يتناول المؤلف في هذه الحلقة المناقشات التي دارت في إسرائيل قبيل حرب يونيو 1967 حول مستقبل الضفة الغربية في حال وقوعها تحت السيطرة الإسرائيلية والإشكالات المحتملة الناجمة عن ذلك، هذا بالإضافة إلى الحديث عن الوضع المصري وآفاق التفاوض مع عبد الناصر أو احتمالات الحرب، ويشير إلى أن تلك النقاشات خلصت إلى أن عبد الناصر لن يغير من مواقفه المبدئية ولن يساوم فيما يخص القضايا الوطنية والقومية.

ويسرد المؤلف تفاصيل اعترافات لإسحق رابين ولموشي دايان حول تعمد استفزاز السوريين على الحدود بهدف استدراج رد فعل من جانبهم يواجه بقصف إسرائيلي ومحاولات توغل على الأرض. ويروي لنا كيف حاولت الولايات المتحدة استغلال القمح سلاحاً للضغط على مصر من أجل تقديم تنازلات. قبل حرب يونيو 1967 بدأت مناقشات سياسية واستراتيجية واسعة النطاق في إسرائيل واستمرت منذ شهر نوفمبر 1966 حتى يناير 1967. وتشكلت مجموعتان للعمل قامت أولاهما بدراسة العلاقات مع الأردن، والثانية بدراسة العلاقات مع مصر. وقد ضمت المجموعتان ممثلين لجهاز الموساد، ومخابرات الجيش، ووزارة الخارجية.

وقد قام المشاركون بالعمل على صياغة إجابات مشتركة لسلسلة من الأسئلة طرحها أبا إيبان وزير الخارجية آنذاك، وانتهى الأمر بأن وافق إسحق رابين رئيس الأركان، وليفي إشكول رئيس الوزراء آنذاك على الوثائق التي أعدتها المجموعتان. ويرى مؤلف الكتاب أن تلك الوثائق تعكس الفكر الإسرائيلي في الشهور الستة السابقة على الحرب. كذلك نظمت كلية الدفاع الوطني الإسرائيلية جلسات مناقشة شاملة حول مستقبل العلاقات مع الأردن، ثم سلمت الكلية نتائجها إلى رئيس أركان الجيش. وتبين البروتوكولات وأوراق تقدير الموقف الموجودة حاليا وجود اختلافات معينة ولكن المناقشات بشكل عام تجردت في النهاية من الجدل العاطفي والتحيز السياسي.

وقد عقدت الاجتماعات في سرية رغم انضمام عدد قليل من أعضاء الكنيست والصحافيين وأساتذة الجامعات إليها. وتساءل إسحق أورون ممثل الموساد عما إذا كان على إسرائيل «تطهير الضفة الغربية» قاصدا وضع نهاية لمراكز العداء الفلسطينية. وذكر شلومو غازيت عضو مخابرات الجيش أنه حصل انقسام في الآراء داخل الجيش حول هذا الرأي فكان البعض يرى أن وجود نظام الملك حسين يضر بإسرائيل لأنه طالما ظل في الحكم فلن تستطيع إسرائيل غزو الضفة الغربية.

ونرجو أن نذكر القارئ العزيز أن الضفة الغربية في ذلك الوقت كانت جزءا من المملكة الأردنية الهاشمية. وذكر أصحاب الرأي الآخر أن الضفة الغربية تعتبر «كارثة لإسرائيل» بسبب حالة عدم الاستقرار التي كانت تسودها آنذاك.

ورأى آخرون عكس ذلك وقد عرض غازيت موقفا توافقيا قائلا «إن الجيش يقبل الوضع الحالي ولكنه يرحب بأية فرصة لتغيير الأمر الواقع وخلق موقف جديد أكثر ملاءمة» ثم أضاف ممثل مخابرات الجيش قوله: «في ظل ظروف التعايش العدائي الحالية يمثل الخط الأخضر تهديدا لقلب البلاد، ولكن إذا حدث واحتلت إسرائيل الضفة الغربية.

وجب عليها التفكير فيما ستفعله بها، وبشكل خاص في ضمها دون أن تصبح الأراضي المضمومة سرطانا ينهش إسرائيل من داخلها». أما بالنسبة للخط الأخضر الذي أشار إليه ممثل مخابرات الجيش فالمعروف أن ذلك الخط رسم على خريطة الحدود وفقا لشروط وقف إطلاق النار عام 1949 وتقسيم فلسطين ولكن الصهاينة لم يحترموا تلك الشروط كما هو معروف.

الأمر الآخر الذي أشار إليه شلومو غازيت، والذي يمثل رأي الجيش الإسرائيلي، يتلخص في أن على إسرائيل إنشاء دولة فلسطينية مستقلة لتحييد مخاطر الضفة الغربية على أن تعتمد تلك الدولة بالكامل على الجيش الإسرائيلي في الدفاع عنها وفرض النظام في داخلها، فضلا عن الإشراف على سياستها الخارجية.

وكان لشلومو شقيق يدعى موردخاي غازيت ويحضر الاجتماعات بصفته ممثلا لوزارة الخارجية. ولم يكن متحمسا لفكرة إقامة دولة فلسطينية، حيث وصفها بأنها «دمية». ويذكر مؤلف الكتاب أن الوثيقة التي قدمها شلومو باسم الجيش تمنح المحمية الفلسطينية مجرد فرصة ضئيلة إذ تقدم خيارا آخر اعتبره الجيش أقل فائدة لإسرائيل ويتلخص في وضع قوات طوارئ على الحدود إما باعتبارها جانبا من إدارة دولية تحكم المنطقة، أو باعتبارها عازلا بين إسرائيل والأردن.

وقال شلومو غازيت: «إن مثل هذا الإجراء ليس من شأنه ضمان حل طويل المدى، غير أن هدفه هو إتاحة فترة انتقالية إلى أن يتيسر إدخال أسلحة غير تقليدية إلى منطقتنا». واختلف الأخوان غازيت حول هذه المسألة فقال شلومو غازيت إن إجابات الجيش ملائمة على الأقل طالما أن المنطقة لم تدخل العصر النووي، وهناك من يعتقدون بأنه لن يكون هناك أي تفكير في تدمير إسرائيل بمجرد دخولها ذلك العصر.

ورد موردخاي غازيت معلقا على تكرار الحديث عن مسألة الأسلحة النووية فأعرب عن اعتقاده بأن الوثيقة لا تنطوي على إجابة على مسألة الإرهاب. وفي محاضرة له في كلية الدفاع الوطني تحدث عن إمكانية قيام إسرائيل باحتلال الضفة الغربية فقال إن دول العالم قد لا تسمح بضمها، ولسنا مهتمين الآن بذلك لأن دولتنا الصغيرة سوف تواجه مباشرة موقفا خطيرا فماذا سنفعل إذا عمد سكان الضفة الغربية الأعداء الألداء إلى الامتناع عن الهروب عبر الحدود؟.

موقف عبد الناصر

أما بالنسبة للفريق المكلف بدراسة النزاع مع مصر فقد افتتح أبا إيبان مناقشاته بعد اجتماعه في نيويورك برجل أعمال أميركي اسمه روبرت أندرسون، يقول المؤلف إنه كان صديقا للرئيس جمال عبدالناصر، ورغم ذلك فشلت محاولاته العديدة للوساطة بينه وبين ديفيد بن غوريون. وفي أغسطس 1966 أخبر أندرسون وزير الخارجية الإسرائيلي بأن موقف عبدالناصر «لم يتغير نحو الأسوأ»، كما سمع أبا إيبان من آخرين أنهم اعتبروا موقف عبدالناصر «معتدلا».

ونتيجة لذلك ولإعلان عبدالناصر أن الوقت ليس ملائما» للدخول في حرب مع إسرائيل، طلب إيبان تحليلا بشأن ما إذا كانت هناك فرصة لإجراء مفاوضات. وتلقى أعضاء مجموعة العمل بشأن مصر ورقتي عمل إحداهما من إعداد جهاز الموساد وكتبت عليها عبارة «سري للغاية»، والثانية من مخابرات الجيش وكتب عليها كلمة «سرية».

وذكرت الأخيرة أن مصر تتطلع إلى تدمير إسرائيل وأنه لا توجد أية فرصة لكي يراجع عبدالناصر موقفه، وقوة الردع وحدها هي التي قد تقنعه بأن إسرائيل لا يمكن تدميرها، وربما قاده الاعتراف ذات يوم إلى الرغبة في قبول وجودها. وانتهت ورقة العمل إلى القول إن القوة العسكرية وحدها هي الكفيلة بتحقيق هذا الهدف.

أما جهاز الموساد فقد ذكر في ورقته أنه يوافق على أن مصر مازالت تتطلع إلى إبادة إسرائيل، ولكنها أيضا تدرس آفاق إجراء محادثات. وزعمت ورقة العمل أن مصر قد تكون مهتمة بالعلاقات إذا تمكنت إسرائيل من إمدادها بمئات الملايين من الدولارات كمعونة اقتصادية، غير أن ذلك سيؤدي إلى تقوية شوكة مصر ضد مصالح إسرائيل.

واقترح الموساد أن تقوم إسرائيل بتشجيع مصر على تخفيف دعايتها ربما بتقديم عرض بإنشاء دولة فلسطينية «مكان الأردن أو كنتيجة لتفكيك المملكة الأردنية». وقدمت ورقة العمل اقتراحا بديلا آخر مفاده أن تقوم إسرائيل بوقف برنامجها النووي في مقابل إنهاء مصر سباق التسلح وقبول بقاء توازن القوى السائد آنذاك ولكن الموساد رأى أن مصر لن تقبل الحد من قوتها العسكرية بالنسبة للدول الأخرى في المنطقة.

وذكر في ورقة العمل المقدمة منه أن السؤال الذي يتردد دائما هو: هل ستكون إسرائيل قادرة خلال السنوات القليلة القادمة على استغلال تميزها في المجال النووي بحيث تمارس ضغوطا على مصر؟. ويعتبر هذا السؤال اليوم الأهم في مجمل العلاقة الشاملة بين إسرائيل ومصر. وتوصلت دراسة الموساد في الختام إلى أن مصر لن توافق على أي ترتيبات تضعف بها نفسها، وأن فرصة إجراء محادثات معدومة. ولكن جهاز المخابرات لم يستبعد إمكانية إيجاد «قناة مفتوحة» يمكن تنشيطها من وقت لآخر.

معركة القمح

ثار جدال بين الأخوين غازيت حول هذه المسألة، وتمسك شلومو بأنه لا توجد فرصة لأن تعيد مصر النظر في موقفها، وطرح فرضيتين ثبت عدم صحتهما خلال شهور قليلة، الفرضية الأولى أن من الواضح أن المصريين لن يخاطروا بشن الحرب على إسرائيل خلال السنوات الخمس التالية، وتقول الفرضية الثانية «بينما استطاعت إسرائيل في الماضي احتلال شبه جزيرة سيناء، من الواضح الآن أن الجيش المصري يستطيع تركيز قواته هناك بحيث لا تستطيع إسرائيل إلحاق الهزيمة به».

ومن ثم فقد أكد شلومو غازيت الحاجة إلى «تفوق كيفي» غير محدود على أن تقوم إسرائيل بالحفاظ على السلام على طول الحدود. ومع ذلك بحث الدبلوماسي موردخاي غازيت عن وسائل فتح مباحثات مع عبدالناصر، وقال: «قد نستطيع عند نقطة معينة التأثير على رئيس الولايات المتحدة الأميركية لتقديم مساعدات غذائية لناصر وبالمقابل نستطيع تقوية علاقاتنا به» ولكن أخاه اعترض على ذلك قائلا إن مثل هذه المبادرة قد تضر أكثر مما تنفع، غير أنه لم يستبعد محاولة إجراء محادثات سرية مع المصريين متفقا في ذلك مع رأي رجل الموساد.

وفي رأينا أن ذلك الطرح الإسرائيلي اتسم بالغباء الشديد إذ أن الوقائع كانت تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن عبدالناصر ما كان ليبيع كرامة بلاده مقابل مساعدات غذائية أو غير غذائية كما أشار موردخاي غازيت، ففي صيف عام 1965 كانت واشنطن تهيئ مسرح العمليات في الشرق الأوسط لما يمكن تسميته «معركة القمح» كما يقول الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل في كتابه (الانفجار- 1967).

وكانت توريدات القمح إلى مصر طبقا للقانون الأميركي رقم 480 هي السلاح الذي دخل إلى ساحة الصراع ليؤدي دوره المقرر له جنبا إلى جنب مع أدوار أخرى منوطة بأسلحة متنوعة غيره. ويذكر كتاب هيكل أن الفكرة الأساسية في القانون 480 هي فكرة تضرب مجموعة عصافير بحجر واحد، فقد كانت أهداف هذا القانون كما ورد في مذكرة إصداره سنة 1954.

وكما تكرر في المناقشات التي دارت حوله في الكونغرس هي: «تصريف فوائض الحاصلات الزراعية الأميركية، وهي حاصلات لم يكن مرغوبا فيها لخطرها على خفض أسعار الحاصلات الزراعية الأميركية، إلى درجة أن احد الاختيارات التي عرضت لحل مشكلتها نادى بإتلافها ولو عن طريق الحرق.

ثم طرحت فكرة تحويلها إلى مبيعات ميسرة لبعض الدول التي لا تستطيع زراعتها وتوفير طعامها، مقابل عملات محلية من هذه الدول يجري صرفها في داخلها على احتياجات الولايات المتحدة من عملات هذه الدول، ثم يخصص الباقي لمشروعات تنمية مشتركة بفوائد بسيطة وعلى آجال طويلة» وكانت الفكرة أن هذه الدورة تكفل تصريف فوائض الحاصلات الأميركية.

ثم أنها تقفل بعض الأسواق العالمية في وجه غيرها من البلدان المحظوظة بالزراعة الكثيفة، فضلا عن أنها بعد ذلك توفر للولايات المتحدة موارد من عملات محلية تحتاجها في أماكن كثيرة من العالم، إلى جانب أنها تفتح أمامها إمكانيات للتأثير السياسي عن طريق النفوذ الناشئ من صلات القمح ـ صلات رغيف الخبز!!

وقد شهدت العلاقات بين مصر وأميركا تضاربا في الأهداف، وسوء الفهم بين الطرفين، وتلاحقت مضاعفاتها خاصة في ظل اتفاقية القمح الثانية من عام 1962 إلى عام 1964 وهي الفترة التي استحكمت فيها أزمة الكونغو، واشتعلت فيها الحرب على جبال اليمن، وحققت مصر خلالها خطوات مثيرة لقلق واشنطن في مجالات إنتاج الصواريخ والطائرات والأبحاث النووية.

وكانت كلها محظورات على العرب من وجهة نظر السياسة الأميركية ويضيف محمد حسنين هيكل في كتابه: كان هناك في واشنطن تأثير عوامل الضغط الصهيوني سواء على الكونغرس أو على الإدارة كما كانت هناك ضغوط أخرى تسانده دون أن تدري، فقد راحت أطراف عربية متنازعة مع مصر تلوم واشنطن على أنها باتفاقيات القمح تساعد جمال عبدالناصر في نزاعاته معها.

وبينما صيف عام 1965 تزداد حرارته بدأت بوادر تغير في السياسة الأميركية لتحويل المساعدات الغذائية إلى وسيلة لممارسة الضغط على مصر وفرض شروط عليها. ولقد أحس عبدالناصر أن موضوع القمح سيكون له دور في الأيام والأسابيع التالية في ذلك الصيف. وكانت مصر قد اشترت صفقات قمح من استراليا والمكسيك لتعويض ما نقص من المخزون الضروري ولكن الأسعار راحت ترتفع بشدة، كما أن المعروض في الأسواق العالمية راح يقل مع دخول الاتحاد السوفيتي والصين والهند مشترين لكميات هائلة.

في ذلك الوقت كتب عبدالناصر ملاحظات أملاها عقب اجتماعه مع نوفيكوف وزير الكهرباء السوفيتي الزائر يقول فيها: «إنهم في رأيي ـ أي الأميركيين ـ سوف يعقدون معنا اتفاقا جديدا للقمح وسوف يجعلونه اتفاقا لمدة سنة واحدة وربما أقل، لكنهم أول من يعرف أن القمح هو وسيلتهم الوحيدة لتكون لهم في القاهرة كلمة، فإذا توقفوا تماما فقدوا كل ما لديهم من لغة الحوار معنا. أمامهم الحرب النفسية وقد مارسوها، وأمامهم القوة المسلحة لإرغامنا على قبول سياساتهم لكنهم لن يقدموا عليها بعد درس السويس، إذن لا يتبقى إلا خطر التجويع وهذا فخ علينا ألا نقع فيه وأن لا نعرض أنفسنا له بعد ذلك مهما كانت الظروف.

قوة الردع

نعود إلى المناقشات الإسرائيلية بشأن مصر لنجد أن أحد ممثلي وزارة الخارجية في الاجتماعات يرى أن إسرائيل إذا امتلكت السلاح النووي فسوف تأمن حدوث أي تدمير لها، أما إذا لم تحصل عليه فلن يكون الموقف السائد آنذاك مرضيا وسوف يتوجب عليها العمل على إحباط خطط ناصر.

ويشير توم سيغيف صاحب الكتاب إلى أن مسؤولي وزارة الخارجية كانوا أكثر تفاؤلا إلى حد ضئيل من العسكريين ورجال الموساد، ولكنهم كانوا يتفقون أساسا على أن عبدالناصر لم يتخل عن حلمه بتدمير إسرائيل، وأن أكثر الوسائل أمنا لصده امتلاك إسرائيل لقوة ردع. وكانت تلك أيضا وجهة نظر كلية الدفاع الوطني بعد شهور من بحث الموضوع والتي تتلخص في العبارة التالية: «إن النظام الحالي في مصر يرى محو إسرائيل واحدا من الأهداف الأساسية لسياسته»..

وبهذا انتهت جلسات النقاش حول مصر، ولكنها لم تقنع مئير آميت رئيس جهاز الموساد، ورأى أن نبرة التشاؤم التي عكستها وثيقة الفريق الختامية تحتاج إلى مزيد من البحث، وقال «إنها حملت درجة كبيرة من التشاؤم حتى أننا أنفسنا شعرنا بالفزع بعد قراءتها». ولهذا قام ذات مساء بدعوة عدد قليل من أعضاء الكنيست إلى منزله بالإضافة إلى اثنين مرموقين من أساتذة الجامعة العبرية، وثلاثة من معلقي الصحف اليومية الذين التقوا في منزله بمسؤولين من وزارة الخارجية ومخابرات الجيش وجهاز الموساد.

ورغم أن هوية رئيس الموساد تعتبر من الأسرار الإسرائيلية العليا، إلا أن أعضاء البرلمان والشخصيات الكبرى في وسائل الإعلام كانت تعرف اسمه، ولذلك فقد كان حدثا غير عادي أن يقوم آميت بفتح بيته لإجراء مثل تلك المشاورات. وقد أخبر ضيوفه بأن هدفهم يجب أن يكون مراجعة للذات وطلب من ياكوف ريفتن عضو الكنيست عن حزب المابام أن يبدأ الحديث، وكان حزبه آنذاك مشتركا في الحكومة الائتلافية ولكنه معروف بأنه ممن يسمون بالحمائم.

وقد اقترح أن تعلن إسرائيل تأييدها لعودة اللاجئين الفلسطينيين «بشروط معينة» وأشار أيضا إلى «ذكر شيء عن قيام فيدرالية مع الأردن» وأعرب عن اعتقاده بإمكانية إجراء اتصالات مع مصر عبر دول محايدة، وطرح عدة مقترحات أخرى، ولكنه لم يتوقع أن يسود السلام وقال أنه قد يقنع بتجنب الحرب.

وتحدث الصحفي دكتور شلومو كروس من صحيفة هآرتس فطرح فكرة سماح إسرائيل لمصر بالسيطرة على منطقة الشرق الأوسط بأكملها مقابل امتناعها عن المطالبة بحقوق اللاجئين والاعتراف بدولة إسرائيل بوضعها الحالي آنذاك، ومع ذلك لم يعتقد حقا أن ذلك يمكن أن يتحقق.

وقال إيزار هاراري، من الليبراليين المستقلين وعضو الكنيست: «ليس لدينا ما نقدمه، ولكن الجدير بالاهتمام إنتاج الأسلحة النووية حتى نصبح ذات يوم قادرين على التخلي عنها، ولكنه كان قليل الثقة في إمكان تنفيذ اقتراحه فأضاف قائلا: «لا أعتقد أن من الممكن التوصل إلى اتفاق مع ناصر على أي شيء». وأثار شموئيل شنيتزر من صحيفة معاريف.

مسألة المطالب المتعلقة بالأراضي فذكر أن إسرائيل ربما «تتنازل عن بعض أجزاء من فلسطين مقابل السلام ولكن ذلك لن يكون عمليا» وردد القول: «لن نستطيع الحصول على أي شيء من ناصر لأن موقف الرئيس المصري نابع من انتماء وطني غير قابل للبيع» وانتهت المناقشات إلى أنه «لا وجود لأية فرصة لإجراء محادثات مع ناصر».

ويذكر سيغيف في كتابه أن معظم الإسرائيليين وافقوا على النتيجة الأساسية التي توصل إليها ضيوف رئيس الموساد والتي استندت في جانب منها على تصريحات نسبت إلى عبدالناصر نفسه في مقابلة أجرتها معه مجلة لايف الأميركية ونشرت بالكامل باللغة العبرية.

وقال عبدالناصر للمجلة: «السبيل الوحيد لإنهاء الصراع مع إسرائيل هو عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم» وأضاف قائلا: «يريد الإسرائيليون جلب المهاجرين من دول أخرى مثل روسيا، فلماذا لا يعيدون الفلسطينيين؟» وأكد أن جميع اللاجئين يريدون العودة، وأعرب عن إدراكه أن ذلك قد لا يكون ممكنا ولكنه قال إن التعويضات المالية لا يمكن اعتبارها بديلا عن حق العودة.

وقال الصحفي الأميركي الذي يجري المقابلة: في هذه الحالة فإن الحرب سوف تكون حتمية، فأجاب الزعيم المصري قائلا: «هذا صحيح، ونحن لسنا متعجلين. إن المصريين يعيشون على ضفاف النيل منذ آلاف السنين، وكانوا منتصرين دائما والوقت في صالحهم».

النزاع مع سوريا

في الوقت نفسه كان الجيش الإسرائيلي يجري بحوثا مكثفة عن العلاقات مع سوريا. وأشارت المناقشات حول هذا الموضوع إلى أن النزاع مع سوريا يتطور في ثلاثة مسارات هي: الصراع على المياه والمحاولات السورية لتحويل مجرى نهر الأردن، والمناوشات بسبب الأراضي الزراعية في المنطقة منزوعة السلاح عبر الحدود، وعمليات منظمة فتح.

وقد أقر إسحق رابين بأن إسرائيل اصطنعت حادثة واحدة على الأقل ساعدتها على قصف التراكتورات السورية التي كانت تعمل في موقع تحويل نهر الأردن، فضلا عن أنه اعترف بأن الصهاينة أجبروا سكان قريتين في المنطقة المنزوعة السلاح على الهروب إلى سوريا. وعن كيفية فعل ذلك قال: بالطبع وجهنا إليهم تهديدات ثم أجبرناهم على توقيع وثائق تفيد بأنهم خرجوا بمحض إرادتهم»!!

ولم يكن السوريون هم الذين قاموا بالمناوشات جميعها في المنطقة المنزوعة السلاح، فقد اعترف موشي دايان في وقت لاحق بأن 80% من تلك المناوشات كان سببها المحاولات الإسرائيلية للزراعة هناك دون داع. وشرح دايان كيفية إثارة التوتر في تلك المناطق، فذكر أنهم كانوا يرسلون تراكتور إلى بقعة معينة لحراثة أرض لا قيمة لها وهم يعلمون أن السوريين سوف يبدأون في إطلاق النار.

فإذا لم يطلقوا نيرانهم يأمر الإسرائيليون سائق التراكتور بالدخول إلى العمق إلى أن يفقد السوريون أعصابهم ويبدأوا القصف وعندئذ يرد الإسرائيليون بالمثل ثم يقومون بإرسال طائرات سلاح الجو فيما بعد. وذكر موشي دايان أن التوتر الذي يثيره الإسرائيليون على الحدود السورية لا يعكس أي منظور استراتيجي ولكنه كان تعبيرا عن أن إسرائيل ليست جادة في التقيد بوقف إطلاق النار.

وقال مبررا ذلك: «كنا نعتقد في ذلك الوقت أننا نستطيع تحريك خط وقف إطلاق النار باستخدام القوة العسكرية بدرجة لا ترقى إلى الحرب، وكان معنى ذلك أن نقوم بالاستيلاء على بعض الأراضي والتمسك بها حتى يصاب العدو باليأس فيتركها في أيدينا. وقد استمر ذلك النهج فترة من الوقت. وكنا نرى أن خطوط وقف إطلاق النار مسألة مؤقتة». وزعم دايان أن السوريين أيضا لم يأخذوا وقف إطلاق النيران على محمل الجد.

أما بالنسبة للعلاقة بين منظمة فتح وسوريا فإن مؤلف الكتاب يزعم أنها كانت عارضة. وفي أغسطس عام 1966 كتب ياكوف هيرتصوغ المدير العام لمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي يقول في مذكراته إن السوريين كانوا يحاولون السيطرة على فتح والحد من استقلالها وضمها إلى الجيش كوحدات كوماندوز. وزعم كذلك أنه كان واضحا أن العمليات التي جرت آنذاك تحمل طابع الوحدات السورية لا منظمة فتح، ولكن هيرتصوغ عبر عن اعتقاده بإمكانية أن تكون وحدات الكوماندوز قد قامت بعملياتها دون علم السلطات السورية.

وكانت المعلومات ضئيلة ومع ذلك أصر هيرتصوغ على أن سوريا تقوم بتدريب عناصر المنظمة ولذا تعتبرها إسرائيل مسؤولة عن أنشطة منظمة فتح مثلما كانت تتهم مصر في خمسينات القرن العشرين بالمسؤولية عن أنشطة الفدائيين الفلسطينيين وكان إسرائيل ليئور السكرتير العسكري لرئيس الوزراء، يرى أن مناقشات وتصريحات رئاسة الأركان العامة واجتماعات الجيش الإسرائيلي تؤكد أن الجنرالات يعتبرون سوريا عدو إسرائيل الأول، ويرون ضرورة شن هجوم قوي عليها في عملية عسكرية واسعة النطاق.

وقد استُغلت الصحافة أيضا لدعم وجهة النظر هذه، وخلال الثمانية عشر شهرا السابقة على حرب يونيو أخذت الصحف تنشر تهديدا لسوريا، وكان من الصعب معرفة ما إذا كان المحللون والمراسلون يعبرون عن أنفسهم أم يعبرون عن أفكار الشخصيات السياسية والعسكرية التي يستقون منها الأخبار.

ووفي نهاية ديسمبر 1966 أثار شلومو آرغوف الدبلوماسي الإسرائيلي في سفارة إسرائيل في لندن، سؤالا كان يؤرقه زمنا طويلا وهو: هل يمكن أن تكون إسرائيل من حيث لا تدري مخلبا لشركات النفط الأجنبية؟ كان السوفييت يعتقدون ذلك، وتساءل آرغوف عما إذا كانت تلك الشكوك تحمل «بذرة الحقيقة».

وكان الدبلوماسي الإسرائيلي مفكرا حرا وعبر عن أنه صدم من طريقة مايكل هادو سفير بريطانيا في إسرائيل في تشجيع تل أبيب علنا على ضرب سوريا. وكتب أرغوف يقول: «على حد علمي فإن هادو تحرك بين دوائرنا الإسرائيلية معربا عن تشجيعه لهذا الاتجاه. وها نحن اليوم نشهد مواجهة بين شركة نفط العراق وسوريا، فهل يفهم إذن أن حملة السفير البريطاني ترتبط بالمصالح النفطية البريطانية حيث قد تؤدي ضربة مدمرة ضد سوريا إلى إسقاط النظام الراديكالي والقضاء على الأزمة الحالية؟.. قد يبدو ذلك أمرا غير معقول ولكن ليس إلى درجة كبيرة»!!

عرض ومناقشة: صلاح عويس