يشاء القدر أن تكون بيروت منطلقاً لنضال الدكتور أحمد الخطيب، وأن تكون هي ذاتها المكان الذي كتب فيه مذكراته بعد ستين عاماً، تحت قصف الطائرات الإسرائيلية في حربها على لبنان في العام 2006! وشأن أي مذكرات فإنها تتبع «المنهج الذاتي»، بمعنى أنها تسجيل للأحداث كما رآها معايش الحدث.
وبالتالي قد يغفل صاحب المذكرات سرد بعض الموضوعات أو القضايا أو الأشخاص، فضلاً عن إثارته لهذا أو ذاك من الأشخاص بسبب إعادة النظر في بعض أفكاره ومواقفه التي كانت هي أساساً وليدة ظروفها التاريخية. ولا يعني هذا المنهج الذاتي أن الدكتور أحمد الخطيب أطلق العنان لقلمه ليكتب ما يشاء، أو أنه لم يكن موضوعياً وأميناً في نقل ما جرى ـ وهو بالطبع بعيد عن هذه الشبه ـ بل يعني أن كتابة المذكرات الشخصية هي في طبيعتها عملية انتقائية يسرد فيها الراوي ما يراه مهماً من الحوادث، دون الإخلال بالصورة العامة التاريخية التي عاش في إطارها.
وقد أبلى الخطيب بلاء حسناً في نقل صورة موضوعية، لن تكتمل بالطبع إلا بتعليقات أولئك الذين عاصروه في نضاله الطويل لإرساء لبنة حكم القانون في الدولة الصغيرة الكويت. ولد الدكتور أحمد الخطيب في العام 1928 بحي الدهلة في مدينة الكويت لأب يعمل في قصر الحاكم، وهو كثيراً ما كان يبعث في مهمات قتالية ضد القبائل التي كانت تهاجم الكويت. وكان ترتيبه الرابع في أسرته المكونة من خمسة أبناء أشقاء مع أخ من زوجة أخرى. وكانت أوضاع أسرته المعيشية معقولة، حيث كان يمتلك والده عدة بيوت يؤجرها للغير تمنحه دخلاً إضافياً لراتبه الذي يأتيه من الشيخ. بيد أن الأسرة أصيبت بنكسة عندما أصيب والده في إحدى المعارك ليصبح معوقاً وليخفض راتبه تبعاً لذلك إلى النصف، فتتحمل والدته تربية خمسة أطفال والاعتناء بزوج معوق.
وفي «الدهلة» ذلك الحي الفقير الذي يقطنه خليط من بسطاء السنة والشيعة متحابين متآلفين، أبصر الخطيب بأم عينيه الظلم وذاق مرارته حينما قام مدير الأمن آنذاك بمصادرة أرضهم الواقعة أمام منزلهم، وقد أبت نفسه أن يستخدم نفوذه فيما بعد لاستعادة حقه حينما أصبح نائباً لرئيس المجلس التأسيسي. وفي هذا الحي يتذكر طفولته وما كان أقرانه يفعلونه من «مشاحات الكلاب» و«هوشات الفرجان» واستخدام «المشاعيب». وهو يتذكر أيضاً أحداثاً علقت في ذهنه، من قبيل تسفير بعض الأسر المنحدرة من أصول فارسية إلى إيران إبان فترة المجلس التشريعي في العام 1938، وصلب محمد المنيس المشارك في أحداث تلك السنة.
ويبدأ الخطيب دراسته باكراً فَيُلحق بكتّاب العنجري، فالمدرسة الأحمدية ثم القبلية، وأخيراً المباركية التي مكث فيها ثلاث سنوات حيث أنهى الصف السادس. وَتُقرر دائرة المعارف أن تبعثه لإكمال دراسته إلى بيروت في العام 1942 وهو في سن الرابعة عشرة، ليكتشف عالماً جديداً لم يكن قد ألفه. ثم ينهي الثانوية العامة بسنتين وأربعة أشهر ويدخل الجامعة الأميركية ويتخرج منها طبيباً في العام 1952.
وفي المباركية وعلى أيدي الأساتذة الفلسطينيين الذين كانوا قد قدموا للتو إلى الكويت (1936)، وبالذات الأستاذ فيصل رشيد الطاهر، بدأ الوعي القومي عند الخطيب بالنمو، وعاش وأساتذته مأساة الفلسطينيين بالذات مأساة ثورة 1936. وستكون نكبة فلسطين في العام 1948 محطة أساسية في حياة الدكتور الخطيب السياسية وفي نضاله.
أما بذرة اهتمامه بالشأن الكويتي المحلي فقد غرسها في وجدانه خالد العدساني، سكرتير المجلس التأسيسي الذي كان لاجئاً في بيروت. وفي الحرم الجامعي يرتبط الخطيب بطبقة غير طبقته من أبناء تجار الكويت، وفيها أيضاً يزامل طلاباً من أقطار عربية سيكون لهم شأن من أمثال وديع حداد وجورج حبش وعبد العزيز المعمر، الذي أصبح فيما بعد مترجماً للملك عبد العزيز آل سعود وشخصية مرموقة في الجزيرة العربية.
وفيها أيضاً يحضر حلقات «العروة الوثقى» التي أحياها قسطنطين زريق بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وأصبحت واجهة «حركة القوميين العرب» بعد النكبة. وتظهر زعامة الخطيب باكراً، فما أن يفصل هو وبعض من رفاقه من الجامعة بسبب نشاطهم السياسي، حتى تهب القوى الطلابية وتوقف الدراسة وتسيطر عليها ويضطر مدير الجامعة بنروز بالعدول عن قراره قائلاً: «من هو رئيس الجامعة؟ أنا أم أحمد الخطيب»؟!
أسس ومنطلقات
«عدت محملاً بمشروع قومي واعد كنت أرى فيه خلاص الأمة من الضياع والتشتت». بهذه الروحية عاد الدكتور أحمد الخطيب إلى بلده الكويت في العام 1952 حاصلاً على شهادة الطب، ليصبح أول طبيب ليس في مسقط رأسه فحسب، بل وفي منطقة الخليج العربي. وقد عمل في المستشفى الأميري جراحاً لمدة تقارب السنة.
وبسبب مضايقات العمل ارتأى أن يتخصص في أمراض المناطق الحارة، لكي يستطيع الاستقلال عن العمل الحكومي وفتح عيادة خاصة به يواصل رسالته الإنسانية من خلالها. وعلى ذلك سافر إلى لندن ودرس فيها قرابة الثلاث سنوات ليعود ثانية إلى بلده في العام 1957، ثم ليستقيل من عمله اثر خلاف حاد بينه وبين رئيس دائرة الصحة. وهكذا افتتح الخطيب عيادة خاصة به وظل يعالج مرضاه بأسعار رمزية أكثر من نصف قرن، ولتكتسب «إبرته» شهرة في شفاء الأمراض.
أما الأرضية السياسية والاجتماعية القائمة حين عودة الخطيب إلى أرض وطنه، فيلخصها في موقع الكويت الذي خلق من شعبها شعباً منفتحاً على العالم الخارجي بالذات من أولئك المنتمين إلى طبقة التجار، ثم إن بعضاً من هؤلاء التجار قد انخرطوا في الحركة القومية الناشطة في بلاد الشام والرافدين.
وكانت للكويت أيضاً تجربة لا بأس بها من تطور المجتمع المدني تمثلت في تجربتها النيابية في العام 1938، ثم تزامن مجيئه أيضاً مع تولي الشيخ عبد الله السالم لمقاليد الحكم، وهو المعروف بنزعته الإصلاحية، فضلاً عن ازدياد أعداد الخريجين وازدياد الهجرة العربية للكويت بعد ظهور النفط، وتحديداً من فلسطين ومصر.
ومنذ عودته إلى الكويت، ألزم الدكتور الخطيب نفسه ببرنامج يومي صارم يبدأ بدوامه في المستشفى الأميري، ثم بتوقفه في سوق التجار، فالذهاب إلى الشيخ سعد العبد الله في مكتبه (استثماراً لصداقته معه أيام الدراسة في لندن ولتشجيعه على العمل لإصلاح الأوضاع المهترئة في الأمن العام) وبعد ذلك الذهاب إلى بيته للغداء، ثم العودة ثانية إلى الدوام، تلي ذلك اجتماعات تنظيمية وزيارات للدواوين.
يقول الدكتور الخطيب: «باشرت بتشكيل تنظيم الحركة القومية، وكانت الخلايا الأولى تتشكل من الذين عملت معهم في السابق ومن الناشطين الجدد، وتركز العمل على الخريجين والمعلمين وطلبة الثانوية وعمال النفط وصغار التجار». وليته أفصح عن أسماء بعض المنتمين للخلايا الأولى وأسلوب التنظيم وقيادته، كي تكون سجلاً للباحثين وذكراً لأولئك الذين مثلوا طلائع الحركة السياسية في الكويت.
أما اتصالاته مع أبناء الأسرة الحاكمة فيبينها الدكتور بشكل جلي، إذ كان البعض منهم ـ كما يقول ـ: «يتعاطف مع الكثير من آرائنا في الفترة الأولى، أخص بالذكر كلاً من عبد الله السالم وجابر الأحمد وسعد العبد الله». وقد حصلت عدة لقاءات مع الشيخ جابر الأحمد ـ رحمه الله ـ في قصره الجوهرة في مدينة الأحمدي، ضمت إلى جانب الخطيب كلا من يوسف إبراهيم الغانم وجاسم القطامي.
وكان الحديث يدور فيها حول تطوير البلد، حيث أفصح الشيخ جابر الأحمد «عن رغبته في وجود دستور للكويت». ولعل علاقته مع الشيخ عبد الله السالم كانت الأعمق، حيث يذكرها في مواضع متعددة من مذكراته.
أدرك الدكتور أحمد الخطيب أهمية خلق وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني، فقام وآخرين بتأسيس النادي الأهلي، وهو نادٍ رياضي سرعان ما تشكلت فيه لجنة ثقافية ذات حيوية، وأصبح الشيخ عبد الله المبارك رئيساً فخرياً له. ثم تأسس النادي الثقافي القومي ليكون امتداده في الستينات نادي الاستقلال، وأصدر مجلة شهرية هي «الإيمان» مع مجلة أسبوعية سماها «صدى الإيمان» (التي تعتبر أول مجلة أسبوعية تصدر في الكويت).
وتشكل في العام 1954 نادي الخريجين ونادي المعلمين، وسيطر التيار القومي على تلك الأندية الثقافية الثلاثة ليؤسس منها لجنة (إضافة إلى خمسة أندية أخرى) «شكلت قيادة العمل الوطني». ثم تطور العمل لاحقاً (1958) لينضم إلى هؤلاء بعض التجار، ولتتشكل لهم لجنة خاصة أطلق عليها الرابطة الكويتية، تقديراً لدور هذه الطبقة في الدعوة إلى الإصلاح منذ العشرينات من القرن الماضي، علماً بأن عدداً كبيراً من أبنائهم كانوا منخرطين في العمل القومي.
في المقابل، تبلورت الحركة العمالية منذ العام 1952 من العاملين في الشركات النفطية، واتجهت في البداية إلى جمعية الإرشاد الإسلامي (وهي فرع للإخوان المسلمين في الكويت)، بيد أن التيار القومي سرعان ما جرف الحركة العمالية لتكون رافداً مهماً له.
وقد ترافق مع النشاط التنظيمي والتثقيفي نشاط آخر من قبيل تأسيس لجنة «كل مواطن خفير» لمقاطعة البضائع الإسرائيلية، فكانت الأولى في المنطقة. ومناصرة ثورات الشعوب العربية وحركاتها التحررية كالتبرع لثورة المغرب في 1955، ولمتضرري العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956، ودعم بناء الجيش السوري والثورة الجزائرية وغيرها.
والحق أن العدوان الثلاثي على مصر قدم الدعم والزخم للحركة الشعبية في الكويت، إذ شهدت أول مظاهرة ضخمة وأول مظاهرة نسائية أيضاً، واستقال السيد جاسم القطامي (مدير الشرطة) ومعه مجموعة من الضباط رافضين قمع المظاهرة الشعبية.
وتقود الحركة الوطنية مرة أخرى حينما تمت الوحدة بين مصر وسوريا في العام 1958، وفي ذكراها الأولى تم تنظيم مهرجان ثانوية الشيوخ في فبراير 1959، وأمام الحشود طالب السيد جاسم القطامي (الذي أصبح منذئذٍ زعيماً وطنياً بارزاً)، بتحويل النظام من نظام عشائري إلى آخر ديمقراطي يكون فيه الحكم للشعب. وقد حلت الأندية إثر ذاك وعطلت الصحف وتوقفت الحياة السياسية العلنية مؤقتاً، واعتقل الدكتور لوحده، لأنه كما يقول: «طوفة هبيطة» (أي لا سند عائلي لديه).
مجالس منتخبة
ويشير الدكتور أحمد الخطيب في مذكراته إلى تطور المجالس المنتخبة، حيث استؤنفت عملية الانتخاب من العام 1952 بعد أن توقفت إثر حل المجلس التشريعي للعام 1938، فجرت انتخابات للمجالس البلدية والمعارف والصحة والأوقاف، ثم أعيدت الكرة بعد سنتين. وقد واجهت تلك المجالس وبالذات البلدية معوقاً أساسياً، وهو عدم تعامل بعض رؤسائها حسب الأصول الديمقراطية.
ثم تقدمت الحركة الوطنية بعريضة شعبية (لاقت استحساناً واسعاً) تطالب فيها بإنشاء مجلس واحد يكون رئيسه الشيخ عبد الله السالم بذاته، فوافق على ذلك، وكان أميراً للبلاد آنئذٍ. وقد اشترطت السلطة على الدكتور الخطيب أن لا يتقدم للترشيح، وحتى لو فاز فلا بد له من تقديم استقالته، وقد جرت تلك الانتخابات في مارس من العام 1958 لانتخاب 65 عضواً.
وكانت المفاجأة أن نجح الدكتور الخطيب، فقدم استقالته وطلبت السلطة أيضاً أن يقدم كل من جاسم القطامي وعبد الرزاق الخالد استقالتيهما، فرفض الأعضاء المنتخبون ذلك ولم ينعقد ذلك المجلس أبداً!
ويكشف الخطيب النقاب عن أن السلطة «كانت تتخوف دائماً من أي تقارب بين القوى الوطنية والعراق»، وقد تنفست الصعداء حينما ساءت العلاقة بين الطرفين إثر زيارة الوفد الشعبي الكويتي إلى العراق بعيد نجاح الثورة في العام 1958 واكتشاف أن عبد الكريم قاسم يتهرب من الانضمام إلى الوحدة بين مصر وسوريا.
ويكشف أيضاً حساسية الشيخ عبد الله السالم لأي اعتماد على العراق، بالذات في المسألة التي كانت مطروحة آنئذ وهي جلب مياه شط العرب إلى الكويت. ويروي الدكتور أن عبد الله السالم قال له قبيل وفاته ـ رحمه الله ـ بصريح العبارة: «يا أحمد، أنا لا أريد أن يربطني أي شيء بالعراق، لا ماء ولا كهرباء ولا سكة حديد». (ص 260)
ويفرد الدكتور أحمد الخطيب جانباً مهماً من مذكراته للحديث عن وضع الدستور وتأسيس الحياة النيابية في الكويت، ويرى أن من بين العوامل التي أدت لذلك التطور ـ إضافة لتهديد عبد الكريم قاسم بضم الكويت ـ وجود الشيخ عبد الله السالم على رأس السلطة، فقد كان له دور محوري وعلى وجه الخصوص حينما تأكد له شخصياً ولاء الكويتيين له، يوم أن تداعى أفراد الشعب إلى قصر السيف وهم يهتفون: «يا بوسالم عطنا سلاح». وقد تبلورت الفكرة بشكل واضح بعد الاستقلال في التاسع عشر من يونيو 1961.
وقررت حركة القوميين العرب خوض الانتخابات، لأن المجلس ـ كما يكتب الخطيب ـ «في أسوأ الأحوال يتيح لنا منبراً مهماً لنشر آرائنا». ونجح في الفوز في انتخابات المجلس التشريعي التي جرت في 30 ديسمبر من العام ذاته، وأصبح نائباً لرئيسه. وهذا المجلس ضم عشرين عضواً منتخباً فضلاً عن الوزراء ومعظمهم من أفراد الأسرة الحاكمة. وشكلت لجنة لوضع مسودة الدستور كان من ضمنها الشيخ سعد العبد الله السالم من طرف الأسرة والسيد يعقوب الحميضى ممثلاً للحركة الوطنية.
مخاض دستوري
ويكشف لنا الدكتور الخطيب اللثام عن أجواء تلك اللجنة وما شهدته من توتر ساهم فيه خبير الحكومة الدستوري محسن حافظ. وقد رأى الدكتور ورفاقه أن يعينوا خبيراً لهم فوقع الاختيار على الدكتور خليل عثمان، حيث تدخل الرئيس جمال عبد الناصر شخصياً لتسهيل انتقاله من القاهرة إلى الكويت بالسرعة المطلوبة.
وكانت للدكتور خليل عثمان بصمات واضحة في وضع الدستور الكويتي بصيغته الحالية. ونظراً للصعوبات التي كانت تمر بها اللجنة فقد قرر الدكتور الخطيب ويعقوب الحميضي وسليمان الحداد من ناحية، وعبد اللطيف ثنيان الغانم (رئيس المجلس) والوزراء الشعبيون الثلاثة حمود الزيد الخالد وعبد العزيز الصقر ومحمد النصف من ناحية أخرى، الاجتماع في بيت الأخير بالشامية لتنسيق المواقف.
وقد نجح نواب الحركة الوطنية في وضع كثير من المواد المتقدمة في الدستور، من قبيل علنية الجلسات، وتحديد مخصصات الأمير، والحصانة البرلمانية للنائب، وتبعية ديوان المحاسبة للمجلس، وحق الاستجواب (الذي لم يستخدمه الدكتور أحمد الخطيب طوال حياته النيابية)، وأيضاً مكافأة النائب.
ولا بد من التوقف عند هذه النقطة لأنها تشير إلى تحول في النخبة السياسية في الكويت، فمن المعروف أن مجالس الكويت المنتخبة التي ظهرت منذ العشرينات كان أعضاؤها لا يتسلمون أي مكافأة نظراً لأنهم جميعاً كانوا من طبقة التجار، أما في عصر المجلس الحديث فقد دخلت طلائع الطبقة المتوسطة الذين لم تكن لهم دخول غير ما يأتيهم من مزاولتهم لمهنهم أو الراتب الحكومي، وبالتالي جاء التأكيد على المكافأة لعدم حصر التمثيل النيابي في طبقة المقتدرين فحسب.
وقد وضع المجلس التأسيسي أيضاً أعرافاً للتعامل في أروقته، فحينما تعرض النائب طلال الجري إلى كلمات نابية من رئيس الوزراء ـ كما يقول الخطيب ـ هدد أعضاء المجلس بالاستقالة إن لم يقدم اعتذاراً. وقد أمر الشيخ عبد الله السالم رئيس الوزراء بالاعتذار، وتم ذلك.
ويسترجع الخطيب ذكرياته مع انتخابات المجلس الأول، فيصف أجواء التنافس فيها «بالرياضية» وبالنزيهة إذ لم تكن الحكومة تتدخل فيها، ويرجع الفضل في ذلك للشيخ عبد الله السالم الذي قال، بعد أن انتقل الدكتور لدائرة شعبية هي حولي: «إن الكويتيين يحبون أحمد وينجح في أية منطقة يرشح فيها».
ويفرد جزءاً من مذكراته لتعقيدات الانتقال من النظام العشائري إلى النظام الديمقراطي. ويحاول الدكتور أحمد الخطيب أن يرد على «تبرم بعض الشيوخ» من النظام الديمقراطي، وانتقادهم له بأنه قلل من شأنهم، ويؤكد على أن «دوره في وضع الدستور لم يكن انتقاماً من العائلة، بل خشية عليها وحماية لمستقبلها». (ص 250)
ويتساءل الدكتور الخطيب عن حكمة عدم دخول أعضاء حركة القوميين العرب الوزارة، ويترك ذلك لحكم التاريخ، بيد أنه يستدرك فيقول إن «وجودنا في الوزارة ربما سيخلق مشكلات.. فنحن لا نقبل بأن نكون مهمشين، وإذا اتخذ قرار لا نؤمن به فعلينا أن نقدم استقالتنا..». ويلقى ضوءاً كثيفاً على استقالة نواب المعارضة الثمانية في أول حكم الشيخ صباح السالم في العام 1965.
بداية الانشقاق
ويفرد الدكتور أحمد الخطيب صفحات كثيرة أو أجزاء من صفحات متناثرة هنا وهناك، للحديث عن علاقته بالشيخ عبد الله السالم وبملازمته أثناء مرضه وحضوره اللحظات الأخيرة من حياته. فهو الذي نقل نفقات بعثته من المعارف إلى الصحة يوم أن كان طالباً، واستقبله حينما أتى بالشهادة خير استقبال، بل ارتجل له بيتاً قال فيه:
وينك تشوف اعيالك يا الخطيب
واحد معلم والثاني طبيب
وينسق مع الحركة الشعبية بقيادة الدكتور لتأميم البريد في فترة قبل الاستقلال، ويتسامح معه في المدة المتبقية في عقد العمل بينه وبين دائرة الصحة حينما قدم استقالته، ثم يرفض طلب عائلة الملا بمنع زواجه من ابنتهم، ويقول له فيما بعد: «كنت معجباً بحبكم». وهاهو الدكتور الخطيب يقف إلى جواره في لحظاته الحرجة، لحظات المرض ومفارقة الحياة. ونترك للقارئ الكريم مراجعة تلك اللحظات فهي جديرة بالقراءة، كما باقي المذكرات بالطبع.
وكان للفترة القصيرة التي قضتها الحركة الوطنية في المجلس الأول أثر طيب في سير الحياة النيابية وفي الانجازات التي استطاعت تحقيقها وعلى رأسها اتفاقية تنفيق العوائد النفطية، وملخصها أن الشركات كانت لا تدفع لدول المنطقة حصة من النفط المستخرج نظير استغلالها واستخراجها لتلك المادة، وهذا حق للدولة صاحبة الأرض. وطرحت الشركات دفع تلك العوائد منذ 1964 تاركة السنوات الماضية دون أن تدفع مستحقاتها إليها.
وقد عرضت الاتفاقية على مجلس الأمة الكويتي في 26 يناير 1965 ففاجأ العالم برفضها، وكانت كل من إيران والسعودية وقطر قد وافقت على تلك الاتفاقية. ولا ينسى الدكتور أحمد الخطيب أن يذكر في هذا المقام دور الخبير النفطي السعودي عبد الله الطريقي الذي تم استدعاؤه من قبل النواب الوطنيين ونزل ضيفاً عند السيد جاسم القطامي ليوضح أبعاد تلك الاتفاقية.
يستذكر الدكتور تلك الأيام فيقول: «فأخذ الطريقي يشرح لنا الاتفاقية ويدرِّسنا التفاصيل مثلما يدرس المعلم طلبته». خرجت القوى الوطنية من المجلس مستقيلة لتستعد للانتخابات القادمة التي جرت في يناير من العام 1967 بجبهة عريضة، ضمت في من ضمت رئيس غرفة التجارة إلى رئيس اتحاد العمال. وفي هذا الجزء يسجل لنا الدكتور الخطيب تفاصيل عن التحضير لتلك الانتخابات وعملية التزوير التي تمت، والانشقاق الذي حصل لحركة القوميين إثر تلك الانتخابات، وهو أول انشقاق عانت منه الحركة.
وفي ختام الجزء الأول من مذكراته لا ينسى الدكتور أحمد الخطيب أن يقيم تجربة العمل القومي، وتحديداً تجربة تنظيمه الذي ساهم في بنائه وهو حركة القوميين العرب، إذ خلت تلك الحركة ـ كما يكتب ـ «من أي مشروع نهضوي وتنموي.. وكانت قضايا الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان مجمدة، لا بل قضية الوحدة التي كانت المدخل لتحررنا لم تجد الاهتمام الذي تستحقه.. فلم يكن لدينا أي تصور واضح حول نوعية الوحدة التي نطالب بها».
كذلك ينتقد الدكتور فكر الحركة بوصفه في «معظمه فكراً عنصرياً فاشياً متعالياً، يرى نفسه شعب الله المختار، ويحتقر الطبقات الشعبية الواسعة، ويضمر العداء للأقليات غير العربية». وأخيراً وليس آخراً، يقول الخطيب: «مع أننا كنا ننفر من الانقلابات العسكرية وتدخل العسكر في السياسة، إلا أننا رأينا في جمال عبد الناصر زعيماً قومياً يعتز به».
وما يخرج به قارئ مذكرات الدكتور أحمد الخطيب هو بعده عن تمجيد ذاته ـ وإن كان يستحق من التمجيد أكثر مما ذكر ـ فضلاً عن ابتعاده عن النفاق والمجاملة، وهي بلوى يبتلي بها كتاب المذكرات. وسيرة حياته، هي سيرة لشعب أراد أن يصنع مستقبله بيده، وكان الخطيب ـ أطال الله عمره ـ وما زال له قصب السبق في قيادته.
مراجعة: د. محمد حسين اليوسفي