قام الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، مؤخرا، بجولة أوروبية للترويج لكتابه الجديد» العطاء: كيف يمكن لكل منا أن يغير العالم؟» ، ولقد انتهزت صحيفة «إيه بي سي» الاسبانية هذه الفرصة وأجرت معه حوارا تحدث فيه كلينتون عن مهامه في جميع أرجاء العالم وعن دور بلاده في السياسة الدولية والحملة الرئاسية الأميركية والتغييرات التي يتم الإعلان عنها. وفيما يلي نص الحوار:
ـ تحولت حرب العراق إلى حالة ثابتة. من وجهة نظركم، هل مرت سمعة الولايات المتحدة بهذا القدر من الانحطاط في أوقات سابقة؟
ـ كان ينظر إلينا على نحو سيء جدا أثناء حرب فيتنام . في تلك الفترة كنت شابا وكنت أقول لنفسي: «الولايات المتحدة مخطئة، لكنها لا تزال تمثل بلداً جيداً يريد مقاتلة أعدائه من دون السعي وراء أهداف استعمارية». فلقد كان العالم مقسوما إلى زمرتين. وكان هناك صراع عالمي بين النظام الشمولي من جهة وقوى الحرية من الجهة الأخرى.
أما الوضع الذي نشأ في العراق جراء وجودنا هناك، فإنه مختلف تماما وتأثيراته أسوأ بكثير، لأننا نعيش في عالم مترابط بشكل كامل، حيث لا يستطيع أي بلد، حتى الولايات المتحدة، حل مشكلة صعبة بمفرده، وحيث لا يمكن أن ترى النور إلا تلك الحلول القائمة على التعاون وبشكل خاص ضد الإرهاب.
إذا كنا نواجه صعوبات كثيرة في جزء كبير من العالم، فمرد ذلك إلى العراق بالطبع، لكن ليس العراق وحده، ذلك أن أحادية الولايات المتحدة هي موضوع البحث.
ـ لماذا سلك جورج بوش هذا الطريق؟
ـ اعتقدت إدارة بوش أن بوسعها فعل ما تشاء وأنها يمكن أن تتعاون حين تحتاج إلى ذلك فقط. من وجهة نظري- وهذا هو موقف الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية- يجب القيام بعكس ذلك تماما، أي التعاون دائما وطالما أن ذلك ممكن والتحرك العسكري فقط عندما تستدعي الحاجة.
ـ هل تعتقد أن صورة الولايات المتحدة في العالم ستتحسن إذا نجحت هيلاري كلينتون، زوجتك، وتم انتخابها رئيسة للبلاد السنة المقبلة؟
ـ نعم، أعتقد أن ذلك سيتم بسرعة كبيرة جدا. أتعلم، صحيح أن هناك أناساً يسعدهم كره الولايات المتحدة، لكن الغالبية تختلف فقط مع السياسات التي اتبعتها، وعندما أنتخب الرئيس بوش من جديد، رأى العالم كله في ذلك دعما لرؤية الرئيس الدولية، وذلك ما أثار غضب الكثيرين.
لكن إذا أظهرنا أننا على استعداد لتخليص أنفسنا من معركة الصف الأول في العراق من دون ترك الأكراد ومن دون اندلاع صراع بين تركيا والعراق وإذا واجهنا مشكلة الاحتباس الحراري وإذا عدنا إلى احترام القانون الدولي، فإن استياء العالم منا سيتبدد حينها بسرعة كبيرة. فلقد زادت شعبية الولايات المتحدة في اندونيسيا بعد تسونامي بشكل غير عادي إثر تدخلاتنا الإنسانية.
ـ انتهيت مؤخرا من كتابة «العطاء» وهو كتاب يدور حول عطاء الفرد وكرمه. هل ترى ، بعد أن أصبحت خبيرا في هذا الموضوع من خلال وجودك على رأس مؤسسة كلينتون، أن هناك بلدانا أكرم من بلدان أخرى؟
ـ في البلد الكبير، يجب أن يمتلك المجتمع ثلاثة خواص: يحتاج إلى اقتصاد مزدهر، ذلك أن أفضل حماية اجتماعية تتوفر عندما يكون كل الناس لديهم عمل، كما يحتاج إلى حكومة جيدة، تنشغل بكل ذلك الذي لا يستطيع السوق الاهتمام به، وأخيرا مجتمع مدني حي بمنظمات غير حكومية تضمن ألا ينسى أحد.
ـ هل البلدان الليبرالية أكرم من البلدان التي تتمتع فيها الدولة بوزن أكبر عادة؟
ـ في البلدان التي فيها دولة ضعيفة أو اقتصاد ضعيف أو الأمران معا، يتعين على المجتمع المدني أن يكون أقوى. لكني لا أتوقع أن يحل المجتمع المدني محل الحكومة. ففي شمال أوروبا ، تقدم البلدان هناك مساعدة عامة للتنمية والتطوير، لكن عندما حدثت كارثة تسونامي كانت هذه البلدان سخية كذلك في مساهماتها الخاصة. فالمسألة لا تتعلق بلعبة يكسب فيها المرء ما يخسره الآخر. فالحكومة موجودة هناك للمساعدة على توجيه المساعدات الخاصة.
ـ المنظمات غير الحكومية تدنو من مؤسستكم لأن سمعتها تفيد كأداة لمضاعفة عمليات التمويل.. كيف تختارها؟
ـ نحن مقترضون لخدمات مباشرة وبصراحة فإن نوعية المجموعات التي تعمل معي تحسب أكثر من سمعتي في هذا المجال. وما نختاره هو البلدان. فإذا طلب مني بلد ما أن أتدخل، فسنساعده على تطوير برنامج لمحاربة الإيدز، حيث نقوم بتشكيل فريق العمل لهذا البلد ومساعدته على إيجاد الأدوية الأرخص ثمنا. ونحن نقدم هذه المساعدة لـ 25 بلدا ونبيع أدوية في 71 بلدا.
ـ ما هو الأكثر فعالية في تحفيز الكرم، الدين أم الأمور المالية ونظام الضرائب؟
ـ من الواضح أن الاقتطاع الضريبي لصالح المساهمات يمكن أن يساعد، لكن الجانب الجوهري في المسألة يكمن في القناعة الأخلاقية. فالأشخاص الذين لا يعطون فإنهم يفعلون ذلك لأنهم لا يعتقدون بأنه يتوجب عليهم القيام بذلك، لأن أحدا لم يشرح لهم الأمر أو لأنهم يعتقدون أن وسيلة التبرع لا تستطيع تغيير الكثير من الأشياء. مهمتي هي إقناعهم بعكس ذلك والقول لهم إننا أصبحنا أداة للعطاء فعالة جدا.
ـ الأميركيون كرماء، لكن الولايات المتحدة كبلد لا ترقى إلى مستوى كرمهم فيما يتعلق بالمساعدة العامة المقدمة في ميدان التطوير والتنمية..
ـ الأميركيون لا يعرفون الحقيقة. ويعتقدون أن البلاد تنفق 10% من إجمالي الناتج القومي على المساعدات الخارجية وأنه يتعين عليها الاكتفاء بـ 5% فقط، بينما النسبة الحقيقة هي 1% فقط. وهذا الجهل بالمسألة يحول دون أن يتحول هذا الموضوع إلى موضوع حملة عامة. لكن هذا الوضع آخذ بالتغير والانتخابات الرئاسية الحالية هي الأولى في حياتي التي سيصوت فيها الكثير من مواطنينا لصالح ذلك المرشح الذي يعتبر أكثر قدرة على أن يعيد لنا مكانتنا العالمية.
ـ الديمقراطيون الأخيار ضد الجمهوريين الأشرار..
ـ بالمطلق. فعندما وصل الرئيس بوش إلى البيت الأبيض، بدأت الكنائس المسيحية بطلب المزيد من الأموال لتوظيفها في محاربة الإيدز والملا ريا والسل . شعبيتنا هائلة في البلدان العشرة التي ساعد الرئيس بوش، عن طريق مؤسسة غيتس أو مؤسسة كلينتون، على إرسال المساعدة الطبية لها ضد هذه الأمراض.
ترجمة: باسل أبو حمدة عن «إيه بي سي»