أربعون عاماً انقضت على حرب يونيو 1967 أو ما عرف في الأدبيات العربية بعام النكسة ولا تزال تتكشف أسرار جديدة كانت طي الكتمان في أراشيف الدول التي ساهمت بصورة أو بأخرى في صنع أحداث ذلك العام.

ويأتي هذا الكتاب الجديد لمؤلفه الإسرائيلي توم سيغيف ليلقي الضوء على جوانب كانت مخفية من تلك الحرب ويطلعنا على ما جرى في الكواليس على الساحة الإسرائيلية خلال فترة الاستعداد للحرب وما تبعها. وقد استقى معلوماته من وثائق سرية وأجزاء لم تنشر من مذكرات أبرز الزعماء الإسرائيليين والتي تنقل لنا بعض الحقائق التي غيبت عن عمد لعقود طويلة. قد يحدث للبعض منا أن يعمد عقله إلى إسدال الستار على أحداث بغيضة إلى النفس، ومن ثم تلقي عليها الذاكرة ظلالاً سوداء تخفي بها جراحاً مريرة لا ينبغي أن ينكأها التذكر.

وهذا ما حدث لي إزاء بعض تفاصيل تلك السنة الدامية 1967 والمأساة التي وقعت في صيفها وأعني بها معركة يونيو من ذلك العام وما سبقها وما تبعها من أحداث، وقد ظل ذلك الستار الإرادي مسدلاً على الذاكرة حتى وقعت عيناي على كتاب جديد يضاف إلى قائمة الكتب الكثيرة التي تناولت تلك الأحداث، وهو كتاب يحمل ذلك الرقم الحزين «1967» للكاتب الإسرائيلي توم سيغيف.

وأخذ كل فصل فيه يستفز ذاكرتي لتزيح الستار عن أحداث عايشتها ساعة بساعة ويوماً بيوم.. وما كدت أفرغ منه حتى أسرعت إلى الاستعانة على تنشيط ذاكرتي بكتاب ضخم في سلسلة «حرب الثلاثين سنة» للكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، والذي يحمل أيضاً نفس الرقم المثير للمرارة والحسرة، وشاء مؤلفه أن يعتبره «عام الانفجار».

ونعود إلى الكتاب الجديد لنتعرف على صاحبه، وهو كاتب معروف في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، وهو مؤرخ يصفه الكاتب إيثان برونر في صحيفة «نيويورك تايمز» بأنه واحد ممن عرفوا بالمؤرخين الجدد الذين يتصدون لأساطير تأسيس دولة إسرائيل، للتوسع في كشف الحقائق التي تنطوي عليها الأرشيفات الإسرائيلية المعروف منها والمخفي.

وقد صدر الكتاب باللغة الإنجليزية عن دار النشر: «متروبوليتان» وقامت جيسيكا كوهين بترجمته عن العبرية. ويعمد المؤلف إلى إفراد أجزاء كثيرة من بداية الكتاب لتوهمات عاطفية مطولة لا يهمنا أمرها في شيء. ثم يذكر المؤلف أن الحركة الصهيونية ولدت في أوروبا وهي القارة التي تعتبر مهد الأفكار التي أدت إلى ظهور النزعة القومية والليبرالية والاشتراكية والماركسية.

وعندما قرر الزعماء الصهاينة دفع اليهود إلى الإقامة في فلسطين (يسميها المؤلف أرض إسرائيل)، كانوا يفكرون أساسا في يهود أوروبا، ويتصورون أن تكون الدولة اليهودية جزءا من أوروبا من الناحية الثقافية، وعندما قاموا بجولاتهم في العواصم الأوروبية للحصول على دعمها وعدوا بأن تكون تلك الدولة حصنا للثقافة الأوروبية في الشرق الأوسط تحت رعاية الإمبراطورية البريطانية.

ولكن بعد الحرب العالمية الثانية بدأت الحركة الصهيونية تتجه إلى اليهود في الدول العربية بسبب عدم كفاية المهاجرين، بالرغم من أن الحركة لم تكن تعتبرهم شركاء في حلم إقامة الدولة، ومن هنا نشأت مفارقة أنثروبولوجية داخل الحركة الصهيونية واشتعلت التوترات بين «الأشكناز» ومن يسمون «المزراحيم أو السفارديم» أو من كانوا يسمون: «أعضاء المجتمعات الشرقية».

وازداد التوتر في حركة الاستيطان اليهودي في فلسطين منذ البداية ثم ساءت الأحوال عند قيام الدولة عندما اختل توازن أعداد الطرفين. وكان هدف إسرائيل آنذاك «اندماج يهود الشتات» بوحي من روح المحاولة الأميركية لإنجاز ما سمي «بوتقة الانصهار» في المجتمع. وكانت أمام الدولة وسيلتان لتحقيق ذلك الهدف وهما المدرسة والمؤسسة العسكرية. ومع ذلك ظل العداء مستعراً بين اليهود الغربيين (الأشكناز) والمزراحيم أو السفارديم (الشرقيين).

وأكدت الدراسات الاجتماعية وجود توترات عرقية خطيرة ومشاعر عدائية متبادلة. وكشفت الدراسات أيضا عن وجود عداء «داخلي» بين الأشكناز والمزراحيم الذين تعود أصولهم إلى دول مختلفة وأرسل اليهود المهاجرون من الدول العربية رسائل غاضبة إلى ليفي إشكول رئيس الوزراء آنذاك، واتهم أحدهم الحكومة بأنها تتشكل من «تمثيل خالص للعنصر الأوروبي»..

ويشير المؤلف إلى أن إسرائيل لم يكن فيها آنذاك رئيس دولة أو رئيس قضاة، أو رئيس للكنيست أو رئيس وزراء من أصول شرقية. ولم يكن فيها سوى قاض واحد في المحكمة العليا يعود إلى أصول شرقية.

طرد العرب

وفي دورة الكنيست السادسة كان هناك خمسة وعشرون عضوا فقط من السفارديم من بين مائة وعشرين عضوا، ووزيران فحسب في الحكومة، ولم يكن هناك جنرال واحد في الجيش الإسرائيلي، ولا أي عمدة في المدن الكبيرة. كذلك لم يكن تمثيل الشرقيين في مراكز النفوذ السياسي الأخرى مثل الهستدروت والدوائر الحكومية الكبرى، يتناسب مع نسبتهم إلى مجموع السكان.

وفي بداية الأمر اعتنقت الحركة الصهيونية الأفكار الليبرالية الديمقراطية، واعتنق الزعماء اليهود في فلسطين المبادئ الاشتراكية والديمقراطية الاشتراكية، ولكنهم تخلوا عن المبادئ الإنسانية الاشتراكية ونبذت الصهيونية تلك المبادئ وتبنى كثير من مؤسسي الدولة الإسرائيلية مبدأ طرد الفلسطينيين العرب وتهجيرهم إلى دول أخرى.

وقال ديفيد بن غوريون في عام 1950: «يجب ألا يعيش العرب هنا مثلما يجب على اليهود الأميركيين ألا يعيشوا في أميركا». ويذكر المؤلف أن ثمانية من كل عشرة من العرب المقيمين في فلسطين قبل قيام إسرائيل أصبحوا مهاجرين، وأصبح نحو 20% من الفلسطينيين العرب يقيمون داخل حدود الدولة الجديدة، وكان يبلغ عددهم نحو 160 ألف شخص ويعانون من عيشتهم في دولة في حالة حرب مع أبناء شعبهم، ومن دولة كل ما فيها غريب عليهم: اللغة.. العقيدة.. الثقافة..

وبحلول عام 1967 تضاعف عددهم مما جعل نسبتهم 12% تقريبا من مجموع سكان إسرائيل، وأصبحوا يمثلون الأغلبية في الجليل والمثلث الشمالي، ومعظمهم من المسلمين مع أقلية من المسيحيين والدروز وآخرين، وفي عام 1967 كان ستة من بين كل سبعة من عرب إسرائيل، قد ولدوا بعد قيام إسرائيل.

ويقول المؤلف إن على عرب إسرائيل أن يشاركوا في الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات ويرشحوا أنفسهم لعضوية الكنيست ولكنهم لا يتمتعون بحقوق أو واجبات مساوية للإسرائيليين، وقد خدم عدد ضئيل منهم في الجيش، وتعتبرهم الدولة خطرا أمنيا وتخضعهم للأحكام العرفية منذ قيامها. ويؤكد توم سيغيف مؤلف الكتاب أن الأحكام العرفية لم تفرض على الفلسطينيين العرب لأسباب أمنية فحسب بل لتسهيل مصادرة أراضيهم والسيطرة على أنشطتهم السياسية.

ومن بين التفاصيل الكثيرة التي تتصل بمعاناة الفلسطينيين في ظل الدولة اليهودية، تبرز واقعة تتصل بحقيقة علاقات الصهاينة بالحكم النازي الألماني، وبينما يستعرض المؤلف جانبا من حياة ليفي إشكول يقول إنه في عام 1933 كانت هناك اتفاقية أبرمت بين الحركة الصهيونية والنازيين مكنت ليفي إشكول من تحويل ممتلكات بعض اليهود الألمان إلى فلسطين.

ولم يذكر المؤلف تفاصيل تلك الاتفاقية. وبعد ذلك يتناول الكتاب قصة الصراع المرير بين بن غوريون وإشكول، والحملة الضارية التي كان بن غوريون يشنها ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي في ستينات القرن الماضي. وفي سياق حديثه يكشف المؤلف عن حقيقة اغتيال الزعيم المغربي المهدي بن بركة أثناء وجوده في منفاه بسبب معارضته لنظام الحكم في المغرب.

ويبدو أن المؤلف استند في روايته إلى جانب لم يعلن من مذكرات بن غوريون والى ما كتبه مئير آميت مدير جهاز الموساد عام 1965 حول ما أسماه «نظرة شخصية على الأحداث الكبرى والشؤون السرية في كتابه الصادر بالعبرية عام 1999، كذلك يشير توم سيغيف إلى وجود تفاصيل سرية مازالت طي الكتمان في ملف سري في أرشيفات الدولة.

وبالفعل اختفى بن بركة في أكتوبر عام 1965 ولم يظهر له أثر بعد ذلك.. ووفقا لما ذكره آميت نفسه فإن عددا من المرتزقة الفرنسيين نفذوا عملية الاغتيال بأكملها. وقد قال آميت بعد ذلك: «لقد خرجنا من الموضوع وأيادينا نظيفة تماما»!!. وفي ديسمبر 1966 كانت صحيفة التابلويد الإسرائيلية المسماة «بول» على وشك نشر قصة مؤداها أن إيغال ألون قد يحل محل إشكول في رئاسة الحكومة الإسرائيلية بسبب تورط عملاء الموساد في اغتيال بن بركة.

وقامت قوات الأمن والشرطة بمصادرة الصحيفة قبل توزيعها وجرت محاكمة سرية لرئيسي التحرير شموئيل مور ومكسيم غيلان وحكم عليهما بالسجن لمدة عام. وظلت المحاكمة محاطة بالكتمان، واستمرت الصحيفة في عملها واحتل مور وغيلان منصبيهما من جديد للعمل على منع نشر الموضوع، ولكن في عام 1967 ظهرت القصة بأكملها في صحيفة نيويورك تايمز فأثارت عاصفة مدوية. غير أن تفاصيل عملية بن بركة لم تنشر ولكن مصادرة عدد صحيفة «بول» كانت المحور الأساسي في الصراع المستمر من أجل حرية الصحافة في إسرائيل.

شعور بالضياع

لا يكتفي توم سيغيف بتناول بعض جوانب قصة حرب يونيو، ولكنه يرسم صورة واضحة لأحوال إسرائيل في ذلك الوقت: المزاج العام السائد، والجدل الدائر آنذاك، والفجوات بين الأجيال، ومشاعر القلق.. الخ، ولذلك نجد الكتاب يعود في جوانب كثيرة إلى ما قبل عام 1967، فيشير مثلا إلى أن معظم الإسرائيليين في عام 1966 كانوا يشعرون بالضياع وبأن تجربة الثمانية عشر عاما التي قضوها في بناء الدولة والرؤى والأحلام قد تبخرت، وبأن عددا من أفضل مواطنيهم قد هاجروا من إسرائيل.

ويقول سيغيف: في بداية عام 1967 كان الإسرائيليون مازالوا عاجزين عن الاتفاق بين أنفسهم على إجابة سؤال جوهري وحاسم هو: من هو اليهودي ومن غير اليهودي؟ وازدادت حيرة الناس بعد رفض أحبار اليهود زواج من تقدموا لإبرام زواجهم. وكان هؤلاء الأحبار المتطرفون يحتكرون سلطة تزويج الناس حتى أن كثيرين شعروا أن القانون اليهودي يحتوي على عناصر عنصرية تقترب به من القانون النازي، ويدلل المؤلف على ذلك بحكاية الدكتور إسرائيل شاحاك أستاذ الكيمياء في الجامعة العبرية وأحد الناجين من الهولوكوست.

وكان قد وجد أحد تلامذته الأفارقة ملقى على أرض أحد شوارع القدس وقد أغمي عليه. واتجه الأستاذ إلى مسكن يهودي قريب لاستخدام الهاتف واستدعاء سيارة إسعاف ولكن أصحاب المسكن رفضوا بإصرار وادعوا أنهم لا ينبغي لهم انتهاك قدسية يوم السبت حتى ولو لإنقاذ حياة شخص غير يهودي. وذهب البروفيسور شاحاك إلى الحاخام الأكبر الذي أكد تفسير أصحاب المسكن لقوانين يوم السبت. ولقي موقف شاحاك تأييدا كبيرا من الإسرائيليين والصحافة الإسرائيلية.

ويسرد المؤلف وقائع أخرى مثل محاكمة وسجن الروائي دان أومير، والجدل الذي دار حول تغيير اسم شارع يحمل اسم الحاخام كوك. ويلخص مؤلف الكتاب الموقف بقوله إن الخلاف حول الحالة الدينية كان يعكس أزمات الهوية: «اليهودية في مواجهة الإسرائيلية» وكذلك كانت العلاقة مع ما يسمون «يهود الشتات» تمثل أزمة بين سكان إسرائيل من ذلك ما يذكره المؤلف حول زوجة مؤسس البالماخ التي تعتبر نفسها من «الجيل الأول في إسرائيل الذي تحرر من عادات وعقلية الشتات».

ويقتبس مؤلف الكتاب جانبا من حديثها إذ تقول: «لقد بذل المدرسون كل ما في وسعهم ليشجعونا على نسيان الشتات وبصراحة لقد كنا نكره الدياسبورا».. ويعلق توم سيغيف على ذلك بقوله إن تلك الكراهية ليهود الشتات عززت لدى الإسرائيليين صورتهم الذاتية باعتبارهم عبرانيين، وكان من المفترض أن حياتهم الجديدة في إسرائيل تجسد «التمرد ضد اليهود» على حد قول الزعيم العمالي بيرل كاترنسلون مؤسس صحيفة «دافار» اليومية الذي يصور الحياة في إسرائيل بقوله: «إنها إعلان حرب على استعداد اليهود للمعاناة والتبعية».

وقد أغضب كلامه المتعصبين من المتدينين اليهود وخاصة رجال الدين المتطرفين الذين يعارضون قيام دولة يهودية حديثة ويخشون من وجود دولة علمانية، ويرجع المؤلف ذلك إلى خوفهم على مصالحهم، وبدلا من محاولة فرض القانون اليهودي على باقي المجتمع الإسرائيلي، ركزوا جهودهم على الدفاع عما أسموه مصالح الجماعة.

وبدأت أولى معاركهم بمسألة تشريح الجثة وكتب الحاخام كالمان كاهانا يدافع عن رفضهم. ولم يكن الصراع بين رجال الدين والعلمانيين الإسرائيليين جديدا إذ أنه يعود إلى سنوات كثيرة، وقبل عام 1967 بدأ الكنيست مناقشة اقتراح بتعديل تشريعي من أجل تخفيض عدد عمليات التشريح.

وفي شهر مارس 1967 نشب جدال عنيف في الكنيست عندما أعلن شلومو لورينز أحد أعضاء الجماعة المتطرفة احتجاجه على ما قام به إيغال ألون كبير علماء الآثار ورئيس الأركان السابق، إذ كان قد اكتشف خمسة وعشرين هيكلا عظميا أثناء حفريات قام بها على جبل مسادا المطل على البحر الميت.

وأعرب ألون عن اعتقاده أن الهياكل تعود إلى بعض اليهود الذين انتحروا على الجبل عندما حاصرهم الرومان، وتم نقلها لإجراء بحوث علمية عليها في إسرائيل وخارجها فأثار النائب الإسرائيلي زوبعة ضد فحص الهياكل العظمية، فانبرى بعض الأطباء ينشرون مقالات تشرح فوائد التشريح. وزاد الطين بلة قيام أطباء مستشفى هداسا بتشريح جثة زوجة الحاخام هيرش كوهن التي توفيت في ظروف غامضة.

وانتقلت المعركة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا حيث دبر غلاة الصهاينة عدة تظاهرات صاخبة. ومن ثم ينتقل توم سيغيف في كتابه إلى العلاقة بين اليهود الأميركيين والإسرائيليين، ويرى أنها علاقة معقدة وقلقة وتعكس توقعات مبالغا فيها، ومفاهيم نمطية، ونفاقا وإحساسا قليلا بالذنب. ويعتقد الإسرائيليون الصهاينة أن على اليهود مغادرة الولايات المتحدة والإقامة في إسرائيل.

وبغض النظر عن الأسباب الأيديولوجية فإن إسرائيل تحتاج أيضا إلى مهاجرين من الدول المتقدمة أي إلى الأشكناز من الولايات المتحدة لإقامة توازن مع موجات الهجرة من معسكرات التجمع في أوروبا ومن الدول العربية بالإضافة إلى زيادة معدل المواليد العرب. ويشكل الإسرائيليون 17% فقط من مجموع اليهود في العالم.

ويفترض كثير من الإسرائيليين أن يهود الولايات المتحدة يشعرون بالذنب لأنهم لا يعيشون في إسرائيل، وبناء على هذا الافتراض توقع الإسرائيليون من إخوانهم الأميركيين أن يغرقوهم بالإطراء ومديح بطولاتهم، غير أن «هؤلاء الأبطال» يتوقعون أيضا تلقي المعونات منهم ويعتبرونها التزاما أو ضريبة عليهم في واقع الأمر.

غير أن مبعوثا خاصا لرئيس الوزراء الإسرائيلي سافر إلى الولايات المتحدة في عام 1967 لدراسة توجهات اليهود هناك، وعند عودته كتب تقريرا مؤداه أن أكثرهم ينظر بتعال إلى إسرائيل لعدم قدرتها على البقاء بدون أموالهم. وأوصى بأن تطالب إسرائيل يهود أميركا بالمساعدة في زيادة الهجرة إليها. وقال المبعوث إن اليهود الأميركيين بدأوا في التأمرك وفقدان تفردهم اليهودي، كما أن التوتر بينهم وبين الأميركيين السود قادهم إلى بذل مزيد من الاهتمام بموقفهم بدلا من الاهتمام بأمر إسرائيل.

ويضيف توم سيغيف قوله إن اليهود لم يسيطروا على العالم ولا على أميركا ولكن أسطورة قوتهم في التلويح بالعداء للسامية ساعد الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل، ولذلك كانت تغذيتها أهم جهود الصهاينة. وقد عمل ثيودور هيرتزل على نشر تلك الأسطورة من أجل دعم الفكرة الصهيونية.

وقام حاييم وايزمان بنفس الجهد للحصول على وعد بلفور، وعرف ناحوم غولدمان كيف يخلق الانطباع بأن نفوذه لا حدود له أثناء المفاوضات مع الحكومة الألمانية بشأن دفع التعويضات لضحايا النازية. وقد سبب غولدمان قلقا كبيرا لابراهام هارمان سفير إسرائيل لدى أميركا لأنه كان دبلوماسيا بلا وطن ويحمل نصف دزينة من جوازات السفر.

ولكن هارمان يقول مع ذلك إنه تعلم من غولدمان سر «الأسطورة اليهودية» وكيف يوظف تأثيرها. ويقول أيضا «شيء جيد أن يكون لديك هذا النوع من الصنبور!!» وقال عن اليهود الأميركيين: «مؤكد أننا ربحنا كل الأشياء بفضل ذلك الصنبور.. ولكن يجب أن نعرف دائما متى نفتحه ومتى نغلقه!!».

مشروع ديمونة

في القسم الثاني من الكتاب يعود مؤلفه إلى شهر يوليو عام 1966 حيث حمل عدد من صحيفة هآرتس إعلانا كبيرا احتجاجا على جلب الأسلحة النووية إلى منطقة الشرق الأوسط. وكان كثير من عشرات الموقعين هم نفس أساتذة الجامعات الذين كانوا قد عارضوا بضع جوانب من تصرفات بن غوريون أثناء رئاسته للحكومة بما فيها فرض الأحكام العرفية.

وقد زعمت إسرائيل أنها لا تمتلك أسلحة نووية، وأنها لن تكون أول من يدخلها إلى المنطقة، ويشير المؤلف إلى أن النشاط النووي في ديمونة كان قد بدأ في بدايات خمسينيات القرن العشرين ولكنه ظل طي الكتمان، واتخذت إسرائيل عدة خطوات للحفاظ على سريته ولكن دائرة العارفين ببواطن الأمور كانت أوسع مما كان يعتقد آنذاك.

وفي أوائل عام 1966 قدم ليفي إشكول رئيس الوزراء الإسرائيلي تفاصيل المشروع إلى لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست. وحضر اجتماع اللجنة عدد قليل من كبار القادة العسكريين إلى جانب ستة عشر نائبا. وأزالت بيانات موشي دايان في ذلك الاجتماع أي شك في حقيقة ما يجري في ذلك المشروع.

وعلم عدد قليل من الصحفيين بمشروع ديمونة ولكنهم منعوا من نشر أي شيء عنه، ولكن أصبح واضحا تماما أن إسرائيل تسلح نفسها بأسلحة نووية. وكاد البروفيسور إرنست ديفيد برغمان رئيس هيئة الطاقة النووية الإسرائيلية ـ وهي هيئة رسمية ـ يقول ذلك بصراحة بقوله: «في عملية إنتاج طاقة نووية للأغراض السلمية من الممكن الحصول على قدرة نووية بأية طريقة».

وجاء قوله هذا في مقابلة أجرتها معه صحيفة معاريف التي أطلقت عليه اسم «مستر أتوم». وذكر يوفال نيئمان أحد العلماء العاملين في المشروع أن «إسرائيل كانت تمتلك بنية تحتية نووية كبيرة عشية حرب الأيام الستة» وأشارت تقديرات واشنطن أن لدى إسرائيل قنبلتين نوويتين.

ويبرر صاحب الكتاب امتلاك إسرائيل للسلاح النووي بأنه كان رد فعل للهولوكوست، وبأن القتل الجماعي لليهود الأوروبيين أثار وجهة نظر تقول بأن إسرائيل تحتاج إلى قنبلة نووية لمنع حدوث أوشفيتز جديد (إشارة إلى معسكر الاعتقال النازي) وكانت الفرضية الاستراتيجية هي أن إسرائيل القوية هي وحدها القادرة على ردع الدول العربية عن محاولة تدميرها، وأن أسلحتها النووية قد تدفع أعداءها إلى الاعتراف بها وإحلال السلام.

وقد اقتبست صحيفة يديعوت أحرنوت سطورا من تقرير لمعهد أبحاث بريطاني يقول: «إن الخوف من انتقام نووي يمنع أي هجوم عربي على إسرائيل». ولكن الكتاب يشير إلى أن الرأي العام الإسرائيلي كان منقسما على نفسه إزاء الموضوع. وأثار مشروع ديمونة بين العسكريين والسياسيين جدلا استراتيجيا واقتصاديا وسياسيا، ومن الطبيعي إقحام صراعات القوى، والهيبة وغرور الذات في تلك الخلافات أيضا، وأصبحت بعض المعلومات علنية.

وأعلن المعلق العسكري إسرائيل بير، الذي ألف كتابا عن الموضوع، رفضه النزوع إلى تأسيس أمن الدولة على القدرات الرادعة، وقال: «في التحليل النهائي لا يوجد حل عسكري بالنسبة لمشكلة أمن إسرائيل، بل هناك حل سياسي واحد فحسب» وقال المحلل إليعازر ليفني: «من الأفضل تحقيق نزع السلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط» وأعرب إيغال ألون عن خشيته من استنزاف إنتاج الأسلحة النووية لأموال ميزانية الجيش الإسرائيلي.

ومن ثم تقليص قدرة الجيش على تعزيز قواته التقليدية، وكذلك فإن ذلك قد يدفع الدول العربية إلى شن هجوم مثلما سبق أن هددوا به أكثر من مرة. وأشار عضو في لجنة الشؤون الخارجية والدفاع بالكنيست إلى أن حروبا تقليدية لا حصر لها نشبت منذ إلقاء أول قنبلة نووية على هيروشيما وخاصة حروب العصابات، وهذا هو الخطر الأساسي الذي تصبح الأسلحة النووية عديمة الفائدة أمامه.

الإصابة بالشلل

لما كان قادة الجيش الإسرائيلي يؤمنون إيمانا شاملا بالهجمات الوقائية، فإنهم رأوا أن القدرة النووية ستحد من القدرات العملياتية العسكرية إلى حد إصابتها بالشلل تقريبا. ولو كانت رئاسة الأركان قد قرأت كتاب إسرائيل بير عن أمن إسرائيل، لعلمت أن الأسلحة النووية قد تكون على حساب المعدات التقليدية.

وإذا كانت الرئاسة قد تشجعت بحجة أن الأسلحة النووية قد تمنع نشوب الحرب، لكانت قد توصلت إلى أن زمن رئاسة أركان الجيش قد ولى. وربما خشي الضباط من أن امتلاك تلك الأسلحة سوف يقيدهم ويجعلهم زائدين عن الحاجة، وربما كان ذلك الإحساس بالقلق هو الذي جعل منهم معارضين مشاكسين.

ويذكر توم سيغيف صاحب الكتاب أن مذكرات الجنرال حاييم هيرتصوغ، والسجلات الاميركية، والوثائق القليلة، التي أفرجت عنها إدارة أرشيفات دولة إسرائيل، تشير جميعها إلى المركزية الشديدة التي أحاطت بالموضوع فيما يختص بالعلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. وفي مايو 1967 كتب وكيل وزارة الخارجية رسالة إلى الرئيس جونسون يقول فيها: «ليس لدينا دليل على أن إسرائيل تصنع بالفعل قنبلة نووية» ولكن هناك افتراض بأنها تستطيع أن تفعل ذلك «بعد فترة معقولة من إشعارها بوجود حاجة إلى ذلك».

وأضاف وكيل الوزارة قوله: «هناك احتمال كبير أن تكون إسرائيل قد عمدت إلى إخفاء الحقيقة عن الولايات المتحدة». وكانت الشكوك الأميركية مبنية على أساس أمور كثيرة من بينها رفض إسرائيل إخبار الولايات المتحدة بما فعلته بنحو ثمانين إلى مائة طن من اليورانيوم المكثف كانت قد اشترتها من الأرجنتين منذ أربع سنوات، وتهرب إسرائيل المتكرر من تلبية طلب الولايات المتحدة القيام بزيارات منتظمة لمفاعل ديمونة.

وكان الإسرائيليون يتداولون مرة بعد أخرى، حول كيفية ردهم عندما تطلب الولايات المتحدة تفاصيل مشروع ديمونة. واقترح هارمان السفير الإسرائيلي في واشنطن ألا يقوم أبا إيبان وزير الخارجية آنذاك بحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة حتى يتفادى لقاء دين راسك وزير الخارجية الأميركي. وتقرر في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه إذا جاء وولورث بربور السفير الأميركي في إسرائيل وسأل إشكول عن اليورانيوم الأرجنتيني، فإن عليه التهرب من الإجابة بالمزاح مع السفير.

عرض ومناقشة: صلاح عويس