في 2008 ستقفز قضايا عديدة إلى بؤرة الاهتمام العالمي، الأمر الذي من شأنه أن يدفع المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته تجاه كل قضية منها والعمل على إيجاد حل سلمي لكل صراع على حدة.

إحدى أهم تلك القضايا هي إيران، فإمكانية وجود دولة إيرانية تمتلك قدرات نووية هو أمر يعد بمثابة مخاطرة أمنية لا يمكن قبولها. إن المجتمع الدولي بدوره مطالب بتغليظ العقوبات وفي الوقت نفسه بمنح إيران حوافز في حال احترامها لالتزاماتها الدولية. وفي هذا الصدد تقدمت الدول الست، التي تتكون من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي بالإضافة إلى ألمانيا ـ تقدمت بعروض للتعاون في جميع المجالات التي من شأنها تقديم الدعم اللازم لإيران في حال تعهدها بالتخلي عن برنامجها النووي، الأمر الذي يمثل فرصة لحكومة طهران كي تنهي عزلتها الدولية وتركز على الأغراض السلمية للطاقة النووية فحسب.

وفيما يتعلق بكوسوفو، فإنني ما زلت مقتنعا بأن الآثار الأليمة للماضي تجعل من خيار الاستقلال أمرا حتميا لجميع الأطراف المعنية؛ غير أنني في الوقت نفسه ما زلت آمل أن يتوصل الصرب والشعب في كوسوفو في النهاية إلى حل يرضي الطرفين.

ولكن في حال أن ينتهي المجتمع الدولي إلى قرار يفيد بأنه لا أمل في التوصل إلى اتفاق بين الأطراف المعنية، فإنه سيتحتم التوصل إلى قرار حاسم في هذا الصدد يتضمن وضع آلية مراقبة دولية تضمن حماية حقوق الأقلية. وفي هذا الصدد ستكون هناك ضرورة ماسة لموقف أوروبي موحد، حيث سيعتمد مستقبل منطقة البلقان في المدى البعيد على دور الاتحاد الأوروبي في هذا الصدد.

وفيما يتعلق بدارفور، فإن الاجتماع الدولي الذي عُقد في باريس في يونيو 2007 قد أسفر عن قرارين جوهريين صدرا عن مجلس الأمن الدولي؛ أما الأول فيتمثل في إنشاء قوة مشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي ترابط في دارفور، والثاني يسمح بنشر قوة دولية في تشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى.

هاتان القوتان يجب نشرهما الآن من أجل التعامل مع أي حالة طوارئ إنسانية وأمنية تحدث في المنطقة هناك. كما يتعين على المجتمع الدولي أن يمارس ضغوطه على أي طرف يثبت ضلوعه في إعاقة التوصل إلى تسوية في المنطقة.

ولا شك أن استئناف المحادثات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية هو أمر يبشر بالخير ويعطي أملا بالتوصل إلى سلام في المستقبل. ومن الواضح أن الوضع الحالي يتطلب مزيدا من الجهد والعمل، ولكن في ضوء أن الطرفين قد أبديا إرادة سياسية أكبر من أي وقت مضى لتحقيق السلام، فإن الأمل لا يزال موجودا.

وبخصوص الوضع اللبناني، فإن انتخاب رئيس بشكل يتماشى مع المعايير الدستورية المتبعة هو أمر يمثل مرحلة لابد من الوصول إليها من أجل تحقيق عملية المصالحة في البلاد. ولقد بذلت فرنسا مجهودات كبيرة لإعادة الحوار بين الأحزاب اللبنانية المختلفة. غير أن العبء الأكبر يقع على عاتق تلك الأطراف كي تتوصل إلى حل سياسي.

فنحن نتوقع من كل أطراف المنطقة، بما فيها سوريا، أن تتحرك في اتجاه بلورة هذا الحل السياسي. وفي أفغانستان، يجب على حلف شمال الأطلسي مواصلة عمله في هذا البلد، غير أنه من المهم أيضا أن تعمل دول التحالف على تدريب الجيش الأفغاني بشكل أكثر فعالية وتسعى إلى زيادة المساعدات المقدمة للشعب الأفغاني.

وعلى الساحة العراقية، فإنه يتحتم التوصل إلى حل سياسي، فلا مجال لأي حلول أخرى. هذا الحل يتضمن تهميش جميع المتشددين وتحقيق مصالحة وطنية تقوم على طمأنة العراقيين بأن جميع أفراد الشعب يجب أن يحصلوا على نصيب عادل من موارد وثروات البلاد. هذا الأمر يتطلب بدوره تحديد جدول زمني لسحب جميع القوات الأجنبية الموجودة في البلاد، لأن هذا الانسحاب هو ما سيدفع جميع الأطراف إلى تحمل مسؤولياتهم تجاه الوضع في ذلك البلد.

وبعيدا عن هذه الأزمات، فإن عام 2008 سيمثل فرصة لتحقيق تقدم بشأن قضايا رئيسية عديدة.

أولى تلك القضايا هي أوروبا. فبالنسبة لي، فإن النصف الثاني من 2008 سيشهد تولي فرنسا رئاسة الاتحاد الأوروبي. وأنا أريد استغلال رئاسة بلادي للاتحاد في مساعدة القارة علي تحقيق تقدم في مجالات رئيسية عديدة مثل مجالات البيئة والطاقة والهجرة.

وأريد تحقيق تقدم مماثل في المجال العسكري؛ فنحن لا يجب علينا التعامل مع فكرة الدفاع الأوروبي المشترك باعتبارها قوة مناوئة لحلف شمال الأطلسي. فنحن بحاجة إلى القوتين معا واعتبار كل قوة منهما مكملة للأخرى. ويجب أيضا أن تمهد رئاسة فرنسا للاتحاد الأوروبي الطريق نحو تنفيذ المعاهدة الأوروبية المبسطة بحلول يناير 2009. فبفضل هذه المعاهدة سيتمكن الاتحاد من الهروب من حالة الشلل المؤسسي التي نعاني منها في أوروبا.

كما أنني أود تحقيق تقدم في مشروع أراه يحتل أولوية في السياسة الخارجية الفرنسية، ألا وهو مشروع الاتحاد المتوسطي. الهدف من المشروع هو تحقيق تكامل واندماج بين دول حوض البحر الأبيض المتوسط في معالجة قضايا البيئة والحوار الثقافي والنمو الاقتصادي والأمن. مثل هذا الاتحاد يجب أن يعتمد على مشاريع طموحة ولكنها في الوقت نفسه مشاريع عملية يمكن تنفيذها على أرض الواقع، وتؤكد لدول المنطقة أننا نستطيع معا بناء مستقبل مشترك يستفيد من مفهوم السلام السائد بيننا.

وأخيرا وليس آخراً، هناك تحدي ظاهرة الاحتباس الحراري. ففي 2008 ستكون هناك أهداف جديدة في اطار مرحلة ما بعد اتفاقية كيوتو يتوجب على دول العالم العمل على تحقيقها. غير أن أي جهود تُبذل من جانبنا ستذهب سُدى إذا لم يصاحبها تنسيق مع دول مثل الصين والهند. ويتعين علينا أيضا ضمان أن تتلقى الدول النامية الاهتمام اللازم الذي تستحقه، ومن ثم يتمكن كل طرف من التعبير عن مخاوفه وفي النهاية يجري التوصل إلى نظام مناخي جديد من خلال الأمم المتحدة.

عن «ايكونوميست»

بقلم: نيكولا ساركوزي