يتناول المؤلف تفاصيل القتال في اليوم الثاني من معركة يونيو 1967، حيث يقول إن وزراء إسرائيل استمروا في مراقبة ردود الفعل في واشنطن. ورأى أرييه ليفافي مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية أن الأميركيين قد يسمحوا لإسرائيل «أن تنهي العمل»، وكان بن غوريون أيضا يتلقى تقارير دائمة عن التطورات وقد كتب في مذكراته يوم 6 يونيو يقول: «أميركا تريدنا أن نقضي على ناصر سريعا»!.
غير أن ليفافي كان يشكو من تصريحات أدلى بها موشي دايان للإذاعة في الليلة السابقة وأعلن فيها أن الطائرات المصرية تم تدميرها على الأرض. وكان رأي مدير عام وزارة الخارجية أن ما قاله دايان يفضح ادعاء إسرائيل أن المصريين هم البادئون بالهجوم، ويعرقل الجهود المبذولة لإقناع العالم بأن تل أبيب لم تطلق الطلقة الأولى في الحرب. ويتطرق المؤلف كذلك للقرار الإسرائيلي باحتلال الجولان والسيطرة على الضفة الغربية وطرد السكان الفلسطينيين إما بصورة مباشرة أو من خلال تسهيل خروجهم عبر المعابر والجسور.
يقول المؤلف إن أميركا لم تكن تتحدث بصوت واحد. ففي بداية الحرب طلبت معرفة البادئ فكذب أبا إيبان وزير الخارجية ومئير آميت مدير جهاز الموساد، وادعى كل منهما أن مصر هي البادئة بالحرب. وقد يكون إنكارهما قد تم بالإيماء والغمز واللمز، ولكن المؤلف يدعي أن ما يسميها «كذبة أكبر» هي التي كانت تقلق الأميركيين وليس الكذبة الإسرائيلية. ويزعم توم سيغيف أن العرب هم الذين ادعوا أن الطيران الأميركي لعب دورا في الهجوم على مصر وأن الولايات المتحدة وبريطانيا اشتركتا في ذلك الهجوم.
وفي رأينا أن الكتاب لم يوف هذه المسألة حقها من البحث، إذ ان دلائل كثيرة كانت تؤكد وجود دور معين لكل من الولايات المتحدة وبريطانيا ومن بينها الحقائق التالية في الأيام الأخيرة من شهر مايو 1967 أي قبل أيام من العدوان الإسرائيلي على مصر: قيام إدارة السي آي إيه بشراء ثلاثة أسراب من الطائرات طراز سكاي هوك لتسليمها إلى إسرائيل بعد أن حصلت على موافقة استثنائية من روبرت ماكنمارا وزير الدفاع الأميركي آنذاك. قامت وكالة المخابرات المركزية الأميركية بتدريب اثنين وسبعين طيارا متطوعا للاشتراك في العمليات الإسرائيلية.
قال مئير آميت مدير الموساد في تقرير له بعد عودته من واشنطن إن السي آي إيه جهزت سربين من طائرات ميراج لتسليمهما عن طريق هولندا مع 62 دبابة من طراز ليوبارد الألماني، كما أن واشنطن أرسلت خلال أسبوعين سابقين على ذلك التاريخ جميع كميات وأنواع الذخائر التي طلبتها تل أبيب وتم نقلها على متن طائرات أميركية مباشرة من قواعد في ألمانيا الغربية.
التزام إدارة الرئيس جونسون بعدم السماح بتوجيه أي اتهام لإسرائيل في مجلس الأمن الدولي بأنها البادئة بالعدوان. تعمل الولايات المتحدة على ضمان عدم النص على عودة القوات المتحاربة إلى الخطوط التي كانت عندها قبل بدء العمليات وذلك عند صدور أي قرار من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار. ويضيف الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل في كتابه «الانفجار ـ 1967» إلى ذلك كله بضع إشارات بالغة الدلالة على الوجه التالي:
إشارة من قائد الطائرة العربية المسافرة إلى براغ بعد ظهر يوم الأحد 4 يونيو يذكر فيها أنه رأى في الساعة الرابعة بعد الظهر وهو في الجو أربع قطع بحرية أميركية إحداها حاملة طائرات. وقد رصدها على مسافة 40 ميلا شمال بلطيم المصرية الواقعة على البحر الأبيض المتوسط وكان معنى ذلك أن حاملات الطائرات الأميركية تقترب من إسرائيل لكي تكون متأهبة لعمل مظلة جوية فوقها تحميها في ساعة قيام طيرانها بمهام معينة كانت حتى ذلك اليوم سرا مجهولا.
كذلك كان مركز الاستطلاع اللاسلكي في السلاح البحري المصري المكلف بمتابعة حركة الأساطيل، قد التقط في تلك الساعات ثلاث إشارات تمكن من حل شفرتها وكانت اثنتان منها تؤكدان تورط واشنطن ولندن:
إشارة تقول إن المدمرة الأميركية «فالكون» تقوم بدوريات منتظمة قرب السواحل السعودية بحذاء منطقة جيزان إلى مداخل ميناء جدة. وكانت الأوامر الصادرة إليها أن تتابع سير الملاحة العسكرية المصرية من ميناء الحديدة اليمني إلى ميناء السويس المصري.
وكانت الإشارة الثانية أهم في دلالتها وأخطر، فقد كانت أمرا من قيادة الأسطول البريطاني في مالطة نصها كالتالي: «إلى جميع وحدات أسطول صاحبة الجلالة البريطانية في البحر الأبيض المتوسط: ابتداء من الساعة السادسة بتوقيت غرينتش صباح غد فإن جميع الوحدات البحرية البريطانية سوف تلحق بقيادة الأسطول الأميركي السادس في البحر الأبيض المتوسط، وتنتقل إلى هذه القيادة كل مسؤوليات قيادة مالطة».
ثم تلت ذلك إشارة من قائد الأسطول البريطاني إلى الأدميرال ويليام مارتن قائد الأسطول الأميركي السادس يقول فيها بالحرف: «بكل فخر أسلم إليك قيادة القوات البحرية لصاحبة الجلالة في البحر الأبيض المتوسط» وكان ذلك إجراء لم يحدث من قبل في تاريخ الأسطول البريطاني في البحر المتوسط ولا حتى خلال المناورات المشتركة التي قام بها الأسطولان من قبل.
وكان معنى حدوث هذا الإجراء الاستثنائي في هذه اللحظة الاستثنائية في المنطقة أن هناك عملا استثنائيا على وشك الحدوث. ونرجو أن نذكرّ القارئ العزيز أن تلك الإشارات واضحة الدلالة جرت قبل ساعات من بدء العدوان الإسرائيلي في الخامس من يونيو 1967.
وتؤكد وثائق مكتبة ليندون جونسون كل ما سبق كشفه عن أسرار اتفاق إدارة جونسون مع إسرائيل. وتضم تلك المكتبة الموجودة في تكساس شهادات شفوية سجلت لعدد من كبار المسؤولين الأميركيين ومن بينهم نائب وزير الخارجية الأميركية نيكولاس كاتزنباخ الذي تحدث عن التقديرات الأميركية للحرب فأجاب بقوله إنهم كانوا واثقين من نجاح إسرائيل في ضربتها ثقة كاملة لأنهم كانوا في وضع يسمح لهم بمعرفة الحقائق على الجانبين.
ثم سئل عما إذا كانت لدى الولايات المتحدة آنذاك خطط للطوارئ فيما لو سار القتال في اتجاه آخر، فأجاب قائلا: «لم يكن هناك أدنى احتمال لأن يسير القتال في اتجاه آخر. ولقد كانت معلومات المخابرات كاملة بشأن ما سوف يفعله الإسرائيليون وفي قدرتهم على عمله، وبالتالي لم يكن هناك داع لأن نتحسب لاحتمالات أخرى.
غير أن المؤرخ العسكري الإسرائيلي ميخائيل بارزوهار أكد في كتابه «سفارات وأزمات» وجود خطط احتياطية لمساندة أميركية مباشرة لإسرائيل في حالة إذا ما سارت العمليات العسكرية ضدها. وقد كانت هناك خطتان للطوارئ إحداهما تقضي بإنزال قوات مظلات كبيرة معززة بمدفعية الأسطول السادس على سواحل سيناء، والثانية تقضي بإرسال قوات أميركية مباشرة إلى إسرائيل كحزام واق يمنع أي جهات معادية من الوصول إلى مراكز تجمعاتها السكانية.
ضرب السفينة ليبرتي
نعود إلى كتاب المؤرخ الإسرائيلي توم سيغيف لنجد أنه يمر في عجالة على موضوع سفينة التجسس الأميركية ليبرتي التي قام الإسرائيليون بتدميرها، ويذكر أنها كانت تبحر بالقرب من مدينة العريش الساحلية المصرية وقد هاجمتها الطائرات الحربية وزوارق الطوربيد الإسرائيلية مما أدى إلى مقتل 34 وإصابة 171 بحارا من طاقمها.
وقد ظنت واشنطن في بداية الأمر أن الروس هم الذين أغاروا على السفينة، وبدا أن الدولتين على وشك الصدام، غير أن إسرائيل سارعت إلى الاعتذار وأرسل السفير الأميركي إلى تل أبيب برقية إلى واشنطن ينصحها فيه بتجنب نشر أنباء الهجوم خوفا من أن يؤدي وجود السفينة بالقرب من غزة إلى إثارة شكوك العرب في وجود تواطؤ أميركي ـ إسرائيلي.
ويذكر الكتاب أن الولايات المتحدة وإسرائيل ظلتا عبر السنين تحيطان وثائق تلك الحادثة بالكتمان بالرغم من إفراجهما عن كثير من الوثائق الأخرى، ولذا فقد استمرت علامات استفهام كثيرة تحيط بها. ويرى مؤلف الكتاب أنه رغم ادعاء إسرائيل أن الهجوم على السفينة كان عن طريق الخطأ، إلا أن إحاطة تفاصيله بالسرية التامة أثارت أقوالا كثيرة ترى وجود نظريات تآمر لم تتبدد رغم مرور أربعة عقود من الزمان بعدها.
وقد حاول كثيرون إثبات أن إسرائيل تعمدت تدمير السفينة لإخفاء بعض الأسرار عن الولايات المتحدة، وربما كانت لتلك الأسرار علاقة بالقدرات النووية الإسرائيلية، أو نواياها بالنسبة للهجوم على سوريا، أو المذابح التي ارتكبتها ضد الأسرى المصريين، أو مسائل أخرى.
ويؤكد مؤلف الكتاب أن الرئيس جونسون، وريتشارد هيلمز مدير السي آي إيه، ودين راسك وزير الخارجية، وكبار مسؤولي وزارة الدفاع الأميركية، لم يصدقوا مزاعم إسرائيل بوقوع خطأ، أو على الأقل لم يتخلوا عن شكهم في أنها تعمدت قصف السفينة، بل إنهم لم يستطيعوا التحدث عن الدوافع التي تجعل ليفي أشكول، أو مئير آميت، أو موشي دايان، يصدرون أوامر بشن الهجوم.
وعندما عقد المجلس الوزاري لشؤون الأمن قال رئيس الوزراء الإسرائيلي إن السفينة ليبرتي هوجمت خطأ، وعلق بيغن على ذلك بأن الأميركيين في فيتنام قصفوا سفنهم عدة مرات عن طريق الخطأ، ويستطيع أي شخص أن يفترض أن ليبرتي دمرت نتيجة ارتكاب خطأ مادامت الحروب تعج بالأخطاء العملياتية، ومادام لم يظهر دليل واضح على وجود دافع وراء الهجوم عليها.
احتلال الجولان
بعد ساعات قليلة من حادثة ليبرتي عقد المجلس الوزاري لشؤون الأمن اجتماعا لمناقشة اقتراح بالاستيلاء على هضبة الجولان. وكانت صحيفة هآرتس قد نشرت صباح ذلك اليوم افتتاحية بعنوان: «إنجاز العمل» ناقشت فيه المسألة السورية وطالبت بمهاجمة الجيش السوري «لإقامة حدود ملائمة لاحتياجاتنا» على حد قول الصحيفة ولكنها لم تذكر بالاسم المناطق التي يمكن احتلالها وطالبت بخلق حقائق جغرافية واستراتيجية لحماية إسرائيل على المدى الطويل.
وكان الرأي السائد هو أن احتلال سيناء هو نتيجة لهجوم مباغت ويمكن اعتبار السيطرة على الضفة الغربية عملية كبيرة لانتزاع أراض عنوة، ولكن سوريا اعتُبرت منذ البداية المصدر الرئيسي للمشاكل حتى قبل الحرب.
ودأب إسحق رابين وعدد قليل من الشخصيات العسكرية على المطالبة بالسماح لهم باحتلال الجولان مثلما كانوا يريدون منذ شهر يناير السابق، ولكن أشكول كان لا يزال يحلم باحتلال منابع بانياس. وثار جدال قبل عملية الجولان مماثل تماما لذلك الذي قاد إلى الهجوم على مصر.
وكانت الحجة الأساسية الرافضة للعملية سياسية ولكن لم يكن الرافضون يخشون الولايات المتحدة هذه المرة، بل على العكس كان مئير آميت، قبل أيام تعود إلى يوم الأربعاء 7 يونيو، قد ذكر في تقريره أن أميركا تتقبل الهجوم على مرتفعات الجولان، كما أن أبا إيبان وزير الخارجية قال بعد ذلك إن ماك جورج باندي مستشار الأمن القومي السابق وعضو اللجنة التي شكلها جونسون لمتابعة أزمة صيف 1967، اتصل به هاتفيا وقال له: إن الوقت قد حان للقيام بعمل ضد سوريا حتى ولو بدون الوصول إلى دمشق.
غير أن الوزراء المعارضين كانوا يخشون الاتحاد السوفييتي، وكان بعضهم قد عارض كذلك الهجوم على مصر بمن فيهم وزراء حزبي المابام والمفدال. أما الموافقون على الهجوم على مرتفعات الجولان فكان في مقدمتهم الجنرال إيغال ألون، وعلى العكس من ذلك طالب دايان بضبط النفس هذه المرة معربا عن خوفه من رد فعل السوفييت، ولم ينظر إلى سوريا باعتبارها خطرا استراتيجيا.
وكان قبل الحرب قد أعرب عن اعتقاده بأن إسرائيل هي المسؤولة عن تصعيد التوتر على الحدود الشمالية. وفي البداية سمح دايان للجيش الإسرائيلي باحتلال المناطق منزوعة السلاح دون أن يتخطى الحدود الدولية، وعارضه إسحق رابين قائلا إنه لا مبرر لوقف العملية عند حد معين في تلك المناطق وفي منطقة بانياس، ولا للاقتناع باحتلال تلّ العزيزيات الذي يعتبر موقعا سوريا حصينا.
وكان مصدر الضغط الرئيسي لاحتلال الجولان هو الجنرال ديفيد إليعازر رئيس القيادة الشمالية الذي ظل يثير الموضوع على مدى سنتين مع رؤسائه وبعض الوزراء وحتى مع أشكول نفسه، بل كان أيضا يحرضهم على احتلال العاصمة دمشق.
وأخيرا قامت الطائرات الإسرائيلية صباح يوم الخميس بالإغارة على المرتفعات السورية وزعم رابين أن الهجوم كان خطأ من جانب سلاح الجو، ورد السوريون بقصف عدة تجمعات إسرائيلية ودفع إليعازر وأعوانه عددا من مستوطني الجليل إلى الضغط على الحكومة وحثها على احتلال الجولان مع ضم الجنرال ألون إلى جانبهم الذي قام بتشكيل وفد منهم للذهاب إلى تل أبيب والاجتماع مع ليفي أشكول الذي وافق بدوره على دعوتهم إلى حضور اجتماع مجلس الوزراء في نفس اليوم.
وفي صباح يوم الجمعة اجتمع المجلس الوزاري للأمن حيث أعلن دايان أنه أمر قواته باحتلال جميع مرتفعات الجولان لا مجرد جزء منها فحسب، وكرر ما سبق أن ذكره لرئيس الوزراء وهو أن عزم سوريا على قبول وقف إطلاق النار وفر فرصة جديدة، وأكد أن أشكول منحه تفويضا بالعمل. وفي المساء أخطر دايان رئيس الوزراء بوجود بعض الصعوبات في طريق احتلال الجولان رغم توقعاته سابقا.
وذكر أن القوات السورية تحارب ببسالة وأنها صامدة ضد القوات الجوية الإسرائيلية صمودا يدعو إلى الاحترام، ولكن الجيش الإسرائيلي قد يستولي على منطقة بانياس في صباح اليوم التالي. وصاح أشكول قائلا: ما دمنا قد بدأنا أليس من الممكن أن نتحرك أبعد من ذلك في الصباح؟ لا يمكننا السماح للسوريين بالإفلات بانتصار في الوقت الذي هزمت فيه إسرائيل جميع الدول العربية ما عدا سوريا».
وكان مازال هناك متسع من الوقت قبل اجتماع مجلس الأمن الدولي وتوجه أشكول إلى الشمال ليلتقي بدايان ويقوم بجولة هناك. وكان انطباعه أن الجيش الإسرائيلي يواجه مصاعب كبيرة في الاستيلاء على مدينة القنيطرة الهامة.
وحتى ذلك الحين كانت الجولان سباقا ضد الوقت. واتصل إيبان هاتفيا برئيس الوزراء ليخبره أن مجلس الأمن أصدر قرارا بوقف إطلاق النار ومن ثم يجب وقف القتال في الحال ولكن زوجته هي التي ردت على مكالمته نظرا لوجود زوجها في الشمال.
وبعد مضي بعض الوقت اتصل بها أشكول وهو متحمس لرؤيته المنظر من فوق الجولان، وعندما أخبرته برسالة إيبان تظاهر بوجود خلل في الخط الهاتفي وأخذ يكرر قوله: «آلو.. آلو.. لا أستطيع سماعك» إلى أن أدركت أنه لا يريد أن يسمع. وبعد ذلك بساعات سقطت القنيطرة.
واتفق دايان مع الجنرال أود بول كبير مراقبي الأمم المتحدة على وقف لإطلاق النار يبدأ من الساعة السادسة والنصف من ذلك المساء. وكانت القوات الإسرائيلية قد استولت على مواقع في شمال وجنوب الجولان، وانعقد مجلس الوزراء الإسرائيلي في تل أبيب حيث بدأت هناك «طبخة» إسرائيلية أشار إليها مؤلف الكتاب في سطور قليلة، فبالرغم من القرار الدولي بوقف إطلاق النار طلب دايان قرارا من مجلس الوزراء باحتلال المناطق القائمة بين تلك المواقع.
وأفصح أشكول عن موقفه وهو أنه يريد حقا الاستيلاء على شمال الجولان ومنابع المياه. وبينما المناقشات مستمرة جاء الجنرال إيغال يادين وأعلن أن الجيش الإسرائيلي يسيطر الآن على الجولان بالكامل.
تهجير الفلسطينيين
يفرد مؤلف الكتاب الفصل الخامس عشر للحديث عن الأيام الأخيرة بدءا من يوم الخميس الثامن من يونيو 1967 وما بعده، ويتضمن اعترافا صريحا بأن الجيش الإسرائيلي كان يجبر الفلسطينيين في الضفة الغربية على مغادرة بيوتهم لتهجيرهم. ويصف المؤلف الصفوف الطويلة للاجئين ويستشهد بما كتبه حاييم غفعاتي وزير الزراعة الإسرائيلي في مذكراته إذ يقول «نحن نشهد هنا كيف دمرت الحرب حياة آلاف العائلات نتيجة انتزاعهم من بيوتهم».
وقد رأى كثيرون هؤلاء اللاجئين وكتبت عنهم مقالات كثيرة في الصحف. ويصف الكولونيل أهارون شتنغل ذلك المشهد في ملخص كتبه عن الحرب: «كان المشهد مفزعا.. أطفال لم يتجاوزوا سنتين من العمر، وأمهات عطشى لا يجدن الماء، وصيحات ألم تتردد على طول الطريق» أما زئيف شيف المعلق العسكري في صحيفة هآرتس الإسرائيلية فيصف كيف كان اللاجئون يرمون ممتلكاتهم على جانبي الطريق ليتخففوا من الأثقال تحت درجة حرارة مرهقة حتى أن أحدهم ترك ساقه الصناعية على الطريق بجوار مستوطنة معاليه أدوميم.
وقد أصدر موشي دايان وزير الدفاع آنذاك أمرا للجيش بالسماح بخروج أي مواطن فلسطيني يريد النزوح، وبفتح جميع الطرق والمعابر. وأبلغ رابين الحكومة بترك الجسور على نهر الأردن مفتوحة قبل تدميرها لإخراج الفلسطينيين عبرها. وقبل الاستيلاء على المدينة القديمة بالقدس أمر دايان بفتح جميع أبوابها أمام من يرغب بالخروج من سكانها.
ويعترف الجنرال عوزي ناركيس قائلا: «من المؤكد أننا كنا نأمل في هروبهم مثلما حدث في عام 1948، ولكنهم هذه المرة لم يهربوا رغم أننا وفرنا لهم الحافلات لنقلهم وسمحنا بالمغادرة لمن يريد التوجه إلى جسر أللنبي. وقد غادر البعض في البداية ثم أخذ العدد يتناقص كل يوم أكثر فأكثر حتى توقف تماما.
وذكرت السفارة الأميركية في عمّان بالأردن أنها سمعت من شهود عيان تابعين للأمم المتحدة أن الجيش قصف مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في منطقة أريحا التي كانت تؤوي لاجئي 1948. وذكرت مصادر أخرى أن الجيش أطلق النار على مسيرة من اللاجئين الذين وجدوا أنفسهم يسيرون في نفس الطريق الذي كان يسلكه جنود عراقيون يحاولون الوصول إلى القدس.
وذكر القنصل الأميركي في القدس أن 90% من لاجئي 1948 في منطقة أريحا غادروا منازلهم، وأن عددهم هم وحدهم وصل إلى 50 ألفا. أما شلومو غازيت منسق العمليات في الأقاليم فقد قال إن عدد لاجئي 1948 الذين اضطروا إلى ترك وادي الأردن أثناء حرب 1967وصل إلى سبعين ألفا ولقد أفزعهم تكرار الأحداث المرعبة التي تعرضوا لها عام 1948 والتي كان من بينها حالات كثيرة من المذابح والاغتصاب والتعذيب.
ويذكر تقرير للسفارة الأميركية في العاصمة الأردنية أن عربات إسرائيلية تحمل مكبرات الصوت كانت تجوب قرى الضفة الغربية وتعلن أن كل من يود المغادرة سوف يلقى المساعدة، كما قامت سيارة أخرى مع مكبر صوت بالتجول في بيت لحم أيضا لتطلب من المقيمين بها المغادرة. وذكر القنصل الأميركي في القدس أن نحو سبعة آلاف من سكان تل كارم أجبروا على مغادرة بيوتهم.
ويسجل مؤلف الكتاب شهادات عدد كبير من الشهود الإسرائيليين في قرى ومدن فلسطينية مثل عنبتا وقلقيلية وغيرها، وتصف تلك الشهادات عمليات شحن النساء والأطفال والعجائز في عربات نقل، وكيف أن الأوامر الصادرة كانت واضحة إذ تقضي بإجلاء السكان وتدمير المكان.
ومن بين الشهود نيلسون غوران غوسينغ ممثل الأمم المتحدة الذي يقول إن نحو 850 منزلا في قلقيلية نسفت بالكامل. وقد أكد موشي دايان نفسه عمليات التدمير ولكنه زعم أنها تمت دون علمه، وفي وقت لاحق عاد إلى الاعتراف بأن القرى الفلسطينية تعرضت للتدمير بناء على أوامر من ضابط أراد طرد السكان. ويقول توم سيغيف في كتابه إن إسرائيل بذلت جهودا كبيرة لكي تؤكد زعمها بأن أغلب اللاجئين تركوا بلادهم بناء على رغبتهم، وإنكارها أنها أجبرتهم على ذلك.
النهب والسلب
من جانب آخر يتناول الكتاب عمليات النهب والسرقة التي ارتكبها الجنود والمدنيون الإسرائيليون لكل ما وقعت عليه عيونهم من ممتلكات الفلسطينيين بعد تهجيرهم من بيوتهم. ويقول مؤلف الكتاب إن النهب والسرقة شمل البيوت والمحلات والأثاث والمجوهرات والأدوات الكهربائية المنزلية وحتى السيارات.
وقد نهبت مخازن الأغذية والمشروبات عن آخرها وانتزعت معدات الاتصال وفقا لوصف مايكل براغاي المسؤول بوزارة الخارجية الإسرائيلية الذي يقول أيضا إنه علم كذلك بوقوع ما أسماه «عملية بطش عنيفة» بمقر إقامة الجنرال أود بول كبير مراقبي الأمم المتحدة. فذهب إلى هناك ليتحقق بنفسه برفقة ضابط. وقال له مرافقه إن ما حدث يفوق كل شيء.
وكتب مسؤول وزارة الخارجية بعد ذلك ليقول إن الجنرال عوزي ناركيس وافق على ترتيب كل شيء في المسكن الخاص بالجنرال بول لخلق الانطباع بأن تدميره كان نتيجة للقتال لا لعمليات النهب. ولم يقتصر النهب على الفلسطينيين فحسب إذ يقول أحد جنود الاحتياط واسمه شوكا بار دايان في مذكراته إن الجنود الإسرائيليين نهبوا كل شيء، واستولوا في بداية الأمر على أشياء من رتل من الدبابات المصرية المحترقة.
وكتب بار دايان في مذكراته صباح يوم 8 يونيو: «بدا بعض الناس وكأن لوثة أصابتهم ولا يدرون ماذا يأخذون، فإذا رأوا قنبلة يدوية أخذوها. كل شخص اشترك في عمليات النهب واستولت عليه شهوة السرقة.. فقاموا بالاستيلاء على حقائب الظهر الخاصة بالجنود، وعلى الجوارب، والمحافظ، وكميات كبيرة من الخطابات بما فيها صور الأمهات والزوجات..».
وقد ارتكب الجنود الإسرائيليون نفس الأعمال على الجبهات الأخرى. ويصف أحد الجنود العائدين من الجولان ما جرى بقوله: «قام جنودنا بالاستيلاء على كل شيء وأي شيء، حتى على المدى والخناجر، وكل شيء يلمع»..
وقالت امرأة من المدنيين: إنهم كانوا يقتسمون كل شيء ويسأل بعضهم بعضا: كم عندك من الأطفال؟ فيقوم كل جندي بالاستيلاء على هدية لكل واحد من أطفاله. وقال شاهد آخر اسمه حاييم بروم: «لم يكتفوا بالسرقة والنهب بل كانوا يحطمون ويدمرون كل شيء.
لقد أرادوا أن يكونوا أبطالا ولكن ليس في المعركة» واضطر الجنرال يشعياهو غافيش إلى تكليف جنرال بالتفرغ لمواجهة تلك الظاهرة، ثم كتب تعميما يقول: «هناك بضائع وأشياء مغرية في المخازن وفي البيوت. ويتطلب منع عمليات النهب المشينة جهودا نفسية ونضجا في التفكير ووعيا وضبطا للنفس.
إن السرقة والسلب والنهب وإيذاء المدنيين المسالمين تلحق الأذى والدمار بالجهود المبذولة لإعادة الحياة الطبيعية إلى المناطق المهزومة، كما تشغل الجنود عن مهمتهم الأساسية». ورغم تهديدات الجنرال غافيش استمرت الظاهرة وتفاقمت حتى أن مسؤولا في وزارة الخارجية الإسرائيلية أبلغ السفير الأميركي بأن الجنرال حاييم هيرتزوغ عين حاكما عسكريا للضفة الغربية تكون مهمته في جانب منها وضع حد لموجهة النهب نظرا لأنه كان مشهورا بالحزم في المحافظة على النظام بين قواته.
وقد اتهم هيرتزوغ جنود الاحتياط بارتكاب تلك الجرائم. ويقول مؤلف الكتاب إن أبا إيبان وزير الخارجية بعث من واشنطن رسالة إلى ليفي أشكول تتحدث عن الأضرار السياسية الناتجة عن أنباء الطرد والنهب. وأبدى آخرون نفس مشاعر القلق التي أصابت أيضا رئيس الوزراء.
عرض ومناقشة: صلاح عويس



