تنطلق المؤلفة، عند هذا المنعطف الأخير في كتابها، لأداء مهمة صعبة هي استشراف ملامح مستقبل النفط العالمي، وهي ترى أن أي صورة ترسم لهذا المستقبل لابد لها من أن تمر باحتياجات الصين المتزايدة على نحو هائل من الطاقة وبضرورة أن تعيد واشنطن النظر في علاقاتها الخاصة بكبار منتجي النفط .
وهي العلاقات التي ترى أنها انتهت تقريباً إلى طريق مسدود، فضلاً عن ضرورة تلمس تضاريس الواقع في مناطق شديدة الأهمية بالنسبة للخارطة النفطية وفي مقدمتها غرب إفريقيا والشرق الأوسط، وهي تخلص إلى أن أميركا ستظل في حالة الاعتماد المتزايد على إمدادات النفط الواردة من الخارج وبالتالي فلابد لها من تحسين إدارة علاقاتها مع الأطراف المنتجة للنفط.
تروي المؤلفة، والعهدة على روايتها بطبيعة الحال ـ كيف التقت باثنين من كبار الاقتصاديين العاملين مع الحكومة في طهران وكيف لمحتهما وهما يجلسان تحت خارطة عملاقة تصور أحواض مستودعات ركاز البترول الطبيعية في العالم،
وهي تقول في هذا الصدد: كانت الخارطة تحتل مساحة الجدار بأكملها، وفي قلبها تقع منطقة الشرق الأوسط، التي كانت تحتلها بقعة مستديرة حالكة السواد، وكأنها المستودع الطبيعي الهائل الذي تتضاءل إلى جانبه سائر ركازات الموارد الأخرى من الطاقة الطبيعية، فالمنطقة تحتوي على خمسة وسبعين بالمئة من احتياطيات العالم من النفط، وتضم خمسة وأربعين بالمئة من احتياطيات العالم من الغاز الطبيعي.
قال الاقتصادي الإيراني الأكبر سنا وتجربة: نحن عاكفون على تحليل العلاقة بين الطاقة وبين الاقتصاد والدبلوماسية، وهي لاحظت أمامه لافتة صغيرة تعلوها عبارة أرشيف ترومان الشهيرة التي تقول: الدولار يقف عند هذه النقطة.
ومضى هذا الاقتصادي المخضرم قائلاً: إذا ما نظرت إلى احتياطيات النفط في العالم، لوجدت أن كلاً من المكسيك والنرويج وأميركا بل وكندا سوف تؤول إلى نفاد خلال السنوات العشر المقبلة «دار هذا الحديث» في خريف عام 2004،
أما إذا طالعت نبوءات عام 2020 فلسوف تدركين أن أميركا سوف تحتاج إلى ضعف ما تستورده الآن من إمدادات النفط، ونحن ندرك من جانبنا أن معظم هذا النفط سيكون في منطقة الشرق الأوسط، وأعتقد أن كيسنجر هو الذي قال يوماً إن البترول هو الدم الذي يجري في شرايين الاقتصاد الأميركي.
في هذه النقطة بالذات تورد مؤلفة كتابنا التعليق التالي: كان من الواضح تماماً بالنسبة لمثل هؤلاء الاقتصاديين، بل ولسائر الإيرانيين، أن الولايات المتحدة لن تفارق لا بترول الشرق الأوسط ولا مياه الشرق الأوسط في أي مرحلة من المستقبل المنظور.
وفي النقطة نفسها أيضاً تحيل المؤلفة إلى واحد من كبار الاقتصاديين إيران، هو البروفيسور يجان خاجيبور، الذي خاطبها قائلاً: إن ما تلاحظينه في العراق حالياً ما هو إلا جزء من صراع الأقوياء بشأن من تكتب له مقاليد السيطرة على تدفق الموارد في المنطقة ويظل السؤال الكبير يدور حول قدرة أميركا على أن تتعايش مع إيران التي تناصبها العداء.
الدم والنفط
من الشرق الأوسط إلى وسط إفريقيا. صحيح أن تلك البقعة من القارة السوداء ـ وهي نيجيريا ـ لا تناصب أميركا ولا الغرب مثل هذا العداء. لكن الصحيح أيضاً أن أهم مناطق النفط في تلك البقعة الإفريقية تكابد معاناة من نوع آخر،
هو ذلك العنف الشديد والمدجج بشتى أنواع الأسلحة الذي أنشب أظفاره الوحشية التي تعرف باسم الميليشيات العسكرية وشبه العسكرية، وقد استشرى نشاطها غير المشروع في منطقة إنتاج النفط في دلتا النيجر التي تنطوي على بشرى الأمل الموعود بالنسبة لنيجيريا، الشعب والدولة والتنمية والمستقبل.
أقامت مؤلفة الكتاب في أكثر من قرية من قرى دلتا النيجر، مازال الفقر ضاربا اطنابه، ومازالت الكهرباء الناتجة عن مولدات متهالكة وعتيقة تضيء ساعة فيما تنقطع ساعات لتسلم القرى البائسة إلى ظلام وشقاء.. أين هذه التعاسة من أحوال العاصمة الفيدرالية، أبوجا، التي تتلألأ فيها، بفضل عوائد النفط، أنوار الفانتازيا المنبعثة من بنايات فاخرة بعضها أقرب إلى ناطحات السحاب، تلتقي المؤلفة بسيدة من كبار المسؤولين الاتحاديين في دولة نيجيريا، تحكي لها السيدة «ازيك وسيلى» عن المواجهات الساخنة أحيانا.
من جانبها تختم المؤلفة الفصل الخاص بدولة نيجيريا بسطور تقول فيها: وقعت حوادث عنف واختطاف على يد عصابات الميليشيا التي تحمل في نيجيريا اسم «حركة تحرير دلتا النيجر»، وفيما كان المختطفون يصدرون إنذاراتهم، كان رئيس البلاد أو باسنغو يقف أمام المنتدى الاقتصادي العالمي دافوس سويسرا مشيدا بمستقبل السياحة في بلاده.
وعندما زادت وتيرة العنف بحلول عام 2006 أعلن الرئيس عن تنفيذ مشروع إنمائي شامل في تلك المنطقة يضم خططا تتعلق بالطرق المعبدة وبإمدادات المياه والكهرباء، فضلا عن توفير عشرات الألوف من فرص العمل فضلا عن شبكات محدثة لهواتف الاتصال.
بين مسؤولي الحكومة وبين كبار مديري شركات النفط العالمية يتطرق حديث الكاتبة الأميركية والمسؤولة المقيمة في نيجيريا إلى أهم مناطق إنتاج النفط في هذا البلد الإفريقي الكبير. تتساءل مؤلفة كتابنا عما يمكن أن يتخلف من عواقب سلبية، سياسية واقتصادية ونفطية أيضا بسبب ما تصفه بأنه مؤسسات العنف المسلح في تلك المنطقة الحساسة.
فتجيب محاورتها النيجيرية قائلة: المسألة كلها عمرها ست سنوات، والعنف متولد عن تركة الحكم العسكري الذي فرض سطوته طويلاً على بلادنا.. ومع مزيد من الانتخابات يتسع نطاق التحول إلى الديمقراطية ولهذا فانا اعتقد أن دلتا النيجر (النفطية) سوف تكون لها الغلبة في نهاية المطاف.
عجائب ومتناقضات
أخيراً، تحملها التغريبة النفطية إلى الشرق، إلى أقصى بقاع الشرق الآسيوي المطلة على الباسيفيك.. يسمونه عربيا بالمحيط الهادئ ولكن تطل عليه بقعة مائجة بالحركة وهادرة بالضجيج بعيدا عن أي سكون أو هدوء بقعة اسمها الصين، مازالت عاصمتها كما طالعتها المؤلفة لأول مرة موئلاً للعجائب بل والمتناقضات في العاصمة بكين (ينطقها أهل البلاد بيجين)
غاصت المؤلفة أو تورطت في ازدحام حركة المرور، التي جمعت بين احدث وأسرع السيارات وبين عربات «الكارو» العتيقة التي تجرها البغال وكانت تمسك باللجام فلاحة محمرة الوجنات، فيما اكتملت فوضى التكرس والزحام برجل ممصوص الهيئة يدلف بين المركبات المتلاصقة ليعرض بضاعته من السلاحف، التي يبيعها للمشترين.
وما أبعد أحوال الصين في هذه الحقبة من مطالع القرن الواحد والعشرين عن خطبة زعيمها التاريخي ماوتشي تونغ مع مطالع الخمسينات، التي انتصف بها القرن العشرون! كان ماو يقول إن الثورة لا تحدث إلا قرب فوهة البندقية، لكن ها هو ضجيج ثورة ومتغيرات أخرى يحدث جلبته كل صباح عندما يقوم ملايين الصينيين بإدارة محركات سياراتهم، مما يحدث هديراً تتردد أصداؤ
ه وآثاره في كل أنحاء العالم، وخاصة في أسواق النفط كيف لا وقد شهدت السنوات الخمس الماضية وحدها ارتفاع استهلاك الصين من النفط بنسبة 45 في المئة وهو ما يشكل تحدياً في غاية القسوة، بل الشراسة، لا على الصعيد الجيوسياسي فقط بل بالنسبة لزعامة الحزب الشيوعي الحاكم في الصين بالقدر نفسه فما بالك والصين بدأت في صنع وإنتاج السيارات،
وكأنها بذلك تعيش ما سبق وعاينته أميركا في سنة 1910 حين أقيمت أول أجيال من السيارات في التاريخ، بكل ما أدى وسوف يؤدي إليه ذلك من تحولات جذرية في مسار الحياة المعاصرة. وفي حالة الصين الراهنة تشكل هذه الظاهرة تحدياً استراتيجيتنا،
وبقدر ما تمثل فرصة متاحة للعمل والتشغيل والإنتاج، لهذا لم تتوان الصين في عام 2005 عن توقيع عقود نفطية مع أطراف شتى في طول العالم وعرضه: في إيران وعدت بتقديم 70 مليار دولار ومعها مصنع لتجميع المركبات.
وفي نيجيريا تواضعت المسألة إلى 3 مليارات دولار ومصفاة لتكرير البترول. هذا بالإضافة، كما توضح المؤلفة، إلى عقود واتفاقات وصفقات أبرمتها بكين مع أطراف شتى ضمت السعودية وكازاخستان وروسيا (وكانت خصماً لدوداً بالأمس) وكندا وأكوادور وأنغولا وتشاد و.. سوريا (بما يغطي كما رأينا كل مناطق وقارات العالم الغنية أو المبشرة بالبترول في الحال ـ كما يقولون ـ وفي الاستقبال.
خرافة نهج اللاسياسة
في كل هذه الحالات كانت الصين تسلك نهجاً خليقاً بالتاجر الشاطر والمفاوض الذكي الأريب لماذا؟ لأنها أوضحت لكل الأطراف بجلاء أن جل اهتمامها ينصب على هدف الحصول على النفط اللازم لخططها الإنمائية ولا شيء أكثر ولا أقل.
وأن ليس يعنيها في قليل أو كثير التعاطي مع قضايا السياسة وكواليس الحكم في دوائر المنتجين. هل معنى هذا أن بكين أصبحت تتبع نهج عدم التعاطي مع السياسة؟ أو باتت في وضع لا يعنيها فيها قضايا السياسة من قريب أو من بعيد؟
المؤلفة تجيب بالنفي، وهو ما نتوقعه نحن من جانبنا كقارئين ومحللين لمقولات هذا الكتاب. ذلك لأن التعاطي مع قضايا النفط في حد ذاته هو في التحليل الأخير ـ وربما بالدرجة الأولى ـ تعامل مع سلطة إستراتيجية تدعو بالضرورة إلى مزيد من التسييس.
صحيح أن بكين بذكائها الشرقي وفلسفة التهذيب المصقولة والموروثة عن تعاليم فيلسوفها القديم كونفوشيوس عمدت في تعاملاتها مع منتجي النفط إلى نهج «اللاسياسة» لكن الصحيح أيضاً أن هذا ليس معناه نهج «معاداة السياسة» أو تجاهل قضايا ومتغيرات السياسة.
بل ان «نهج اللاسياسة» هو الوجه الآخر لعملة «تعاطي السياسة، ولكن من الناحية، المقابلة هكذا تؤكد مؤلفة الكتاب، ثم تدلل على ذلك حين تقول: عندما قام مجلس الأمن الدولي بالتصويت على ما وصفوه بأنه جرائم ضد الإنسانية في دارفور،
اعترضت الصين بحق النقص (الفيتو) فأعاقت صدور قرار فرض عقوبات على السودان، الذي تشتري الصين نصف إنتاجه من النفط وكأنما يعيد التاريخ نفسه على حد ما تذهب إليه مؤلفة كتابنا حين تضيف قولها: في عقد الأربعينيات بادرت أميركا إلى وراثة الامتيازات القديمة التي كانت بريطانيا (الاستعمارية) قد حازتها في دنيا النفط ويومها قالت أميركا إنها لا تفعل سوى «ممارسة البيزنس التجاري» لا أكثر ولا أقل.
والآن جاء الدور على الصين سواء بسواء. بعدها تردف المؤلفة مقتطفات لا تحتاج إلى تفسير، صادر عن الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز الذي أدلى بتصريح عقب توقيعه على صفقة نفطية مع الصين شملت تقديم بكين مبلغ 700 مليون دولار في إطار خط ائتماني يستخدم في بناء مساكن لصالح محدودي الدخل في فنزويلا،
وساعتها أعلن شافيز قائلاً: «لقد دأبنا على إنتاج النفط وتصديره على مدار أكثر من 100 عام، لكنها كانت مئة عام من سيطرة الولايات المتحدة على مقاليدنا، والآن أصبحنا أحراراً وصار بوسعنا أن نضع نفطنا تحت تصرف الوطن الصيني العظيم.
على أرض الوطن الصيني العظيم، تلتقي مؤلفة الكتاب مع أخلاط شتى من أهل الصين، منها إيلين القصيرة الشعر.. التي تعمل لحساب شركة أجنبية في بكين وقصارى آمالها أن تمتلك وتقود سيارة وهو ما تراه الخطوة الأولى لمحاكاة رفاهية وأسلوب الحياة في الغرب.
نبوءة غريبة
هناك أيضاً الدكتور يانغ يونغ، الذي يجمع بين بحوث ودراسات أكاديمية في مجالات شتى، ما بين علوم الاقتصاد والاجتماع والانثربولوجيا التي تدرس أحوال الإنسان، وهو أيضاً نائب مدير المعهد القومي للبحوث الاقتصادية في بكين. ويبدأ الدكتور يانغ برفضه أن يجعل من اقتناء السيارة علامة على المكانة الاجتماعية..
ويواصل حديثه موضحاً رؤية بلاده بالنسبة لصورة الحياة في المستقبل، وهو يرسم معالم هذه الرؤية على النحو التالي: تشير التوقعات الإحصائية إلى أن سكان الصين سيصل عددهم إلى ذروة تبلغ 5. 1 مليار نسمة بحلول عام 2030. هذا العدد الهائل من البشر سوف يقتضي نمواً في الناتج المحلي الإجمالي بمعدل 8 في المئة سنوياً،
ولأن صناعات الصين ما زالت تسير على بداية طريق التطور، وينقصها ـ في رأي الأستاذ الصيني ـ قدر من الكفاءة، فلسوف تحتاج إلى كميات هائلة من البترول، وفي سنة 2005 زادت واردات الصين النفطية بنسبة تقارب 16 في المئة، وفي سنة 2020 سوف تقتضي خطط النمو زيادة حتمية بمعدل 400 في المئة من إمدادات الطاقة.
في هذا السياق يلقي البروفيسور يانغ يونغ بنبوءة غريبة تقول بأن لا سبيل إلى أن نتوقع أي تخفيض في احتياجات الصين من الطاقة ـ النفط بالذات ـ إلا مع حلول عام 2100، أي بعد ثلاثة أجيال من البشر عندما يبدأ حجم تعداد السكان في الصين إلى الانخفاض إلى حيث يهبط إلى مجرد مليار إنسان فقط لا غير!
تعلق المؤلفة على هذه النبوءة قائلة: لم أسمع أي حديث مثل هذا من أي خبير للتخطيط في أميركا. لقد بدا الأمر أقرب إلى الصدمة الكهربائية بالنسبة لي. وفي كل حال فقد أدركت أن النفط أصبح المشكلة والقضية رقم 2 بالنسبة لمحور اهتمامات سائر المسؤولين في طول الصين وعرضها. أما المشكلة ـ القضية ـ رقم واحد فهي بداهة قضية الغذاء، مشكلة إطعام كل فم من تلك الأعداد الهائلة من السكان الذين زادوا على المليار وربع المليار.
كانت جلستها مع البروفيسور يونغ في مطعم أنيق في بكين، ظل أستاذ الاقتصاد والاجتماع والانثربولوجيا يعالج لحم البط الذي يتناوله فيما يواصل حديثه قائلا: لا مناص من أن يصبح النفط هو محور كل الاهتمام، ويغير فرض العديد من الضوابط الصارمة فلسوف تختنق مسيرة التنمية في الصين بفعل الافتقار إلى الطاقة اللازمة لها،
ولأن الصين تنقصها أيضا كفاءة اليابان في ترشيد استخدام الطاقة، فإنها جديرة (للأسف) بأن تستهلك من الطاقة أربعة بل وخمسة أضعاف ما تقتضيه نقطة مئوية واحدة من نقاط الناتج المحلي الإجمالي وعليه، فإذا لم يحقق هذا الناتج المحلي نمواً مطرداً، يفضي الأمر إلى بطالة متفشية، وتنشب القلاقل والمشكلات أظفارها هنا.
وهنا تعترف المؤلفة أيضا بأن الصين تحاول التماس حلول جديدة ومسالك أو مخارج مبتكرة لمعالجة قضية الطاقة وخاصة من زاويتين أساسيتين هما الاستهلاك والعوادم. وفي جانب الاستهلاك مازالوا يشجعون استخدام الدراجات وأن جابهتهم مشكلة الشهية المفتوحة أو فلنقل النهم المتواصل نحو اقتناء السيارة وفي جانب العوادم يعملون على التحول من استخدام البنزين إلى الغاز الطبيعي لتسيير محرك السيارة.
ولعل أبرز هذه المسالك أيضا محاولة استخدام الهيدروجين الذي اتسعت تجاربه في مدينة شنغهاي بالذات، خاصة وأن الغاز المذكور لا تنتج عنه عوادم كربونية ضارة، مما يؤدي وكما هو معروف إلى الاحتباس الحراري (ظاهرة الدفيئة).
الرحلة تكتمل
في سطور الصفحات الختامية الخمس من هذا الكتاب، تعود الرحلة من حيث بدأت، فمن مضخة التزويد انطلقت وإلى المضخة نفسها تعود «أودية» واسعة النطاق عبرت فيها مؤلفة هذا الكتاب مساحات من قارات واجتازت مسطحات من البحار والمحيطات، والتقت بنوعيات متعددة من شخصيات وجنسيات وخلفيات ومشارب شتى، مواطنين عاديين وأساتذة أكاديميين وفتيات طامحات إلى أسلوب الحياة الغربية التي يحلمن بها.
ثم هاهي تعود وفي جعبتها معلومات وبيانات وإحصاءات أحسنت بحق تجميعها في الميدان، أي من سخونة الواقع وطزاجة الحياة اليومية لدرجة أنها استطاعت ان تخلق ـ كما تتصور ـ وشيجة حيوية من التفاعل الخلاق بين النفط كمورد جوهري من ألزم ما يكون لدورة الحياة الحديثة ولخطط التنمية
ومشاريع التطور في زماننا وبين اهتمامات البشر، مع اختلاف الأقطار والجنسيات ومستويات الوعي والتعليم بأن تكون حياتهم أفضل وأكثر يسراً، وربما أقل تعاسة، وربما أيضاً أشد رغداً أو رخاء، ولو بصورة نسبية، تليق ببني الإنسان.
من هذه الجعبة الحافلة وقد ازداد ثراؤها بفضل ما حرصت على تجميعه من أفكار ومعلومات وتحاول الكاتبة مع سطور الختام أن تبوح لقارئها بما تراءى لها من تأملات تقول في صفحة 281 من الكتاب: في مساء يوم حار من أيام يوليو عام 2006 دلفت إلى محطة البنزين وكل شيء كان في المكان الذي طالما لمسته من قبل، ولم يتغير رغم أنني عدت إلى المكان ذاته بعد أن أمضيت السنوات الثلاث الأخيرة على سفر مستمر،
وفي رحلة طويلة قطعت خلالها 100 ألف ميل (وحرقت بالمناسبة 3 آلاف غالون من الوقود). ولمست عن قرب بالعقل والوجدان مدى التغير السريع والذي يطرأ على عالم النفط الواسع، العريض، لكن ها قد عدت ولم يكن التغير شيء في أميركا. فالمحطات على عهدها، والكونغرس في واشنطن ما برح يناقش واحتمالات التنقيب عن البترول في المناطق القطبية الشمالية والمتجمدة،
وهي محميات الحياة البرية وموئل كائناتها، ومنذ أن سجلت أول خواطري في هذا الصدد في عام 2003، ما أنفك استهلاك النفط في أميركا إلى ازدياد مطرد ولم يتغير هذا النمط من الازدياد، وان كان الذي تغير في محطة الوقود هو لافتة الأسعار التي أنذرت بارتفاع سعر الغالون ليصل إلى ضعف ما كان عليه الحال منذ ثلاث سنوات مضت من حياتنا.
ماذا يعني هذا السعر؟
سؤال تطرحه المؤلفة قبل لحظة الوداع. وهي تحاول أن تطرق بعض جوانب إجابته، حين تضيف قائلة إنه مع ازدياد الطلب تزداد عوامل المخاطرة وترتفع الأسعار، ومعنى هذا أن موازين القوة في سوق النفط وقد تحولت عما كانت عليه في سالف الأيام، ومعنى هذا أيضا أن الدنيا في حال من التغير، فقد يكون شافيز قد عكف على بناء بيت متواضع زهيد الكلفة لصالح إيفون،
وهي أي امرأة ظلت تلوك الانتظار لعشرين عاما في أزمة كاراكاس تحلم بمأوى صغير، وقد يأتي ذلك على حساب الاستثمار لصالح المزيد من إنتاج النفط وزيادة معروضه بما يفضي أو قد يفضي إلى خفض الأسعار.. وقد تكون الوعود أو الأحلام التي لاحت في دلتا النيجر، حيث إنتاج النفط الإفريقي قد تحققت أو قد لا تكون.
وداعاً للعلاقات الخاصة
في سطور الوداع نحمد للكاتبة أنها تصدر عن تقويم موضوعي لأحوال الحاضر وتوقعات المستقبل ـ المنظور على الأقل تؤكد في ص27 ـ من الكتاب أن أميركا ستظل في حال من الاعتماد المتزايد على إمدادات النفط الواردة من الخارج بشكل عام وعلى نفط الشرق الأوسط
وغرب إفريقيا بشكل خاص. لهذا فإن واشنطن في تصور مؤلفة الكتاب ـ مطالبة بأن تحسن إدارة العلاقات مع تلك الأطراف المنتجة للنفط بقدر أكبر من الدقة والعناية وعمق الالتزام، وبأكثر مما كان عليه الحال في سالف الأيام.
صحيح أن أميركا استطاعت في تلك الأيام الخوالي أن ننشئ علاقات خاصة (بمعنى سوبر ـ ودية) مع أقطار منتجة في الشرق الأوسط وأيضا في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. لكن هذه العلاقات الخاصة لا تلبث أن تفقد بريقها وجاذبيتها في أيامنا هذه، وعلى أميركا أن تعيد النظر في تلك السياسات وان تتوخى ترشيد تلك العلاقات «إن لم يكن لأسباب معنوية، فلتكن الأسباب مصلحية أو اقتصادية» حتى ولو كان هذا من باب أضعف الإيمان
عرض ومناقشة: محمد الخولي


