عند هذا المنعطف المبكر من الكتاب ينطلق المؤلف إلى رصد ملامح ما يسميه بالعصر الذهبي لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وهو العصر الذي يشير إلى أنه انتهى بكارثة «خليج الخنازير» في كوبا، ويلقي الضوء بصفة خاصة على عملية «أجاكس» الشهيرة في إيران وعلى محاولات التجسس الأميركية على الاتحاد السوفييتي، من دون أن ينسى التطرق إلى أن الوكالة دفعت لاحقاً ثمن إغراقها في القيام بالعمليات القذرة.
بتاريخ 30 أغسطس 1952 دخل ضابطان من ضباط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى مقر سكن دوايت ايزنهاور، الذي كان آنذاك القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا. واستقبلهما الجنرال أولا في مكتبه قبل أن يدخل الجميع إلى الصالون الكبير المجاور. قدّم الضابطان للجنرال ايزنهاور وثيقة من عدة صفحات تحتوي شرحا للوضع السياسي والعسكري في العالم كما تراه وكالتهما.
وكان وضع القوات السوفييتية يحتل قسما مهماً من ذلك التقرير، لكنه تضمن أيضا معلومات عن المفاوضات بين الصين واليابان حول مسألة وضع حد نهائي للحرب الكورية، وعن الخلاف بين الحكومة البريطانية ودكتور محمد مصدق رئيس الوزراء الإيراني آنذاك، وعن المشكلات التي كانت فرنسا تواجهها في منطقة شمال إفريقيا. وينقل المؤلف عن ايزنهاور تعليقه على ذلك بالقول: «إذا لم يفعل الفرنسيون شيئا ما بسرعة، فإنهم سوف يواجهون هناك سريعا جدا هندا صينية جديدة». كان ذلك قبل عامين من اندلاع ثورة التحرير الجزائرية.
كان ترومان قد اقترح على المرشحين للرئاسة الأميركية أن تحوّل لهم وكالة الاستخبارات المركزية تقارير سرية عن أوضاع العالم. وعلى هذا الأساس استقبل الجنرال ايزنهاور، ضابطي السي.آي.ايه باعتباره مرشحا عن الحزب الجمهوري بينما كان منافسه الديمقراطي هو ادلاي ستيفنسون، الذي رفض الاقتراح ولم يستقبل حاملي تقارير الوكالة الاستخباراية.
أكّد ترومان، من أجل تبرير اقتراحه، أنه لم يكن ينوي سوى تقديم معلومات تسمح باستمرارية السياسة الخارجية للولايات المتحدة بشكل أفضل. وينقل عنه المؤلف قوله: «ينبغي للسياسة الحزبية أن تتوقف عند حدود البلاد». ثم إن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية نفسها هي «وكالة غير سياسية» ومهمتها هي خدمة الرئاسة مهما يكن اللون السياسي للقائمين عليها. بكل الحالات فاز دوايت ايزنهاور بالمنصب الرئاسي نتيجة لانتخابات نوفمبر 1952.
وقبل نقل السلطات الرئاسية قال الرئيس ترومان أن الرئيس الجديد «لديه حاليا سلطات لا مثيل لها في تاريخ البلاد (...). لذلك أريد أن يمارس خليفتي مهمته وكأن الانتخابات لم تجر. وإنني أقدّم لهذا الرئيس قدرا أكبر من المعلومات مما كان قد حصل عليه أي رئيس آخر لحظة استلامه لمهام منصبه».
لقد استمرّ العمل بمبادرة ترومان لمدة عقود لاحقة إذ قام جميع المرشحين للانتخابات الرئاسية باللقاء مع ضباط من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية التي كانت هي نفسها تستفيد أيضا من تلك اللقاءات. ذلك أنها كانت تقيم علاقات «مبكّرة جدا» مع جميع رؤساء الولايات المتحدة.
العصر الذهبي
لكن ايزنهاور، على عكس ترومان نفسه، لم يكن بحاجة إلى من يقنعه بأهمية الاستخبارات، إذ كان الرئيس الأول، منذ جورج واشنطن، الذي يمتلك معارف حقيقية في هذا الميدان عند وصوله إلى البيت الأبيض. كان الآخرون قد أظهروا تشككهم إلى هذه الدرجة أو تلك، حيال جهاز الاستخبارات. لكن ايزنهاور لم يكن كذلك بفضل تجربته خلال الحرب العالمية الثانية.
كذلك كانت المصالح الاستخبارية ترى به شريكا مثاليا. بالتالي قامت علاقات ثقة وانسجام بين الرئيس والسي.آي.ايه التي دخلت عندها نوعا من «العصر الذهبي». عصر استمر طيلة عشر سنوات تقريبا حتى الفشل الكبير الذي عرفته عملية «خليج الخنازير» ضد نظام كاسترو في كوبا.
ولم تكن تلك الحالة من الوئام بين الرئاسة والوكالة بعيدة عن العلاقة الوثيقة التي كانت قائمة بين الرئيس ايزنهاور والمدير الجديد للوكالة الاستخباراتية «آلن دالاس»، الأخ الأصغر لوزير الخارجية الأميركي آنذاك جون فوستر دالاس، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يتسلم فيها مدني منصب مديرها العام.
احتفظ الن دالاس بمنصبه على رأس السي.آي.ايه لمدة تسع سنوات، أي ما يمثل رقما قياسيا في تاريخ هذه الوكالة، بينما كان قد تعاقب عليه خمسة مديرين خلال مدة رئاسة ترومان وحدها. وساهمت فترة الاستقرار في ظل إدارة ايزنهاور بازدهار وكالة الاستخبارات المركزية مما شجّع بروز أفكار تجديدية والمخاطرة على الصعيدين العملياتي والفكري.
ظهرت بعض الأصوات التي شككت بإمكانية تأثر موضوعية الوكالة الاستخبارية لاعتبارات سياسية كون مديرها ليس سوى أخ وزير الخارجية. لكن تلك الأصوات ظلّت هامشية. ذلك أن الكونغرس، وكذلك الرئيس، كانت تتملكهما الرغبة في تعزيز الروابط بين السي.آي.ايه ووزارة الخارجية. ثم لم يكن هناك مجال للتشكيك بكفاءات الن دالاس، ذلك أنه كان أحد المرشحين لتولي منصب أول مدير للوكالة.
كان الن دالاس مجازا بالحقوق من جامعة برنستون وسليل أسرة دبلوماسية عريقة، وكان هو دبلوماسيا في بداية مسيرته المهنية. ويروي المؤلف أنه في عام 1917 فضّل أن يذهب للعب كرة المضرب «التنس» بصحبة امرأة جميلة على اللقاء بسياسي روسي مغمور آنذاك قبل قيام الثورة البلشفية بفترة وجيزة.
كان ذلك السياسي الروسي يحمل اسم: فلاديمير ايليتش اوليانون، لكنه كان يستخدم اسما مستعارا هو «لينين». لقد احتفظ الن دالاس بذلك الدرس وعممه في إطار السي.آي.ايه عندما أصبح مديرها بالقول: جميع الأشخاص الذين يطرقون باب الضباط يستحقون اللقاء بهم، ولو كان ذلك لمرة واحدة، فمن يعرف مدى أهمية ما لديهم؟
كان ايزنهاور شديد الإعجاب بدالاس لقدرته على الحصول على معلومات متنوعة بفضل معارفه الكثيرين، وأيضا بسبب إمكانياته الفكرية الكبيرة ومخيلته وجسارته، خاصة عندما يتعلق الأمر برسم مخططات للتأثير على البلدان الأجنبية ومعرفة أسرارها. وكان ايزنهاور يعتبر أن جهاز الاستخبارات يمثل «أحد أغرب الأدوات التي تملكها حكومة ما. وكي يكون فاعلا يحتاج إلى ذكاء خارق». هذا «الذكاء الخارق» وجده لدى الن دالاس.
لكن عمل دالاس هذا لم يكن في غاية الإتقان دائما، إذ كرّس كل جهده في تسيير السي.آي.ايه على حساب مسؤولياته كمنسّق بين عموم الأجهزة الاستخباراتية. وكان يتصرف غالبا تبعا لمزاجه الآني ولا يهتم بالتراتبية الوظيفية، إذ لم يكن من النادر أن يصدر أوامره لضباط منخرطين في عمليات سرية من دون احترام التسلسل القيادي.
لكن عندما كان أحدهم يوحي لايزنهاور بضرورة إحلال إداري أفضل مكانه، كان يجيب دائما: «لا أعتقد أنه ينبغي علي استبدال الن... إنني سوف أحتفظ به كضابط الاستخبارات الرئيسي لدي على الرغم مما يمكن أن يترتب على ذلك من المشكلات التي يعرفها الجميع». باختصار أبدى كل من ايزنهاور والن دالاس استقامة كاملة في تصرّف كل منهما حيال الآخر.
كان ايزنهاور قد وصل إلى البيت الأبيض وهو ينوي بحزم «خوض غمار الحرب الباردة» من دون أن تثقل النفقات العسكرية كثيرا على ميزانية الدولة. هكذا شكّلت العمليات السرية أداة عملية، قليلة الكلفة، للنضال ضد الاتحاد السوفييتي. كما كان ايزنهاور والن دالاس على اقتناع بأن الإدارات الأميركية السابقة لم تستثمر بدرجة كافية الإمكانيات المتاحة في ميدان العمليات السرية، خاصة شبه العسكرية منها.
العملية «أجاكس»
على مثل هذه الخلفية أصبحت العمليات السرية أحد العناصر الأساسية في إستراتيجية الرئيس ايزنهاور من أجل الانتصار بالحرب الباردة. هكذا عرفت الفترتان الرئاسيتان لوجوده في البيت الأبيض سلسلة من العمليات السرية الكبرى. وكان بعض مسارحها في آسيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية.
كانت العملية الأولى قد استهدفت رئيس الوزراء الإيراني آنذاك محمّد مصدّق. ويستعرض مؤلف الكتاب تفاصيلها انطلاقا من وثائق جرى الكشف عنها تباعا منذ عام 2000. هكذا تتم العودة إلى الحرب العالمية الثانية لفهم أصول «المشكلة». لقد احتلّ البريطانيون آنذاك إيران من أجل منع وقوع آبار النفط في قبضة هتلر. ثم استمروا في السيطرة عليها بعد نهاية الحرب عبر شركة النفط الانجلو إيرانية، التي شكّلت الأصل الذي انبثقت منه فيما بعد شركة «بريتش بتروليوم».
في عام 1951 قرر البرلمان الإيراني التحرر من الوصاية البريطانية، وكان محمد مصدق، المهندس الرئيسي وراء ذلك القرار، قد أصبح رئيسا للوزراء واختارته مجلة «التايم» الانجليزية «رجل العام». حاول الانجليز ردعه عبر العقوبات الاقتصادية، لكنه لم يخضع. وفي شهر نوفمبر 1952 قرروا التدخل بواسطة أجهزتهم السرية التي اقترحت على وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تنظيم عملية مشتركة.
كانت الحجة هي أن تأميم النفط الإيراني يعكس نفوذ الشيوعيين على مصدّق. بل وأكّد البريطانيون أن إيران قد انتقلت إلى المعسكر الشرقي وأنه ينبغي التحرك. لكن ترومان، الرئيس الأميركي آنذاك، رفض بناء على نصائح وزارة الخارجية دعم المشروع البريطاني. لكن وصول الإدارة الجديدة برئاسة دوايت ايزنهاور جعل السياق مؤاتيا أكثر لتنفيذها.
كان نفوذ الحزب الشيوعي الإيراني متزايدا وأكثر ظهورا بعيون الأميركيين. وكانت الانقسامات قد بدأت في صفوف الحكومة بسب العقوبات الاقتصادية. لكن حدثا لم يكن منتظرا هو الذي أقنع ايزنهاور والأخوين دالاس، أي وزير الخارجية جون فوستر ومدير السي.آي.ايه الن بالانتقال إلى الفعل. ففي ربيع عام 1953 جاء في تقرير للوكالة الاستخباراتية الأميركية أن الجنرال زاهدي قد اتصل بالسفارة الأميركية في طهران وأخبرها بأنه ينوي القيام بانقلاب عسكري مما يتطلب مساعدة الولايات المتحدة.
بعد أربعة أشهر وقّع ايزنهاور على أمر المهمة الذي حدد مصير مصدّق. كان رمز العملية هو كلمة «اجاكس». وقد قامت بالتمويل والتخطيط السي.آي. ايه بالتعاون الوثيق مع جهاز «أم-16» الانجليزي. عبأ البريطانيون شبكاتهم من أجل تخريب الدعم السياسي لمصدّق. وسعت الوكالة الأميركية إلى الهدف نفسه عبر تعليق إعلانات دعائية في شوارع طهران. وحاول ضباطها التأثير على الصحافة وأجهزة الشرطة والجيش ورجال الدين الإيرانيين. كما كانوا وراء نشر مقالات في الصحافة الأميركية من أجل إضعاف موقف مصدّق على المسرح الدولي.
كان العنصر الأساسي في العملية هو شاه إيران نفسه. وكان محللو الوكالة الاستخباراتية الأميركية قد وصفوه كشخصية: «مترددة بطبيعتها وتنتابها مشاعر الخوف والشكوك». والنتيجة هي أنه يمكن التأثير عليه بمجرّد تعريضه إلى ضغط بسيط. إن الدستور الإيراني يمنحه سلطة خلع رئيس الوزراء، لذلك أرادت السي.آي.ايه دفعه لاتخاذ مثل ذلك القرار وتعيين الجنرال زاهدي في مكانه.
توصّلت الاستخبارات الأميركية إلى دفع أخت الشاه، الأميرة أشرف، للمساهمة في العملية. وكانت تقيم في الكوت دازور في فرنسا عندما أقنعها ضباط الوكالة الأميركية بالانضمام إلى خطتهم. كذلك قام كيرميت روزفلت الذي كان يعمل آنذاك مدير عمليات السي.آي.ايه في الشرق الأوسط وإفريقيا بزيارة إيران تحت اسم مستعار، حيث قابل الشاه مرات عديدة.
كانت مهمته هي تصعيد الضغط على الشاه إلى أقصى حد ممكن. وقد قال له: «ينبغي التحرك بالقطع خشية أن تصبح إيران شيوعية، وأسوأ من ذلك، أن تنفجر حرب كورية ثانية». كما أكّد الضابط الأميركي للشاه أن «الخلاف الخاص بالنفط الإيراني يلعب دورا ثانويا جدا» وأن مبادرة القيام بالعملية تأتي من رئيس الولايات المتحدة نفسه.
وحسبما توقعت وكالة الاستخبارات الأميركية أحسّ الشاه بأن الأحداث قد تجاوزته. وبعد أن تردد كثيرا وساوم خضع أخيرا ووقع بتاريخ 15 أغسطس القرار الخاص بعزل رئيس الوزراء. وانتصر الشاه والجنرال زاهدي في المواجهات التي انفجرت مع أنصار محمد مصدّق. ولم تتأخر السي.آي. ايه في تزويد الجنرال زاهدي بمبلغ 5 ملايين دولار. واستعاد الشاه العرش الذي احتفظ به فيما بعد لمدة ربع قرن.
حققت «العملية اجاكس» نجاحا كاملا وقامت في إيران حكومة موالية لواشنطن وأصبح النفط الإيراني «مؤمّنا». الرئيس ايزنهاور نفسه قام بتهنئة كيرميت روزفلت، بل قام بمنحه «وسام الأمن القومي» أثناء احتفال سري جرى تنظيمه في البيت الأبيض. لقد حدث التغيير في إيران من دون أن يكون دور السي.آي.ايه ظاهرا للعيان، وإنما جرى الأمر وكأنه قضية داخلية إيرانية. لكن الرئيس ايزنهاور كان مدفوعا برغبة وضع رصيد ذلك النجاح لحساب إدارته. وقبل أن يتم الإعلان رسميا عن انخراط الاستخبارات الأميركية عُرف الأمر شيئا فشيئا لدى الكثيرين.
حكاية الأسطورة
كانت عملية «أجاكس» سابقة، فللمرة الأولى توصّلت عملية سريّة إلى قلب حكومة وإحلال أخرى مكانها، إنما مؤيدة للأميركيين. وكان طعم ذلك الانتصار مؤثرا إلى درجة أن الرغبة في تكراره تعاظمت أكثر فأكثر. وكانت المناسبة الجديدة في أميركا اللاتينية. وتحديدا في غواتيمالا، ونجحت هذه العملية الجديدة أيضا.
نجاح السي.آي.ايه في إيران ثم في غواتيمالا أعطاها صورة «الأسطورة التي لا تُقهر». وقد حاولت الاستفادة من هذه الصورة لتأكيد دورها على الصعيدين الأميركي والخارجي. ينقل المؤلف عن ستانسفيلد تيرنر، مدير الوكالة في نهاية سنوات السبعينات المنصرمة قوله: «عندما كنت أقوم بزيارة إلى بلدان العالم الثالث بصفتي رئيساً لجهاز الاستخبارات المركزي الأميركي، كان يتم استقبالي من رؤساء الدول الذين أبدوا لي دائما قلقهم من إمكانية قيام السي.آي. ايه بعمل سري ضدهم».
وكانت الوكالة الاستخبارية الأميركية تحظى آنذاك بدعم البيت الأبيض والصحافة التي كانت تعترف أن «الولايات المتحدة بحاجة إلى محاربين سريين». كما كانت تحظى أيضا بدعم الكونجرس الذي كان يؤيد تلك «الدبلوماسية الموازية للرئيس الأميركي». وكان شعار الكونغرس غير المعلن حيال السي.آي.ايه هو: «افعلوا ما ينبغي عليكم أن تفعلوه لكن حافظوا على السرية ولا تقولوا لنا كيف فعلتم ذلك».
كان الرئيس الأميركي ايزنهاور وراء تأسيس لجنة للإشراف على الأعمال السرية أصبح مقرّها في البيت الأبيض وضمّت ممثلين عن الرئيس وعن وزيري الخارجية والدفاع. وتمّت تسميتها ب«اللجنة 5412». لقد أعطت موافقتها على سلسلة من العمليات في آسيا، وخاصة في فيتنام والتيبت وأندونيسيا. في الحالة الأندونيسية كان الهدف هو الرئيس أحمد سوكارنو الذي وصل الأمر بالسي.آي.ايه إلى «فبركة» فيلم عن مغامرة جنسية له مع امرأة سوفييتية وإلى تدبير محاولات انقلابية ضده.
التجسس على موسكو
شكّل الاتحاد السوفييتي السابق أحد الأهداف الرئيسية لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. وكان من أول الأعمال التي قام بها «الن دالاس» مدير الوكالة عند استلامه مهام منصبه هو افتتاح فرع لها في موسكو. لكن سرعان ما كشف السوفييت ذلك عبر «خادمة» كانت تعمل في السفارة الأميركية وإنما كانت في الحقيقة عميلة لجهاز الاستخبارات السوفييتي الشهير «كي.جي.بي».
حاول الأميركيون تجنيد عملاء لهم من السوفييت لكن نجاحاتهم ظلّت محدودة إلى أن اقترب ذات يوم شخص من أحد الدبلوماسيين الأميركيين العاملين في فيينا بالنمسا وسلّمه ورقة قبل أن يغيب على عجل في الازدحام. كانت تلك الورقة تحتوي على عدة جمل باللغة الروسية جاء فيها: «أنا ضابط سوفييتي. أتمنى اللقاء مع ضابط أميركي كي أقدّم بعض الخدمات. سأكون في المكان نفسه والوقت ذاته يوم السبت المقبل».
هكذا أصبح «بيوتر بوبوف» عميلا للسي.آي.ايه في الاتحاد السوفييتي وقدّم لها معلومات ذات أهمية كبيرة حول الأوضاع السياسية والاقتصادية والعسكرية لبلاده». ويكشف المؤلف، اعتمادا على وثائق جرى رفع السرية عنها عام 2006، عن عملية كبيرة قامت بها السي.آي.ايه في برلين خلال مطلع سنوات الخمسينات حيث استطاعت أن «تدخل» إلى شبكة الاتصالات الهاتفية السوفييتية في المدينة وتجمع خلال سنة واحدة ما يزيد على 000 40 ساعة من تسجيلات الاتصالات المتبادلة بين الأجهزة السوفييتية.
لكن السوفييت أظهروا كفاءات عالية في عالم التجسس والمراقبة خاصة عبر إطلاق برنامج «سبوتنيك»، القمر الاصطناعي الأول في تاريخ الإنسانية، عام 1957، كما توصلوا في السنة نفسها إلى تجريب أول صاروخ عابر للقارات. كان لذلك أصداؤه الكبرى في العالم كله. وينقل المؤلف عن «راديو» القاهرة قوله آنذاك: «إن عصر الفضاء يقرع أجراس نهاية الاستعمار. فالسياسة الأميركية الرامية إلى حصار الاتحاد السوفييتي قد فشلت». وكان برنامج الـ «نازا» الأميركي بمثابة رد على برنامج الفضاء السوفييتي وفي أفق إطلاق أقمار تجسس صناعية أميركية.
في الوقت نفسه أصبحت السي.آي.ايه هي المسؤولة عن نشاطات طائرات «يورتو» للتجسس ـ وفي شهر مايو 1960 أسقط السوفييت إحدى هذه الطائرات فوق منطقة جبال الأورال. وقد سارع الن دالاس رئيس الوكالة في التأكيد للرئيس ايزنهاور أن طيارها قد لاقى حتفه، لا محالة، إما أثناء إصابة الطائرة وإما عند ارتطامها في الأرض. هكذا أعلن الأميركيون أنهم فقدوا طائرة يوتو فوق تركيا حيث كانت تقوم بأعمال خاصة بدراسة حالة الطقس.
لكن الطيار الأميركي كان حيّا، كما أعلنت موسكو، وجرى القبض عليه وهو يواجه تهمة التجسس. قدّم الن دالاس استقالته لكن ايزنهاور رفضها. لكن لم يكن باستطاعة البيت الأبيض أن ينفي معرفته، بل سيطرته، على برنامج جلب أزمة دبلوماسية خطيرة. واعترف الرئيس أثناء مؤتمر صحافي أن تلك الطائرة كانت تمارس مهمتها في إطار عمليات للمراقبة بدأت منذ سنوات.
كانت تلك هي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي يبرر فيها الرئيس ما جرى بالقول: «لا أحد يتمنّى أن تتكرر بيرل هاربور جديدة ـ إشارة إلى الهجوم الياباني المفاجئ على القاعدة الأميركية في بيرل هاربور أثناء الحرب العالمية الثانية ـ هذا يعني أنه علينا التعرّف على القوى العسكرية الموجودة في العالم، خاصة إذا كانت هذه القوى قادرة على إطلاق هجوم مباغت مدمّر. وجدار الصمت الذي يحيط بالاتحاد السوفييتي جعل ذلك ضروريا فمثل ذلك الهجوم لا يمكن تدبيره في أي مكان آخر غير الاتحاد السوفييتي...».
ضد كاسترو
في مطلع عام 1960، عندما كانت الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية في بدايتها قام الكاتب الانجليزي «ايان فليمينج» ، مبدع سلسلة «جيمس بوند» الشهيرة، بزيارة إلى واشنطن، واستقبله هناك جون كيندي، المرشح آنذاك والرئيس لاحقا، بحفاوة كبيرة حول مأدبة عشاء. تعرّض المجتمعون لمواضيع كثيرة قبل أن يصلوا إلى موضوع الساعة، أي «فيدل كاسترو» الرئيس.
كان كاسترو يُظهر أكثر فأكثر تعاطفه مع الشيوعية. كما كان على اقتناع بأن الجواسيس الأميركيين موجودين بـ «كثرة» في الجزيرة. لذلك لم يتردد في مطالبتهم بالجلاء عن قاعدة غوانتانامو وتقليص العاملين في السفارة الأميركية إلى الحد الأدنى. بالمقابل اقترب أكثر فأكثر من الاتحاد السوفييتي وعقد اتفاقيات عديدة معه. إذ بمقابل السكّر الكوبي تلقى كاسترو الأعتدة والتجهيزات والأسلحة والمستشارين العسكريين. باختصار أصبح «المنجل والمطرقة»، رمز الشيوعية، متواجدان في منطقة الكاريبي بالقرب من فلوريدا.
أثناء لقاء كيندي وفلمينج التفت الأميركي نحو الكاتب البريطاني وسأله عما كان يمكن لـ «جيمس بوند» أن يفعله من أجل قهر كاسترو. بعد فترة تفكير قصيرة قال فليمينج أن ثلاثة أشياء لها أهميتها في هافانا وهي: المال والدين والجنس. هكذا بلور «برنامجا» للسي.آي.ايه حول ثلاثة محاور هي: إغراق كوبا بالأوراق النقدية المزيفة، ومحاولة إقناع الكوبيين بأن الشيوعية معادية للدين.
وأخيرا توزيع كميات ضخمة من المنشورات التي يشرح فيها الأميركيون أنهم بصدد تجريب قنبلة نووية جديدة تتشبت إشعاعاتها على الشعر وخاصة على شعر اللحية مما يحتّم حلقها أو الإصابة بالعقم، وختم فليمينج حديثه بالقول إن كاسترو سيفقد بذلك قوة الجذب التي يمارسها على الكوبيين. انفجر كندي ضاحكا. لكنه عندما أصبح رئيسا لم تكن محاولات الاغتيال العديدة لكاسترو «أقل إثارة للضحك»، كما يشير مؤلف الكتاب.
وكان كندي قد احتفظ، بعد فوزه، ب«ألن دالاس» مع أنه جمهوري على رأس السي.آي.ايه. وهو الذي كان وراء تحضير عملية «زاباتا» الشهيرة بعملية «خليج الخنازير»، ذلك أن معارضي كاسترو الكوبيين الذين جرى تدريبهم قد نزلوا إلى البر من السفن التي أقلّتهم في ذلك الخليج حيث كان بانتظارهم جنود كاسترو وألحقوا بهم هزيمة كبيرة.
كان كاسترو، في واقع الأمر، على دراية مسبقة بالعملية، بل على دراية بتفاصيل خطتها وبموعدها. لقد أخطرته استخبارات الكي.جي.بي السوفييتية بذلك، كما كانت أجهزته نفسها على اطلاع فالكوبيون المعارضون، الذين كان يتم تدريبهم منذ أشهر في أميركا الوسطى، لم يحافظوا كثيرا على السر.
الرئيس كيندي قال بعد فشل العملية: «كم كنت غبيّا!». ولم يتردد في أن يتحمل مسؤولية الفشل شخصيا. لكن ثلاث رؤوس من قيادة السي.آي.ايه قد «طارت»، إذ جرى عزل مديرها العام «الن دالاس» ونائبه ومسؤول العمليات المباشر. وينقل المؤلف عن الرئيس الأميركي كيندي قوله لهم في لقاء خاص: «لو كنّا في بريطانيا، كنت قد استقلت بالتأكيد وأنتم احتفظتم بمناصبكم.
لكن في نظامنا الحكومي عليكم أنتم الرحيل أما أنا فسأبقى» .حاولت السي.آي.ايه اغتيال فيدل كاسترو ثماني مرّات. وما يؤكده المؤلف هو أن هذه الوكالة الاستخباراتية هي المكلّفة بهذه «المهمة القذرة». لكنها دفعت لاحقا ثمن الخدمات التي قدّمتها للبيت الأبيض.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف