يستمد هذا الكتاب أهميته من تقديمه للقراء قراءة معمقة في أسرار التاريخ السياسي لوكالة المخابرات المركزية الأميركية وخباياه، منذ انطلاقها في سبتمبر 1947، وحتى اليوم، حيث يقوم مؤلف الكتاب، فرانك دانينوس، الاختصاصي في هذا الميدان بإلقاء الضوء على حقائق وأسرار هذه الوكالة التي وصفت بأنها الجهاز السري الأكثر خطورة وأهمية في التاريخ البشري بكامله، بتحليل دور الوكالة في العديد من العمليات السرية والانقلابات العسكرية والمؤامرات والضربات من كل الأشكال والألوان على امتداد العالم وبرصد ملامح تطورها ودورها السياسي وعلاقاتها بالبيت الأبيض في مختلف المراحل.
«البشر المهذبون لا يقرأون رسائل الآخرين»، هذه هي الجملة التي قالها ذات يوم «هنري ستيمسون» تلخّص جيدا الإحساس الغالب لدى الأميركيين حيال عالم الجاسوسية لفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية. وبهذه الجملة أيضا يستهل مؤلف هذا الكتاب عمله حول «التاريخ السياسي لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية». هنري ستيمسون المعني كان وزيرا للخارجية الأميركية عام 1929 وقد قال جملته عندما عرف أن «خلية» في وزارته، كانت معروفة باسم «الغرفة السوداء»، قد «راقبت» مراسلات العديد من البلدان وخاصة اليابان.
وكان مشهورا عن ذلك الوزير أنه حريص على أن تسود السلوكيات الأخلاقية في القضايا العامة، لذلك رأى المسؤولون في وزارته أنه من الأفضل عدم إطلاعه على وجود «الغرفة السوداء» في البداية والعمل على ترويضه تدريجيا لقبول الأمر. هكذا، بعد أسابيع، وجد على مكتبه مذكرة تحتوي على مضمون المراسلات اليابانية التي جرى التقاطها. وينقل عنه المؤلف أنه كتب في مذكراته لاحقا قوله: «لم أستطع التصديق» قبل أن يصف تلك الممارسة بأنها» من أكثر الممارسات لاأخلاقية».
لقد أعطى ستيمسون أوامره ب«إغلاق الغرفة السوداء» فورا. لكن أعمال التجسس التي قامت بها والتي كان لها دور مهم في توجيه الدبلوماسية الأميركية آنذاك أصبحت على كل شفة ولسان عندما نشر مديرها منذ تأسيسها هربرت ياردلي كتابا، أصبح بسرعة على رأس قائمة الكتب الأكثر مبيعا في الولايات المتحدة، تحت عنوان: «الغرفة السوداء الأميركية». كان قرار ستيمسون إلغاء الغرفة السوداء قد وجد التأييد والدعم من قبل الرئيس الأميركي آنذاك هربرت هوفر، إذ كان الاثنان يؤمنان، ومعهما أغلبية الرأي العام الأميركي، بأن الاستخبارات عمل مشين وليس جدير بالقيم والديمقراطية الأميركية.
ومثل هذه الرؤية تفسّر إلى حد كبير السبب في عدم امتلاك الولايات المتحدة لجهاز استخبارات حديث ودائم وجيد التجهيز والإمكانيات إلا في فترة متأخرة جدا بالقياس إلى بلدان مثل فرنسا وبريطانيا. لكن تضافر العديد من الظروف التاريخية، وبعد سلسلة طويلة من النقاشات والنزاعات الداخلية أنشئت في النهاية عام 1947، وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
لماذا السي. آي. ايه؟
في أبريل 1941 تلقّى الرئيس الأميركي روزفلت مشروع إنشاء جهاز استخباراتي أعدّه وايلد بيل دونوفان المحامي ورجل المهمات السرية بمساعدة وليام ستيفنسون، رئيس الاستخبارات البريطانية وايان فلمنج الذي نال شهرة عالمية فيما بعد عبر اختراع شخصية جيمس بوند الروائية. وقد جاء في ذلك المشروع أن الجهاز المعني سيكون «أداة يستطيع الرئيس، باعتباره قائدا أعلى للجيوش، الحصول بواسطتها على تقارير كاملة ودقيقة حول المعلومات المتوفرة عن العدو، كما يمكن لجهاز الاستخبارات العسكري العملياتي الاعتماد عليها».
هكذا قام في يوليو 1941 «مكتب تنسيق المعلومات»، الذي مثّل في واقع الأمر أول وكالة استخبارات مدنية ومستقلة في الولايات المتحدة الأميركية. وقد ترأس ذلك المكتب وايلد بيل دونوفان، ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في اعتبار «مكتب تنسيق المعلومات» بمثابة الجد الحقيقي لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
لكن بعد ستة أشهر من وجود هذا المكتب حامت الشكوك حول فاعليته، إذ أن ال200 تقرير (الشفهي والكتابي) التي أعدّها لم تمنع قيام كارثة بيرل هاربور. ففي صباح السابع من ديسمبر 1941 قامت عدة غواصات وحوالي 400 طائرة يابانية بهجوم كبير ضد أكبر قاعدة أميركية في المحيط الهادئ على بعد 150 كيلومترا من هاواي.
كانت الخسائر الأميركية كبيرة، وكانت كبيرة أيضا صدمة الأميركيين، إذ كانت تلك هي المرة الأولى التي يتعرض فيها الأميركيون لهجوم من بلد أجنبي منذ الحرب الانجليزية- الأميركية عام 1812. ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أن الهجوم على «بيرل هاربور» بقي ماثلا في أذهان الأميركيين لفترة طويلة لاحقة. وهنا نقرأ: «غداة تفجيرات 11 سبتمبر 2001 تذكّر الأميركيون ذلك الهجوم- بيرل هاربور- في تعبيرهم عن مفاجئتهم وذعرهم».
تعرّض «مكتب تنسيق المعلومات» للنقد الشديد بسبب الفشل في الكشف عن الهجوم الياباني ضد بيرل هاربور. وفي يونيو 1842 تغيّر اسم المكتب كي يحمل، وبمباركة البريطانيين، اسم «مكتب الخدمات الإستراتيجية» وبقي دونوفان على رأسه. وحددت الهيئة الجديدة مركز اهتمامها في الدور الإستراتيجي للاستخبارات والعمليات الخاصة في الحروب الحديثة.
وكان الأميركيون قد قرروا في الواقع اقتفاء أثر «النموذج» البريطاني فيما يخص تنظيم عمليات دعاية وحرب نفسية وتخريب في المناطق الخاضعة للاحتلال الألماني بقصد إضعاف قوة «المحور». هكذا انطلق ضباط أميركيون تابعون «لمكتب الخدمات الإستراتيجية» في أوروبا وآسيا والشرقين: الأدنى والأوسط. كان المقر الأساسي في نيويورك وبلغ عدد العاملين في إطار نشاطات هذه الهيئة الاستخباراتية حوالي 000 13 شخص، نصفهم في الخارج.
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمة الرايخ الثالث عرفت الولايات المتحدة تضاؤل نفقاتها العسكرية بنسبة 90 بالمئة ما بين 1945 و1947. كما تناقص عدد الجنود من 12 مليون إلى مليون ونصف المليون. لكن الموقع الأميركي تعزز وتوطد على المسرح الدولي بل احتلت الولايات المتحدة مركز صدارة «العالم الحر» في فترة ما بعد الحرب.
واعتبارا من نهاية عام 1945 أعلن الرئيس الأميركي ترومان استياءه الشديد من «تدفق المعلومات المتناقضة وغير المنسّقة التي تصل إلى مكتبه». ف«العسكريون لا يعرفون كل ما يجري في وزارة الخارجية والدبلوماسيون لا يملكون كل المعلومات المتوفرة لدى الجيش والقوات البحرية». باختصار توقف المسؤولون في الإدارة عن طرح السؤال عما إذا كان ينبغي تحديث الأجهزة الأمنية وإنما أصبح السؤال هو كيف؟
تحدّث ترومان عن هيئة جديدة للتنسيق تكون خاضعة لرقابة «سلطة قومية للاستخبارات» تضم ممثلين عن البيت الأبيض ووزارة الخارجية والبحرية والجيش. وفي يناير- 1946 انبثقت «المجموعة المركزية للاستخبارات» بمرسوم رئاسي. وبواسطة هذه المجموعة تلقّى البيت الأبيض تقارير حول صراع من نوع جديد مع الاتحاد السوفييتي. وهي حرب إيديولوجية وسياسية أساسا بين منظومتين وبحيث تلعب الدعاية محاولات زعزعة الاستقرار دورا كبيرا. لقد جرى استبعاد قيام نزاع عسكري مسلّح في القريب المنظور وإنما بالأحرى «حرب باردة»، حسب التعبير الذي أطلقه الصحفي «والتر ليبمان» عام 1947.
بدأت هذه «الحرب الباردة» عمليا في مارس 1947 عندما طلب ترومان من الكونغرس صرف مبلغ 400 مليون دولار من أجل تخليص اليونان وتركيا من قبضة النفوذ السوفييتي. وفي مثل ذلك السياق اقترح البيت الأبيض على الكونغرس في ربيع عام 1947 إنشاء جهاز عسكري موحّد تكون مهمته توجيه السياسة الخارجية والعسكرية للولايات المتحدة. وكان البند 102 من المشروع المقدّم ينصّ أيضا على إنشاء «وكالة مركزية للاستخبارات».
بند واحد... وبعض الجمل. لقد كان البيت الأبيض يريد بذلك تجنب إثارة الجدل واعتراضات العسكريين والكونغرس والدخول في مفاوضات لا تنتهي. لكن ذلك النقص في الشفافية أعطى مفعولا عكسيا وأخذ الكونغرس يناقش كل كلمة في البند 102. واستمرت النقاشات عدة أشهر حول المكانة القانونية لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وحول صلاحياتها.
فمن سيراقب ال«سي. آي. ايه»؟
مجلس الأمن القومي هو الذي تأخذ منه الأوامر وله تقدّم نتائج نشاطاتها. وله توجّه تقاريرها التي تنبغي كتابتها «بشكل مستقل تماما عن جميع الاعتبارات السياسية». الموضوعية إذن والبحث عن الحقيقة كان ذلك يمثل أحد القيم التأسيسية لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية! وقد طلب الكونغرس أن يكون الرئيس الأميركي هو أيضا رئيس مجلس الأمن القومي.
مثل هذا القرار ستكون له نتائجه الكبيرة على الروابط بين الوكالة الاستخبارية المركزية ورئيس الولايات المتحدة. ذلك أنها أصبحت مرتبطة مباشرة بالبيت الأبيض وأصبح لمديرها علاقة مباشرة مع الرئيس الأميركي، الأمر الذي عارضه باستمرار العسكريون ووزارة الخارجية الأميركية.
عبر هذه الرابطة ينبثق مبدأ آخر تعلن وكالة الاستخبارات تمسّكها به تماما وهي أن تخدم رئيس الولايات المتحدة، مهما كان الثمن. والرئيس هو الذي يختار مديرها شريطة أن يوافق عليه مجلس الشيوخ بعد ذلك. ويجمع المدير المعيّن بين ثلاث وظائف هي تقديم استشارات للرئيس وإدارة السي.آي.ايه وتنسيق المعلومات التي تقدمها المصالح الاستخباراتية الأخرى.
هكذا تزوّدت الولايات المتحدة بمنظومة أمنية لا شبيه لها في الخارج. فوكالة الاستخبارات المركزية هي وكالة مدنية، مستقلة، تقوم ب«تنسيق» المعلومات لكنها لا تسيطر عليها. وليس لمديرها أية سلطة من حيث الميزانية، أو من حيث الإدارة، على المصالح الاستخباراتية الأخرى. لكن لا يمكن التشكيك باستقلالها الذاتي. وبشكل عام تتمتع الوكالة بموقع الحكم وليس موقع المنافس حيال بقية المصالح.
وفي يوليو 1947 أقرّ ممثلو الشعب الأميركي القانون الخاص بالأمن القومي. وقام بعد ذلك الرئيس ترومان بالتصديق عليه. لقد دخل ذلك القانون حيّز التنفيذ بتاريخ 18 سبتمبر 1947 مما أعلن ولادة «المؤسسة القومية العسكرية» التي اشتهرت فيما بعد بتسمية «وزارة الدفاع»، وولادة مجلس الأمن القومي والأمن الجوي، ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية التي افتتحت مقرّها في واشنطن. إن تعبير التجسس لا ذكر له في ميثاق وكالة الاستخبارات المركزية كله. بل جرى تحديد أربع مهمات أساسية لها هي:
المهمة الأولى تتمثل في تقديم جميع المعلومات المتعلقة بأمن الولايات المتحدة إلى مجلس الأمن القومي. والمهمة الثانية هي تقديم النصائح له بخصوص تنسيق النشاطات الاستخباراتية. والثالثة تقويم هذه النشاطات. أما المهمة الرابعة فقد جاء في النص بخصوصها: «قيادة المهمات الأخرى والمسؤوليات المتعلقة بالاستخبارات وبالأمن القومي التي قد يطلبها مجلس الأمن القومي منها». هذه الصيغة مبهمة، لكنها مبهمة عن قصد، كما يشير المؤلف. وهي تثبت واقع أن الولايات المتحدة نادرا ما تقوم بتعريف النشاطات المسماة بأنها «استخبارية»، فالمهم هو ما تقوم له الأجهزة المعنية.
شهادات متناقضة
هنا يتم طرح السؤال التالي: هل تعبير «المهمات الأخرى والمسؤوليات» يشير إلى الاستغلال السري لمجرى الأحداث بواسطة عمليات سياسية أو شبه عسكرية أو بواسطة الحرب النفسية؟ الشهادات متناقضة حول هذا الموضوع، كما يشير المؤلف. ويضيف أنه بفضل ال«سي. آي. ايه» تستطيع الولايات المتحدة أن تحافظ على هامش حريّة عمل حيال التزاماتها الدولية. لكن قد يكون لدى البيت الأبيض أهدافا محددة أكثر من خلال هذه الصيغة «المطاطة».
وتدل الوقائع على أنه عُهدت للوكالة الاستخباراية المركزية مهمة القيام بعمليات سرية، وذلك إذا لم يكن هناك جهاز آخر للقيام بذلك ولكن أيضا لأسباب عملية. فمثلا إذا جرى ضبط العسكريين الأميركيين وهم يقومون بعملية تخريب مفاعل إلكتروني فإنه يمكن للبلد المستهدف اعتبار ذلك كعمل حربي ضده. ثم إن الكونجرس يقدم أموالا سرية للوكالة والرئيس الأميركي يستخدمها كما يشاء دون أن يحدد كيفية استخدامها. كذلك يستطيع عملاء السي. آي. ايه، السفر والعمل في الخارج تحت غطاء أسماء مستعارة.
لا شك أن الأعمال السرية تختلف عن التجسس ذلك أنها ترمي إلى التأثير بمجريات الأحداث في بلد مستهدف وليس جمع المعلومات عنه. لكن «التشابه في الطرق العملياتية المستخدمة في العمليات البسيكولوجية السرية ونشاطات الاستخبارات تمثل اختيارا منطقيا من أجل قيادة مثل هذه العمليات»، كما ينقل المؤلف عن الملف «السري للغاية» لمجلس الأمن القومي.
لقد جرى إنشاء وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بفعل العواقب البعيدة للهجوم الياباني على قاعدة بيرل هاربور الأميركية من أجل مركزة الاستخبارات الخارجية وجمعها. لكن الحرب الباردة دفعتها نحو تنفيذ أعمال سرية منذ الأسابيع الأولى لوجودها.
ونقرأ: «بفضل وكالة الاستخبارات المركزية استطاعت يد الولايات المتحدة أن تمتد مع بقائها غير مرئية بنفس الوقت. لذلك ظلّ أصحاب القرار السياسي الأميركي مأخوذين بسحر هذه الأعمال السرية التي يميلون إلى المبالغة بفعاليتها. ومنذ بيرل هاربور لجأ إليها الرؤساء الأميركيون، دون إثناء، في لحظة ما من فترات حكم إدارتهم».
بدايات صعبة
خرجت إيطاليا مخرّبة اقتصاديا ومشرذمة سياسيا من الحرب العالمية الثانية. وكان الحزب الشيوعي الإيطالي يتأهب لخوض أول انتخابات بالاقتراع العالم المباشر عرفتها البلاد في ربيع عام 1948. وكانت هناك معلومات عديدة تدل على أنه يتلقى تمويلا سريا من الاتحاد السوفييتي. وينقل المؤلف عن جورج كينان، الذي كان يعمل آنذاك في السفارة الأميركية في موسكو، قوله: «لقد أدركنا خطورة الوضع.
وكنا نعرف جيدا أن الشيوعيين الإيطاليين يستخدمون الأموال الموجودة تحت تصرفهم من أجل السيطرة على العناصر الأساسية في المجتمع المدني الإيطالي كالناشرين والصحافة والنقابات وجمعيات الطلبة والمنظمات النسائية». وفي الوقت نفسه كانت تتزايد قوة الأحزاب الشيوعية في بلدان أوروبا الغربية الأخرى وخاصة في فرنسا.
في مواجهة مثل ذلك الوضع، كان لا بد لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية من الرد. وسرعان ما تبنّت عدة طرق كانت تلجأ لها الأجهزة السوفييتية أيضا مثل الرشوى وشراء الصحافيين والنقابات والسياسيين الإيطاليين. كما لجأت الوكالة إلى تمويل الأحزاب الإيطالية الأخرى بما في ذلك الحزب الاشتراكي من أجل «مجابهة» الشيوعيين.
كان السياسيون الأميركيون قد ألحّوا منذ الهجوم على قاعدة بيرل هاربور الأميركية، على ضرورة ترقب التهديدات، مهما كانت قبل حدوثها. بهذا المعنى شكّلت وكالة الاستخبارات المركزية «خط الدفاع الأول».
كما ذكر جميع رؤساء الولايات المتحدة من هاري ترومان إلى جورج دبليو بوش. ذلك على أساس أنهها «العين الساهرة» على الولايات المتحدة. وبالتالي هي الضامن لاستشراف الأزمات. على هذا كانت دائما محط اللوم في كل مرة «فوجئت» بها أميركا بحدث مهم عسكري أو أمني أو سياسي.
وتزودت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ب«وحدة» مكلّفة بالقيام بالعمليات السرية، بناء على أوامر مجلس الأمن القومي الأميركي. وسُميت هذه الوحدة ب«مكتب التنسيق السياسي». وإذا كان تمويله من الوكالة فإن ليس لمديرها سوى سلطة محدودة عليه. ذلك أنه يأخذ أوامره من وزير الدفاع في زمن من الحرب ومن وزير الخارجية في الأوقات الأخرى. هذه العلاقات المتداخلة تخفي عمليا المسؤولية الحقيقية للرئيس الأميركي فيما يخص العمليات السرية.
قام «مكتب التنسيق السياسي» التابع للسي. آي. ايه بعدة عمليات سرية في بلدان أوروبية الشرقية والوسطى (الشيوعية سابقا) اعتبارا من عام 1949. وكانت البداية في ألبانيا حيث كان يتم تدريب عناصر شبه عسكرية في جزيرة مالطة قبل إرسالهم إلى بلدهم الأصلي بواسطة السفن أو عبر قيامهم بالقفز بمظلات من الطائرات. ثم توالت العمليات في أوكرانيا وبولندة وغيرهما من بلدان المعسكر الاشتراكي السابق.
لكن ما يتم تأكيده في هذا السياق هو أن الأجهزة السرية السوفييتية وحلفاءها كانت أكثر فعالية من مثيلاتها الأميركية، في فترة بداية الحرب الباردة. لقد كان الشيوعيون أقوى في حرب الاستخبارات. وقد بدا أن «الستار الحديدي» الذي كان يفصل القارة الأوروبية إلى قسمين «غير قابل للاختراق» بالنسبة للأميركيين الذين لم تكن تتوفر لديهم أية معلومات «أكيدة» حول سياسة الاتحاد السوفييتي. بل لم يكونوا يتوصلون إلى فك رموز الرسائل «المشفّرة» السوفييتية السرية.
وفي مطلع سنوات الخمسينات المنصرمة تزايدت ميزانية وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بالترافق مع ارتفاع ميزانية الجيش. كانت الولايات المتحدة قد بدأت إعادة تسليح نفسها. سادت لدى أغلبية الأميركيين آنذاك فكرة أن حربا كبيرة سوف تندلع بعد فترة قريبة. كذلك تسارع إيقاع العمليات السرية، ودعت رئاسة مجلس الأمن القومي إلى «زيادة عدد عناصر الجهاز السري فورا (...) وزيادة عدد العمليات السرية من أجل المساهمة في دحر وتقهقر النفوذ السوفييتي».
قفزة نوعية
هكذا تضاعف عدد العاملين في «مكتب التنسيق السياسي» ثلاث مرّات. وأصبح يستخدم في عام 1952 ما مجمله 2800 شخص بالإضافة إلى أكثر من 3000 متعاقد للعمل معه في الخارج. وما بين عام 1949 و1952 ازداد عدد «المحطات» العاملة معه في الخارج من 7 إلى 48 محطة. ازدادت ميزانيته في الفترة نفسها من 7,4 مليون دولار إلى 84 مليون دولار.
ووصل الإنفاق على العمليات السرية في عام 1953 ما يقارب ال400 مليون دولار، أي ما يعادل ثلاثة أرباع ميزانية وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية آنذاك. الأمر الذي دعا «والتر سميث» مديرها إلى القول: «لقد وصلنا عمليا إلى اللحظة التي كان من الضرورية فيها القرار عمّا إذا كانت السي. آي. ايه سوف تبقى وكالة استخباراتية أو أنها سوف تصبح وزارة الحرب الباردة».
لقد عرف أيضا «مكتب الاستخبارات العلمية» التابع للوكالة الاستخباراتية المركزية ازدهارا كبيرا أيضا. وجرى تقسيمه إلى عدة اختصاصات تتناظر مع المشارب العلمية المختلفة من فيزياء وكيمياء وبيولوجيا وطب وعلم فلك...
وإذا كان العلميون الأميركيون قد ترددوا في البداية بالتعاون مع السي.آي. ايه فإن العديدين منهم قدّموا خدمات لها فيما بعد، لاسيما في ميادين الحرب الكيميائية والبيولوجية والإلكترونية. وكان قد أصبح في مقدمة أولويات الوكالة الكشف عن أسرار التقنيات الجديدة التي كان السوفييت يستخدمونها وأُطلقت عليها تسمية «إكسير الحقيقة» وترغم من يخضعون لها على قول كل ما لديهم أثناء التحقيق معهم.
ويذكر المؤلف هنا مثال الحرب الكورية حيث تعاون 15 بالمئة من سجناء الحرب الأميركيين مع الصينيين ووقع 70 بالمئة منهم اعترافات عن قيامهم بجرائم حرب كما شجبوا أعمال الحكومة الأميركية.
ويذكر المؤلف في هذا السياق قيام علاقات بين السي.آي.ايه ومسؤولين نازيين كبار، ذلك بالاعتماد على أراشيف جرى الكشف عنها عام 2005 ودلّت بعض وثائقها على وجود علاقة بين الوكالة وخمسة على الأقل من الذين كانوا مقرّبين إلى أدولف ايخمان، المسؤول عن الشؤون اليهودية لدى جهاز الأمن النازي «الجستابو».
كما يتم التأكيد أن الوكالة كانت تمتلك معلومات عن ايخمان نفسه عندما كان يختبئ في أميركا اللاتينية تحت اسم مستعار هو «كليمان». كان جهاز الموساد الإسرائيلي يتعقبه أيضا. لكن أراشيف الوكالة الاستخباراتية المركزية الأميركية تدل على أنها احتفظت بمعلوماتها عن ايخمان لنفسها. لماذا؟ لأنها كانت تخشى في الواقع من نتائج محاكمته. لكن انتهى الأمر بالموساد إلى القبض عليه عام 1960 ونقله إلى إسرائيل حيث جرى إعدامه.
بكل الحالات في اللحظة التي كان ترومان يستعد فيها لتسليم الإدارة إلى رئيس آخر، كان الكونغرس والصحافة والرأي العام في أميركا ينظرون إلى السي.آي.ايه كأداة مهمة بالنسبة للأمن القومي الأميركي ولحماية مصالح الولايات المتحدة في العالم.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف


