يتناول المؤلف في هذه الحلقة الأحداث التي سبقت اندلاع حرب يونيو، ويكشف تفاصيل النقاشات التي دارت بين القادة العسكريين في هيئة الأركان الإسرائيلية والقادة السياسيين ممثلين برئيس الوزراء ليفي أشكول ووزير خارجيته أبا إيبان، والتهديدات التي أطلقها اسحق رابين الذي كان يشغل في حينه منصب رئيس هيئة الأركان ضد سوريا وتلويحه باحتلال دمشق إذا استمرت العمليات الفدائية الفلسطينية المنطلقة منها.
ويعكس لنا المؤلف الأجواء التي كانت سائدة في شهر مايو والتي كانت تنذر بنشوب الحرب لا محالة، حيث يشير إلى حشد الجيش المصري في سيناء وقيام عبد الناصر بإغلاق مضائق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية وطلبه من الأمم المتحدة سحب القوات الدولية من سيناء وإعادة نشرها في غزة.
في ربيع 1967 ارتفعت صيحات الحرب في إسرائيل مع اقتراب احتفالها بما يسمى يوم الاستقلال وهو في حقيقة الأمر يوم تأكيد اغتصاب فلسطين في 15 مايو 1948. ويذكر توم سيغيف في الفصل الرابع من كتابه أن ذلك التاريخ كان مناسبة تقليدية لكي يطلق ليفي أشكول رئيس الوزراء وإسحق رابين رئيس الأركان بيانات وخطبا في الاحتفال،
ويؤكد المؤلف أن بياناتهما ذلك العام كانت عدائية بشكل خاص، وانبرى كل منهما يتوعد سوريا حتى أن رابين هدد باحتلال دمشق. وكتب أرييل جيناي المراسل العسكري لصحيفة يديعوت أحرونوت يقول إنه فهم من تصريحات رابين وأشكول أن إسرائيل كانت تمهد للقيام بعملية عسكرية واسعة،
وأضاف أنه بعد التحذيرات التي أطلقها قادة إسرائيل لم يعد هناك شك في أن تل أبيب تعمل على توجيه ضربة «قوية ومؤثرة» إلى سوريا دون أن تمتد لاحتلال مناطق أبعد من الحدود السورية، ومعنى ذلك أن احتلال دمشق لم يكن خيارا مطروحا.
وكان في رأي المراسل العسكري، وثيق الصلة بالحكومة والموساد والقادة العسكريين، أن روسيا ومصر لن تتحركا إلا إذا احتلت القوات الإسرائيلية دمشق. ويرى مؤلف الكتاب أن قراءة متأنية للتصريحات التي أطلقت في احتفال 15 مايو (ما يسمى بيوم الاستقلال) تشير إلى بعض التباين فقد تحدث أشكول عن الحاجة إلى عمل وقائي ـ أي دفاعي بتعبير آخر ـ
ولكن رابين كان يرى أن أنشطة الفدائيين الفلسطينيين لا يمكن وقفها بالوسائل الدفاعية.. وبينما تحدث أشكول إلى صحيفة حزب المابام «دافار» شبه الرسمية، كان رابين يتحدث إلى صحيفة «لامرحاف» أداة حزب الصقور المسمى أحدوت هاعفودا، غير أن الانطباع العام كان واضحا وهو أن إسرائيل كانت تخطط لهجوم ضد سوريا، وأن تلك التصريحات والبيانات كانت أمرا متعمدا لتهيئة الأجواء الملائمة.
ماذا تريد أميركا؟
وفي الفصل الخامس من الكتاب يتناول المؤلف الوضع في منطقتنا قبل اندلاع معركة يونيو بنحو ثلاثة أسابيع، ويبدأ الفصل بسؤال يقول «ماذا يريد ناصر؟» ثم يتبعه بصفحات أخرى تحمل في عنوانها نفس التساؤل: «ماذا تريد أميركا»؟. وفي اليوم الذي أجرت فيه إسرائيل عرضها العسكري في ذكرى إعلان الدولة تلقى الجنرال غافيش رئيس القيادة الجنوبية اتصالا هاتفيا من رابين ليخبره بتحركات القوات المصرية وطلب منه العودة إلى مقر قيادته.
وقال أشكول لوزرائه أثناء اجتماعهم إن هدف المصريين هو ردع إسرائيل عن تنفيذ تهديداتها ضد سوريا. وأضاف أنه يبدو أن تلك التهديدات أزعجت السوريين، وأن سوريا حققت إنجازا بجرها مصر إلى تأييد موقفها. وأخبر أبا إيبان وزير الخارجية أعضاء الحكومة بأن الولايات المتحدة طالبت إسرائيل بعدم القيام بأي عمل ضد الأردن ولبنان ولكنها التزمت الصمت بالنسبة لسوريا.
ويشير كتاب محمد حسنين هيكل «1967 الانفجار» إلى أنه في ليلة 15 و16 مايو 1967 كانت هناك قوات مصرية ضخمة تتدفق من كل مراكز إيواء القوات المسلحة إلى مواقع تجمعها في سيناء. وكان بعض هذه القوات يمر بالقاهرة وغيرها من المدن الكبرى في طريقه إلى الجبهة وما هي إلا ساعات حتى أصبحت هذه التحركات حديث مصر والمنطقة والعالم كله، وارتفعت درجة حرارة الموقف العام في الشرق الأوسط.
وبفعل الحركة الذاتية المستقلة للحوادث فإن الخطوة التالية التي طرحت نفسها على الفور هي مشكلة قوات الطوارئ الدولية المتواجدة في سيناء بعد معركة السويس عام 1956. ويرى توم سيغيف في كتابه الذي نستعرضه أن نشر القوات المصرية تحول إلى صدمة عندما وافق يوثانت الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك على طلب مصر سحب القوات الدولية، ويسرد المؤلف جوانب من الانتقادات والهجمات الإسرائيلية ضد يوثانت لموافقته السريعة رغم أن مصر كان لها الحق في طلب سحب تلك القوات.
ويؤكد سيغيف في الفصل الخامس من كتابه أن عبدالناصر في الحقيقة لم يطلب إعادة ترتيب مواقع القوات الدولية ولكنه طلب فقط إجلاءها من سيناء وتمركزها في غزة ولكن يوثانت طلب إيضاحا من الرئيس المصري حول خيارين: إما بقاء قوات حفظ السلام أو انسحابها بالكامل الأمر الذي لم يترك خيارا لمصر إلا أن تطلب انسحابا شاملا،
ومن ثم هدد أبا إيبان مصر بأن إعاقة حركة الملاحة في وجه إسرائيل معناها الحرب. ويشير توم سيغيف إلى وجود طرق أخرى لحل المشكلة مثل تحريك قوات الطوارئ إلى الجانب الإسرائيلي ولكن إسرائيل رفضت الاقتراح بشدة وتراخت الولايات المتحدة في محاولة إقناعها بقبول الفكرة. ومن الواضح أن سبب الرفض الإسرائيلي هو أن وجود تلك القوات على الجانب الإسرائيلي قد يحد من قدرة إسرائيل على شن هجوم على مصر.
تسخين الجبهة
يعود مؤلف الكتاب إلى السؤال الذي طرحه عنوانا للجزء الأول من الفصل الخامس عما يريده عبدالناصر، ويقول إن إسحق رابين خاطب لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست قائلا إنه لا يعرف حقا ماذا يريد الرئيس المصري، ولكنه افترض أنه قرر تسخين الموقف على الحدود الجنوبية ليمنع إسرائيل من مهاجمة سوريا في الشمال.
وعرض الجنرال أهارون ياريف رئيس فرع الاستخبارات في الجيش إيضاحا آخر بقوله إن تحرك ناصر هو نتيجة للضغوط السورية عليه ولإعلان تل أبيب إمكانية الهجوم على سوريا إذا استمرت عمليات التخريب، وكان تقدير إسرائيل ليئور مدير مكتب رئيس الوزراء أن تحرك الرئيس المصري هو جزء من الخداع النفسي،
وأن الأزمة بدأت مع المعركة الجوية قرب دمشق في السابع من ابريل 1967 التي شكلت استفزازا وإهانة مذلة للكرامة السورية العربية. وقد دارت تلك المعركة في أجواء دمشق وأسفرت عن خسائر لسلاح الجو السوري وتلتها بعد ذلك سلسلة من المعارك الجوية، أظهرت تفوقا كبيرا لسلاح الجو الإسرائيلي للأسف الشديد.
ونعود مع مؤلف الكتاب إلى مناقشات لجنة الشؤون الخارجية والدفاع الإسرائيلية لنجد اتفاقا في الرأي حول المعركة الجوية. وقال دايان أنها هي سبب الأزمة وإن موقف مصر هو رد فعل لسلسلة من التصرفات الإسرائيلية التي تضمنت تمديد مدة الخدمة العسكرية، ومعركة 7 ابريل بما في ذلك التحليق في سماء العاصمة السورية، والدعاية الإسرائيلية التي تلح على توجيه اللوم الشامل إلى سوريا عن العمليات الفدائية الفلسطينية.
(يصفها دايان بالطبع بالعمليات الإرهابية). وأشار كذلك إلى العدوان الإسرائيلي على قرية السموع الفلسطينية، وأضاف دايان قوله: إن ناصر لا يستطيع أن يكون لا مباليا أمام كل ذلك، وإنه ـ أي دايان ـ لم يفاجأ بطلب مصر نقل قوات الطوارئ لأنها إذا لم تفعل ذلك يصبح وعد عبدالناصر بحماية سوريا عديم القيمة.
وأكد موشي دايان أن الرئيس المصري لم يخطط لغزو إسرائيل، وأن الخطوات التي اتخذها حتى الآن لن تكون كافية وأنه قد يتخذ خطوات أخرى للحفاظ على مكانته وتأمين موقعه. وأشار دايان إلى احتمالين وهما قصف مفاعل ديمونة النووي أو إغلاق مضائق تيران، وأشار إلى أن من المحتمل أن يكون عبدالناصر قد أجرى تقييما مفاده أن الجيش المصري يستطيع صد هجوم للجيش الإسرائيلي مما يوضح توزيع قواته بأسلوب دفاعي.
واختتم حديثه في اللجنة بقوله: «إذا أطلقت دخانا فعليك أن تفهم أن الجانب الآخر سوف يعتقد أنك أشعلت النار». وهنا ثار أشكول ورابين عليه. وأثناء الاجتماع وردت أخبار عن قيام طائرتين مصريتين من طراز ميغ باختراق الأجواء الإسرائيلية والتحليق فوق ديمونة ومناطق أخرى.
وأصبح الخوف من احتمال قصف مفاعل ديمونة، أو قيام قوة مظلية مصرية بالهجوم عليه، الهم الرئيسي في المناقشات الإسرائيلية خلال الأيام القليلة التي تلت اجتماع اللجنة. ويوم 17 مايو 1967 قال رئيس الوزراء الإسرائيلي: «لا يمكنك التنبؤ بما قد يحدث»
وبعد ذلك بأيام عاد فقال: «يمكن أن نفترض أنهم ـ أي المصريين ـ قد يكونون مهتمين بقصف مفاعل ديمونة» ولكن مؤلف الكتاب يذكر أن الوزراء لم يُجمعوا على أن ضرب المفاعل يصلح أن يكون مبررا لشن حرب شاملة لأن العالم قد يؤيد مصر إذا دمرته. ولم تستبعد أميركا احتمال ضرب المفاعل.
وفي 21 مايو دار الحديث عن حرب شاملة إذا انتهكت حرية الملاحة البحرية أو عند محاولة قصف مفاعل ديمونة. وقد هدد رابين بأنه إذا قامت مصر بالهجوم فسوف تقوم إسرائيل بتوجيه «ضربة خطيرة جدا» رغم أنه قال في نفس اليوم إن نتائج حرب جوية بين الدولتين تعتمد على من يبدأ الهجوم أولا.
وكان الافتراض السائد أن من يضرب أولا ويدمر قوة العدو الجوية على الأرض هو الذي يكسب الحرب. وكان هناك من يظن أن عبد الناصر يتصرف جزئيا كرد فعل للإهانات التي وجهها إليه الأردن الذي سخر منه بدعوى أنه لم يبادر بمساعدة سوريا. وكان أشكول يحث الملك حسين على عدم استفزاز عبد الناصر مثلما فعلت أميركا.
وكانت هناك نظرية أخرى ترى أن اللوم يجب توجيهه إلى الاتحاد السوفيتي. كذلك أخبر أبا إيبان وزير الخارجية الإسرائيلي مجلس الوزراء أن المعلومات عن الحشود الإسرائيلية في الشمال نقلت إلى مصر عن طريق الاتحاد السوفييتي، وعلى الفور تبنت الصحف الإسرائيلية هذا الرأي، غير أن مصادر أخرى لا تغفل الأسئلة التي تحيط بهذا الافتراض
وهي: ما هي بالضبط طبيعة تلك المعلومات وما هي مصادرها؟ وهل قدم الروس لمصر معلومات استخباراتية تم الحصول عليها من داخل إسرائيل؟ أم أنهم نقلوا إلى المصريين ما سمعوه في دمشق؟ وهل يعتقد الروس أن المعلومات كانت حقيقية؟ ولماذا قدموها للمصريين.. وفي إحدى جلسات مجلس الوزراء الإسرائيلي كانت الصورة هي أن الروس أرادوا فتح جبهة ثانية لإضعاف الولايات المتحدة في فيتنام.
ولكن توم سيغيف يعلق على ذلك في كتابه فيقول إن الاتحاد السوفييتي لم يكن في حاجة إلى مطية إسرائيلية، ولا كان العرب في حاجة إلى المعلومات الروسية لكي تدرك حساباتهم أن إسرائيل قد تهاجم سوريا. ولم يكن هناك مجال للشك في ذلك الاحتمال الذي كان واضحا من خلال ما أسماه وزير إسرائيلي «وفرة الملاحظات» التي أدلى بها أشكول ورابين ومتحدثون آخرون قبل يوم الاستقلال.
وكان أشكول واضحا في قوله إن «المشاكل الرئيسية مع سوريا هي النزاع على المياه، والمناطق منزوعة السلاح، وأعمال التخريب (المقصود بها عمليات الفدايين الفلسطينيين انطلاقا من سوريا)، وهي مشاكل لم تجد علاجا لها، ولهذا فإن سوريا تحتاج إلى «التعامل معها من خلال ضربة شديدة»، وبعد ذلك بأيام قليلة صرح أبا إيبان بأن منظمة فتح هي أول حلقة في سلسلة الأحداث التي دفعت بمصر وإسرائيل إلى حافة الحرب.
خطة أتزمون
في يوم السبت 20 مايو قام أشكول ورابين بزيارة قيادة الجيش الجنوبية.. وقدم أهارون ياريف رئيس مخابرات الجيش تقريرا أعاد فيه تقدير الموقف إذ أصبح يعتقد أن المصريين ينشرون قواتهم من أجل الهجوم لا الدفاع كما كان يقول من قبل. ولم يستند موقفه الجديد فحسب على التوتر الذي يسببه الجيش الإسرائيلي على طول الحدود السورية، بل اعتمد كذلك على نظرية رغبة المصريين في تدمير مفاعل ديمونة قبل أن تحصل إسرائيل على قنبلة نووية.
ويشير الكتاب إلى أن السبب لم يكن واضحا وراء تغيير رأيه، ولكن أشكول مع ذلك لم يتجاهل ذلك الاحتمال، ولكن تجربته السابقة جعلته يشك في المعلومات التي يتلقاها من العسكريين، كذلك كان الجيش يعاني فقدان الثقة بنفسه لأن أحداث سيناء دحضت قدرة قطاع الاستخبارات على التنبؤ بنوايا العدو، إضافة إلى أنها كشفت ضعف قوة الردع الإسرائيلي وأصبحت الدولة عرضة للهجوم وسادها الخوف، ولذلك فإن أفضل وسائل الحماية هو الهجوم على مصر أولا.
وفي نهاية الجولة أطلع رابين رئيس الوزراء على خطط الجيش والتي تقضي أولا بقيام سلاح الجو بتدمير القوة الجوية المصرية ثم سلاح المدرعات المصري، وعندئذ فقط يقوم الجيش الإسرائيلي باحتلال شرم الشيخ.
وأطلق على الخطة اسم كودي هو «أتزمون» وأدخل عليها تعديلاً واحداً يقضي باحتلال غزة لاستخدامها في المفاوضات. ووافق الاثنان على أن الوقت لم يحن بعد للعمل لأن الوسائل السياسية لإزالة التوتر لم تستنفد بعد. وطلب أشكول من رابين مراعاة العبء الاقتصادي الناشئ عن التعبئة العامة.
وازداد قلق المجلس الوزاري للأمن القومي والحكومة ككل. وانتشرت أحاديث عن احتمال قيام مصر بهجوم عام، إلى جانب مخاطر محاولتها ضرب المفاعل النووي ومنع مرور السفن الإسرائيلية عبر مضائق تيران. واعتبر الوزير حاييم جفعاتي أن الموقف «خطير إلى حد ما» ولم يعد أحد يدري على وجه اليقين ما الذي يريده عبدالناصر، والى أي مدى سوف يؤيده الروس.
وكان ليفي أشكول قد لمح إلى أهم الاعتبارات وهو عدم اتخاذ أية خطوة إلا بعد الحصول على إذن مسبق من الولايات المتحدة. وقال أشكول ووزير خارجيته أبا إيبان إن وزارة الخارجية الأميركية أبلغت أبراهام هارمان السفير الإسرائيلي لدى أميركا بضرورة امتناع تل أبيب عن القيام بأي إجراء ضد المصريين مادامت المضايق لم تغلق.
وإضافة إلى ذلك قال الأميركيون إن على إسرائيل ألا تقوم بأي عمل مهما كان الحال دون «التشاور المسبق»، ولكن أشكول وأبا إيبان فهما أن الولايات المتحدة ستسمح لإسرائيل بالتصرف إذا أغلقت مصر المضايق، مثلما امتنعت أميركا عن معارضة الهجوم ضد سوريا.
ولخص أشكول الموقف لوزرائه بقوله: إذا دخلت الطائرات المصرية الأجواء الإسرائيلية وقصفت أي هدف مهما كان نوعه، سوف يكون هناك رد مباشر وعنيف من جانب سلاح الجو الإسرائيلي. وذكر أن الدقائق الخمس الأولى في الحرب الشاملة ستكون حاسمة لأن من يضرب مطارات العدو أولا سوف يحقق الانتصار.
وفي صباح يوم الثلاثاء 23 مايو عرف الإسرائيليون من خلال نشرة أخبار السادسة صباحا أن الرئيس عبدالناصر أغلق مضائق تيران، وعلم أشكول بالنبأ من مدير مكتبه فتوجه على الفور إلى مقر قيادة الجيش في تل أبيب حيث طلب رابين وعزرا وايزمان وياريف وموردخاي هود قائد سلاح الجو، القيام برد فوري على مصر.
ولم يناقشوا فكرة شن معركة محدودة لفتح المضائق، ولكنهم تحدثوا عن حرب شاملة. وقال رابين إن قواته سوف تهاجم مصر أولا ثم سوريا فالأردن. وعند هذه النقطة بدأ أشكول يبذل جهودا مكررة لوقف جموح رئيس الأركان. وحاول عزرا وايزمان نائبه إثارة خوف أشكول بادعاء أن مصر قد تستخدم الغاز في الحرب.
ولكن رئيس الوزراء أشار إلى أن أول ناقلة إسرائيلية لن تمر من المضائق إلا بعد أسبوع ولذلك ينبغي استغلال الوقت في الجهود الدبلوماسية. وأضاف أن الأميركيين طلبوا مهلة لمدة 48 ساعة قبل القيام بأي رد. واجتمع المجلس الوزاري لشؤون الأمن لمناقشة الطلب الأميركي الذي أيده أشكول حتى لا يسمح للأميركيين باتهام إسرائيل بأنها أفسدت الأمور بإعاقة محاولات حل الأزمة دون اللجوء إلى الحرب،
ولكنه حذر من أن فترة الانتظار قد تطول عن 48 ساعة، وقد يصبح اليومان اسبوعين، والاسبوعان عامين مما يشكل انتصارا لعبدالناصر. واقترح حاييم شابيرا وزير الداخلية مرور السفن الإسرائيلية من المضائق إلى ميناء إيلات برفقة سفن حربية أجنبية، وعندئذ كشف رابين عن حقيقة سرية للغاية مؤداها أن مصر قررت بالفعل ألا تمنع مرور تلك السفن إذا جاءت في حراسة سفن أميركية.
رابين ينهار
يكشف توم سيغيف في كتابه عن أن إسحق رابين رئيس الأركان أصيب باكتئاب شديد وانهيار عصبي وأسرف في التدخين وانتابه شعور بالذنب لأنه عمل على جر إسرائيل إلى هذه الأزمة وفشل في منع استفحال الخطر الذي يتهددها فاستدعى نائبه عزرا وايزمان وطلب منه أن يتولى مهام رئيس الأركان بدلا منه وكان وايزمان قد لاحظ قبل ذلك بعدة أيام أن رابين بدا مهتزا وفاقدا للثقة في نفسه،
وعندما زاره في بيته وجده جالسا في غرفة الجلوس وحيدا ومكتئبا ومحطما فاستدعت ليئا زوجته الطبيب فحقنه بدواء أفقده الوعي لمدة أربع وعشرين ساعة. ويذكر المؤلف أن وايزمان أسرع إلى الشروع في إشعال الحرب. وبدت الحرب وشيكة جدا في الساعات الأولى من صباح يوم 24 مايو. وقال تقرير للجيش: «لقد تمت الاستعدادات النهائية لبدء الحرب في اليوم الخامس والعشرين من الشهر».
أساليب ملتوية
وفي منتصف نهار يوم 24 مايو كان رابين مايزال في غيبوبته بمنزله، وقدم وايزمان خطة جديدة لأشكول أطلق عليها اسم «خطة آتزمون الموسعة» وتقضي في جوهرها بتدمير القوة الجوية المصرية واحتلال قطاع غزة. ويسرد الكتاب الأساليب الملتوية التي لجأ إليها وايزمان، فعلى عكس ما ادعى في اليوم السابق، وعد الآن بأن القوات المسلحة تستطيع شن الحرب ضد مصر وسوريا في نفس الوقت.
وعندما التقى برجاله قبل اجتماعه مع أشكول أدار الحديث حول بدء العمليات في اليوم التالي أي يوم 25 مايو. ووفقا لتقرير موجز آخر قال إن بدء الحرب يمكن أن يتم «في الحال». ودعا وايزمان رئيس الوزراء إلى الحضور إلى غرفة العمليات الحربية للاجتماع مع جنرالات الجيش الذين بذلوا هم أيضا كل جهودهم لإقناعه ببدء الحرب.
وزعم وايزمان أنه يفضل التوصل إلى حل سياسي، غير أن إسرائيل ليئور مدير مكتب أشكول ذكر أن «الجو في مقر قيادة رئاسة الأركان العامة كان يوحي وكأن الحرب سوف تنشب في أية لحظة». ويقول مؤلف الكتاب «إن حقيقة الأمر هي أن وايزمان بدأ يدير آلة الحرب في تلك الليلة بالذات».
ويشير إلى أن رجلا ذا خبرة واسعة وإصرار على ألا يفقد السيطرة على الأحداث، هو وحده الذي يستطيع الوقوف في وجه هذه الضغوط بينما تقف البلاد كلها على حافة الحرب مع وجود رئيس أركان حرب يعالج من انهيار نفسي، ونائب لرئيس الأركان خارج على السيطرة ويجبر رئيس الوزراء على الدخول في حرب رغم قرار الحكومة التي كانت أرسلت لتوها أبا إيبان إلى واشنطن.
ويرى توم سيغيف أن أشكول يتحمل بعض المسؤولية عن الموقف لأنه سمح للعسكريين أن يجروه إلى الهجوم على سوريا، ولم يبد أي اعتراض على مطالبتهم بالرد بالقوة العسكرية على إغلاق مضائق تيران، وظل يأمل حل الأزمة دون اللجوء إلى الحرب بالإضافة إلى اقتناعه بأن على إسرائيل ألا تتصرف عكس رأي الولايات المتحدة.
رؤية عبد الناصر
يصل الفصل الخامس إلى نهايته دون إجابة صريحة على السؤال الذي طرحه المؤلف عما يريده عبدالناصر بغض النظر عما أخذت آلة الإعلام الصهيونية ـ بتحريض من العسكريين ـ تروجه عن رغبة الزعيم المصري بتدمير إسرائيل.
ولكن الباحث الصادق يمكن أن يجد الإجابة في كتاب محمد حسنين هيكل (الانفجار ـ 1967) إذ يقول صاحبه «كانت الصورة واضحة في ذهن جمال عبدالناصر، كما أن توجهه حيالها كان على نفس الدرجة من الوضوح، وكانت خطوط أفكاره تجري على النحو التالي:
إن التهديد الموجه لسوريا هو تهديد لا يحمل الخطر فقط ولكنه يحمل الإهانة أيضا فضلا عن أنه يخلق في دمشق حالة من العصبية يمكن أن تؤثر تأثيرا سلبيا على مجمل الأوضاع. إذا حدث بالفعل وسقط النظام في سوريا نتيجة لعمل مباشر من إسرائيل، أو نتيجة لآثار نفسية تحدثها التهديدات في الجبهة الداخلية،
فإن تداعيات سقوط هذا النظام برغم كل ما يمكن أن يقال عنه سوف تؤثر على العراق وبالتالي فإن الدور سوف يكون على بغداد بعد الفراغ من دمشق. إن الجمهورية العربية المتحدة لا تستطيع أن تقف ساكتة وإن الحوادث تفرض عليها أن تكون مستعدة لكافة الاحتمالات.
أما بالنسبة لسحب قوات الطوارئ فقد كان جمال عبدالناصر يرى أن طلب سحب هذه القوات بالكامل قد يحدث مشكلة دولية تعطل الأثر المعنوي لحشد القوات المصرية، ثم إنه بعد ذلك قد يؤدي إلى وضع عراقيل أمام عمل هذه القوات فعلا إذا ما فرضته الضرورات. ولتلافي ذلك كان رأي عبدالناصر أن يكون الطلب المصري هو إخلاء قوات الأمم المتحدة لمواقع خط الحدود الدولية مع فلسطين عام 1948.
ومن خلال المشاورات التي أجراها عبدالناصر مع الدكتور محمود فوزي نائب رئيس الوزراء للشؤون الخارجية في يوم 15 مايو 1967، شرح أسباب عدم رغبته في إنهاء عمل قوات الطوارئ مهمتها تماما لأسباب يذكرها محمد حسنين هيكل في كتابه، وكان قد أتيح له حضور ذلك الاجتماع وتسجيل ملاحظاته، ومن هذه الأسباب يقول الرئيس المصري:
السبب الأول: أنه لا يريد لهدفه أن يضيع وسط الزحام، فهدفه في هذه اللحظة أن يكون قادرا على مساعدة سوريا بالتدخل عسكريا إذا تعرضت لعدوان إسرائيلي. وليس هدفه إنهاء عمل قوات الطوارئ فهو لا يريد أزمة دولية فرعية تشغل الأطراف والأذهان عن قضية نجدة سوريا.
السبب الثاني: أن قطاع غزة ـ في حالة نشوب عمليات عسكرية ـ سوف يكون أول الأهداف التي قد تتجه إليها إسرائيل، فالدفاع عن القطاع صعب عسكريا لأنه أشبه ما يكون بشريط ضيق على منحنى البحر وفي مقدور إسرائيل أن تقطعه وتعزله عن مصر ثم تحتله بضربة واحدة،
وإذا حدث ذلك فإنه قد يكون صدمة عنيفة في أول أيام القتال، وهو كعسكري سابق يعتقد أن حشد أكبر قدر من القوات في القطاع للدفاع عنه هو عملية تعزيز لوضع خاسر مقدما فأية قوات تدخل إلى غزة ليس لديها مجال للمناورة أو الحركة ومن المرجح أن يتم عزلها عن مجموعة الجيش الرئيسية من أول ضربة.
السبب الثالث: أن إنهاء مهمة قوات الطوارئ تماما سوف يؤدي ضمن ما يؤدي إليه إلى دخول قوات مصرية إلى شرم الشيخ، وفي هذه الحالة فإن إجراءات حالة الحرب سوف تفرض على الفور ضرورة التعرض للملاحة الإسرائيلية عبر مضائق تيران.
ومع أنه (أي عبدالناصر) يعرف أن حجم الملاحة الإسرائيلية في هذه المضائق محدود إلى أقصى حد فإن المسألة سوف تصبح مسألة مبدأ لابد من إعماله وهو ليس متأكدا من أن هذه اللحظة مناسبة لمثل هذا التصرف من جانب مصر،
فقد تطرح على نطاق أوسع قضية حرية الملاحة في المضائق، وقد تؤدي أيضا إلى أزمة فرعية لا يريدها في الوقت الذي يسعى فيه إلى تركيز الاهتمام كله على احتمالات العدوان الإسرائيلي ضد سوريا وتدخل مصر لمساندتها
عرض ومناقشة: صلاح عويس


