في المنعطف الأخير من هذا الكتاب، يمضي المؤلف توم ميجيف لإلقاء الضوء على ملامح الصورة الشاملة، في إطار محاولة ترجمة إسرائيل انتصارها العسكري، الذي لم تكن تحلم به كما يقول، إلى مكاسب سياسية، ويشير إلى أن حالة فقد الاتزان الناجمة عن هذا الانتصار أسفرت عن سلسلة بالغة الغرابة من المشروعات والاقتراحات.

منها عملية لاغتيال الزعيم العربي جمال عبد الناصر واقتراح بشراء شبه جزيرة سيناء من مصر، غير أن ما يلفت نظرنا حقاً هو التحرك الإسرائيلي الفوري لضم القدس الشرقية والتخلص من الفلسطينيين وتكريس الاستيطان بما في ذلك الاستيطان في الجولان، التي لم يتردد أحد القادة الإسرائيليين في اقتراح أن تقام بها دولة درزية تابعة لإسرائيل لتفصلها عن سوريا.بين حين وآخر تتناثر سطور يتناول فيها المؤلف مشروع ضم القدس بعد الانتصار العسكري الذي لم تكن إسرائيل تحلم به. وعندما عقدت الحكومة الإسرائيلية اجتماعا لبحث الموضوع أعرب عدد قليل من أعضائها عن تخوفهم من إعلانات متفجرة عن عملية الضم قد تثير العالم ضد تل أبيب وربما تجدد الحديث مرة أخرى عن إخضاع المدينة لإدارة دولية.

وكان دين راسك وزير الخارجية الأميركي آنذاك قد طلب من إسرائيل ألا تتخذ أية خطوات لضمها. وأعرب أبا إيبان وزير الخارجية الإسرائيلي عن رغبته في تأجيل القرار إلى ما بعد الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة. كانت المسألة هي ما إذا كان من الممكن ضم الجزء الشرقي من القدس دون إعلان أي نوع من البيانات الرسمية. وحذر مناحم بيغن من استخدام كلمة «ضم» واقترح بدلا من ذلك تمديد حدود المدينة في صمت تام. وأضاف أيضا اقتراحا يقضي بتمويه عملية الضم بإصدار قانون يطبق على الضفة الغربية كلها.

وأسفرت الخدعة النهائية عن إخفاء القانون داخل ثلاثة تعديلات لقوانين قائمة وصياغتها بحيث توحي بتطبيقها فقط على مسائل إدارية تشمل البلاد كلها. ولم تظهر كلمة «الضم» ولا قُدم التشريع كمشروع قانون أمام الكنيست. وفي مساء يوم واحد تمت مناقشة التعديلات وطرحها للتصويت بعد ثلاث قراءات. وأمرت وزارة الخارجية ممثليها بالعمل على «تقليص المغزى السياسي والتاريخي لضم القدس الشرقية وتصوير التعديلات القانونية على أنها مجرد خطوة إدارية ضرورية لتسهيل إمدادات الماء والكهرباء والنقل العام والخدمات الصحية والتعليمية». وطلبت الوزارة من مسؤوليها استخدام عبارة «تكامل خدمات البلدية» بدلا من كلمة «الضم».

وتبلغ أحقاد غلاة الصهاينة أقصى مداها بالنسبة لمدينة القدس، إذ يكشف مؤلف الكتاب عن اقتراح إجرامي تقدم به جنرال إسرائيلي اسمه شلومو غورين إلى كبير حاخامي الجيش يطالب فيه بنسف قبة الصخرة، وظل ذلك الاقتراح طي النسيان، ولكن برزت بدلا منه فكرة أخرى قدمها دافيد بن غوريون وتقضي بنسف أسوار المدينة. وبرر رأيه بأن ذلك سوف يوحد القدس القديمة والحديثة. ويذكر المؤلف أن تلك الفكرة الشاذة لم تكن وليدة اللحظة إذ كان بن غوريون قد كتب عن خطتها في مذكراته ثم كرر الحديث عنها علنا وكتابة.

وقد وجدت الفكرة مؤيدا متحمسا اسمه تيد كوليك الذي يصفه المؤلف بأنه شريك حلم بن غوريون وقد منح المشروع الصهيوني وجها جديدا عندما كان يشغل منصب مدير عام مكتب رئيس الوزراء وتحول احتلال القدس العربية إلى مشروع يثير حماسه. وعندما شغل منصب عمدة المدينة الموحدة أصبح اسمه على الفور «مستر جيروزاليم» وأخذ في الإفصاح عن رأيه الأساسي في عرب القدس والذي لم يختلف عن رأي بن غوريون الأساسي تجاه عرب 1948.

ويقول مؤلف الكتاب: كان تيد كوليك، مثل بن غوريون وكثير من الزعماء الصهاينة، يسعده أن يرى المدينة خالية من العرب. وكان من الممكن أن يطردهم لو استطاع ولكنه كان يعلم أن ذلك مستحيل. وقد قال ذات يوم: «هناك من يعتقد أن العرب سوف يتركون المدينة إذا أرهقناهم، ولكن صدقوني إن عرب القدس الشرقية لن يغادروها فهم مرتبطون ومتعلقون بالقدس مثلنا، ولن تدفعهم مضايقاتنا لهم إلى تركها».

وبعد أن يتناول الكتاب بعض محاولات التلاعب للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين تحت ستار ما أسماه الصهاينة «الشراء من أجل المصلحة العامة»، يذكر المؤلف أن الولايات المتحدة لم تتخذ أي إجراء ضد فرض ضم القدس الشرقية كأمر واقع وإنما أرادت فقط التخفيف من الإعلان عنه وتنفيذ اللعبة في هدوء بقدر الإمكان. وقد أرادت واشنطن الاعتدال في الاحتفالات بالذكرى السنوية الأولى للاحتلال، فأصدر ليفي إشكول رئيس الوزراء تعليمات إلى بلدية القدس بإقامة الاحتفالات داخل أماكن مغلقة.

دوار وطيش

كان من الطبيعي أن يصيب الانتصار العسكري في معركة يونيو بعض صناع القرار الإسرائيليين بالدوار والطيش أحيانا، كما يقول توم سيجيف مؤلف الكتاب، ويضرب لذلك عدة أمثلة منها أن الجنرال إيغال آلون استمر في ترويج فكرة منح الاستقلال لمئة وخمسين ألف درزي يعيشون في جنوب سوريا. وقد بعث أللون بمذكرة سرية إلى إشكول يزعم فيها وجود توتر في العلاقة بين زعماء الدروز ودمشق ومن ثم فإنهم قد يثورون من أجل إقامة دولتهم المستقلة.

وزعم أيضا أن النجاح في ذلك رهن بوجود مساعدة سياسية وعسكرية من لاعب خارجي! ثم اقترح اللون أن تقوم إسرائيل بلعب ذلك الدور، وذكر أن دروز إسرائيل ـ وخاصة الذين خدموا في الجيش الإسرائيلي ـ قد يشكلون أيضا عنصرا مهماً في المشروع، وكذلك «الضباط والعملاء اليهود».

ومن هنا يمضي في تجميل الأمر بقوله إن وجود دولة درزية سيشكل عازلا بين إسرائيل وسوريا والأردن، ويمكن إبرام اتفاقية دفاع مشترك بينها وبين إسرائيل تضمن السيطرة الإسرائيلية على الجولان. وانتهى أللون إلى اقتراح تشكيل مجموعة خاصة تضم جهاز الشاباك، والجيش، ووزارة الخارجية لوضع خطة الفكرة وتنفيذها، واقترح كذلك تشكيل لجنة وزارية تضم كلا من إشكول وإيبان ودايان وبيغن بالإضافة إلى أللون نفسه.

ويشير الكتاب إلى أمثلة أخرى لحالة فقد الاتزان نتيجة الانتصار العسكري الذي لم يحلم به الإسرائيليون، ومن بينها مثال يتعلق بالرئيس السابق لجهاز الاستخبارات «الموساد» وأحد مستشاري إشكول، وقد أراد ذلك الرجل واسمه إيسار هارل قيادة عملية تسفر عن اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر، واقترح آخر وهو ديفيد هوروفيتز محافظ بنك إسرائيل شراء شبه جزيرة سيناء من مصر.

ويشير توم سيجيف بوجه خاص إلى مثال يؤكد في رأيه إصرار إسرائيل على السيطرة على الضفة الغربية. ويتضح ذلك من خلال رسالة سرية من شلومو غازيت من كبار ضباط مخابرات الجيش إلى مجلس المديرين العامين في الضفة الغربية المحتلة يقول فيها إن مواقع معينة في الأراضي المحتلة قد تم فرزها وتخصيصها لإقامة مفاعلات نووية إذا دعت الحاجة إلى ذلك». وقد جاءت ملاحظة مؤلف الكتاب في سياق حديثه عن محاولات ضم الضفة الغربية في جميع نواحي الحياة الاقتصادية والتعليمية.

وفي الفصل العشرين من الكتاب يقول توم سيجيف إن الإذاعة البريطانية أجرت مقابلة مع موشي دايان بعد انتهاء حرب يونيو مباشرة. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي لمراسل الإذاعة إن إسرائيل راضية بالموقف الجديد الذي نشأ نتيجة الحرب، ولذا فإنها لن تطرح أية مبادرة لإجراء مفاوضات مع الدول العربية، وأعلن كذلك قوله: «نحن في انتظار أن يرفع العرب سماعة الهاتف ويتصلوا بنا».

ويعلق مؤلف الكتاب على ذلك بقوله إن إسرائيل هي التي حاولت الاتصال في نهاية الأمر وعرضت انسحابها من سيناء والجولان في مقابل مفاوضات مباشرة لعقد اتفاقية سلام. وكانت تل أبيب قد اتخذت هذا القرار بعد ثمانية أيام فقط من الحرب أي في يوم 19 يونيو 1967. وقد نشأت هذه الحركة من حاجة إسرائيل إلى نشر صيغة دبلوماسية تكون مقبولة من دول العالم وخاصة أميركا. وقد ظل ذلك القرار محاطا بالسرية التامة دون أن يعلم بها حتى الإسرائيليون أنفسهم، ثم أُبلغ للأميركيين.

ويذكر أبا إيبان أن واشنطن نقلت الاقتراح إلى مصر وسوريا اللتين رفضتا العرض. وهكذا أوجدت إسرائيل الانطباع بأنها عرضت إعادة الأراضي مقابل السلام، ومادام العرب قد رفضوا التفاوض فلن يكون هناك سلام وستحتفظ إسرائيل بالأراضي.

وهكذا تتضح الخدعة الإسرائيلية بجلاء وخاصة بعد أن يكشف مؤلف الكتاب عن حقيقة هذه القصة إذ كان الاقتراح الإسرائيلي معناه ألا تستعيد مصر كل ما خسرته وتظل إسرائيل محتفظة بقطاع غزة، وصاغ محامو وزارة الخارجية الإسرائيلية حجتهم ببراعة قائلين إن القطاع ـ باعتباره جزءا من فلسطين تحت الانتداب ـ لم يكن ملحقا بمصر.

غير أن تلك الحجة لم تغير شيئا من حقيقة طمع إسرائيل في السيطرة على مئات الألوف من الفلسطينيين، كذلك كان العرض الإسرائيلي يطالب بموافقة مصر على نزع سلاح شبه جزيرة سيناء مما يعني تنازلها عن سيادتها العسكرية.

ويفسر المؤلف ذلك أيضا بأنه من الطبيعي أن إسرائيل كانت تريد ضمان حريتها في الوصول إلى خليج العقبة وكذلك إلى قناة السويس. وأخيرا تضمن الاقتراح منح الطائرات الإسرائيلية حق المرور الحر في الأجواء فوق مضائق تيران.

أما بالنسبة لسوريا فقد عرض الاقتراح أن يتم الاتفاق على أساس «الحدود الدولية» التي كانت قائمة في الفترة البريطانية وطالب العرض سوريا بأن تمتنع عن إثارة النزاع على المناطق المتاخمة للحدود التي كانت منزوعة السلاح حتى نشوب حرب يونيو. كذلك يجب على سوريا الموافقة على نزع سلاح مرتفعات الجولان، والتعهد بعدم إعاقة تدفق المياه من منابع نهر الأردن إلى إسرائيل.

ويشير الكتاب إلى أن العرض الذي طرحته تل أبيب في 19 يونيو 1967 لم يتضمن كلمة واحدة عن مستقبل الضفة الغربية أو القدس أو سكانهما، بل كانت مصر وسوريا مطالبتين بإغفال أي شئ يتعلق بالأردن.

هموم أشكول

رغم مرور عدة شهور على احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، كان ليفي إشكول مهموما بسبب التردد وعدم اتخاذ قرار حول مستقبل فلسطين، كما يذكر مؤلف الكتاب الذي يضيف أيضا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لم تكن لديه أية فكرة عما يجب فعله ولكنه يريد التخلص من اللاجئين الفلسطينيين ولا يعرف السبيل إلى ذلك، بل ولا يضع في اعتباره مئات الألوف من «اللاجئين الجدد» ويفكر فقط في لاجئي 1948 الذين مازالوا يعيشون في المخيمات وفي مقدمتها تلك التي في قطاع غزة.

وقد قفزت المشكلة فجأة من عالم النسيان لتؤرقه وكان الرجل الذي ورث عنه المشكلة يفكر فيها أيضا ألا وهو ديفيد بن غوريون الذي كان قد سجل في مذكراته قبل الحرب بأربعة أيام بعض الأرقام من مقال صحافي نشر منذ تسعة عشر عاما يدعي أن العدد المقدر آنذاك للاجئين مبالغ فيه وأنه لا يتجاوز 300 ألف لاجئ في أدق الأحوال.

ولعل بن غوريون قد أدرك فجأة أن الحرب الوشيكة قد تواجه إسرائيل مرة أخرى بمشكلة عدد السكان الفلسطينيين، وكان يعلم جيدا أن عدد العرب الذين فقدوا بيوتهم في عام 1948 يبلغ ضعفي الرقم الذي نقله إلى مذكراته على الأقل، وبعد مرور ستة أشهر على الحرب استخدم بن غوريون جدلا قانونيا وهميا في محاولة لإعفاء إسرائيل من المسؤولية عن مصير اللاجئين. وخرج بنتيجة تدعي أن «جميع اللاجئين غادروا فلسطين نتيجة تحريض زعمائهم في ظل عهد الانتداب البريطاني لا بعد قيام إسرائيل».

ويعقب مؤلف الكتاب على ذلك بقوله إن هذا الرأي غير صحيح فقد تم الاستيلاء على اللد والرملة قبل شهرين مما يسميه «إعلان استقلال إسرائيل» وهي حقيقة كان بن غوريون نفسه قد ذكرها ذات مرة أثناء نقاش حكومي قائلا في البداية إن اللاجئين «تركوا» ثم استدرك قائلا إنهم «اضطروا إلى المغادرة بعد الضغط عليهم»، وبعد ذلك طرد المزيد من اللاجئين من الجليل ومنطقة عسقلان وأماكن أخرى.

ولم يخف قادة إسرائيل رضاهم فوصف موشي شاريت اللاجئين باستخدام عبارة «إجلاء بالجملة وبأنه أكثر روعة من إنشاء الدولة اليهودية». وفي عام 1949 عرضت إسرائيل السماح بعودة مئة ألف لاجئ كجزء من تسوية سلمية ولكن الخطة فشلت فسحبت عرضها.

وقد طالبت الأمم المتحدة بأن تترك إسرائيل للاجئين حق الاختيار بين إعادتهم إلى بيوتهم أو دفع تعويضات لهم، وقد اعترض بن غوريون على ذلك في عام 1961 قائلا: «سوف يريد كل واحد العودة إلى الوطن وسوف يدمروننا» وهذا هو الخوف الذي سيطر على موقف إسرائيل حتى «حرب الأيام الستة» وقد قال إشكول للأديب الفرنسي جان بول سارتر عند زيارته لإسرائيل: «ليس لدينا ما نعطيه، وليس لدينا ما نتنازل عنه.

ويسجل مؤلف الكتاب ملاحظة هامشية تذكر أن إشكول كان قلقا قبل سنتين من نشوب حرب يونيو إذ كانت أعداد اللاجئين الفلسطينيين تتزايد، وعندما بلغ العدد نصف مليون خشي أن يصبح الموقف متفجرا. وعندما دخلت إسرائيل إلى ما تسميه «المناطق»، أي الأراضي الفلسطينية المحتلة، ذهل كثير من الناس لما رأوه وأدركوا ضرورة إيجاد حل على وجه السرعة.

وبعد أسبوع من الحرب قال الكاتب الإسرائيلي عاموس إيلون في صحيفة هاآرتس: «نحن نتحمل التزاما أخلاقيا لأن الطريق إلى استغلال إسرائيل حفر على ظهور هؤلاء الناس. وقد دفعوا بأجسادهم وممتلكاتهم ومستقبلهم ثمن مذبحة أوكرانيا وافران الغاز النازية».

ويرى مؤلف الكتاب أن تلك كانت كلمات غير عادية لأن وجهة النظر التي تم ترويجها آنذاك هي أن إسرائيل لم تطرد اللاجئين، بل إنها كانت تحثهم على البقاء في حالات معينة، ولهذا فهي غير مسؤولة عن مصيرهم. ويذكر المؤلف أنه ثبت بعد ذلك أن نحو نصف عدد اللاجئين تركوا منازلهم وهربوا خوفا من الحرب، وأن النصف الثاني أجبروا على الرحيل.

جذور الصراع

اقترح إيغال آلون توطين لاجئي غزة في مدينة العريش المصرية شمال سيناء وكذلك في الضفة الغربية. وأيد بن غوريون إيواءهم في العريش. أما الوزير موشي ساسون ممثل رئيس الوزراء للاتصالات السياسية مع الزعماء العرب في القدس والضفة الغربية وغزة، فقد أعرب عن اقتناعه بأن اللاجئين هم «جذور الصراع».

واقترح إنشاء دولة مستقلة للفلسطينيين أو منحهم منطقة حكم ذاتي. وتبنى دايان وجهة نظر عكسية قائلا: «إن وكالة غوث اللاجئين تتولى أمرهم ولذلك ليس هناك ما يدعونا إلى إعفائها من تلك المهمة»، ورأى وزير آخر بدء مفاوضات هادئة مع الدول الأجنبية لإيواء اللاجئين لديها. وأيد إشكول الاقتراح، وأخذ الجميع يقترحون مازحين نقلهم إلى الجزائر أو المغرب أو سوريا أو العراق.

ولم يكن إشكول أول من يقترح تهجير اللاجئين إلى العراق فقد سبق أن اقترح بن غوريون الشيء نفسه في اجتماع حكومي عقد قبل أكثر من عقد من الزمان. وطرح شمعون بيريز فكرة تشجيع اللاجئين على الهجرة إلى دول الخليج النفطية. وانتهى الأمر بأن الحل المقترح على الحكومة هو أن تطالب إسرائيل الدول العربية بقبول إيواء اللاجئين.

وبعد ذلك طرح عدد من المفكرين والباحثين الذين استشارهم إشكول سرا عددا من الاقتراحات من بينها التوطين في وادي الأردن أو في الضفة الغربية بالنسبة للاجئي غزة بالذات. ويشير مؤلف الكتاب إلى أن طرد العرب من فلسطين إلى دول أخرى ظل عاملا رئيسيا ودائما لدى الحركة الصهيونية. وقد بذلت إسرائيل عدة محاولات لتشجيع من يسمون «عرب إسرائيل» على الهجرة إلى أميركا اللاتينية ودول أخرى.

وقد قال ليفي إشكول ذات مرة عن تهجير الفلسطينيين: «أريدهم أن يرحلوا جميعا ولو حتى إلى القمر»!. وكانت الرغبة في ترحيل أبناء قطاع غزة بالذات تستولي على إشكول حتى أنه كان يؤيد أحد الاقتراحات الرامية إلى نقلهم إلى الضفة الغربية خاصة وأن مؤلف الكتاب يشير إلى معارضته نقلهم إلى مدينة العريش وتفضيله الضفة الغربية حتى يمكن استيعابهم وتذويبهم في كتلتها السكانية الأكبر.

ويشير الكتاب إلى انتشار قصص بشعة عما كان يعانيه أبناء الأراضي المحتلة نتيجة رفضهم مغادرة وطنهم وتمسكهم بالبقاء على أرضهم. وإزاء هذا الصمود العربي لجأ الصهاينة إلى أسلوب آخر تكشف عنه رسالة من مسؤول كبير في وزارة الخارجية الإسرائيلية اسمه مايكل كوماي، إلى السفير هارمان سفير إسرائيل في أميركا.

ويذكر كوماي في رسالته أن موردخاي غور الحاكم العسكري لقطاع غزة يدفع الناس إلى مغادرة القطاع عن طريق تقليص مستوى معيشتهم. وأكدت الرسالة أن غور نفسه اعترف بلجوئه إلى هذه الوسيلة. وكان موشي دايان يعتقد أن إفساد حياة الفلسطينيين قد ينجح في إجبارهم على الرحيل، ولكنه رأى أن ذلك قد يخلق متاعب أمام الحكومة العسكرية ويسيئ إلى سمعة إسرائيل.

ومع ذلك تقرر تقليص ميزانية القطاع، ونصت إحدى الوثائق على عدم توفير أية موارد جديدة للاجئين المقيمين في المخيمات. ويذكر مؤلف الكتاب أن نسبة البطالة في غزة في نفس تلك الفترة وصلت إلى 6. 16%.

في الجولان

في الفصل الأخير من كتاب توم سيجيف يعود بنا إلى ما بعد احتلال مرتفعات الجولان بأربع وعشرين ساعة حين التقى رعنان فايتس، مدير الوكالة اليهودية للمستوطنات، بوزير الزراعة الإسرائيلي حاييم غفاتي الذي كتب في مذكراته أن رئيس الوزراء طلب إعداد دراسة عن إمكانيات إقامة مستوطنات في «المناطق المدارة».

والواقع أن فايتس نفسه كان قد دعا إشكول في اليوم الرابع للحرب، إلى إرسال شخص ما إلى مكاتب تسجيل الأراضي الأردنية للحصول على معلومات عن منابع المياه وخطط التنمية، فضحك إشكول ولكنه لم يستبعد فكرة الحصول على المعلومات.

كان القرار الرسمي الحكومي بزراعة مرتفعات الجولان قد صدر في نهاية شهر أغسطس، ولكن قبل ذلك في يوم 30 يونيو أخذ أحد المستوطنين عددا من أصدقائه إلى الجولان للبحث عن موقع ملائم لإقامة مستوطنة، وقد بحث بعض مسؤولي حركة الاستيطان هذا الخيار حتى أثناء الحرب.

وتم تنسيق كل التجهيزات اللازمة مع الحكومة التي سمحت ببناء المستوطنة وأمدتهم بالأموال. وفي يوم 17 يوليو قررت المجموعة إقامتها في مكان معسكر حربي مهجور اسمه عليكة وسموا أنفسهم كيبوتز جولان ثم تغير الاسم لاحقا إلى ميروم جولان، ومن ثم انتقلت المجموعة إلى القنيطرة. وكان قرار الحكومة بزراعة أراضي الجولان محاطا بسرية كاملة. وقد كتبت على هامش القرار ملاحظة تقول: «هذا القرار لم يدرج في محضر اجتماع الحكومة بسبب طبيعته السرية وقد تم حفظه لدى سكرتارية الحكومة».

ويذكر مؤلف الكتاب أن السرية كانت مطلوبة بالنسبة لذلك القرار لأن الولايات المتحدة كانت تعارض إقامة المستوطنات آنذاك. ولكن إسرائيل لجأت إلى حيلة أخرى من حيلها. فأنشأت المزيد من المراكز العسكرية المتقدمة، وكان أحدها لم يستكمل بعد وعرف باسم «مركز بانياس» وقد قام الجيش الإسرائيلي بتدمير قرية بانياس لإقامته.

والغريب أن واحدا من موظفي السفارة الأميركية، جاء لكي يتفقد ركام البلدة بعد تدميرها ثم عقب على ذلك بقوله: «على أي حال لقد كانت مجرد بلدة صغيرة»! في الأشهر القليلة التالية أجريت عمليات تدمير منتظمة لنحو مائة قرية أخرى في مرتفعات الجولان.

وبعد ثلاثة أشهر أصدر المستشار القانوني لوزارة الخارجية الإسرائيلية بيانا بالغ السرية يؤكد أن إقامة «المستوطنات المدنية» في «المناطق المدارة» أمر مخالف للقانون الدولي وقال المستشار القانوني تيودور ميرون بوضوح أن المادة 49 من معاهدة جنيف الرابعة عام 1949 تلزم الدولة القائمة بالاحتلال بعدم توطين أو نقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها، وأكد المستشار رأيه بالقول إن إسرائيل لا تستطيع توطين مواطنيها في الأراضي المحتلة.

واختتم بيانه قائلا: إن الجيش هو الذي يجب أن يقيم المستوطنات في المعسكرات التي تبدو مؤقتة ولو في مظهرها الخارجي على الأقل. وذكر البيان أن هذه القيود تنطبق قبل كل شيء على مرتفعات الجولان التي تشكل إقليما محتلا دون أي شك.

وعندما تسربت أنباء مستوطنات الجولان وجد هارمان السفير الإسرائيلي لدى واشنطن صعوبة كبيرة في عمله. ولكن الذي حدث بناء على طلب السفير ونصيحة المستشار القانوني أن إسرائيل لجأت إلى حيلتين: الأولى بناء المستوطنات الأولى في المراكز العسكرية، والحيلة الثانية هي إلباس المستوطنين ملابس الجيش العسكرية.

وقال إسرائيل غاليلي وزير الدعاية الإسرائيلي محذرا: «في الحقيقة إن وجود المراكز العسكرية أمر معروف على نطاق واسع بين الحكومات والأحزاب السياسية ولكن يجب مع ذلك تجنب منح الصحافيين قضية يلوكونها» وبحلول يناير 1968 أصبحت في الجولان خمس مستوطنات تضم 450 مستوطنا.

عرض ومناقشة: صلاح عويس