يُمكن التأكيد بشكل مطلق على أن أميركا اللاتينية لا تلقى أي قدر من الاحترام في الدوائر السياسية في واشنطن. فأي ذكر لهذه المنطقة من العالم في أي اجتماع لخبراء السياسة الخارجية في واشنطن ممن هم ليسوا اختصاصيين في شؤون أميركا اللاتينية سيقابل بوجوم فوري من جانبهم.

قد يتم التطرق بشكل سريع إلى سياسة الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز، غير أن النقاش سينتقل سريعا نحو قضايا الشرق الأوسط أو روسيا أو الصين. وإذا عدنا لعام 1971، سنجد أن الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون كان قد أسدى نصيحة وقتها لوزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد الذي كان شابا حينها قال فيها: «أميركا اللاتينية لا تهم.. فالناس لا يهتمون البتة بشؤون أميركا اللاتينية الآن». فما كان من رامسفيلد إلا أن نفذ نصيحة نيكسون بحذافيرها.

غير أن قضايا أميركا اللاتينية تنال اهتماما أفضل في وسائل الإعلام التي تخاطب عامة الشعب. ويتزايد الاهتمام بأميركا اللاتينية بشكل كبير عندما تتورط الولايات المتحدة في مشكلات مع دول المنطقة. ومن ثم فإن السنوات القليلة الماضية قد شهدت كتابات وتغطيات صحافية عن هوغو شافيز فاقت ما نالته المنطقة برمتها من تغطية إعلامية طوال التاريخ.

الارتباط الوحيد الذي يجمع الكثيرين في الولايات المتحدة بأميركا اللاتينية يتمثل في المشكلات المعروفة التي تتسبب فيها تجارة المخدرات والعصابات المنظمة وقضايا الهجرة غير الشرعية. بيد أن أميركا اللاتينية تستحق اهتماما أكبر من قبل الأميركيين وذلك لأسباب كثيرة، وليس لمجرد أن اللاتينيين يشكلون أكبر أقلية عرقية في الولايات المتحدة.

حيث يمثلون 15% من تعداد السكان ويليهم الأميركيون من أصل افريقي الذين بدورهم يشكلون 13% من تعداد الشعب الأميركي. كما أن المنطقة تحوي بين أراضيها أكبر تجمع من الحكومات الديمقراطية، غير أنها في الوقت نفسه تعاني مستويات ضخمة من الظلم الاجتماعي والحكم الفاشي.

ومن ثم فإن هذه المنطقة تمثل أرضا خصبة للنماذج التنموية المختلفة والمتناقضة في فحواها؛ فهناك النموذج الشيوعي والنموذج الاشتراكي والنموذج الرأسمالي المنادي بالاقتصاد الحر. لقد تم خوض الحرب الباردة على أراضي أميركا اللاتينية وذلك منذ الانقلاب الذي حدث ضد يعقوب أربنز في غواتيمالا مرورا بالثورة الكوبية والأنظمة المسلحة التي نشأت كرد فعل لهذه الثورة، وانتهاءً بالحروب الأهلية التي نشبت في أميركا الوسطى في منتصف الثمانينات.

وجاءت نهاية الحرب الباردة بمثابة فرصة لتدشين بداية جديدة. فقد ضغطت واشنطن والمؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على حكومات أميركا اللاتينية كي تفتح اقتصاداتها على العالم وتنصاع لمبادئ العولمة وتقلص من دور الدولة في إدارة الاقتصاد.

غير أن هذا التحول في الأفكار الذي أيدته واشنطن لم يفرز نموا اقتصاديا ضخما في أميركا اللاتينية كما كان الحال في آسيا، بل على العكس أدى الأمر إلى أزمة ركود اقتصادي في أواخر التسعينات وإلى انهيار اقتصادي سريع وكامل في الأرجنتين.

وقد مهد هذا الركود الطريق نحو انتخاب قادة من يسار الوسط في الأرجنتين وبوليفيا والبرازيل والإكوادور ونيكاراغوا وأوروغواي وفنزويلا، حيث ندد بعض من هؤلاء القادة بالسياسة الأميركية واصفين إياها بـ «الليبرالية الجديدة» التي تتسبب في المشكلات التي تواجه اقتصادات دولهم.

إن نماذج التنمية لها أهمية كبيرة. فإذا لم تستطع الولايات المتحدة قيادة الدول التي تقع بالقرب منها جغرافيا نحو اقتصاد السوق والديمقراطية الليبرالية، فإنه ليس من المنطقي أن تحاول تغيير سياسة دول تبتعد عنها بمسافات كبيرة وفي الوقت نفسه لها ثقافاتها المختلفة كلية عن الثقافة الأميركية. وفي الوقت الحالي تشير كل النقاشات الدائرة في النصف الغربي من الكرة الأرضية إلى أن الأفكار الأميركية حول التنمية قد فشلت في تحقيق الهدف من ورائها.

غير أن حقيقة الأمر تبدو أكثر تعقيدا في الواقع. فعلى الرغم من التصرفات الغريبة لشافيز، فإن معظم دول أميركا اللاتينية تسير بشكل ناجح نحو تقوية وتعضيد مؤسساتها الديمقراطية وتعمل على دمجها في الاقتصاد العالمي، وبدأت في التعامل مع ظواهر الظلم الاجتماعي بشكل ينبئ بحدوث تقدم في المستقبل في علاج هذه المشكلات المزمنة في هذه القارة.

إن هذه الأخبار المتعلقة بالتقدم البطيء ولكن المنتظم الذي تحققه تلك الحكومات الإصلاحية في أميركا اللاتينية لن يجدها القارئ مطلقا في صدر العناوين الرئيسية للصحف، غير أنها تلقى اهتماما كبيرا من قبل الكاتب مايكل ريد مراسل مجلة «إيكونوميست» في كتابه الجديد «القارة المنسية: المعركة حول روح أميركا اللاتينية».

يقول ريد إن «معظم دول أميركا اللاتينية أضحت في بداية 2007 في وضع هو الأفضل لها خلال ربع القرن الماضي. فعلى الرغم من عدم اكتمال الإصلاحات الاقتصادية وعلى الرغم من بعض الأخطاء التي تم ارتكابها، إلا أن الإصلاحات الاقتصادية التي تمت في القارة قد منحت المنطقة بأسرها مجالا يمكن الانطلاق منه للبحث عن حظوظها في العالم».

ويورد ريد في هذا الصدد مثالا بما حدث على الساحة النفطية في الآونة الأخيرة بعد زيادة سعر برميل النفط إلى مستويات قياسية منذ 2001، حيث أعطت هذه الزيادة مصداقية كبيرة للبديل الاقتصادي الذي يمثله هوغو شافيز وهو الثورة البوليفارية في فنزويلا.

فهذا النموذج شعبوي في فحواه ويُلبي على المدى القصير مطالب الشعبويين المتمثلة في زيادة الإنفاق الاجتماعي ولكنه في الوقت نفسه نموذج تنموي لا يمكنه الاستمرار على المدى البعيد ليس بالنسبة للدول الأخرى التي لا تمتلك الموارد النفطية التي تتمتع بها فنزويلا فحسب وإنما لا يمكنه الاستمرار أيضا مع فنزويلا نفسها على المدى البعيد.

أما الحل الواقعي بالفعل فإنه يتمثل فيما فعلته دول مثل البرازيل والمكسيك، وهما الدولتان اللتان قدمتا نماذج إصلاحية يمكنها الاستمرار بشكل أطول من النموذج الفنزويلي. فكما أفاد ريد في كتابه، فإن «الحركات الاجتماعية الراديكالية التي تقوم بها بعض الأطراف التي تحوم حولها أحيانا بعض الشكوك.

قد تسيطر على العناوين الرئيسية في الصحف بما تتسبب فيه من تظاهرات في الشوارع، غير أن قوة الرأي العام التي يجري التعبير عنها عبر وسائل الإعلام ومن خلال الحكومة المحلية ومن خلال الجماعات المدنية، هي في الغالب التي تكون أكثر تأثيرا وأهمية في تحقيق التغيير المطلوب بشكل هادئ».

هناك دليل على حدوث تقدم يحققه القادة الديمقراطيون الإصلاحيون في أميركا اللاتينية في عدد من المجالات، أهمها الجودة العالية في إدارة سياسات الاقتصاد الكلي في كل دول المنطقة بشكل فعلي. إن أزمة الدين الخارجي التي وقعت في أوائل الثمانينات كان سببها فشل القادة السياسيين في تحجيم الإنفاق عقب الصدمات النفطية في عقد السبعينات.

واليوم فإن الدول الواقعة في نصف الكرة الأرضية الذي لا يملك موارد نفطية تواجه ارتفاعا في فواتير الاستيراد مرة أخرى. ولكن على الرغم مما يصدر عنها من عبارات طنانة ضد سياسة واشنطن، إلا أن معظم هذه الدول تواصل السير وفق سياسات اقتصادية تقليدية نسبيا كسبت من ورائها نموا اقتصاديا يصاحبه انخفاض في معدلات التضخم.

عدد كبير من الدول المصدرة للطاقة باستثناء فنزويلا قد أنشأت صناديق سيادية هدفها الحفاظ على استقرار البلاد عن طريق الاحتفاظ ببعض الإيرادات تحسبا لأي فترة عدم استقرار يمكن أن تطرأ في أي وقت في المستقبل، وهو التوجه الذي يخالف توجه الدول نفسها في الماضي.

ترجمة: حاتم حسين عن: «فورين أفيرز»

بقلم: فرانسيس فوكوياما