يحدد الباحث والمؤرخ الدكتور رشيد الخيُّون همه الأساسي اليوم بأنه الاستنجاد بالتاريخ لقضايا معاصرة، ففي رأيه أن الزمن والتطور لا يسيران دوما إلى الأمام، وكانت دراسته للفلسفة قد قادته إلى التخصص بفرقة المعتزلة التي تقدم العقل على سواه.

وهو يرى العديد من مقولاتها أكثر تقدما من واقعنا الحالي، بل يعتقد انه لو تسنى لهذه الفرقة الاستمرار لدام تطور العلوم والاختراعات عند العرب، ولاخترع الإنترنت في البصرة، حيث ظهر المعتزلة، لا في طوكيو أو واشنطن.

لكنه يشير إلى أننا ما زلنا غير مستلهمين ذلك التاريخ، ولذا ما زالت حوادث التاريخ تتكرر عندنا بشخوص أخرى. ويضيف: طالما أننا لا نستطيع مغادرة التاريخ فعلينا الاستفادة من أحداثه، ذلك أن استخداماتنا للتقنيات الحديثة كمستوردات يعني أن انسجامنا معها هو من ناحية الحاجة والاستعمال، وليس من الناحية الروحية والتواصل الفكري.

ولا يجد الدكتور الخيُّون فائدة ترجى من الدعوات التي أطلقتها كثير من الدول للتقريب بين المذاهب، ويدعو بدل ذلك إلى التعايش. لأن في التعايش تسهيلا للحياة وقبولا للآخر، في حين أن التقريب يقصد به الوصول إلى الواحد، وكأن في وجود المذاهب والفرق خطأ. ويرى أن العيب ليس في تعدد الطوائف والمذاهب، وإنما في استغلالها وصناعة الكراهية عبر اختلافاتها، مشيرا إلى أن الطائفية تنتعش في الماضي والحاضر بدوافع سياسية وليست دينية، وقاسمها المشترك إنما هو الاحتماء بهذه الكتلة أو تلك.

ويرد واقع نقص حرية الكلمة والفكر في المجتمع العربي إلى وجود منظومة مجتمعية مركبة من الهيمنات إلى جانب السلطة، وهو يميز بين الثقافة ومجال البحث والتفكير، فالأولى يمكنها العيش تحت المعاناة أما البحث والتفكير فيحتاجان إلى مساحة من الحرية وإلا بقيا حبيسين. وحدة الدراسات في «البيان» التقت الباحث الدكتور الخيون وأجرت معه الحوار التالي:

منطلقات ومشاغل

* د. محمد عبد الله المطوع: نرحب بك في صحيفة «البيان»، فوجودك بيننا مناسبة لطرح أسئلة كثيرة تهم قراء الصحف العربية، لكن بداية نود التعرف على الدكتور رشيد الخيُّون ومجالات اهتماماته وانجازاته الفكرية ومؤلفاته من كتب ومقالات ودراسات وأبحاث وغيرها.

ـ د. رشيد الخيُّون: مجال عملي الأساسي هو التراث الإسلامي، ومنه تفرعت إلى قراءات ودراسات كثيرة من ضمنها الأديان والمذاهب. أما تخصصي الأساسي، أو الدقيق، أكاديميا فهو فرقة المعتزلة ومسألة الوجود عند المعتزلة. وانطلاقا من هذا الموضوع ألفت كتابا عنوانه «معتزلة البصرة وبغداد»، حيث تابعت فلسفة هذه الفرقة ونشاطها بالإضافة إلى أئمتها ومفكريها ومؤلفيها.

وقبل هذا كان لدي كتاب آخر هو من أجواء الأطروحة «مذهب المعتزلة من الكلام إلى الفلسفة». ويُعرف عن المعتزلة أنهم يأتون في مقدمة المتكلمين، وهناك تشابك بين علم الكلام وبين الفلسفة، وفي الوقت نفسه هناك برزخ يفرق بين الاثنين، فالمعتزلة لم يبقوا متكلمين إذا أخذنا بعين الاعتبار نظريتهم في الوجود والمجتمع، فقد كان لديهم اتجاه نحو باتجاه الفلسفة، وتحقق ذلك عبر نظرياتهم في تفاصيل الوجود.

واتصالاً بفكر المعتزلة تناولت قضية خلق القرآن لديهم في كتاب «جدل التنزيل»، ولهذا الكتاب قصة، فقد عثرت على مخطوطة للجاحظ في المكتبة البريطانية، لم تكن منشورة إلا في حاشية كتاب صدر سنة 1902، وهو «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد المتوفى (285ه)، وقمت بتحقيقها لنشرها، وتطور هذا التحقيق إلى كتاب «جدل التنزيل»، وهو حول تاريخ القرآن الكريم والقضية المعروفة التي دخل فيها المعتزلة والخليفة المأمون.

كذلك شغلتني قضايا أخرى في التراث وأصدرتها تحت كتاب «المباح واللامباح»، ومن ضمنها قضية المرأة، وأمور أخرى قد تبدو للناظر ثانوية لكني وجدت لها العمق الفكري. مثلا كان العثور على أو الاصطدام بفتوى تحريم الورد، دافعا لي إلى متابعة وضع الورد في التراث الإسلامي والأديان.

فعلام يحرم الورد؟ أعلى قبحه وهو الجميل، أم على كراهة رائحته وهي الزكية؟! وقد تناولت ما مجموعه 35 قضية بما في ذلك قضية الطفولة، وأصدرتها في كتاب يربو على 600 صفحة. وصدر لي كتاب «دروس من تراث الإسلام»، وكتب أخرى.

كذلك شغلتني قضية العراق اليوم، وكان لي كتاب «الأديان والمذاهب في العراق»، تناولت فيه الأديان والمذاهب العراقية كافة. وصدر لي كتاب «المشروطة والمستبدة» من معهد الدراسات العراقية بطلب منهم، لمرور مئة عام على هذه القضية.

ويعالج الكتاب قضية الأيام الأولى للدستور 1906 عندما كانت المعركة حامية بين رجال الدين أنفسهم: بين من يريد دولة مستبدة بلا دستور، ومن يريد دولة غير مستبدة تنهج نهجاً دستورياً بما نسميه الآن «النهج الديمقراطي»، وما تبناه رجال الدين من الطرفين.

وأنجزت كتاب «الأحزاب الدينية في العراق»، وهو مخطوط، واقصد بذلك السنية منها والشيعية، باعتبار أن الوضع الحالي الذي نعيشه يدور حول هذه القوى التي تتبنى مشروعا هو ما بين مشروع ديني ومشروع ديمقراطي غامض، حيث لا يمكن أن نميز فيه ذاك الحلم الديمقراطي.

وتلك الحرية التي نصبو إليهما، فوجدت أنه لا بد من متابعة هذه الأحزاب وتاريخها، منذ بداياتها في العشرينات بما في ذلك تيار الإخوان المسلمين والأحزاب الشيعية، وهي جمعا وطرحا أحزاب إسلامية لأنه ليس هناك من حزب مسيحي، والأحزاب المسيحية الموجودة تعتبر أحزابا قومية وليست دينية.

وأقول مخطوط، لأني ما زلت أستخدم القلم وأشعر أنه يرشدني للخطأ سواء النحوي أو الإملائي، في حين أن لوحة المفاتيح تغشني ويفوتني الكثير من الأخطاء فيها، لذلك ستكون المقدمة مكتوبة بالقلم، وهو قلم باركر نمرة (51)، وللأسف توقفت صناعته، ولي تسمية له ب«سيد الأقلام»، ولا يفارقني منذ زمن طويل، في الكتب والبحوث والمقالات المطولة.

كذلك دفعت إلى الطبع، عن طريق معهد الدراسات العراقية أيضاً، كتاب «المجتمع العراقي.. تراث التعايش الديني والمذهبي»، يعالج الاستخدام السياسي للناس في القضايا الدينية أو السياسية، وكتاب «العراق.. تشابك الأزمنة»، وهو مختارات مما كتبته من مقالات في الفترة الأخيرة في جريدة «الشرق الأوسط».

وهمي الأساسي هو الرجوع إلى التاريخ أو الاستنجاد بالتاريخ لقضايا معاصرة، وقد يعترض على هذا التوجه كثرة من المثقفين الحداثيين إن صحت العبارة، على اعتبار أنه نوع من العودة أو التمسك بالماضي أو نوع من السلفية. لكن العودة إلى التاريخ من وجهة نظري تمثل تجارب مشتركة سابقة تشير إلى أنه كانت هناك حلول، وليس بالضرورة أن يسير الزمن والتطور دوما إلى الأمام، وأرى أن الزمن في كثير من الأحيان قد يتوقف عند لحظة معينة وطريق معين، ولهذا لدي أسبابي للمضي في دراسة التاريخ.

هذه اهتماماتي بشكل مختصر، لكني درست الفلسفة في الأساس وكانت تخصصي في الدراسة الجامعية وأطروحة الدكتوراه، غير أن الفلسفة قادتني إلى دراسة وقراءة التاريخ السياسي والاجتماعي والفكري.

الاعتزال.. أسس ومبادئ

* غالبا ما يكون موضوع اختيار دراسة الدكتوراه مهما جداً، لأنه يشكل نقطة تحول في نشاط الباحث فكريا لسنوات لاحقة بعد التخرج، فما هي الأسباب الرئيسية التي دعتك إلى اختيار موضوع يرتبط بفكر وفلسفة المعتزلة كموضوع لأطروحة الدكتوراه؟

ـ الاختيار لم يأت مباشرة، فقد كان لي من قبل اهتمام كبير بالفلسفة الإسلامية، ولم يكن بإمكاني كلما حاولت قراءة هذه الفلسفة أن أفهم فلسفة الفارابي ولا ابن سينا ولا أطروحات الكندي بدون الخلفية التاريخية لها، ووجدت أن نشأتها وخلفيتها التاريخية موجودتان في المعتزلة، وكأنهم أول من استطاع تقديم الفلسفة اليونانية وهضمها وتقديمها عن طريق الطروحات الإسلامية. ولا أدعي السبق في هذا الأمر، بل سبقني إلى ذلك باحثون تعلمنا من كتبهم وأثرتنا آراؤهم في القراءة والكتابة.

والمعتزلة كاسم يثير الجدل، فالاعتزال ظاهراً معناه الاستقالة أو الركون للسكينة، لكن هذا المصطلح أصبح اسما لحركة فكرية نشطة استمرت إلى يومنا هذا، ودخلت في الكثير من المذاهب وكان لها وجود في معظمها. وقد سموا بالمعتزلة لأنهم اعتزلوا شيخهم الحسن البصري، وليس كما ورد لدى أحمد أمين وغيره، بأنهم أسلاف لسعد بن أبي وقاص والجماعة الذين اعتزلوا علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان.

والاسم ليس خيارهم كما حال الكثير من الفرق الدينية والمذهبية التي لم تطلق على نفسها اسمها، وهذه التسميات تأتي كتحصيل حاصل أشبه باللقب الذي يرافق الإنسان سواء أكان حسنا أو سيئا.

والمعتزلة لديهم دراسة في الوجود والطبيعة والمجتمع، وما شدني إليهم هو اهتمامهم بالعقل، وتقديم العقل على أي منحى آخر، فهم يعتبرون العقل هو الأصل.

وعندما نقول ذلك ليس معناه أنهم لا يؤمنون بالكتاب السماوي وبالأسس الدينية، بل هم يعتبرون العقل في البداية وما يقبله هو هذه المعقولات به، وهذا ما يفرقهم عن النصيين الذين يعتمدون على النص أولاً. وكان لديهم موقف حول السنة النبوية نفسها باعتبار أنها نقلت عن أشخاص ودخلت فيها أحاديث موضوعة، كما لديهم تفسيرهم الخاص للقرآن الكريم، وهم أيضا يعطون الإنسان قوة في وجوده.

فالمعتزلة، على سبيل المثال، لا يعتبرون هذا الكون خلق بمصادفة أو عبثا أو أن الله سبحانه وتعالى يتحكم بالكون كما يشاء، بل يعتبرون أنه ما دام الله حكيماً إذا لا بد للعالم أن يتطور ويتحرك بحكمة، لذلك هم يقولون إن الأجسام هي المسؤولة عن أعراضها التي هي صفات الجسم نفسه، والجسم طبيعته أن يكون طويل القامة أو قصيرها.. الخ.

فتراهم يقولون ما معناه إنه إذا غرست بذرة تفاح لا بد أن تخرج الثمرة شجرة تفاح، فإذا خرجت شجرة برتقال بقدرة الله، فمعنى هذا خلل في الكون لكونه خارج الحكمة الإلهية نفسها، والله سبحانه وتعالى جعل الأشياء تتحرك بقانون الوسائط، والوسائط هي التي تعمل في الطبيعة، وهي أن تتحكم الأجسام بأعراضها بما فيها من قانونية، وبالنسبة للإنسان أو المجتمع فيقاد عن طريق العقل، فالعقل وسيط بين الله والمجتمع، وطبيعة الأشياء وقانونية الأشياء هي الوسيط بين الأشياء وبين الله.

وللمعتزلة خمسة مبادئ أو أصول يركنون إليها، والأصول تعني العقيدة: التوحيد والعدل، والأخير يتفرع إلى ثلاثة: المنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوعد والوعيد. وقد تميزوا أكثر من غيرهم في تبنيهم المنزلة بين المنزلتين، باعتبار أن صاحب الكبيرة، الذي اختلفوا حوله مع الخوارج والحسن البصري، هو في منزلة وسطى بين الكافر والمؤمن، ويعبرون عنه بالفاسق وهو ليس خالدا في النار.

أما العدل فمبني عندهم على أساس تحرير فعل الإنسان من الجبرية، ويعتبرون فلسفة العدل مبنية على نفي القدر، فإذا كان الإنسان مسؤولاً عن أفعاله فالحاكم مسؤول عن المظالم التي يقوم بها أمام الناس وأمام الله، على عكس المدرسة الجبرية التي تقول إن الظلم وغير الظلم هما من فعل الله، أي أن الإنسان مسير لا مخير.

وتعني فلسفة التوحيد بالنسبة لهم نفي الصفات، أي أن الذات الإلهية لا صفات لها تشاركها في القِدم، وبحسب فلسفتهم فإن الصفات هي الله نفسه، وحين نقول إن الله كريم لا يعني أن الكرم ثنائي مع الله، وكذلك قدرة الله ليس مكتسبها، وإنما هي هو. وحول فلسفة التوحيد اختلف المعتزلة في ما بينهم، من قال بالمعاني ومن قال بالأحوال وغيره من الأمور. هذا مجرد تقديم مختصر للمعتزلة والحديث حولهم وفيهم ذو شجون.

تشابك الأزمنة

* من خلال كلامك عادت بي ذاكرتي إلى مقولة لأحد أئمة المعتزلة يقول فيها «لا إمام سوى العقل»، وهذه المقولة صاغها أبو العلاء المعري بطريقة شعرية في ما بعد، فهل هذه المقولة دلالة على أن المعتزلة أصحاب رؤية لتحرير الإنسان من التبعية للآخرين؟

ـ علينا أن نتكلم عن المعتزلة في زمانهم، على الرغم من وجود تشابك بين الأزمنة. ولذا كثير من مقولاتهم يعتبر متقدما جداً عما هو موجود، أو عن ابن العصر الحالي، فقد كانت آراؤهم بشكل عام تقول إن: «العقل هو الإيمان»، وهذا ليس فيه مخالفة للدين وما ورد في القرآن، حيث وردت فيه عبارة «ألا تعقلون» أكثر من مرة. فالعقل هو الذي يوضح الطريق إلى الله كما أنه يوضح طريق الحياة، وما يعقل فقط هو ما يؤمن به في الحياة والطبيعة.

لذا كانوا يعتقدون بغير صحة الكثير من المقولات لأنها لا تعقل. بصريح العبارة، فقد توصل إبراهيم بن سيّار النظام إلى نفي الجن ـ وهناك من سيقول إن الجن مذكورون في القرآن ـ لكن للنظام تأويلا في هذا الموضوع، فهو يعتبر قضية الجن وما يتعلق بها،وقد بتنا نعيشها اليوم عبر الفضائيات، نتيجة للاستيحاش.

أي نتيجة طبيعية لمن يستوحش في الصحراء فتكون له هواجس وخيالات. وعند قراءة نصوص للقاضي عبد الجبار الهمذاني، وهو شافعي الفقه ومعتزلي الفكر، نجده يعتبر العقل هو الأول لأن الاستدلال إلى المعرفة بكل شيء يتم عبره.

لذا تراني أقول إنه لو تسنى للمعتزلة أن يستمر وجودهم في البصرة بهذا المنحى وبهذا التوجه العقلي، لكان هناك احتمال أن تظهر الاختراعات في البصرة وليس في اليابان وغيرها من الدول، وهذا ليس من باب المبالغة، لأن المعتزلة ناقشوا قضية الجاذبية قبل نيوتن ب800 سنة.

ولدي بحث بهذا الموضوع نشرته تحت عنوان «تفاحة المعتزلة»، ذلك أنهم استخدموا نموذج التفاحة بالذات في موضوع الجاذبية، وطرحوا تساؤلات حولها مثل: هل التفاحة المرمية في الفضاء تسقط إلى الأرض بفعل الهُوي (الثقل) أم بفعل فاعل؟ فالمعتزلة كانوا على مستوى عال من التطور، وقد دخل فكرهم في الفلسفة الإسلامية وفي دراسات ومذاهب عديدة ما زالت تتحدث بمقولتي: خلق القرآن، ونفي القدر.

الالتصاق بالتاريخ

* الملاحظ أن كتاباتك لها ميزة التصاق بالتاريخ والتراث، فهل تجد في هذا المنهج الكتابي وسيلة لاستعارة بعض مواقف الماضي لإرهاصات في الحاضر؟

ـ يخيل إلي ـ ولا أقول اعتقد لأن في الاعتقاد جزما ـ أن التاريخ لم يغادرنا إطلاقا، وكشعوب شرقية ما زلنا نعيش في تاريخنا تماما، كما يخيل إليَّ أن الكثير من الظواهر السياسية والاجتماعية والفكرية ما زالت تتحرك بدينامية وبعقل تاريخيين، في الوقت الذي تظهر التجربة كم هناك من الأهمية لتاريخ العلوم على العلوم نفسها؟

فعند دراسة علوم الفيزياء أو الفلسفة أو الاقتصاد وتاريخها لا يمكن البدء من ظاهرة مقطوعة، وحوادث التاريخ عندنا ما زالت تتكرر، لكن بشخوص أخرى، بل أحيانا تكرر مثلما يقال زشبه النعل بالنعلس أي كثيرة الشبه بها، وهناك العديد من الأمثلة تؤكد أن الظاهرة التاريخية أكثر تقدما من الظاهرة الحالية إذا ما قمنا بمراجعتها.

نستخدم حاليا الانترنت وصحون الفضاء وآلات الحداثة الأخرى، لكننا نستخدمها بعقلنا التاريخي، وفي كثير من الأحيان نبدو وكأننا غرباء عنها، وترى فعل هذه الآلة ليس كما هو في أوروبا، حيث هناك قطيعة عن التاريخ، وحيث استجدت أمور لم يكن لها أصل تاريخي لديهم.

أما بالنسبة لنا فما هذه الآلات التي نستخدمها إلا مستوردات، والحقيقة والفعل لدينا هو التاريخ الذي لم نستطع أن نخرج عنه. علينا ألا نفهم العودة إلى التاريخ على أنها، بالضرورة، ممارسة رجعية أو تراجع، وإنما في العديد من الحالات يمكن فهم التقدم باستعادة الحوادث.

وقد كان البابليون، ونحن أحفادهم سواء في العراق أو مناطق أخرى من الناحية التاريخية والاجتماعية والعلمية والإرث في المنطقة، ينظرون إلى الماضي كمستقبل، ولا يحددون المستقبل باتجاه السهم إلى الأمام، بل يعتبرون المستقبل باتجاه الماضي. عموماً، لم يغادرنا فخرنا بأن العراق شهد أول ظهور للكتابة والعجلة، لكن لنأخذ عمرها ونتساءل: أين ذهبت تلك العجلة، وأين ضاعت الكتابة، ولماذا تفشت بيننا الأمية بينما تقدمت شعوب أخرى بعيدة عن هذا الاختراع؟!

حاولت البحث عن العجلة السومرية، وهي ظهرت في منطقة الناصرية في جنوب العراق، وهي منطقة حسب مدلولات التطور الحالي متخلفة، بحثت في التاريخ الساساني ثم الأموي الإسلامي ثم التاريخ العباسي، ولم أجد أثراً لها في أرضنا، مع أنه لا طائرة تطير اليوم، ولا تسير سيارة أو تدور ماكينة أو يرتفع بناء من دونها!

كذلك يذكر التاريخ أنه في الناصرية قبل 6000 سنة أُجريت عمليات جراحية من ضمنها عمليات للولادة، في حين تحولت المنطقة لفترات طويلة من الزمن إلى طب الشعوذة. أعتقد أننا ما زلنا غير مستلهمين ذاك التاريخ، وما زال ذاك التاريخ أكبر وأكثر تطورا من حاضرنا، لأننا اليوم نستخدم أدوات غيرنا.

لو أخذنا الجامعة المستنصرية التي بنيت في عام 631 هجرية وقارناها اليوم بما كانت عليه في عهد المستنصر العباسي يظهر الاختلاف الكبير، فقد كانت هناك كلية خاصة بالطب وأطباء مقيمون للطلبة وأقسام داخلية ورواتب للطلبة.

بل كان في واجهتها برج الساعة، وهذه الساعة كانت تتحرك حسب ساعات النهار والليل فتنقلب إلى اللون الذهبي في النهار، حيث لون الشمس، وإلى الفضي في الليل حيث لون القمر، وكل حصيلة من تلك الكرات تعلن عن مرور ساعة من الزمن. كذلك، كتابة العميان، التي ظهرت حديثا، تم اختراعها في هذه المدرسة بالذات من قبل مدرس أعمى كان يستدل على مجلدات الكتب من خلال حروف معينة باللمس.

وما سردناه عن تطور العلم يسري على الحدث السياسي، فالحدث السياسي الذي نعيشه اليوم مشابه تماما للماضي، سواء أكان في الخلاف الطائفي أو السياسي أو الاجتماعي، وأحيانا قد يستغرب بعض القراء كيف أنه حصل في العصر العباسي حدث شديد الشبه باليوم؟

ومجمل القول إن التاريخ لم يغادرنا، ونحن لا نستطيع مغادرة التاريخ وعلينا الاستفادة من أحداثه باعتبارها بضاعتنا، في حين أن الآلات التي نستخدمها اليوم ليست كذلك، وانسجامنا معها من ناحية الاستعمال وليس من الناحية الروحية أو التواصل الفكري.

ضائقة الحرية

* يحتاج المثقف إلى أجواء من الحرية، لذا نجد الكثير من المثقفين في العالم العربي يهجرون بلدانهم إلى القارة الأميركية أو الأوروبية، ما وجهة نظرك في الفضاءات العربية المتوافرة حاليا حيث يوجد حد أدنى من الحرية، هل هي فضاءات مناسبة لاستمرار عمل المثقف وعطاءاته للمجتمع؟

ـ ضائقة الحرية أو مساحتها يمكن أن يستغلها المثقف أيضاً مثلما يستغل الحرية، فقد شاءت الأحوال أن تقال أقوى القصائد وأفخر النصوص في أيام الشدة، والمثقف يعيش تحت سيف الطاغية! فالإبداع الداخلي أحيانا يحتاج إلى معاناة، ولا أقول إنه لا بد أن تكون هناك معاناة حتى يكون إبداع! لكن، هذا ما حصل بالفعل، فقوة الشعر والرواية والأدب دائما تجدها متفردة تحت لظى المعاناة.

وكم من ترف أفسد الثقافة! هذا ليس أمنية أو دعوة، إنما تحصيل حاصل. وقد يختلف الأمر في مجال البحث والتفكير، إذ يمكن كتابة قصيدة متينة تعكس معاناة شاعر أو إحساسه بمعاناة الآخرين، لكن عند البحث في موضوع فكري من قبل فيزيائي أو كيميائي أو باحث في التاريخ والفلسفة لا بد من الحرية، ذلك أنه إذا ما اصطدم البحث مع الفكر السائد يبقى حبيساً، وهذا الجزء الهام من الإبداع يدخل في الفكر عموما بما في ذلك الفكر السياسي والاقتصادي.

ولهذا السبب تخلفنا، وأنا أشير إلى واقع العراق خلال هذه الفترة المريرة التي مرت من السيطرة الحزبية والهيمنة الشخصية وهيمنة الشعار والهتاف، حيث اضطر المشتغل بالبحث إلى الخروج من تلك الأرض حتى يمكنه التفكير بحرية.

ويمكن لكاتب أن يكتب، بينه وبين نفسه، قصيدة رزينة معبرة ومؤثرة، لكن الباحث قد لا يتعدى هذا الأمر إلى كتابة بحث فكري أو تطوير مشروع معين اقتصادي أو اجتماعي، ناهيك عن البحث التاريخي، لأن الأمر يتعلق بالنشر واستخدام الأدوات والمصادر وإظهار المشروع.

ومعلوم أن الأجواء الثقافية المتنعمة بالحرية هي التي جعلت أوروبا تتقدم، عندما رفعت الهيمنة وأصبح الإنسان لا يحاسب على ما يعقله. وعلى صعيد آخر، نحن نعيش إرهابات أو هيمنات من أنواع مختلفة.

حيث هيمنة المجتمع وعاداته وتقاليده، بمعنى العيش في ازدواجية بين مطلب الحرية الفكرية وبين هيمنة موروثات المحيط، خارج الوقع التاريخي، بل أحيانا داخل الغرفة المقفلة يفكر المثقف في الرقيب، وليس بالضرورة أن يكون هذا الرقيب سياسياً أو قوة أمنية أو عسكرية، بل ويمكن أن يكون أحد الوالدين أو الأصدقاء أو الأقرباء. نعيش في مجال معقد من الهيمنات ولا نملك الحرية، وعندما نكتب هناك خوف من اصطدام أفكارنا بما تعتقد به العشيرة مثلاً.

وبالتالي، الأمر يحتاج إلى انقلاب فكري من الداخل، وأن لا تجري المحاسبة على الورقة المكتوبة، وطبعا هذا ضمن حدود القوانين والدساتير، وكل الدساتير تعطي حرية الرأي والكلمة في موادها، لكن المتحقق غير ذلك تماماً. ومن المخجل أن نجد عصرنا متخلفاً في العديد من الظاهرات الفكرية عن العصور الخوالي، وعما أنتجته الجماعات عبر معاناتها مع هيمنات عصورها.

لو نقرأ الآن رسائل إخوان الصفا التي كتبت منذ زمن، وهي مؤلفة من قِبل جماعة لم تتمكن من الإفصاح عن أسمائها، نرى مدى تقدم العقل الذي امتلكه هؤلاء في التعبير عن وضع السياسة والمجتمع. فهل يمكن اليوم أن يتقبل المجتمع وجود خليفة عازف موسيقى مثل الواثق بالله العباسي وهو ابن القرن التاسع الميلادي؟ وهناك العديد من الأمور التي لا يتقبلها حاضرنا سبق أن نفذت في الماضي، وكأننا نسير في طريق مخالف للزمن نفسه.

أدار الحوار: د. محمد عبد الله المطوع

أعدته للنشر: نهى حوّا