في سابقة فريدة من نوعها في صناعة الدواء العالمية، أبرمت الوكالات الطبية المدعومة من قبل الحكومة البريطانية مؤخرا اتفاقا مع إحدى شركات الأدوية ينص على ألا تتقاضى الشركة ثمن دوائها الخاص بعلاج سرطان القولون إلا في حال ثبوت فعاليته مع المرضى.
الهدف من وراء هذا الاتفاق، الذي يعد الأول من نوعه في عالم الدواء، كما تشير مجلة «نيوساينتست» العلمية في أحد أعدادها الأخيرة، هو أن تؤدي هذه الخطوة، إلى جانب مبادرات أخرى مماثلة في السوق، إلى علاج الأزمة التي تواجه أنظمة الرعاية الصحية الموجودة في مختلف البلدان الغربية والمتمثلة في الارتفاع الجنوني لأسعار أدوية السرطان الجديدة.
فظاهرة ارتفاع الأسعار وصلت إلى ذروتها وأدت إلى أن عددا كبيرا من المرضى أصبحوا غير قادرين على الاستفادة من عقار يلعب دورا حيويا في بقائهم على قيد الحياة. وتضرب المجلة في هذا الصدد أمثلة عديدة للارتفاع الجنوني في أسعار أدوية السرطان، وتقول إن المصابين بسرطان الثدي في بريطانيا ونيوزيلندا وأستراليا يتعين عليهم دفع نحو 70 ألف دولار أميركي سنويا للحصول على عقار هرسيبتين.
واضطرت حكومات تلك الدول إلى التدخل لتخفيض السعر وتقديم يد العون بسبب توالي شكاوي المواطنين المتضررين من المرض. وعلى الرغم من ذلك تبين أن ما تم تقديمه من مساعدات لا يكفي الشريحة الأكبر من المرضى؛ فدولة مثل نيوزيلندا قررت تحمل مصاريف العلاج لمدة تسعة أسابيع فقط لكل مريض على أن يتحمل المرضى بقية العلاج إذا قرر الأطباء استمرار جرعة العلاج لمدة سنة.
وفي الولايات المتحدة تشير التقارير إلى أن علاج مريض بسرطان القولون يحتاج إلى 250 ألف دولار سنويا، وهو المبلغ الذي لن يمنحه الأمل إلا لنحو 22 شهرا إضافية إذا كان بالفعل في مرحلة متقدمة من المرض. وفي السويد أدى ارتفاع أسعار عقاقير السرطان إلى أن شخصا واحدا فقط من أصل كل خمسة أشخاص مصابين بالمرض يستطيع تحمل تكاليف الدواء اللازم.
وفي هذا الصدد استشهدت المجلة ببحث نشره عالمان سويديان تناولا فيه نسبة الذين يحصلون على علاج للسرطان في 25 دولة على مستوى العالم، وخلصا إلى نتيجة مؤكدة مفادها أن أدوية السرطان بشكل عام يجري تصنيعها لخدمة الأغنياء فحسب من دون النظر إلى أي اعتبارات أخرى إنسانية كانت أم أخلاقية.
وتضيف «نيوساينتست» في هذا الشأن أن التعرض لقضية عدم تكافؤ الفرص بين الأغنياء والفقراء فيما يتعلق بالوصول إلى هذا النوع من الأدوية يحتم تفهم أسباب ارتفاع الأسعار بهذا الشكل. أحد هذه الأسباب يتمثل في حقيقة أن العقاقير القديمة كانت تعرف بالأدوية العمياء، بمعنى أن العقار كان يقتل الخلايا المسرطنة وغير المسرطنة في آن مما يتسبب في ضرر كبير للمريض.
أما الآن فقد اختلف الوضع في ضوء قدرة العقاقير الحديثة على التمييز بين الخلايا المصابة بالمرض والصحيحة وذلك بشكل دقيق للغاية. فالعقاقير الحديثة تستهدف المسار الكيميائي الذي يحفز نمو الخلايا السرطانية في الجسم فضلا عن تحفيز نظام المناعة في الجسم على تدمير الخلايا المسرطنة.
ومن ثم فإن التوقعات المتفائلة لنتائج تناول مثل هذه العقاقير دفعت شركات الأدوية إلى رفع السعر بشكل خيالي، على حد وصف المجلة. فالهدف الرئيسي لأي شركة عقاقير هو في الأساس تحقيق الأرباح ولا جرم أن صناعة العقاقير هي أكثر الصناعات الأميركية تحقيقا للأرباح.
يقول ليونارد سالتز، وهو باحث في مركز سلوان لعلاج السرطان في مدينة نيويورك: « مثل تلك العقاقير من المفترض أن تعالج البشر، فهي تخلص المريض من واحد من أبشع المصطلحات الطبية، وهو العلاج الكيماوي. غير أن المشكلة الرئيسية تتمثل في أن معظم تلك الأدوية لا تحقق النتائج المتوقعة منها، وتنتهي بنا الحال ونحن ندفع ثمن التوقعات بدلا من دفع مقابل ما نحصل عليه عمليا من نتائج».
هذا الارتفاع الجنوني على حد وصف المجلة لعقاقير معالجة السرطان دفع البعض إلى التفكير في التوصل إلى حل جذري للمشكلة. وكانت الدوائر الصحية في بريطانيا أول من تحرك في هذا الشأن. فقد حدث أن رفض المعهد الوطني للتميّز الإكلينيكي والصحي في بريطانيا، وهو الجهة المنوط بها تحديد ما إذا كان العقار يناسب سعر السوق أم لا- رفض التصريح بتداول عقار فيلكيد بسبب ارتفاع سعره بشكل كبير.
فقد تبين عند إجراء التحليلات أن هذا العقار الذي من المفترض أنه يعالج سرطان الدم لا يحقق المطلوب منه ولا يعالج إلا شخصا واحدا من أصل كل ثلاثة أشخاص يتناولون العلاج، فضلا عن أنه لا يزيد حياة هذا الشخص إلا بنحو 12 شهرا مقارنة بالذين لا يتناولون العقار والمصابين بسرطان الدم.
وبعد مفاوضات ماراثونية دامت شهوراً طويلة توصل الطرفان إلى اتفاق هو الأول من نوعه في صناعة الدواء يفيد بأن يجري دفع ثمن الدواء للشركة المنتجة، وهي شركة جانسن سيلاج، بعد إجراء تحليل دم للشخص المصاب يثبت أن العقار يحقق المراد منه.
غير أن مثل تلك الاتفاقات ستظل نادرة الحدوث في دنيا الدواء وذلك لأسباب عديدة أهمها هو أنه غالبا سيكون من المستحيل معرفة أي مريض استجاب بشكل إيجابي للعقار. غير أن مثل هذا الاتفاق أكد على نقطة في غاية الأهمية على حد قول ألن جاربر من مركز السياسات الصحية في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا الذي يوضح في هذا الشأن: « لقد أثبت هذا الاتفاق أن شركات العقاقير ستغير من اتجاهاتها في حال حدوث تغيير جذري في آلية عمل السوق.»
غير أن التغيير الحادث حتى الآن في السوق على حد قول المجلة يتمثل في ظهور جهات عديدة تختص بعملية تحديد مدى تناسب سعر الدواء مع تكلفته، الأمر الذي أدى إلى حجب ظهور عدد كبير من الأدوية بدلا من خفض سعرها.
أحد السبل التي يمكن إتباعها لتقليص تكلفة العقار، بحسب المجلة، هو ما دعا إليه عالم الأورام أيان هاينز، الأستاذ بجامعة ملبورن الأسترالية الذي يقول إن تقليص الفترة الزمنية لتعاطي العقار يعد من الوسائل الفعالة لخفض التكلفة.
ويضيف العالم في هذا الصدد: « شركات العقاقير عادة ما توصي بتناول العقار لأطول فترة آمنة ممكنة حتى تضمن تحقيق أعلى نسبة من الأرباح وذلك في الوقت الذي يمكن للمريض تناول العقار لفترة أقصر ويحصل على النتائج نفسها التي سيحصل عليها إذا استكمل العلاج حتى نهاية المدة التي توصي بها الشركة المنتجة للعقار. أفضل مثال في هذا الصدد هو العقار هرسيبتين.
فقد أوصت الشركة المنتجة له بتناوله على امتداد عام كامل لعلاج السرطان، غير أن التجارب المعملية أثبتت أن تناوله تسعة أسابيع فحسب يأتي بالنتائج نفسها التي يأتي بها العلاج على امتداد عام كامل بالإضافة إلى تقليص إمكانية إصابة المريض بأمراض قلبية، وهي الأمراض التي تعد أحد الأعراض الجانبية لتناول العقار».
وتخلص المجلة إلى القول إن هذا الخيار الخاص بتقليص مدة تعاطي العقار قد يأتي بثماره ريثما يظهر حل جديد أكثر فعالية. وحتى ظهور ذلك الحل المنتظر، فإن الوكالات الطبية والأطباء والمرضى سيظلون أمام خيارين أحلاهما مر.
يقول الباحث ليونارد سالتز: « نحن نتجه إلى مرحلة سنكون مجبرين فيها على قول الآتي لمريض في مرحلة متأخرة من سرطان القولون: «سيدي، يمكنني منحك عقارا بقيمة 500 دولار قد يمنحك أملاً إضافياً بالحياة لمدة 11 شهرا، ويمكنني أيضا منحك عقارا أحدث يمنحك أملاً إضافياً لمدة 22 شهرا ولكن بتكلفة تصل إلى 250 ألف دولار!!».
إعداد: حاتم حسين
