يتابع المؤلف هنا مسيرة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وعلاقة مديريها بالبيت الأبيض منذ صيف 1964 وحتى استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون في أعقاب فضيحة ووترغيت، وفي غضون ذلك يكشف النقاب عن بداية المسلسل الذي وصل إلى التجسس على 9900مواطن أميركي ما بين عامي 1967 و1973.
كما يشير إلى التعاون الوثيق بين الوكالة وجهاز المخابرات الإسرائيلي قبيل حرب يونيو 1967، ولا يتردد في التأكيد أن أكبر حكومة سقطت نتيجة للعمليات السرية الأميركية هي حكومة نيكسون. في صيف عام 1964 كان الرئيس الأميركي لندون جونسون ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركي جون ماكون على خلاف شبه كامل حول كل ما يتعلق بفيتنام. كان الرجلان على قدر كبير من التفاهم في البداية، إلى درجة أن الرئيس جونسون، بعد موت الرئيس جون كيندي بفترة قصيرة، طلب من رئيس السي.آي.ايه المشاركة في اجتماعات البيت الأبيض، بل وبتقديم استشارات ذات طابع سياسي. كان ماكون سعيدا بذلك إذ كان يلتقي يوميا بالرئيس حيث كانا يتداولان طويلا حول السبل التي ينبغي انتهاجها في إدارة «النقاط الساخنة» في العالم.
لكن سرعان ما أصبحت فيتنام موضوع خلاف بينهما. كان موضوع الخلاف الرئيسي حول طريقة زج القوات في المعركة. رأى روبرت ماكنمارا، المستشار الرئيسي للرئيس جونسون بشأن فيتنام، وقد أصبح وزيرا للدفاع فيما بعد، انه ينبغي زيادة كثافة عمليات القصف تدريجيا لكنه تراجع عن ذلك عندما فهم الخسائر التي يمكن أن تترتب على ذلك وطالب بالاكتفاء بالقوات المرابطة في فيتنام وعدم إرسال الجنود والأسلحة والذخائر نحو الجنوب. أما «ماكون» فقد طالب بزيادة عدد القوات والضرب بقوة.
رأي ماكنمارا هو الذي فاز في النهاية وينقل المؤلف أن الرئيس جونسون، أثناء اجتماع له مع ماكون وعدد من مستشاريه، ثار غضبا عندما أوحى له مدير السي. آي. ايه. بما ينبغي عمله من أجل كسب ود الرأي العام الأميركي، وقال: «اسمعوني جيدا، لا تقولوا لي ماذا يمكن للشعب الأميركي أن يحتمل. هذه مسؤوليتي. أريد تحديدا أن أعرف إذا كنا نستطيع الانتصار في هذه الحرب أو لا نستطيع». ساءت العلاقات جدا بين الرئيس جونسون ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الذي جرى إقصاؤه من جميع المحادثات المهمة. وينقل عنه المؤلف قوله: «كان الرئيس يريد اللقاء بي عندما يكون هناك أمر مهم فقط يرغب قوله لي: في مثل تلك الحالة كان بابه مفتوحا بالتأكيد. لكنه لم يكن يولي أية أهمية للتقارير التي كنت أقدّمها له».
في ظل الرئيس
باختصار فقد جونسون الثقة تماما بالسي.آي.ايه. ولم يكن بهتم بقراءة تقاريرها حتى تلك التي كانت تخص الاتحاد السوفييتي. بل وكان يحذر عامة من العمليات السرية، لاسيما أنه كان قد شاهد من موقع نائب الرئيس مدى الإزعاج الذي تعرّض له الرئيس جون كيندي بسبب فشل عملية «خليج الخنازير» ضد نظام فيدل كاسترو في كوبا.
بالمقابل قام الرئيس جونسون بتنظيم مآدب غداء يوم الثلاثاء من كل أسبوع. كانت السياسة الخارجية والعسكرية للولايات المتحدة تتم صياغتها خلال تلك المآدب التي لم تتم دعوة «ماكون» إليها أبدا. لذلك قرر أمام ما يلاقيه من ازدراء تقديم استقالته في يونيو 1964. وبهذا المعنى كان أول «الضحايا» بين المسؤولين الأميركيين نتيجة لحرب فيتنام. قبل جونسون استقالة ماكون، لكنه طالبه بالبقاء حتى الانتخابات الرئاسية بعد عدة أشهر.
في شهر أبريل 1965 قام الرئيس جونسون بتعيين الأميرال وليام رابون مديرا للسي.آي.ايه وريتشارد هلمز نائبا للمدير والذي أصبح مديرا بعد عام تقريبا. وكان من بين تصريحاته الأولى قوله: «أنا الشخص الذي يمكن التخلص منه بأكبر سهولة في واشنطن. فأنا لا أمتلك أي دعم سياسي أو عسكري أو اقتصادي». هكذا حرص على أن يبقى «في ظل الرئيس»، لاسيما وأنه لاحظ كيف تهاوى سابقوه عند احتكاكهم كثيرا بالساسة.
لقد بقي ريتشارد هلمز مديرا للسي.آي.ايه مدة سبع سنوات تقريبا لم يتفوّه أثناءها إلا بخطاب رسمي واحد. كان حريصا على السرية دائما وينقل عنه المؤلف قوله: «تنص التقاليد القائمة في السي.آي. ايه على أن يبقى المرء كتوما جدا. هذا أمر جيد وأعتقد أن مثل هذا الصمت ينبغي أن ينطبق علي أولا». إن هلمز، على عكس الن دالاس ، لم يكن يسعى لأن يصبح شخصية عامة.
صلات مفترضة
كان رد الرئيس جونسون مزدوجا. فعلى الصعيد العلني عبّر عن قلقه وطلب من وزير العدل فتح تحقيق، ناجحا بذلك في منع قيام لجنة تحقيق برلمانية. أما في السر فقد طلب الرئيس من هلمز أن يفعل كل شيء من أجل التقليل من مصداقية الصحفيين الذين كشفوا عن أسرار حكومية، بل ومضايقتهم.
وطلب الرئيس جونسون من السي.آي.ايه مراقبة تحركات مناهضي الحرب في فيتنام وكشف «الصلات المفترضة» مع الخارج. أخبر هلمز البيت الأبيض بأن مثل هذه النشاطات في المراقبة والتجسس غير مشروعة وتتجاوز صلاحيات الوكالة.
فكان رد جونسون صريحا: «أنا أعرف ذلك تماما، وما أنتظره منكم هو أن تفعلوا ما هو ضروري من أجل الكشف عن الشيوعيين الأجانب الكامنين وراء هذا التدخل غير المسموح به في الشؤون الداخلية للبلاد». وفي مثل ذلك السياق قامت السي.آي.ايه بجمع معلومات حول عدة آلاف من المواطنين الأميركيين ومن المنظمات الموجودة في الولايات المتحدة.
كان ريتشارد هلمز على رأس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عند نشوب حرب يونيو 1967 بين إسرائيل والبلدان العربية المجاورة وعلى رأسها مصر. وكان انتصار الدولة العبرية فيها مفاجئا وسريعا.
وتتم الإشارة هنا إلى أن السي.آي.ايه كانت قد ارتقبت قيامها بل وقدّرت أنها سوف تستمر ما بين سبعة إلى عشرة أيام. كان المحللون قد توصلوا إلى مثل تلك النتائج بفضل معرفتهم الدقيقة بالقوى المتصارعة، ولكن أيضا بفضل المعلومات التي قدّمها جهاز «الموساد» الإسرائيلي للسي.آي.ايه.
كان جونسون ومستشاروه المقرّبون منه معجبين جدا بما فعله هلمز فما كان منهم إلا أن دعوه من جديد لحضور لقاءات يوم الثلاثاء التي كان ينظمها الرئيس. هكذا استعاد رئيس السي.آي.ايه ثقة الرئيس، ومن أجل الاحتفاظ بتلك الثقة
وتجنّب دفع الاستخبارات إلى عالم السياسة بصراحة، كان يكتفي بالرد الدقيق على الأسئلة التي يتم توجيهها له. باختصار، حرص على أن يكون مفيدا لأصحاب القرار من دون إبداء أية آراء خاصة أو طرح خيارات يفضّلها على غيرها.
وحرص هلمز، من أجل الاحتفاظ برصيده لدى الرئيس، على الابتعاد عن الموضوع الأكثر حساسية آنذاك، أي الحرب الفيتنامية. كان مصير تلك الحرب بصدد أن يتقرر في أرض المعركة ولكن أيضا في واشنطن.
وفي الوقت الذي بدا فيه أن «حرب الاستنزاف» التي تقوم بها الولايات المتحدة في فيتنام لا تحقق أهدافها، تعالت أصوات عديدة في أميركا ذاتها تطالب بالانسحاب. وينقل المؤلف عن روبرت ماكنمارا، المقرّب جدا من الرئيس جونسون قوله له: «أعتقد اليوم أنه ينبغي علينا القيام بسحب قواتنا المرابطة في جنوب فيتنام، إما بواسطة المفاوضات أو عبر الانسحاب من جانب واحد».
فضيحة ووترغيت
«سوف نضع حدا للحرب وسوف نظفر بالسلام في منطقة المحيط الهادئ». هذا هو الوعد الذي خاض ريتشارد نيكسون معركة الرئاسية الأميركية به عام 1968... وفاز بها. لكنه كان على اقتناع بأن السي.آي.ايه «تعارضه سياسيا» كما أسرّ لهنري كسنجر، مستشاره لاحقا للأمن القومي.
رغم فوز الجمهوري نيكسون بالمنصب الرئاسي فإن ريتشارد هلمز الديمقراطي احتفظ بمنصبه كمدير لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بناء على نصيحة الرئيس السابق جونسون بالاحتفاظ به في إدارته. وقد شجع كيسنجر أيضا على ذلك على قاعدة اقتناعه بكفاءات هيلمز ومعرفته بأنه لا يفرط بنصائحه السياسية فيما هو أبعد من الأسئلة التي يتم طرحها عليه».
واتفق نيكسون وكيسنجر على ضرورة تقوية سلطاته، ليس إفراطا بالثقة به، إنما من أجل ممارسة سيطرة أكبر على الأجهزة الأمنية كلها من خلاله. وفي الواقع لم يكن هلمز يسيطر سوى على 15 بالمئة من الميزانية الأمنية الأميركية ذلك أن منظومات الرصد والأقمار الصناعية كانت تستأثر بالقسم الأكبر منها، وقد كانت تابعة لوزير الدفاع.
بالمقابل، ومع ازدراء المؤسسات والتقاليد القائمة منذ تأسيس السي.آي.ايه، فإن هنري كيسنجر وليس مدير الوكالة هو الذي مارس عمليا دور ضابط الاستخبارات الرئيسي في البيت الأبيض. ولم يكن هلمز يحضر اجتماعات مجلس الأمن القومي إلا في المرات النادرة التي تمت دعوته إليها.
بل كانت تتم دعوته بعد الانتهاء من تقديم عرضه لمغادرتها. باختصار فقد هلمز الكثير من نفوذه واقعيا في ظل إدارة نيكسون بالقياس إلى إدارة جونسون السابقة. كان ذلك التهميش ناتجا عن الحذر الذي كان يضمره كل من نيكسون وكيسنجر حيال السي.آي.ايه.
وكان كيسنجر، الدكتور في العلوم السياسية وخريج جامعة هارفارد، قد قدّم استشاراته للرئيسين كيندي وجونسون، وكانت له صلات كبيرة على امتداد العالم. هكذا أصبحت هيمنته كبيرة في ظل إدارة نيكسون على توجيه السياسية الخارجية للولايات المتحدة.
لكن كان ذلك يتم غالبا خارج القنوات الرسمية. فسرّا وبصورة شخصية أجرى اتصالات مع ماوتسي تونغ وحقق تقارب الولايات المتحدة مع الصين، ونظّم أول زيارة رسمية لرئيس أميركي إلى بكين. وكيسنجر هو أيضا الذي فاوض حول اتفاقية «سالت» الشهيرة التي حددت عدد القنابل النووية لدى القوتين العظميين آنذاك مما شكل حجر الأساس في حالة الوفاق مع الاتحاد السوفييتي.
أعداء الداخل
كانت الفائدة الكبرى للسي.آي.ايه تكمن، برأي الرئيس، في عملياتها السرية، كما عرف منذ أن كان نائبا للرئيس ايزنهاور. لكن الإشراف على تلك العمليات السرية أصبح مناطا بكيسنجر نفسه الذي كان يصرّ على إدارتها عبر محادثات هاتفية «مؤمّنة» بغية ترك أدنى حد ممكن من الآثار المكتوبة.
جرت تلك العمليات خاصة في كردستان العراق وفي المناطق المطالبة بالانفصال في الهند حيث كانت حكومتها قد عقدت اتفاقيات تجارية مع موسكو. وقبل هذه وتلك كانت تشيلي قد أصبحت أحد الأهداف المختارة للعمليات السرية في منظور قلب نظام سلفادور اللندي.
كانت عمليات السي.آي.ايه تجري في الخارج حسبما كان ينص ميثاقها، ولكن نيكسون دفع نحو قيامها أكثر فأكثر فوق الأرض الأميركية ذاتها، أولا من أجل الكشف عن «أعداء الداخل» الذين يتواطؤون مع الخارج في المظاهرات ضد حرب فييتنام.
قام هلمز بإجراء تحقيقاته مكرها، وعندما قدّم نتائجها لكيسنجر قال له: «هذا ميدان لا يدخل في ميثاق الوكالة. وعليّ أن أخبرك بمدى حساسية هذه الوثيقة، فإذا جرى الكشف عن وجودها فسيكون ذلك مزعجا جدا بالنسبة لجميع الأطراف المعنيّة بها».
إن الطريقة التي استخدم بها نيكسون السي.آي.ايه من أجل التجسس على المواطنين الأميركيين تبيّن أن الرئيس لم يكن مهتما بشرعية القرارات التي يتخذها من أجل تحقيق غاياته. لكن مثل هذا الاستخفاف سيؤدي لاحقا إلى خسارته، وفي الوقت نفسه إلى إثارة مشكلات كثيرة بالنسبة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
في يونيو 1971 نشرت «النيويورك تايمز» سبقا صحفيا تحدثت فيه عن قصة توغل الولايات المتحدة في الحرب الفيتنامية، كما جرت رؤيتها من الداخل. كان الأمر يتعلق ب000 7 صفحة من الوثائق وجرى الحصول عليها بواسطة «دانييل السبيرج» أحد الذين صاغوها.
طالب البيت الأبيض بوقف نشر الوثائق لكن الصحيفة رفضت. ولم تستجب المحكمة العليا أيضا لطلب رجال نيكسون الذي صبّ جام غضبه على السبيرج وقال: «من يقومون بمثل هذا العمل يستحقون الحرق» وأضاف أنه ينبغي «وضع ابن ال.. هذا في السجن».
في الوقت نفسه قرر البيت الأبيض إيجاد «لجنة العمل من أجل إعادة انتخاب الرئيس. و«كانت لجنة سريّة مؤلفة من عدة أشخاص برئاسة أحد مساعدي كيسنجر ومهمتها الحقيقية، نزع المصداقية عن «السبيرج» وعلى باب رئيس تلك المجموعة كُتبت كلمة «السبّاك». وكان سبّاكا من نوع خاص فمهمته منع تسرّب المعلومات وليس المياه بالطبع. وعُرفت المجموعة باسم «سبّاكي البيت الأبيض».
كان نيكسون مهووساً بمشكلة تسرّب المعلومات الحقيقية أو التي كان يتخيّلها. أولئك «الخونة» كانوا موجودين في قلب الإدارة، ولذلك طلب الرئيس وضع هواتف سبعة أشخاص من أعضاء مجلس الأمن القومي تحت المراقبة.
ثلاثة منهم من البيت الأبيض نفسه والبنتاغون ووزارة الخارجية بالإضافة إلى أربعة صحافيين. وفي صيف 1971 أيضا ذهب نيكسون أبعد إذ طلب من أحد مستشاريه تنظيم حملة للإساءة إلى أعدائه السياسيين من ساسة وصحافيين وحتى فنانين مثل الممثل بول نيومان. كان ذلك المشروع يشبه إلى حد كبير برنامج عملية سرية وموجهة ضد المواطنين الأميركيين.
ثم قام «سبّاكو البيت الأبيض» بضربة لم تكن محسوبة النتائج بالنسبة للرئيس نيكسون وللاستخبارات الأميركية كلها. ففي ليلة 17 يونيو 1972 ضبطت شرطة واشنطن مجموعة من خمسة أشخاص تمتلك أعتدة متقدمة جدا للتجسس الهاتفي وغيره. كانوا قد دخلوا سرا إلى أحد مقرّات الحزب الديمقراطي الواقع في مجمّع «ووترجيت».
غداة اليوم التالي للقبض على المعنيين سأل القاضي المكلّف بالتحقيق أحدهم عن مهنته. فأجاب: «مستشار في شؤون الأمن». فأضاف القاضي: من كان آخر رب عمل عملت معه؟ وكانت الإجابة: السي.آي.ايه.
كان اثنان آخران من المجموعة من المهاجرين الكوبيين المرتبطين أيضا مع السي.آي.ايه. دعت تلك «الصدفة» مكتب التحقيقات الفدرالي (أف.بي.آي) إلى الشروع بتحقيق خاص به. أحسّ نيكسون بالخطر يقترب. فحاول أن يطمس القضية داعيا مدير السي.آي.ايه إلى التدخل بإلحاح.
فما كان من هلمز إلا أن أشار إلى وجود المهاجرين الكوبيين بين الفاعلين مما يعني أن للمسألة بعدا أمنيا قوميا وأن هناك معلومات سرية لا يمكن الكشف عنها وبالتالي ينبغي إذن على مكتب التحقيقات الفدرالي أن يوقف استقصاءاته.
لم يكن ذلك كل شيء، بل إن أحد المقبوض عليهم، المدعو هوارد هانت، طلب بدفع تعويضات مالية له لقاء خدماته... وصمته، لاسيما وأنه سيمضي فترة طويلة في السجن. طلب نيكسون من هلمز أن تدفع السي.آي. ايه المبلغ المطلوب.
رفض هلمز ذلك، وعرف في الوقت نفسه أن أيامه على رأس السي.آي.ايه أصبحت معدودة. وأثناء لقاء في نوفمبر من عام 1972 في المقر الرئاسي بكامب ديفيد، طلب نيكسون من هلمز أن يذهبا بنزهة صغيرة معا سيرا على الأقدام.
وبعد أن تحدّث الرئيس عن مسيرة هلمز المهنية والتذكير بأنه ديمقراطي يعمل في إدارة جمهورية قال له أنه قد يخدم بلاده الآن بشكل أفضل كسفير للولايات المتحدة في طهران. قبل هلمز دلك وإنما طالب بمهلة زمنية قصيرة إذ كان يقترب من سن الستين وبالتالي الإحالة إلى التقاعد. وافق نيكسون على ذلك. لكن دهشة هلمز كانت كبيرة جدا عندما تسلّم أمر تخليه عن وظيفته قبل ثلاثة أسابيع فقط من الموعد المرتقب.
المدير الأكثر شباباً
جرى تعيين جيمس شليزنجر خلفا لريشارد هيلمس كرئيس لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. كان عمره آنذاك 43 سنة، هو اختصاصي بالاقتصاد من هارفارد، والمدير الأكثر شبابا في تاريخ السي.آي.ايه.
كان شليزنجر يعتبر أن عصر العمليات السرية قد ولّى فمتطلباتها كانت كبيرة جدا ولا تتماشى مع أولويته المتمثلة في جمع المعلومات الاستخباراتية التقنية. وعندما كان في سفر إلى «بانكوك» عام 1973 كشفت الصحافة أن «سبّاكي البيت الأبيض» قاموا بالتفتيش في عيادة الطبيب النفساني الذي يعالج السبيرج.
ولم يكن أحد قد أخبره أن السي.آي.ايه كانت قد زوّدتهم بأعتدة. لذلك ومن أجل الوقاية من إساءات قد تلحق بالوكالة وبالبيت الأبيض، وكي يبتعد الوقت نفسه عن الأعمال التي قامت بها السي.آي.ايه سابقا، طالب بإعداد تقرير يتضمن كل النشاطات التي تجاوزت فيها الوكالة الاستخباراتية حقوقها أو قامت بعمليات مثيرة للجدل.
وجرى تكليف «وليام كولبي» بجمع الشهادات المطلوبة لإعداد التقرير. جرى الكشف في يونيو 2007 عن قائمة النشاطات التي تضمنها ذلك التقرير. وشملت خاصة التجارب التي قامت بها الوكالة للتحكم بتفكير الآخرين، ومحاولات الاغتيال التي قامت بها ضد القادة الأجانب،
والرقابة على عدة صحافيين ورجال شرطة أميركيين، ورصد ومراقبة الرسائل من وإلى الاتحاد السوفييتي والصين، ومراقبة و«تفييش» الطلبة والحركات الداعية للسلام والنشطاء من الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية...
لقد ثبت أنه جرى التجسس على 9900 مواطن أميركي ما بين عام 1967 وعام 1973، وأن السي.آي.ايه قامت بإدخال عملاء لها إلى داخل المجموعات النشيطة في أميركا من أجل معرفة روابطها المحتملة مع عناصر تخريبية. باختصار: «إن المنظمة التي يُفترض أن تكون مهمتها هي القيام بنشاطات استخباراتية في الخارج، بدت أقرب إلى جهاز شرطة سياسية سريّة، كما يقول المؤلف.
لم يمهل الوقت شليزنجر كي يؤسس سي.آي.ايه جديدة كان يتصورها، ففضيحة ووترغيت وصلت إلى الرئيس، وسقط مستشاروه والعديدون من أعضاء إدارته واحدا بعد الآخر. وعندما استقال وزير العدل عيّن نيكسون مكانه وزير الدفاع آنذاك الذي خلفه شليزنجر كوزير للدفاع، بينما احتل وليام كولبي منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
أما الرئيس نيكسون، وبعد استماع القضاء لأشرطة تسجيل موجودة «رسميا» في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض ثبت فيها أن الرئيس قد أراد بوضوح استخدام السي.آي.ايه من أجل إعاقة تحقيق مكتب التحقيقات الفيدرالي،
فإنه اختار أن يستقيل كسابقة أولى في تاريخ الولايات المتحدة ليحل مكانه نائب الرئيس جيرالد فورد. وهذا ما وصفه مؤرخ بريطاني، ينقل عنه مؤلف الكتاب قوله الذي جاء فيه: «إن أقوى حكومة سقطت بفعل عملية سرية أميركية ليست سوى حكومة ريتشارد نيكسون».
عرض ومناقشة: محمد مخلوف



