أظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه رجل قوي بالفعل عندما أعطى للعالم إشارة تفيد استعداده لأن يتولى منصب رئيس الوزراء في بلاده. ففي حال تركه منصب الرئيس كما هو مقرر في مايو، فإن بوتين سيكون الرئيس الروسي الوحيد منذ ستالين الذي يغادر منصبه وقد زادت شعبيته عما كانت عليه إبان بداية حكمه.

فالقادة الروس الآخرون إما ماتوا أو رحلوا عن مناصبهم دون شعبية. فحتى الرئيس الأسبق خروتشوف خضع للإقامة الجبرية بعد رحيله من الكرملين. أما الآن فإن ما يتراوح بين 70% و80% من الشعب الروسي تؤيد بوتين.

إن بوتين يشعر بالثقة والفخار حيال الإنجازات التي حققها، لاسيما وأن روسيا الآن أصبحت أكثر رخاءً واستقرارا من أي وقت مضى، ليس في عهد القياصرة فحسب وإنما في عهد الحقبة السوفييتية وما بعدها. غير أن هذه الإنجازات لا يمكن نسبتها لبوتين وحده.

فالرخاء الذي تعيشه روسيا الآن يرجع في المقام الأول إلى حقيقة أنه عندما تولى بوتين رئاسة الوزراء، كان سعر النفط أقل من 15 دولارا للبرميل، أما الآن فإن السعر وصل إلى نحو 100 دولار، وهو الأمر الذي يمثل طفرة لدولة تشكل فيها إنتاجات النفط والغاز نحو 60% من مكاسب التصدير.

وفيما يمكن القول إنه لم يستفد الجميع بشكل متعادل من المكاسب التي تحققت، إلى جانب أن هناك من لم يستفد على الإطلاق، بيد أن الشعب بشكل عام أفضل ماديا مما كانت عليه الحال منذ 9 سنوات عندما كانت الدولة تعاني الإفلاس وكثير من المصارف تنهار.

وفي المقابل يتبين أن روسيا الآن تزخر برؤوس الأموال الأجنبية، بجانب أن معظم الدين الحكومي تقريبا قد تلاشى في الوقت الذي ينمو فيه إجمالي الناتج المحلي بمعدل يقترب من 7% سنويا وبحلول 2010 يتوقع أن يتضاعف هذا المعدل بالمقارنة بما كانت عليه الحال منذ عقد من الزمن.

وعلى الرغم من أن بوتين يتمتع بشهرة كبيرة في الداخل، إلا أنه يُنظر إليه في الغرب باعتباره يمثل عودة إلى حقبة أكثر فاشية. فأثناء مدة حكمه، أعاد بوتين سيطرة الحكومة على شبكات النقل التلفزيوني وعلى معظم الصحف الأكثر شهرة ومبيعا في الأسواق، وأعاد سيطرة الدولة على الصناعات التي كانت قد جرى خصخصتها منذ فترة قصيرة، مما أوجد ما أطلق عليه هو مصطلح «الأبطال الوطنيين».

الروس بدأوا يشعرون بالفخار بسبب أن الدولة عادة مرة أخرى قوة عالمية متمسكة بمصالحها في آسيا وأوروبا وتستغل صادرت النفط والغاز الخاصة بها في ترهيب المستهلكين الحاليين والمستقبليين. فكثير من الروس حاليا يشعر بالسعادة حيال الطريقة التي قلب بها بوتين الطاولة على قادة العالم الآخرين الذين كانوا يتجاهلون روسيا ويتعاملون معها باعتبارها طرفا غير فعال على الساحة العالمية.

فالآن ينتقد بوتين الولايات المتحدة وكذلك الناتو بسبب سياسة توسيع قاعدة الأعضاء. وفيما تجاهل الطريقة التي انتهكت بها حكومته حقوق الإنسان، قام بوتين بانتقاد الولايات المتحدة وأوروبا بسبب تحرش الغرب بالمستثمرين الأجانب والمهاجرين وبسبب تعذيب المعتقلين في سجن أبو غريب في العراق.

كثيرون في روسيا الآن سعداء بشدة وهم يرون أميركا تغرق في مستنقع العراق وأفغانستان. فعلى الرغم من كل شيء فإن الاتحاد السوفييتي قد تعرض لموقف مشابه في أفغانستان منذ مدة غير بعيدة.

وبعد أن قاد دولته بنجاح إلى خارج الأزمة الاقتصادية والسياسية الطاحنة التي كانت تلم بها،

فإن السؤال الذي يواجه بوتين حاليا هو كيف يمكنه المحافظة على هذا التحول في المجتمع الروسي؟ لقد صرح بوتين عشرات المرات أنه من أجل أن يستمر في منصب الرئاسة لفترة ثالثة فإن الأمر يحتاج إلى تعديل دستوري وهو الخطوة التي وصفها بأنها ستتسبب في زعزعة استقرار البلاد، على حد تعبيره.

وفي الوقت نفسه وبسبب شعبيته الكبيرة، يدرك بوتين الآن وبعد تلك الفترة التي قضاها في الكرملين أن مغادرته للحكومة ستتسبب في زعزعة استقرار البلاد لاسيما وأنه لا يوجد هناك خليفة محتمل واضح الملامح له.

لا شك أنه يسمع نقاشات وأحاديث في هذا الصدد وهو داخل الكرملين. فهناك حزب بالفعل من قدامى الاستخبارات السوفييتية يتصارع مع حزب منافس حول من تكون له اليد العليا. فكل حزب منهما يخشى من أن يحصل أحدهما على بعض من ثروات وأصول الآخر، بما في ذلك المناصب الإدارية والمراكز العليا في الدولة لاسيما في قطاعات الطاقة والصناعات المعدنية التي أسند بوتين قيادتها لأصدقائه وزملائه.

وعلى الأرجح فإن كل هذه العوامل المجتمعة هي التي دفعت بوتين إلى التفكير في وسيلة للبقاء في مركز السلطة من دون أن يقوم بتغيير الدستور. فبالنسبة لكثير من الروس فإن بوتين أصبح شخصا لا يمكن الاستغناء عنه. ومن ثم فإن توليه منصب رئاسة الوزراء يبدو هو الحل على الأقل على المدى القصير.

غير أنه على المدى البعيد سيكون من الأفضل أن يقرر بوتين أنه من أجل مصلحة بلاده فإنه يجب أن يقدم درسا للآخرين يفيد أنه حتى أكثر الرؤساء شعبية لا يجب عليه الانصياع للدستور فحسب وإنما يتعين عليه التنحي بعد دورتين رئاسيتين ليفسح المجال أمام رئيس آخر جديد يتولى زمام البلاد لفكر جديد.

وسيفعل بوتين خيرا إذا حذا حذو الرئيس الأميركي الأسبق جورج واشنطن في هذا الصدد. فعلى الرغم من شعبيته، أدرك واشنطن أنه من المهم ألا يستمر رؤساء الدول في مناصبهم لفترة طويلة. ومن ثم فإنه رفض البقاء لفترة ثالثة وترك الحكومة بشكل كامل. وإذا كان يحرص على مصلحة بلاده بالفعل، فإن بوتين يتعين عليه فعل الشيء نفسه.

ترجمة: حاتم حسين عن: «موسكو تايمز»