يتناول المؤلف في هذه الحلقة التنسيق المكثف الذي كان قائماً بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول شن الحرب على مصر، حيث يشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية لم تتخذ قرار الحرب إلا بعد أن ضمنت الموافقة الأميركية المسبقة.
ويعرض لوجهات النظر المختلفة بين الزعماء الإسرائيليين حول توقيت بدء الحرب، حيث يقول إن أشكول كان مع تأجيل القرار بينما كان دايان ورابين ووايزمان يدفعون باتجاه التعجيل في اتخاذه. ويلفت النظر موقف شمعون بيريز الذي انفرد به عن الآخرين والقاضي بمعارضة الحرب واقتراح أن تقوم إسرائيل بإجراء تجربة نووية لردع العرب.
وينقل لنا المؤلف أسلوب الدعاية الصهيونية الكاذبة التي استهدفت إيهام العالم بأن العرب هم المعتدون وأن إسرائيل هي الضحية. ثم يصف لنا الأعمال البشعة التي مارسها الجنود الإسرائيليون بحق الأسرى المصريين والفلسطينيين الذين أعدموا بدم بارد بعد أن أجبروا على حفر قبورهم بأيديهم.
في أكثر من موقع في كتاب توم سيغيف نجده يردد كثيرا حديثه عن موقف ليفي أشكول رئيس وزراء إسرائيل في بداية الصيف وقبل معركة يونيو 1967، وطوال المناقشات المحمومة التي كانت تدور في اجتماعات مجلس الوزراء وفي دوائر أخرى سياسية وعسكرية.
وكان أشكول حريصا على عدم اتخاذ أية خطوة أو قرار يتعلق بالحرب إلا بعد استطلاع رأي الولايات المتحدة وضمان الحصول على موافقتها، فضلا عن رغبته الشخصية في تجنب الحرب على عكس بعض وزرائه وكبار القادة العسكريين الذين كانوا يمارسون ضغوطا كبيرة للإسراع باتخاذ قرار بدء الحرب، حتى أنه بادر بإرسال وزير خارجيته أبا إيبان إلى واشنطن للاجتماع بالرئيس الأميركي آنذاك ليندون جونسون.
ومن هنا يطرح المؤلف السؤال عما تريده أميركا كعنوان على رأس الفصل السابع من كتابه، ولكنه يستهله بالتحدث عن الضغوط على رئيس الوزراء فيقول إن مجلس الوزراء الإسرائيلي عقد اجتماعا يوم 26 مايو، وفي أثنائه طرح اسحق رابين رئيس الأركان آنذاك السؤال المباشر التالي: «هل سنبدأ الهجوم على الجيش المصري؟..
وإذا كان الأمر كذلك فمتى يبدأ الهجوم؟» وقد حدث انقسام بين الوزراء وفقا لانتماءات كل منهم الحزبية. ويشير المؤلف إلى أن الأمر كان صراعا بين العسكريين والسياسيين.. وبمعنى آخر بين العسكر والمدنيين. وكان قد سبق للعسكريين أن طلبوا شن هجوم على سوريا ردا على تسلل الفدائيين الفلسطينيين، غير أن الوزراء رفضوا وأصروا على اتخاذ إجراءات دفاعية،
والآن كذلك نشب الجدال، حول الأزمة مع مصر، بين من يسمون «العبرانيين الجدد» في فلسطين و«العجائز اليهود» الذين ينحدر كثير منهم من جيل رابين. وبينما الاجتماع منعقد اخترقت طائرتا ميغ مصريتان أجواء إسرائيل مرة أخرى بعد أن كانت طائرتان أخريان قد حلقتا من قبل فوق مفاعل ديمونة فانفعل أشكول غاضبا وقال للمجتمعين أنتم هنا تتجادلون بينما الطائرات المصرية تصور المفاعل.
وخرج رابين ليتابع أنباء الطائرتين ثم عاد ومعه نائبه وايزمان، في محاولة جديدة للضغط على رئيس الوزراء، وطلبا من أشكول الخروج من الاجتماع لإجراء مشاورات عاجلة معه، ثم قال رابين له إنهم التقطوا إشارات غريبة ومثيرة للقلق ويبدو انها تشير إلى «نوع ما من عمليات انتشار.. للقوات الجوية المصرية ولكن الموقف مازال غامضا، ولكنه لم يستبعد وقوع هجوم على مفاعل ديمونة»..
ومن الواضح أن رابين ووايزمان كانا يحرضان أشكول لاعتناق وجهة نظرهما خاصة وأن وايزمان، وهو رئيس العمليات، لم يضف شيئا ولكنه أكد بوضوح تام أن «جميع المؤشرات تبين أن المصريين يخططون للهجوم على ديمونة اليوم، ولذلك ليس هناك خيار إلا الهجوم على مصر اليوم!!».
ويضيف توم سيغيف في كتابه أن أشكول فضل ـ كعادته ـ الاعتماد على حدسه الذي يملي عليه ألا يفقد المسألة الأساسية وهي الاجتماع بين أبا إيبان وزير الخارجية والرئيس الأميركي جونسون، وعند عودته إلى اجتماع المجلس أدرك أن رابين كان شديد الهدوء بينما كان وايزمان محتدا.
وقال أشكول لوزرائه إن حديث الاثنين أوضح له أن سلاح الجو الإسرائيلي لا يستطيع حماية المفاعل حماية مستمرة طوال الأربع وعشرين ساعة يوميا لأن الطائرات ستتعرض للتآكل، وردد أشكول عبارة تلفظ بها الاثنان وهي: «هناك حد لقدرتنا على تحمل التآكل» ولم يكن أشكول يثق فيهما خاصة وأن المصريين لم يهاجموا ديمونة ولذلك أضاف هذه النقطة إلى قائمة المسائل التي تتطلب إجراء تحقيق بشأنها.
تشرشل الصغير
في واشنطن ترك الرئيس الأميركي ضيفه يتحدث أولا. وكان أبا إيبان خريج جامعة كامبردج يتحدث بلغة منمقة حتى أن جونسون وصفه فيما بعد بأنه كان يتحدث وكأنه «ونستون تشرشل صغير». وقد ذكره أبا إيبان بالتزام أميركا سابقا بحرية الملاحة في خليج العقبة، وعندما انتهى من حديثه طلب منه جونسون ألا تتعجل بلاده الحرب
وقال له أيضا إن المعلومات المتوفرة لديه تفيد بعدم وجود أية فرصة لقيام مصر بالهجوم على إسرائيل في المستقبل القريب، وكان يشير في حقيقة الأمر إلى أنه لا يصدق الإسرائيليين، فطلب منه أبا إيبان أن يوضح على الأقل ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتدخل إذا هوجمت إسرائيل، وأومأ الرئيس الأميركي برأسه وكأنه يقول إن ذلك لن يحدث.
وكان جونسون يقرأ من ملاحظات أعدها له دين راسك وزير خارجيته، وحذر تل أبيب من بدء الهجوم على مصر واحتوى الجانب الأساسي في حديثه على تهديد ووعد في نفس الوقت إذ قال: «لن تكون إسرائيل وحيدة إلا إذا قررت التصرف وحدها».
ويذكر مؤلف الكتاب أن التفسير الإسرائيلي لذلك الاجتماع يختلف عن المحضر الأميركي وخاصة بالنسبة للجزء الأخير من الحديث عندما تحدث أبا إيبان عن تشكيل جهاز للتعاون العسكري يتضمن كذلك التقديرات الاستخبارية المشتركة.
وقد ذكر السجل الإسرائيلي أن جونسون رد بقوله إن السفير آرثر غولدبرغ المبعوث الأميركي لدى الأمم المتحدة عبر عن شكوكه في مصداقية الاستخبارات الأميركية». ولكن على الجانب الأميركي يجد مؤلف الكتاب أن جونسون ذكر أنه كان قد أصدر تعليماته بفحص كل ما تدعيه أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على افتراض أن معلوماتها صحيحة ولكن تبين له خطؤها وأن مصر ليست على وشك الهجوم.
وقدم الجنرال أهارون ياريف مدير مخابرات الجيش الإسرائيلي تقديرا للموقف الأميركي يقول: «يعتبر الأميركيون توجيه ضربة وقائية من جانبنا عملا معقولا طالما لم يُطلب منهم فعل شئ. وسوف يتصرفون فقط في حالة إلحاق الهزيمة بنا» وعند هذه النقطة لم يعد لدى أشكول أي سبب لتصديق التقديرات السياسية لفرع استخبارات الجيش، وفضل مرة أخرى العودة إلى إحساسه الدفين والى تقرير وزير خارجيته ومؤداهما أن «الولايات المتحدة لم تصرح بعد لإسرائيل بالدخول في حرب».
وإذا تركنا جانبا الروايات الإسرائيلية عن الموقف الأميركي من نوايا العدوان على مصر، نجد أن الصورة تختلف وتصبح النوايا الأميركية والصهيونية أكثر وضوحا رغم محاولات عديدة لإخفاء معالمها ففي الأيام الأخيرة من عام 1966 كان واضحا أن القرار الأميركي النهائي هو «الخلاص من ناصر» على حد التعبير الذي استعمله ديفيد نيس القائم بالأعمال الأميركي في القاهرة
ووفقا لما يؤكده محمد حسنين هيكل في الصفحة 371 من كتابه عن معركة 1967 والمشحون بالوثائق، والذي يضيف فيه أن هذا الاتجاه كان سياسة مقررة على مستوى البيت الأبيض، ومعروفة في دوائر صنع القرار الأميركي التي يعنيها الأمر. وكان معروفا أيضا على مستوى صنع القرار الأميركي أن الأسلوب الذي انتهى إليه جونسون هو إطلاق حرية العمل لإسرائيل
وكان السر محصورا في مجموعة ضيقة من الأفراد لا يزيد عددهم عن خمسة في واشنطن وهم: الرئيس الأميركي نفسه، ومستشاره لشؤون الأمن القومي والت روستو، والمدير الجديد لوكالة المخابرات المركزية الأميركية ريتشارد هيلمز، وروبرت كومر مسؤول مجلس الأمن القومي الموجه لنشاط تحالف السلاح والمخابرات والبترول،
ثم جيمس أنغلتون وكيل إدارة المخابرات المركزية لشؤون العمليات والذي كان مسؤولا في نفس الوقت عن الصندوق الإسرائيلي وهو الاعتماد المخصص للعمليات السرية المشتركة بين الولايات المتحدة والمؤسسات اليهودية والصهيونية في العالم.
والغريب أن أنغلتون أصبح مسؤولا في الترتيب الجديد عن صندوق جديد أطلق عليه وصف «برميل الزيت» لتمويل النشاط السري في الشرق الأوسط وغيره من المواقع بعد ذلك. وكانت هذه المجموعة الأميركية العليمة ببواطن الأمور على اتصال في واشنطن بضابطي اتصال إسرائيليين اقتصرت عليهما وحدهما مهمة التنسيق بين المطلعين في واشنطن ونظرائهم في إسرائيل.
وكان الاثنان هما: الجنرال مائير آميت مدير المخابرات الإسرائيلية، وكان شبه مقيم بصفة دائمة في واشنطن تحت ستار تنسيق شحن السلاح، يعاونه في ذلك إفراييم إيفرون وهو مسؤول من الموساد ألحق بمكتب رئيس الوزراء لشؤون الأمن القومي ثم انتدب كمستشار مفوض بالسفارة الإسرائيلية في واشنطن كغطاء ظاهر لمهنته الحقيقية.
وكان الجنرال موشي دايان رسولا متجولا بالقرب من أجواء العملية تحت ستار اهتمامه بحرب فيتنام. وكان من بين ضمانات سرية العمل بين تل أبيب وواشنطن التي وضع خطوطها ريتشارد هيلمز أنه لا يجب أن يكون توافق توجهات الحركة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية نوعا من الاتفاقات الموثقة والمسجلة على ورق، وهي اللعنة التي أصابت تواطؤ السويس عام 1956.
وقد استعمل هيلمز في إحدى المناسبات العبارة التالية: «لا يجب ترك أي بصمات للأصابع في أي موقع مهما كان نائيا، ولا ترك مسدس مازال الدخان يتسرب من فوهته»!!. وكان من الواضح أن الطرفين ـ الأميركي والإسرائيلي ـ قد استفادا إلى أبعد حد من تجربة التواطؤ الثلاثي في العدوان على مصر عام 1956.
وفي الشهور الأولى من عام 1967 كان الرئيس الأميركي ليندون جونسون غارقا في جنوب شرق آسيا إذ أصبح مصيره ومصير إدارته معلقا بمسار الحرب في فيتنام ولكن الشرق الأوسط كان في خلفية فكره يلح عليه طوال الوقت، ومع ذلك فقد كان جونسون يعرف أنه قد يكون في وسعه الاعتماد على إسرائيل.
ويضيف هيكل قوله: وهكذا كان الرئيس جونسون يخوض في نفس الوقت حربين غير شرعيتين إحداهما على مسرح الشرق الأقصى، والأخرى على مسرح الشرق الأوسط ولم تكن حربه في منطقتنا نحن العرب ظاهرة ولم تكن له على الأرض جيوش وكان الموضوع كله من ناحية التخطيط والتنفيذ في اختصاص الحكومة الخفية في البيت الأبيض، وتظهر أي قراءة متأنية للوثائق السرية الأميركية طوال سنتي 1965 و1966،
والنصف الأول من سنة 1967 أن مؤسسات الإدارة الأميركية كانت توافق الرئيس بصفة عامة على الخيار الإسرائيلي الذي استقر عليه. ومن اللافت للنظر أن جميع الذين تصدوا للتعامل مع أوضاع الشرق الأوسط في تلك الفترة الحرجة كانوا جميعا من اليهود المتعاطفين مع إسرائيل.
ضربة قاضية
في واشنطن تلقى مائير آميت وعودا واضحة بأن «أميركا تنظر بإيجابية إلى ضربة قاضية» أي إلى ضربة موجهة إلى مصر وعندما عاد آميت من رحلته قال للمسؤولين الإسرائيليين إن «أميركا لن تذرف الدموع إذا هاجمت إسرائيل مصر» ثم كتب في تقريره يقول: «سوف يتردد الأميركيون في التصرف ضدنا
ولكن هناك مبررا للأمل في أنهم سوف يدعموننا» غير أن أبراهام هارمان سفير إسرائيل في واشنطن الذي عاد مع آميت طلب مراعاة وجهة نظر وزارة الخارجية الأميركية الداعية إلى الانتظار بضعة أيام أخرى،
ولقى ذلك معارضة عنيدة من كل من دايان ورابين. وكرر آميت قوله إن الأميركيين سيكونون سعداء لأنهم يريدون من إسرائيل أن تعفيهم من التزامهم بإرسال الأسطول الأميركي. وأخذ الجنرال إيغال يادين رئيس الأركان السابق يؤكد فكرة سبق أن طرحها ومفادها أنه لا أحد سوف يستطيع إثبات أن الطائرات الإسرائيلية بدأت الحرب أولا وخاصة عندما ينشر الإسرائيليون في العالم أكذوبة أن أعداءهم حاصروهم من كل جهة.
ويذكر مؤلف الكتاب أن أشكول أصبح مقتنعا بالإسراع بشن الهجوم على مصر بعد أن أوضح تقرير آميت التأييد الأميركي وشعر بأن واشنطن قد سمحت لإسرائيل بالتحرك. ويصف الكتاب كيف جرى البحث عن أكذوبة تغطي بدء إسرائيل بالهجوم أولا فاقترح إيغال ألون أن يعلن رئيس الوزراء لرؤساء دول العالم أن المصريين هاجموا إسرائيل وبعد دقائق يقوم الإسرائيليون بالهجوم.
وأضاف أنه لا يعتقد أن الأميركيين سوف ينقبون وراءهم ليعرفوا ما حدث بالضبط، كما يعتقد أن على رئيس الوزراء أن يخاطر بالإدلاء بتلك الكذبة ولن يكتشفها احد غير المؤرخين. وتبلورت الفكرة في الإعلان عن أن «إسرائيل تقف ضد طوق العدوان الذي أخذ يضيق حولها».
وبعد ذلك بسنوات قال ألون «إن الانتظار أسبوعا لم يكن من الناحية العسكرية ليجعل مصير إسرائيل محتوما ولم يكن هناك خطر يهدد وجود الدولة. كانت الأزمة كلها مسألة نفسية، ولم يكن الموقف على الجبهة السبب الرئيسي للحرب بل فقدان الثقة في الحكومة».
ضباب الحرب
وفقا لما ذكره إسرائيل ليئور السكرتير العسكري لرئيس الوزراء، فإن قرار الحرب اتخذ يوم الجمعة الثاني من يونيو 1967 وكان موشي دايان قد تولى منصب وزير الدفاع بدلا من احتفاظ أشكول به إلى جانب رئاسة الوزراء، كما دخل الوزارة أيضا مناحيم بيغن، ولكن رجلا واحدا على الأقل ـ حتى يوم الجمعة ذاك ـ كان مازال يرى ضرورة تجنب الحرب،
وهو شمعون بيريز الذي تقدم باقتراح لو كان قد تم قبوله لاتخذ تاريخ الشرق الأوسط مسارا آخر على حد قول مؤلف الكتاب الذي نناقشه، فقد اقترح بيريز أن تجري إسرائيل تجربة نووية كبرهان على أنها أصبحت تمتلك وسيلة للردع كفيلة بتجنب اندلاع الحرب،
وبهذا تشكل التجربة تحذيرا للعرب وتهدئة لمخاوف الإسرائيليين. وفي يوم السبت 3 يونيو دعا موشي دايان إلى مؤتمر صحفي بهدف تضليل المصريين تحدث خلاله عن أن الحرب ليست وشيكة وأنها قد تنشب خلال شهر أو شهرين أو ستة أشهر.
وفي الليلة السابقة على بدء الهجوم أمر دايان بنشر ما اسماه «ضباب الحرب» قائلا: «خلال الساعات الأربع والعشرين القادمة يجب أن نكون نحن الضحايا، وطالما صدق العالم أن إسرائيل تدافع عن نفسها وتحارب حفاظا على حياتها، فلن تتعرض لضغوط خارجية تطالبها بوقف القتال».
وأدى نقص المعلومات إلى ازدياد قلق الجمهور مع بقاء الإسرائيليين في المخابئ، وواضح أن ما يذكره مؤلف الكتاب هنا كان تخطيطا متعمدا ويؤكد ذلك أن الإذاعة الإسرائيلية لم تكن تذيع إلا أنباء عما تسميه «تحركات العدو» وتبث في عقول مستمعيها في المخابئ أن العرب قد يقتحمونها ويذبحونهم في أية لحظة،
وأن إذاعة تسمى «صوت الرعد» تبث بالعبرية من القاهرة وتزعم أن تل أبيب تحترق وأن المقاتلين الفلسطينيين يجوبون الشوارع. ويصرخ المذيع قائلا: «إنهم لا يهابون الموت ولكنهم ينشرون الموت». ولم يكن لدى الإسرائيليين مصدر آخر للمعلومات.
وبدأت الخدعة الصهيونية في الثانية وعشر دقائق صباح يوم الاثنين الخامس من يونيو بأن أعلنت الإذاعة الإسرائيلية أن المصريين يهاجمون إسرائيل، وصدرت التعليمات إلى الجنود بإلغاء إجازاتهم والعودة إلى وحداتهم فورا، وأطلقت صفارات الإنذار ولكن البعض لم يكن يدري ما إذا كانت هناك غارة حقا أم أنها مجرد اختبارات.
وقام مسؤول بوزارة الخارجية الإسرائيلية بالاتصال هاتفيا بالجنرال أود بول رئيس فريق المراقبة الدولية وطلب منه الإسراع بالمجيء إلى الوزارة، فقال له إنه قد يأتي في العاشرة والنصف، غير أن المسؤول ألح على مجيئه على الفور لأمر عاجل، وهناك قيل له إن الطائرات المصرية غزت الأجواء الإسرائيلية في الثامنة وعشر دقائق من ذلك الصباح،
ومعروف لدينا جميعا تطور الأحداث منذ اليوم الأول للنكسة التي صدم بها العرب، ولذلك لا يهمنا تكرار التفاصيل التي أسهب مؤلف الكتاب في ذكرها والتي لم تعد تحمل شيئا جديدا. ولكن قد يكون مهما أن نلقي نظرة على ما يذكره المؤلف عن الاجتماع العاجل الذي عقده مجلس الوزراء الإسرائيلي في اليوم الأول للحرب
والذي طرح فيه اقتراح بالاستيلاء على القدس القديمة فتم تحليل الجوانب السياسية لهذه الخطوة سريعا ثم ووفق على تكليف رئاسة الأركان باتخاذ القرار استنادا إلى الظروف العسكرية. وكان إيغال ألون ومناحيم بيغن هما اللذان اقترحا الاستيلاء على المدينة القديمة.
وفي النهاية كانت الذريعة التي تعلل بها مجلس الوزراء هي الهجمات التي شنتها القوات الأردنية على ما يسميه المؤلف «الجزء الإسرائيلي من المدينة». واقترح بعض المشاركين في الاجتماع أن تؤخذ في الاعتبار التعقيدات السياسية والقانونية للاستيلاء على المدينة بما فيها من أماكن مقدسة.
إعدام الأسرى
اقترح وزيران أن يحتل الجيش المدينة ثم يسلمها إلى حكم دولي، واقترح آخران تأجيل قرار القدس أو تفويض رئيس الوزراء ووزير الدفاع على التوالي بالبت فيه. ويقول مؤلف الكتاب إن أشكول كان يريد احتلال المدينة القديمة وكان أيضا يريد الضفة الغربية كلها ولكنه يعتقد أن العالم قد يجبر إسرائيل على الانسحاب من كليهما فاقترح حلا غريبا وهو «في ضوء الموقف الذي نشأ في القدس، وبسبب القصف الأردني،
والتحذيرات التي أرسلت، علينا أن ننتهز الفرصة لدخول المدينة القديمة» ولكن الجنرال ألون أضاف فقرة مخادعة تقول: «إن الحكومة لا تعترض على الاستيلاء على المدينة القديمة إذا دعت إلى ذلك الضرورات العسكرية».
وكان ديفيد بن غوريون في الكنيست في ذلك المساء وأيد كذلك الاستيلاء على المدينة. وينقل صاحب الكتاب وصفا مفصلا استقاه من عدد من الجنود الإسرائيليين الذين اعترفوا له بتعمد بعضهم قتل الأسرى من الجنود المصريين ومن الفلسطينيين أيضا.
ويشير المؤلف إلى مذكرات كتبها جندي إسرائيلي اسمه باردايان ويذكر فيها أن زملاءه كانوا يطلقون الرصاص على أي أسير تقع عيونهم عليه، وكان بعضهم يشعر بالكراهية تجاه الأسرى. وفي مذكرات ذلك الجندي إشارات عديدة إلى الجنود الذين كانوا يقتلون الأسرى، والى جثثهم المتناثرة على الرمال.
ويقول جندي صهيوني آخر اسمه يوري تشيزيك إن رؤساءهم كانوا يرسلون مجموعات من الجنود للبحث عن المقاتلين الهاربين وإطلاق النار عليهم. ويضيف المجند الإسرائيلي قوله: «تلك كانت الأوامر الصادرة إلينا والتي كانت تنفذ ضد الأسرى أثناء محاولاتهم الهرب ولم يكن أمامهم خيار إلا الموت»، فضلا عن ذلك كان زملاؤه يطلقون الرصاص على الأسرى وهم جالسون على الأرض وأياديهم مرفوعة فوق رؤوسهم..
هكذا كانت عمليات القتل تمارس بكل بساطة حتى أن الجنود الصهاينة كانوا يطلقون الرصاص على الجنود المصريين وهم يطلبون منهم الماء لكي يشربوا في تلك الصحراء. ويزعم الجندي المستوطن تشيزيك أن بعض الفلسطينيين كانوا يعملون ضمن الجيش المصري وأنهم هم أيضا لقوا مصرعهم بنفس الأسلوب.
ويروي غابي برون مراسل صحيفة يديعوت أحرونوت ما كان يشهده من مذابح قتل الأسرى الدموية وغير الإنسانية، ومن بين ما يرويه ذلك المراسل مذبحة شهدها بنفسه في مطار العريش حيث أقام الجنرال إسرائيل تال مركز قيادة لوائه، وهناك احتجز مئة وخمسين أسير حرب في أحد عنابر المطار وقد جلسوا القرفصاء وأيديهم مرفوعة خلف رؤوسهم، وبالقرب منهم اثنان من الجيش الإسرائيلي يجلسان إلى مكتب وبين لحظة وأخرى كان جنود الشرطة العسكرية الإسرائيلية يحضرون أحد الأسرى أمام المكتب.
ويقول مراسل الصحيفة إنه لم يتمكن من سماع الحديث بين الأسير والضابطين الجالسين، ولكنه رأى أنه بعد انتهاء الحديث القصير يقاد الأسير إلى نحو مئة متر خلف عنبر الطائرات حيث يعطون له معولا. وفيما يلي نص ما كتبه الصحافي غابي برون إذ يقول: «لقد راقبت الرجل وهو يحفر حفرة كبيرة لمدة نحو خمس عشرة دقيقة
وعندئذ يأمره الضباط أن يرمي المعول بعيداً ثم يقوم واحد منهم بتصويب رشاش من طراز عوزي ويطلق منه زختين نحو الرجل تحتوي كل منهما على ثلاث أو اربع رصاصات، فيسقط الرجل قتيلا. وهكذا يتم إحضار المزيد من الأسرى لقتلهم» ويذكر المراسل الصحافي أنه شهد نحو عشر عمليات إعدام بهذه الطريقة.
وقد نشر برون هذه القصة الدامية بعد عدة سنوات لكي تترافق مع تفاصيل أحداث مماثلة رواها المؤرخ الإسرائيلي آرييه إسحاقي، ويذكر الكتاب أنها نشرت في الصفحة الثالثة من عدد صحيفة يديعوت أحرونوت يوم 17 أغسطس 1995، وكذلك في الصفحة الثلاثين من صحيفة واشنطن بوست بنفس التاريخ.
وما لبثت أخبار مذابح أسرى الحرب أن انتشرت بعد وقوعها بأيام قليلة. ويستشهد هنا مؤلف الكتاب برسالة كتبها جندي يدعى كوبي رابينوفتش إلى صديقته يقول فيها: «لقد حولنا شبه جزيرة سيناء إلى واد للموت.. إلى مقبرة ضخمة.. رجال غير مسلحين..
أسرى أذرعهم مرفوعة خلف رؤوسهم.. يتم القضاء عليهم».. ويبدو أن هذا الجندي أصيب بصدمة شديدة لما رآه فتيقظ ضميره ليكتب إلى صديقته قائلا: «لقد رأيت من جرائم القتل تلك ما يكفي لكي تذرف العيون دموعا غزيرة».
ويشير الجندي إلى القتلة قائلا: «من الواضح أنهم لم يحتاجوا إلى سنوات طويلة من التعليم النازي لكي يحولوا الناس إلى حيوانات!!». ولم يكتف الكتاب بتلك الأمثلة بل يضيف إليها أن عشرة أعضاء من كيبوتز غعاتون توجهوا إلى مائير يعاري زعيم حزب المابام آنذاك الذي كانوا يعتبرونه مرجعا أخلاقيا،
وكتبوا إليه بما كان يرويه الجنود العائدون من الحرب وخاصة في صحراء سيناء. ويصف مؤلف الكتاب أن القصص التي رووها كانت دقيقة وجاءت من أعضاء مستوطنة جديرين بالثقة. ومن المؤسف أن ما يرويه الكتاب عن ذلك الرجل الذي لجأوا إليه، والذي يقول عن نفسه أنه أحد المهتمين بحقوق الإنسان، هذا الرجل نصح من كتبوا إليه بأن «لا يهتموا كثيرا بهذه القصص» وبرر ذلك بأن في كل حرب توجد انحرافات.
ويذكر مؤلف الكتاب أن يعاري هذا وجه اللوم إلى أعضاء الكيبوتز قائلا لهم: «يجب عدم اتهام الجيش بارتكاب المذابح، ونحن على علم بالسلوك المنحرف الذي حدث في الأيام التي تلت الحرب، ولكن على الشخص أن يحذر من تشويه صورة الجنود اليهود»!!.
وقد أثيرت قضية الجنود المصريين الذين فقدوا في الصحراء أمام الكنيست، فأنكر موشي دايان أن تكون إسرائيل قد تعمدت التسبب في موتهم. وادعى أنهم ماتوا أثناء محاولتهم الوصول إلى قناة السويس مشيا على الأقدام. وبعد ذلك قال إسحق رابين في مذكراته عن الحرب إن نحو ستة عشر ألف جندي مصري قتلوا وإن معظمهم لقي مصرعه أثناء الانسحاب.
عرض ومناقشة: صلاح عويس



