يحدد الباحث والمؤرخ الدكتور رشيد الخيُّون همه الأساسي اليوم بأنه الاستنجاد بالتاريخ لقضايا معاصرة، ففي رأيه أن الزمن والتطور لا يسيران دوما إلى الأمام، وكانت دراسته للفلسفة قد قادته إلى التخصص بفرقة المعتزلة التي تقدم العقل على سواه، وهو يرى العديد من مقولاتها أكثر تقدما من واقعنا الحالي، بل يعتقد انه لو تسنى لهذه الفرقة الاستمرار لدام تطور العلوم والاختراعات عند العرب، ولاخترع الإنترنت في البصرة، حيث ظهر المعتزلة، لا في طوكيو أو واشنطن.

لكنه يشير إلى أننا ما زلنا غير مستلهمين ذلك التاريخ، ولذا ما زالت حوادث التاريخ تتكرر عندنا بشخوص أخرى. ويضيف: طالما أننا لا نستطيع مغادرة التاريخ فعلينا الاستفادة من أحداثه، ذلك أن استخداماتنا للتقنيات الحديثة كمستوردات يعني أن انسجامنا معها هو من ناحية الحاجة والاستعمال، وليس من الناحية الروحية والتواصل الفكري. ولا يجد الدكتور الخيُّون فائدة ترجى من الدعوات التي أطلقتها كثير من الدول للتقريب بين المذاهب، ويدعو بدل ذلك إلى التعايش.

لأن في التعايش تسهيلا للحياة وقبولا للآخر، في حين أن التقريب يقصد به الوصول إلى الواحد، وكأن في وجود المذاهب والفرق خطأ. ويرى أن العيب ليس في تعدد الطوائف والمذاهب، وإنما في استغلالها وصناعة الكراهية عبر اختلافاتها، مشيرا إلى أن الطائفية تنتعش في الماضي والحاضر بدوافع سياسية وليست دينية، وقاسمها المشترك إنما هو الاحتماء بهذه الكتلة أو تلك. ويرد واقع نقص حرية الكلمة والفكر في المجتمع العربي إلى وجود منظومة مجتمعية مركبة من الهيمنة إلى جانب السلطة.

وهو يميز بين الثقافة ومجال البحث والتفكير، فالأولى يمكنها العيش تحت المعاناة أما البحث والتفكير فيحتاجان إلى مساحة من الحرية وإلا بقيا حبيسين. وحدة الدراسات في «البيان» أجرت حوارا معمقا مع الباحث الدكتور الخيون، وفي ما يلي الجزء الثاني والأخير من الحوار:

تقارب أم تعايش؟

* د. محمد عبد الله المطوع: كتاباتك الأخيرة، وبالذات «تاريخ الأديان والمذاهب في العراق»، تتضمن حديثا تفصيليا عن الطائفية، وهذا يقودنا للتساؤل عن أوضاع العراق حاليا وما يجري في الشارع العراقي أو داخل المؤسسات العراقية، هل هو تعبير عن طائفية دينية أم طائفية سياسية؟

ـ د. رشيد الخيُّون: الطوائف واقع موجود، وليست هناك ديانة أو فكر، بل ليست هناك عقيدة يمكن أن تبقى صامتة على الرقم واحد.

لا بد للعقائد أن تتفرع ما دامت حيوية، فقط العقائد غير الحيوية تبقى على تاريخيتها جامدة. وطالما تعيش الناس العقائد وتمارسها فلا بد أن تظهر فيها طوائف ومذاهب، وهذا شأن الحياة، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم بأن الناس لا يمكن أن يكونوا أمة واحدة، ومشيئة الله لا تريد لهم ذلك، لأن الاختلاف أمر طبيعي.

لذلك عندما أقرأ كتاب «إسلام بلا مذاهب» لمصطفى الشكعة مثلاً، أراني لا أتفق مع هذا الكاتب، لا في العنوان ولا المحتوى. لأن العنوان غير واقعي، ولأن المحتوى يؤمن بهذا التعدد، فهو يتكلم عن المذاهب مثل الحنفية والمعتزلة والأشاعرة، كما أجدني غير متفائل حيال ما أسمعه اليوم من دعوات إلى التقريب بين المذاهب.

فبدل الدعوة إلى التقارب يمكن الدعوة إلى التعايش، لأن دعوة التقريب تتضمن تنازلا متبادلا من الأطراف، في حين يمكن أن يعيش كل منا مقولته الفقهية والفكرية ويمارسها. أرى في دعوة التقارب محاولة لتجاوز التعدد إلى الواحد، وكأن وجود المذاهب والفرق خطأ. وأرى على العكس أن المذاهب والفرق صحيحة من ناحية أنها ظاهرة طبيعية، والعيب ليس في التعدد وإنما في استغلالها وصناعة الكراهية من خلال هذا الاختلاف، سواء أكان على المستوى الديني أو الاجتماعي.

وما يحصل بين الأديان وما يمارسه المتشددون والمتعصبون هو أنهم يذهبون حتى إلى استخدام الطعام في التفريق بين الناس، «طعام طاهر وآخر نجس». وأعتقد أنه ليس هناك أكثر مدعاة للكراهية من أن يشعر الإنسان أنه غير طاهر، وهذه الإشكالية الكبيرة يمارسها فقهاء كبار. ويمكن استخدام أمثلة عن ذلك من السنة والشيعة. فالتعصب هو الذي يشحن الكراهية والطائفية.

لذا أقول إن الطائفية في الماضي وما يحصل الآن هي بدوافع سياسية وليست دينية، لأن أعضاء المجتمع يعرفون أنهم مختلفون، ومنذ فترات طويلة وما زالوا في العراق. وأذكر العراق لأن القضية الطائفية فيه صارخة في ظل هذه الظروف، ولأن المسلم بلا تسييس للاختلاف لا يسأل جاره عن ديانته أو مذهبه. وعموماً، بمتابعة حوادث الطائفية ومعاركها وبث الكراهية من خلالها، فإن القاسم المشترك بين أزمنتها أنها سياسية يقف وراءها من يريد توظيفها، والاحتماء بهذه الكتلة أو تلك.

لم يكن صدام حسين طائفيا على المستوى الديني، وإنما كان يعادي كل من هو ضده بقوة وبقسوة، لكنه استخدم الطائفية لأنه كان يريد أن يجمع حوله أناسا معينين يربط مصيرهم بمصيره، ولذلك ظهر وكأن أهل السنة في العراق كلهم مع صدام، لكنه في الواقع هو قتل من أهل السنة الكثير. والآن الميليشيات والأحزاب الدينية تقوم بالفعل نفسه. ومن دون هذا التخندق الطائفي أعتقد أنه يمكن ألا يربح الانتخابات كثير من الأحزاب الطائفية، أو أن لا تبقى مهيمنة، فالطائفية كما قلت ذات أثر سياسي وليس دينيا.

قيود المنهجية

* في كتاباتك عالجت بعض قضايا المرأة في مواقف دينية وتاريخية، وكانت لك أيضا كتابات في ما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية في العراق الذي صدر عام 1959 بعد ثورة 14 تموز، وهذا القانون قد يكون له أهمية بالنسبة للمرأة في دول كثيرة في منطقة الشرق الأوسط، فما رأيك الآن بمفارقة الحديث عن حقوق المرأة ونحن في بداية الألفية الثالثة؟

ـ كما ذكرت، نحن نعيش التاريخ ولم نغادره، وجزء من هذا التاريخ مقولة اجتماعية ومقولة دينية، وهيمنة دينية وسياسية، وقضية المرأة لا تنفصل عن هذه المسألة. وفي اعتقادي أن هناك توجها مركبا في تاريخ علاقة الرجل بالمرأة، الجانب الديني والجانب الاجتماعي القبائلي العشائري، وفي نهاية المطاف هيمن الجانب العشائري، والآن ما يمارسه المتعصبون ضد المرأة إنما يقع ضمن الممارسات العشائرية، لأنها تتجاوز النصوص القرآنية والسنة النبوية.

مثلا في قضية تعدد الزوجات، فالقرآن واضح بأن ليس هناك تعدد للزوجات، جاء في الآية الثالثة من سورة «النساء»: «فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة». ثم يأتي التشديد القاطع في الآية 129 من السورة نفسها: «ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم». ويضاف إلى ذلك أن للزواج بأكثر من واحدة شرطه الظرفي في النص القرآني وهو الاقتران بمعاملة الأيتام.

حيث جاء في الآية الثلاثين من السورة ذاتها: «وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع...». وبما أن الأمر مربوط بالعدالة، والله تعالى يقول: لن تستطيعوا وإن حرصتم، فكيف يبيحون بهذه السهولة تعدد الزوجات! ولعلماء الدين من وزن الشيخ محمد عبده رأيهم الواضح في عدم جواز التعدد.

وقبل فترة جرى في البرلمان العراقي بحث قضية عدة المرأة بعد وفاة زوجها، فبدأوا الكلمة بالنص التالي: «تنفيذا لأمر الله..»، وكأن الله سبحانه وتعالى لم يخلق المرأة أو انه خلقها كي يهيمن عليها الرجل! وهذا يظهر الارتباط الاجتماعي الكامل بالعشائرية في التعامل مع المرأة، والعشيرة منذ بدايتها ولا تزال إلى اليوم ذكورية.

وآتيك على قضية أخرى مهمة أيضاً في معاملة المرأة، ألا وهي: تبرير عدم مصافحة المرأة دينيا، وطبعا حسب النص و«إن لامستم النساء»، بيد أن هناك من كان أكثر انفتاحا في الماضي مثل الإمام أبي حنيفة الذي يقول: ملامسة النساء ليست المصافحة وإنما الفراش، وكذلك الطوسي شيخ الطائفة الشيعية يقول مثل ذلك. لكن لماذا هذا الإصرار عند الأحزاب الدينية والفقهاء على اعتبار مصافحة المرأة حدا فاصلا حتى بين الإيمان والكفر، وما هو تبريرهم لهذا الأمر خصوصا مع وجود فقهاء أباحوا هذه المسألة ونص قرآني بشأنها؟

في الحقيقة، قانون الأحوال الشخصية الذي صدر في العراق في يوليو 1959 تحت رقم 188 لم يكن جديدا، فقد تم تشكيل لجنة إبان العهد الملكي في الأربعينات، وهذه اللجنة كتبت القانون. كان هدف القانون توحيد العراقيين تحت إطار فقهي للتعامل بين المرأة والرجل بالنسبة للأسرة، ذلك أن دستور 1925 كان قد أباح العودة إلى المذاهب، وتعني العودة إلى المذاهب تأسيساً للفرقة بين المجتمع وإبقاء التبعية لها.

بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك فروقات بين المذاهب حول وضع المرأة، ومنها سن الزواج وقضية الطلاق والإرث. فالسنة يشترطون الشهادة في الزواج ولا يشترطونها في الطلاق، في حين أن الشيعة يشترطونها في الطلاق ولا يشترطونها في الزواج، والشيعة يزوجون المرأة في عمر 9 سنين والمذهب الحنفي 17 سنة والحنبلي 15 سنة والشافعي 16 أو 17 سنة والمالكي 18 سنة. وجاء القانون لمعالجة هذا الاضطراب في المجتمع، وطرح سؤالا: لماذا لا يجري الاتفاق على قانون مدني يحفظ للمرأة كرامتها، سواء أكانت مختلفة في الدين أو المذهب؟

والقانون كان مطلوبا لأمرين: لحماية المرأة من هيمنة القوانين غير اللائقة وغير المعاصرة، ولتأسيس دافع لوحدة المجتمع ولوحدة العراق الذي كان مشتتا في العهد العثماني. وقد شكل القانون محاولة لإعادة تأسيس الهوية العراقية، ولحمته التي تتماهى مع الجغرافيا. فالعراق من وجهة نظري واحد منذ سنين طويلة، قبل العثمانيين وحتى قبل العباسيين، فهو يمتد من أعالي الموصل إلى عبدان.

لكن المجتمع كان قد شهد خروقات واختلافات كبيرة، وأراد القانون أن يؤمن وحدة العراقيين، ومن وقف ضد هذا القانون كان بدافع ضياع سلطته على المجتمع. وبوجود قانون للأحوال الشخصية سوف يلجأ المجتمع والنساء إلى الدولة لا إلى فقهاء المذاهب.

وهناك إشكالات كثيرة ستظهر إذا ما أجيزت المادة 139 من الدستور، والمتعلقة بإلغاء قانون الأحوال الشخصية. طبعا المحاولة الأولى في هذا السياق كانت في 2003 عندما تولى السيد عبد العزيز الحكيم رئاسة مجلس الحكم، وكأن الأمر ظهر كثأر لعدم القدرة على إلغاء هذا القانون في حينه، هذا في الوقت الذي كانت هناك دولة سبقت العراق في تطبيق مثل هذا القانون وهي تونس سنة 1958.

ويشار إلى هذا القانون بأن فيه تجاوزا دينيا وتجاوزا على النص القرآني وبالتحديد قضية المساواة في الإرث، ولكن عندما نزلت مثل هذه الآية «للذكر مثل حظ الأنثيين» نزلت في زمن كانت المرأة لا تعمل، وفي زمن كانت الهيمنة والسيطرة الاقتصادية للرجل الذي كان يخرج للغزو والصيد والعمل.

ولكن كيف نفسر الوضع اليوم حيث هناك خمسة رجال في البيت وامرأة واحدة هي التي تعمل وتعيل هذا البيت؟ وماذا نقول عن شاب يبدأ حياته وتكاليف مصاريفه الحياتية بالاعتماد على أخته أو أمه، فكيف يمكن أن تأخذ هذه المرأة نصف ما يحصل عليه الرجل؟ وبالإضافة إلى ذلك فإن مثل هذا الأمر تجاوزته الدولة في الأراضي الأميرية عن طريق مؤلف القوانين المشهور السنهوري. فعندما تكون لدينا معلمة وطبيبة ووزيرة ورئيسة وزراء من النساء، كيف يمكن التعامل مع الأمر كما في السابق؟

وإذا كانت هذه المذاهب ترى أنه لا يجوز للمرأة أن تكون قاضية على اعتبار أن قضية الشريعة هي من حق الرجال فقط، وقضية الشريعة تحتاج إلى عقل وعقل المرأة بحسب رؤاهم أقل من عقل الرجل، فهل كان أبو حنيفة ضد الإسلام وهو المتوفى سنة 150 هجرية، حين قال: يجوز للمرأة أن تكون قاضية؟

وهل كان محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310 هجرية ضد الإسلام عندما قال: تكون قاضيا في كل الأحوال؟ وهل هناك من كفر أبا حنيفة أو الطبري على قولهما حتى تقوم بعض المرجعيات الدينية ويقف بعض رجال الدين ضد هذا القانون؟ وللأسف منهم من هو حنفي أيضا! وهذا يعود بنا إلى التجاوز التاريخي وكيف أن التاريخ توجد فيه تقدمية أكثر من الحاضر، بحيث أن أبا حنيفة أكثر تطورا من بعض شيوخ الحنفية أنفسهم اليوم، وهو عاش المئة السابعة للميلاد وهم يعيشون العصر الحاضر!

* ننتقل إلى موضوع آخر، وهو أن مناهج البحث متعددة تتناسب وطبيعة الموضوع المراد بحثه، فهناك بحوث تجريبية وبحوث نظرية وبحوث تراثية، وهناك بحوث قد لا تحتاج إلا إلى القليل من المصادر حول قضايا ليست لها صلة بالماضي، فما هو المنهج الذي تنتهجه في دراساتك وأبحاثك؟

ـ لا تستغرب مني، وأنت أيضا رجل أكاديمي، أن أقول إنني لا أؤمن بالمنهج! بل أقولها بصراحة أنا ملحد في المنهج الفكري، وأشعر أن المنهج الفكري يقيدني، سواء أكان دينيا أو مذهبيا أو مثاليا أو ماديا أو غيره. بالنسبة لي، تقودني المعلومة وليس المنهج. لكن هناك فرقا بين أن يكون للكاتب منهج فكري أو منهج بحثي.

فالمنهج البحثي مطلوب، فهو طريقة البحث باعتماد المنهج التاريخي أو المنهج الاستقرائي أو غيره. لكن بالنسبة إلى المنهج الفكري حين يشار إلى فلان بأنه بنيوي أو ماركسي أو مثالي، فأنا في الحقيقة لا أؤمن بذلك لأن إيماني به يقيدني، كما قلت. قد يكون هذا خطأ أو ربما مثلبة في البحث، لكني أشعر بضيق عندما أكون منتمياً إلى منهج معين في تفكيري.

لذا في وقت من الأوقات أرى أن المنهج الماركسي معين لي في كشف قضية من القضايا، وفي أحيان أخرى المنهج الديني وفي قضايا معينة المنهج التاريخي أو غيره، أي يمكن المزاوجة بين المناهج من دون أن أكون عقائديا، فأنا لا أؤمن بعقائدية البحث، على الباحث الحرص على المعلومة والحرص على الموقف.

الباحث لا يجب أن يتقدم من البداية وكأنه ثبت الرأي أو النهاية، بل عليه أن يدع البحث يقوده إلى النتيجة، وهناك أناس يكتبون المقدمة بل حتى يكتبون الخاتمة قبل البحث، في حين أن المعمول به هو أن تكونا في نهاية البحث.

وفي أحيان كثيرة، قد تشدني العاطفة إلى اعتبار هذه المعلومة صحيحة، لكني لا أقوى على ليّ عنق المعلومة أو تكذيب الرواية، وقد تكون هذه المعلومة التي أفتش عنها وتؤكد رأيي غير صحيحة بعد غربلتها. فالبحث العلمي هو التقيد بأسلوب البحث، أما المنهج الفكري فهذا ما لا أومن بالتقيد به.

ذاكرة بغداد

* خلال الأيام الأخيرة، حصل احتفال متواضع في العراق بمناسبة مرور 1200 عام على تأسيس مدينة بغداد أيام الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور. هذا الحدث التاريخي المهم كيف تراه في ظل الأوضاع السياسية التي تمر بها بغداد؟

ـ هذا الاحتفال الثاني بهذه المناسبة، أما الاحتفال الكبير الذي جرى عام 1962 في زمن عبد الكريم قاسم فقد أطلق عليه ألفية الكندي، وأظن أنه جمع بين ألفية الكندي ومناسبة تأسيس بغداد. وأرى من الناحية التاريخية أن عبارة «تأسيس بغداد» خاطئة، لأن أبا جعفر المنصور لم يؤسس بغداد وهي كانت موجودة اسماً ورسماً ونهراً وطبيعة.

وهناك روايات عديدة تؤكد أن المسلمين الأوائل مثل المثنى بن حارثة الشيباني وصل بغداد، قبل العباسيين بحوالي مئة سنة، ودخل إلى سوق الثلاثاء بعد أن اطمأن له أهل بغداد ومدوا له جسرا للعبور من جهة الفلوجة ـ الفرات، لكن للأسف بعد أن أعطاهم الأمان قاموا بنهب السوق، وهذه موثقة في كتب تاريخية كثيرة.

والشهادة بهذا الأمر لا يقصد بها الدلالة على الحدث نفسه وإنما التأكيد على وجود بغداد. ثم إن المنصور توصل إلى اختيار هذا المكان ليكون عاصمته بعد حديث مع رهبان ورؤساء أديرة في بغداد، وهذا الموقع اتخذه المنصور لتوسطه المكان، بين مشرق ومغرب، وليس كما ذكر في مجال الخرافة بأن اللحم هناك لا يفسد بسرعة.

وقد مرت العاصمة العباسية بثلاث مراحل: كانت أولاً في الكوفة (هاشمية الكوفة) ومن ثم في الأنبار بحدود الفلوجة اليوم، وطوال خلافة أبي العباس السفاح، أي لمدة أربع سنوات، كانت الأنبار هي العاصمة ولولا بناء بغداد لأمكن للأنبار أن تصبح عاصمة العالم، ثم بنى أبو جعفر المنصور المدينة المدورة وهي عبارة عن معسكر بجانب الكرخ، أي ضفة دجلة الغربية.

أما الذي بنى في بغداد الرصافة فهو المهدي بعد العبور من الكرخ إلى الرصافة، والعبور هذا تم مصادفة، فقد كانت معظم الحركات المؤيدة والمعارضة للعباسيين تأتي من الشرق، وكانت دجلة حائلا دون عبور الجيش، لذا عبر الجيش وسكن في الأعظمية حالياً، حيث قبر الإمام أبي حنيفة، وهذا المكان كان مقبرة للساسانيين سابقاً.

وفي حساب الإمبراطوريات وجب النظر إلى موقع بغداد من بابل، فبغداد منطقة بابلية وما يشار إليه بنظرية فيثاغورس هي نظرية بابلية اكتشفت في بغداد ـ تل الحرمل، وكان الشاهد العيان للعملية الأثرية الدكتورة لمياء كيلاني، وقد أشرف على الاكتشاف عالم الآثار طه باقر.

تطورت بغداد من جهتين: الكرخ والرصافة، وشهدت عمرانا من بناء للقصور والمدارس والمساجد، وكانت مركزا جاذبا للدارسين، مثلما يشار اليوم إلى جامعات كمبريدج أو أكسفورد أو هارفارد، فكانت أرقى الدراسات ببغداد، وكان الدارسون يشعرون بنقص في دراستهم إذا لم يدرسوا فيها، وما من مفكر أو فيلسوف أو فقيه إلا وطريقه إلى العلم والشهرة من بغداد.

ومثلما تقدمت تدهورت أيضاً، بسبب الحروب والاجتياحات، ولكونها عاصمة دولية ومكاناً متوسطاً بين ديار عديدة متنافرة. تدهورت في نهاية العصر العباسي كثيراً، وفي بداية عصر المغول، لكنهم سرعان ما شرعوا في إعادة بنائها، ثم انكفأت على يد تيمورلنك، ثم دولة الخروف الأسود والأبيض التركمانيتين، ثم على يد العثمانيين.

ولكم أن تتخيلوا التدهور عندما جعل العثمانيون المدرسة المستنصرية، التي تحدثنا عنها من قبل، إسطبلاً للحمير ومكاناً للجمارك لخزن السلع، وهناك الكثير من الآثار التي نقلت ودمرت في هذا العهد.

ثم أعيد بناء بغداد في العشرينات والثلاثينات، وبسرعة وصلت إلى رقي ليس على مستوى شوارع المدينة والعمارة فقط، وإنما أيضا رقي اجتماعي على مستويات عديدة، من ناحية التعامل مع المرأة والاهتمام بالفنون والثقافة، وكانت الخمسينات ثورة في كل المجالات، وظلت بغداد تلعب هذا الدور إلى أن أتى هذا التدهور الذي نشهده من جراء قسوة السلطة السابقة وتخلفها، والحروب، والحصار، والوضع الحالي الذي لا يوصف بوصف.

إلا أن بغداد في ذاكرة الشعوب الأخرى ما زالت حية، وعندما يتكلم المرء عن بغداد يتكلم عن بغداد العباسية وشواطئ دجلة وأبي نواس. وضمن هذه الخلفية والإرث، أعتقد أنه ستكون هناك سرعة في أن تعيد بغداد بناء نفسها، لكن ليتوقف العنف أولا والأسباب الكابحة أمام ذلك.

* نرجو أن يكون تفاؤلك في مكانه.. ويبقى سؤال واحد، ماذا لديك من نوايا لإضافات حول مشاريع مستقبلية؟

ـ الآن اكتفيت في الدراسة حول الأديان والمذاهب في العراق وحول القضايا التي تخص هاجسي الأول الفكري وهو قضية المعتزلة، فإضافة إلى ما سيصدر لي حول التعايش الديني والمذهبي في العراق، كتاب «الأحزاب الدينية في العراق»، وهو مخطوط حتى الآن، هناك مشروع آخر هام وقطعت شوطا في مجال جمع معلوماته وهو «الفتاوى القاتلة»، وفيه متابعة للفتاوى التي سببت قتلا وصدرت من قاضي قضاة أو مفتي دولة لسبب ديني أو مثاله.

وهذا العمل يأتي ضمن الانشغالات الأخرى ومتطلبات الحياة التي تفرض تأجيل هذا العمل وتقديم عمل آخر عليه، لكنه يبقى هاجسي الأول. مشروع آخر أيضا أبحث عن تعاون لإصداره، إذ يتعدى إمكانياتي كفرد وهو «موسوعة المتكلمين»، وهذا يرتبط ضمن الشغف والعمل بالمعتزلة، والمقصود بالمتكلمين متكلمو الشيعة والسنة والمعتزلة والأشاعرة.

ولا أخفي نيتي في تصنيف كتاب خاص بالإمام أبي حنيفة النعمان، فالزمن الحالي يحتاج إلى استذكار مقالات متقدمة في الشأن الاجتماعي مثل مقالات أبي حنيفة، ويكفي للإغراء بذلك أنه صاحب مدرسة الرأي، وما تعنيه مفردة الرأي من إيجابية للعقل والتقدم والثقافة عموماً.

أدار الحوار: د. محمد عبد الله المطوع

أعدته للنشر: نهى حوّا