزية للاستخبارات قد قامت بعمليات تجسس كبيرة وغير مشروعة على الأرض الأميركية في ظل إدارة نيكسون ضد حركات سلمية ومجموعات أخرى من المناضلين في الولايات المتحدة، مما يشكل خرقا واضحا لميثاقها».
وكانت المصادر الرفيعة نفسها قد تحدثت للصحافي سيمور هيرش عن «مجوهرات عائلة السي.آي.ايه»، والمقصود بذلك القائمة السوداء التي طلبها شليزنجر، مدير الوكالة السابق، قبل عام وضمت العمليات السريّة التي قام بها عملاؤها في العالم كله.
وينقل المؤلف أن ريتشارد هلمز، مدير الوكالة السابق، سأل وليام كولبي، مديرها عند نشر مقال هيرش: من المقصود ب«مصادر رفيعة في الحكومة»؟ وكانت الإجابة: «أنا الذي تحدثت مع سيمور هيرش». هنا يتساءل المؤلف: أية ذبابة قرصت مدير السي.آي.ايه آنذاك؟!
بكل الحالات قيل الكثير عن دوافع كولبي للتصريح بما قاله للصحافي هيرش، ومن بينها قبول هذا الأخير بعدم ذكر عملية كانت تجري آنذاك من أجل الوصول إلى هيكل غواصة نووية سوفييتية كان جاثماً على عمق 5000 متر في قاع البحر بعد غرقها، أو القول إن كولبي عندما صرّح بما تفعله السي.آي.ايه
إنما أراد أن يخلّصها من «خطاياها القديمة» بحيث تنطلق بشكل مختلف في أجواء أكثر نقاء، أو حتى القول إنه أراد التخلّص من انغليتون، رئيس دائرة مكافحة التجسس حيث كان يعتقد مثل العديدين من ضباط إدارة العمليات أنه يشلّ عمل الوكالة.
وكان انغليتون هذا قريبا جدا من كيم فيلبي، العميل الذي كان السوفييت قد دفعوه للتغلغل خلال سنوات الأربعينات إلى أعلى مستويات الاستخبارات البريطانية. وعندما سقط فيلبي أصبح انغليتون يشك بالجميع بما في ذلك زملاؤه ووصل به الأمر إلى الاعتقاد أن هارولد ويلسون، رئيس الوزراء البريطاني آنذاك،
كان يعمل لحساب الكي.جي.بي وأن مدير جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي جاسوس وأن هنري كسنجر نفسه يخضع للتأثير السوفييتي. ووصلت شكوكه إلى درجة الاعتقاد أن الخلاف بين الاتحاد السوفييتي والصين لم يكن سوى مجرد «مسرحية للتمويه» ومناورة لتضليل الولايات المتحدة.
لكن مهما قيل عن دوافع كولبي، فإن الجميع يتفق على القول إنه كان لما قام به نتائج غير محسوبة بالنسبة للسي.آي.ايه. ومنذ مقال سيمور هيرش لن تعود الاستخبارات الأميركية عامة، والوكالة المركزية خاصة، كما كانت من قبل.
فقبل ذلك المقال لم يكن الكونغرس يُبدي اهتماما كبيرا بقضايا الاستخبارات. فخلال سنوات الخمسينات والستينات جرى عرض حوالي 200 مشروع تخص المصالح الاستخبارية عليه ولم يتم رفض أي مشروع منها. باختصار كان أعضاء المجلس جاهزين ل«إغلاق عيونهم» حيال نشاطات السي.آي.ايه في الخارج، ولكن ليس على «التراب الوطني». الأمر تغير بعد مقال هيرش.
وأدرك الكونغرس أنه قد أفرط في منح ثقته وفي سذاجته وفي تساهله حيال المصالح الاستخبارية. هكذا أصدر بتاريخ 31 ديسمبر 1974 قانونا يرغم البيت الأبيض على إخطار الكونغرس بجميع عمليات السي.آي.ايه التي لا تخص حصرا جمع المعلومات.
وغدا على الرئيس نفسه أن يوقّع وثيقة يشرح فيها منذئذ لماذا هذه العملية السرية أو تلك تعد مهمة بالنسبة للأمن القومي وما هي مخاطرها؟ هذا يعني أن البيت الأبيض لم يعد قادرا على إخفاء مسؤوليته في العمليات السرية. فكل شيء ينبغي أن يكون مكتوبا وبخاتم الرئيس.
وليام كولبي أيّد، من ناحيته، إجراءات الكونغرس. وقال في تصريح للصحافة: «لا أعتقد أنه ينبغي علينا أن نروي أكاذيب للشعب الأميركي. علينا أن نقول له الأمور كما هي عليه وأن نحتفظ سرا بما ينبغي أن يبقى كذلك.
لقد ذهب الكونغرس إلى أبعد من ذلك. وقرر أن يقوم بتحقيقه الخاص حول انحرافات السي.آي.ايه وخاصة حول عملية التجسس على المواطنين الأميركيين وبعض الحركات والمجموعات فوق الأرض الأميركية نفسها.
وكان أعضاؤه قد وعدوا ناخبيهم أنهم سيلعبون دور «رجال الشرطة»، كما فعلوا أثناء فضيحة ووترغيت، قبل فترة. في مثل تلك الأجواء بدأ عام 1975 الذي سيبقى في الولايات المتحدة عام الاستخبارات.
سنة رهيبة
أمام أجواء نقص الثقة المخيّمة حيال الأجهزة الاستخباراتية الأميركية قرر الرئيس جيرالد فورد، الذي تولى منصب الرئيس بعد استقالة ريتشارد نيكسون باعتباره نائبه، تشكيل لجنة تحقيق تحت إدارة نائب الرئيس نيلسون روكفلر.
كانت مهمة تلك اللجنة هي التقصّي حول عملية التجسس التي قامت بها السي.آي.ايه على مواطنين أميركيين وحركات أميركية وهي العملية المعروفة باسم «كاوس». كان فورد يريد بذلك أن يسحب البساط من تحت قدمي الكونغرس ويحصر التحقيق في عدة نقاط محددة. وكان أحد أعضاء تلك اللجنة هو رونالد ريغان، حاكم كاليفورنيا آنذاك والرئيس المقبل للولايات المتحدة الأميركية.
أبدى وليام كولبي تعاونا كبيرا مع اللجنة، وأكثر بكثير مما كان البيت الأبيض ينتظر. وأمام دهشة ضباط السي.آي.ايه قام بتسليم روكفلر وأعضاء لجنته القائمة المعروفة باسم «مجوهرات العائلة» الخاصة بنشاطات الوكالة السرية.
وعندما سأل الرئيس كولبي إذا كانت اللجنة تحتاج حقيقة لمعرفة كل شيء؟ أجاب ب«نعم» نظرا لحالة الاضطراب التي كانت تشهدها البلاد كلها والتي كانت تهدد وجود الوكالة نفسه. واعتبر أنه من الأفضل التخلص من طبقة الأسرار السميكة «التي كانت تسمح السي.آي.ايه منذ وجودها، باعتبار أن ذلك أفضل طريقة من أجل إنقاذها.
كما ذكر كولبي أن الرئيس نيكسون قد «سقط» ليس بسبب عملية ووترغيت نفسها وإنما لأنه حاول تمويه جريمته. لذلك قرر مدير الوكالة الاستخباراتية عدم اقتراف الخطأ نفسه وأن يقول كل شيء شريطة أن لا تعرّض المعلومات التي يكشف عنها عمليات السي.آي.ايه وضباطها وعملاءها للخطر.
لم يكن الرئيس فورد موافقا على ذلك بل رأى ضرورة التخلص من كولبي، لكن هنري كسنجر، الذي احتفظ بمنصب وزير الخارجية بعد استقالة نيكسون، نصحه بالتريّث، إذ لم تكن برأيه تلك هي اللحظة المناسبة لعزل رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، فمثل ذلك العزل سوف يسلّط الأنظار على البيت الأبيض. لذلك من الأفضل الانتظار حتى تمر العاصفة وترك كولبي يلعب لفترة دور المعلّم الصغير.
لكن مزاجية فورد لم تكن تساعد على ذلك، وقد كان صاحب أكبر زلّة رئاسية في تاريخ الولايات المتحدة. فأثناء حفل غداء غير رسمي مع مسؤولي «النيويورك تايمز» أسرّ لهم الرئيس أنه لا يريد أن يعرف البرلمانيون ببعض نشاطات السي.آي.ايه. فسأله أحد الصحافيين: «مثل ماذا»؟ أجاب: «مثل الاغتيالات». ومع إدراكه فورا مدى خطورة الزلّة التي ارتكبها أضاف: «بالطبع أقول لكم ذلك ليس للنشر».
قبلت الصحيفة أن تحفظ السر. لكنه انتقل من صحافي إلى آخر ومن أسرة تحرير إلى أخرى وصولا إلى مراسل قناة «سي.بي.اس» الذي اتصل بوليم كولبي وأخبره بما صرّح الرئيس به. أصيب كولبي بدهشة عميقة أمام تلك «الصراحة» الرئاسية. وعندما سأله الصحافي عما إذا كانت السي.آي.ايه قد حاولت اغتيال أحد في الولايات المتحدة الأميركية؟ أجاب كولبي: «لا ، ليس في هذه البلاد».
اعتبر صحفي ال«سي.بي.اس» أنه يمتلك قدرا كافيا من العناصر كي يبث تصريحات الرئيس عبر التلفزيون الأميركي. عندها اضطر روكفلر إلى توسيع إطار تحقيقات لجنته حول نشاطات السي.آي.ايه كي تطال الاغتيالات السياسية وإلى الكشف عن بعض النتائج التي توصلت لها اللجنة. هكذا فقد الرئيس الرقابة على اللجنة التي كان قد أسسها.
وكان مما كشفت عنه لجنة روكفلر أنه ضمن إطار برنامج يرمي إلى اختبار تأثير المخدرات على الكائنات البشرية، جرت تجربة إعطاء مادة ال.اس.دي المخدّرة لأشخاص من دون علمهم بذلك، مما كان يشكل ممارسة غير مشروعة بوضوح.
وقد توفي أحد الأشخاص كما تشير الدلائل بسبب ذلك في عام 1953. لم تفصح اللجنة بدقة عن هوية الشخص المعني لكن الصحافة لم تتأخر عن معرفة أنه يدعى فرانك اولسون المستخدم الحكومي الذي كان قد سقط من الطابق العاشر من فندق بعد أيام من وضع أعضاء من السي.آي.ايه مادة ال.اس.دي في الكأس الذي شربه.
وبعد أن كشفت لجنة روكفلر أيضا عن ممارسات تجسسية عديدة قامت بها السي.آي.ايه ختمت تحقيقها بنوع من الإدانة الخجولة لنشاطات التجسس الداخلية التي قامت بها السي.آي.ايه ثم ختمت بالقول: «إن القسم الأكبر من النشاطات الداخلية للسي.آي.ايه جرت بموافقة السلطة العليا المسؤولة عنها».
أما كل ما يخص الاغتيالات السياسية فقد جرى تصنيفه، بالمقابل، على أنه «سرّي» وبالتالي لم يرد أي ذكر له في التقرير النهائي لتحقيقات اللجنة. زاد تقرير روكفلر من حذر الكونغرس، وقرر مجلس الشيوخ تشكيل لجنة تحقيق خاصة به ترأسها الديمقراطي فرانك تشيرش المعارض المعروف للحرب الفيتنامية.
ولم يتأخر في القول إن «تقرير لجنة روكفلر لم يكشف سوى عن قمة جبل الجليد». ثم صرّح في مؤتمر صحفي لاحق أن السي.آي.ايه هي «فيل مارق مستعد لتكسير كل شيء». «فيل» لأنها قوية جدا وتمتلك على إمكانيات هائلة. و«مارق» لأنها تتصرف كيفما تشاء دون رقابة.
لقد ذهبت لجنة تشيرش بعيدا في تحقيقاتها وتوصلت إلى الكشف عن أسرار أكثر من 900 عملية سرية وعرفت هوية - دون ذكر أسماء - 50 صحافيا أميركيا عملوا لحساب السي.آي.ايه. وإن الوكالة قامت في سنوات الخمسينات بتدريب عدد من ضباطها على مهنة الصحافة من أجل «زرعهم» في أوساط المهنة.
لكن أميركا كلها اهتمّت أكثر بالجلسات الكاملة المكرّسة للاغتيالات السياسية. وقد بيّنت أن السي.آي.ايه حاولت ثماني مرّات على الأقل اغتيال كاسترو بالتواطؤ مع أوساط الجريمة المنظّمة. كما أرادت قتل باتريس لومومبا في الكونغو ورافاييل تروجيلو في جمهورية الدومينيكان. هذا مع اعتراف اللجنة أنه تمّ قتل الأخيرين من قبل ميليشيات محلية.
كان ضباط السي.آي.ايه يواجهون للمرّة الأولى برلمانيين في موقع الخصم الشرس. وينقل المؤلف عن أحد هؤلاء الضباط ردّه على سؤال وجهته اللجنة له حول احترام حقوق الإنسان في القضايا الاستخباراتية
بالقول: «لم نعر أبدا الاهتمام لمثل هذا المنطق فكل ما كان يهمنا هو الجانب العملي- البراغماتي. وكان شاغلنا الشاغل هو أمر واحد هو معرفة إذا كان العمل بتلك الطريقة أو تلك سيكون فاعلا. فالجوانب الشرعية قانونيا أو الأخلاقية أو المسلكية لم تكن مثارة أبدا. لا من قبلي ولا من قبل أي شخص كان».
لم يكن مصدر سعادة الانتماء إلى السي.آي.ايه في أميركا عام 1975. فطلبات المثول أمام لجان التحقيق لم تكن تتوقف، وطلب الوثائق أيضا بحيث أنه لم يبق آنذاك وقت طويل لتسيير أمور الوكالة الجارية التي بدت وكأنها مشلولة تماما. ثم إن العلاقة مع أجهزة الاستخبارات الخارجية عرفت تراجعا كبيرا.
ولكن ماذا عن مسؤولية البيت الأبيض؟
إن السناتور «تشيرش»، ورغم الجهود الحثيثة والكثيفة التي بذلها، لم يستطع أن يثبت أي تورط مباشر للبيت الأبيض في محاولات الاغتيال السياسي. وذلك يعود بالدرجة الأولى إلى حالة الغموض التي تحيط ب«سلسلة القيادة».
وقد أشارت اللجنة نفسها إلى أن «منظومة القيادة والمراقبة التنفيذية كانت غامضة إلى حد أنه كان من الصعب معرفة على أي مستوى كانت المحاولات المرتبطة بالاغتيالات محددة ويتم السماح بالقيام بها».
لم يقدم السناتور أي اتهام صريح ضد جرائم البيت الأبيض، لكنه كان يفكر أنه لم يكن بعيدا عنها، بل كان يعرف أن جميع الرؤساء الأميركيين منذ هنري ترومان كانوا وراء برامج عمليات سرية. ورغم كل شيء قادته اكتشافاته إلى تدقيق القول في التقرير النهائي للجنة أن الاستخبارات «قدّمت مساهمات مهمة» للأمن القومي
وأن هذه الأداة أصبحت «عنصرا دائما وضروريا للحكومة الأميركية» ولكن لا بد من القول إنه، رغم هذه التصريحات الملطّفة، احتفظ الرأي العام الأميركي بتعبير «فيل مارق خارج السيطرة» كتوصيف للسي.آي.ايه. وقد بقي هذا التعبير ماثلا في الأذهان لعقود قادمة.
الهجوم المضاد
بدت وكالة الاستخبارات المركزية آنذاك وكأنها «تجسّد الشر المطلق» حسب قول أحد ضباطها بعد أن أخضعوه للتحقيق. وأمام مثل ذلك الوضع قامت السي.آي.ايه بالاتفاق مع البيت الأبيض ب«هجوم مضاد» حول تعريض عمليات الوكالة الاستخباراتية وضباطها للخطر، خاصة بعد صدور تقرير آخر من «مجلس ممثلي الولايات «هذه المرة، وأكثر حدة من تقرير مجلس الشيوخ.
استهدف «الهجوم المضاد» الذي قامت به الوكالة والبيت الأبيض معا العمل لدى البرلمانيين والصحافيين حيث أكّد كولبي، أثناء مؤتمر صحافي، أن أشخاصا قد يموتون إذا جرى نشر التقارير المعنية.
وقال الرئيس فورد أمام الكونغرس: «في عالم تشكّل فيه المعلومات السلطة، لا شك أن أجهزة الاستخبارات تمثل عنصرا حيويا من أجل أمننا الوطني. إنها ضرورية من أجل أمن أمتنا في زمن السلام كما في زمن الحرب.
من الطبيعي أن يكون هذا الجهاز تحت أنظار الكونغرس، لكن النقاش العام المفرط في البحث عن الإثارة لا يخدم الأمة. ويهدد منظومة استخباراتنا، وأيدينا مكتوفة في اللحظة التي يعمل فيها أعداؤنا الكامنون في السر».
ثم أضاف: «اسمحوا لي أن أقول لكم بصدق إن الوكالة المركزية للاستخبارات كانت ذات أهمية قصوى للرؤساء الذين سبقوني. وهي ذات أهمية حيوية بالنسبة لي أيضا. ويمكن للوكالة المركزية للاستخبارات وهيئات الاستخبارات المشاركة لها أن تكون ذات أهمية كبيرة أيضا لأولئك الذين قد يتم انتخابهم، ذات يوم، رؤساء للولايات المتحدة».
في نهاية عام 1975 لاقت حملة السي.آي.ايه دعما غيرَ منتظرٍ. ذلك أن المدعو فيليب اجي، الضابط السابق في الوكالة، نشر كتابا عنيفا حيالها. بل إنه ذكر أسماء جميع العملاء الذين خزّنت ذاكرته أسماءهم وبلغ عددهم 429 عميلا.
كان ذلك يعني إمكانية تعريض حياتهم للخطر. كان اجي يعرف ذلك ولم يكن يخفي نواياه في التعرّض للوكالة بكل الوسائل. خشي الكونغرس والرأي العام الأميركي من الخطر الذي يهدد ضباط السي.آي.ايه، لاسيما بعد اغتيال ريشارد ويلز مسؤول مكتب الوكالة في أثينا خلال ديسمبر 1975 من قبل مجموعة غامضة. وكان اسمه في عداد قائمة اجي.
أعطى الرئيس فورد أهمية كبيرة لذلك الحدث، وأمر بدفن ويلز في مقبرة ارلينجتون إلى جانب كبار ضباط الأمة. ولم يتردد كولبي في القول إن «الطريقة الهيستيرية التي جرت فيها التحقيقات حول السي.آي.ايه» قد ساهمت في مقتل ويلز. أمام ذلك الوضع الجديد قرر «مجلس ممثلي الولايات» عدم نشر تقريره للرأي العام.
كان ذلك الانتصار ممزوجا بالمرارة بالنسبة للبيت الأبيض. ذلك أن الرئيس فورد كان قد قرر مع ذلك إطلاق عملية سرية في إفريقيا، وتحديدا في انغولا حيث كانت تدور حرب أهلية بين ثلاثة قوى يدعم الاتحاد السوفييتي وكوبا واحدة منها.
هكذا سمح فورد للسي.آي.ايه بمنح 30 مليون دولار للقوتين المنافستين. لكن كان عليه أن يُخطر الكونغرس بذلك حسب القوانين النافذة الجديدة. لكن الكونغرس لم ير في الدعم المطلوب خدمة لأي مصلحة قومية أميركية، وبالتالي لم يوافق عليه.
هكذا كان جيرالد فورد هو أول رئيس وجد نفسه مضطرا لتوقيع خطي لمذكرة من أجل القيام بعملية سرية، وكان بالتالي أول رئيس يرفض له الكونغرس مثل ذلك الطلب. واعتبارا منذئذ أصبح لهذا المجلس الحق في إعادة النظر بنشاطات السي.آي.ايه حتى قبل القيام بها.
كذلك أصبح للصحافة الأميركية حصتها في المعلومات المصنّفة سري للغاية. وينقل المؤلف عن أحد ضباط أجهزة الاستخبارات السوفييتية قوله بعد نهاية الحرب الباردة: «كان يدهشني دائما ما أجده في الصحافة الأميركية من معلومات حساسة جدا. وقد بدا لي أن الأميركيين مهتمّون بالسبق الصحفي أكثر من اهتمامهم بالأمن الوطني، الأمر الذي جعل عملي أكثر سهولة».
عرض ومناقشة : محمد مخلوف



