أجرت صحيفة «لا فانغوارديا»، مؤخراً، حواراً مطولاً مع خافيير سولانا الممثل الأعلى لشؤون السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي تناول أكثر الملفات سخونة حول العالم وفي مقدمتها الأزمة الناشبة في باكستان والتوتر القائم في إيران وجورجيا وحالة الريبة التي تلف الوضع في كوسوفو والاختلافات مع روسيا ومؤتمر السلام الخاص بالشرق الأوسط الذي عقد في أنابوليس.

مما يعني أن أجندة هذا السياسي الأوروبي المحنك، المولود في مدريد عام 1942، زاخرة بموضوعات شتى، تماما مثل شعوره بتفاؤل لا يعرف النضوب أيضاً. فهو يردد دوما مقولة: «من دون مفاوضات ليس هناك اتفاقات».

ومن المعروف أن خافيير سولانا يقف على رأس الدبلوماسية الأوروبية منذ العام 1999 وله صولات وجولات في مختلف الملفات السياسية والأمنية التي تشغل بال الأسرة الدولية، ولقد حط رحاله، مؤخراً، في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، لكن هذا الحوار تم في مدينة برشلونة، وفيما يلي نصه:

ـ نصف قرن مضى على قيام الاتحاد الأوروبي، في ظل تحسن اقتصادي متزامن مع متاعب سياسية. ما مدى صحة هذا التشخيص؟

ـ لأوروبا ميل طبيعي إلى السياسة وتعبير سياسي عن ذلك الميل. فالمعاهدة الجديدة، التي تم إقرارها، مؤخرا، في العاصمة البرتغالية لشبونة وسميت باسمها تسمح بأن يكون لأوروبا المزيد من الحضور، المزيد من التنسيق والمزيد من إمكانية الرؤية في الشؤون السياسية، حيث يحظى تحرك الاتحاد الأوروبي في العالم بأهمية متزايدة مع مرور كل يوم، في حين يشهد الطلب على الحضور الأوروبي في السياسة الدولية نموا ملحوظا.

ـ ما هي طبيعة الدور الذي سيلعبه الاتحاد الأوروبي بعد مؤتمر السلام حول الشرق الأوسط الذي عقد في أنابوليس أواخر الشهر الماضي؟

ـ كان المؤتمر حدثاً مهماً، لكنه ليس المكان الوحيد الذي ستحل فيه المشكلات. فبينما كانت هناك مرحلة سابقة لأنابوليس فسيكون هناك مرحلة لاحقة أيضا، وذلك على غرار المؤتمر الدولي للبلدان المانحة الذي سيعقد في باريس في 17 ديسمبر الحالي،

بحيث يجب أن تمضي قدما ثلاثة خطوط للعمل: آلية سياسية جديدة، خطة اقتصادية جديدة للفلسطينيين وتغيير في الظروف القائمة على الأرض بالنسبة لهم، أي أن تختفي نقاط التفتيش من الحياة اليومية للفلسطينيين. هذه الموجهات الثلاثة يجب أن تمضي قدما في آن معا،

وإلا فإن أياً منها لن يكون قابلا للتصديق. كما أن الطريقة التي يمكن أن ينظر من خلالها سكان فلسطين لإرادة إسرائيل مهمة جدا أيضا وكذلك الدعم الذي يقدمه المجتمع الدولي لضمان تقدم هذه المسيرة.

ـ يبدو أن التشاؤم هو سيد الموقف في جميع الأرجاء.

ـ أنا أرى العكس. فالاتصالات بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت، التي حضرت أحدها، لم تجعل من الممكن تجاوز حالة التشاؤم التي سادت لسنوات طويلة فحسب، بل إنها تعتبر تغييرا في الوجهة أيضا. وأنا لن أسمي ذلك تفاؤلا، لأنها ستكون مبالغة، لكني سأقول إن ذلك يعكس نوعاً من التغيير الإيجابي في الوجهة.

ـ هل تضيف المواجهات الفلسطينية- الفلسطينية الدائرة بين حركتي حماس وفتح مزيدا من التعقيد على مسألة التوصل إلى اتفاقات؟

ـ حسب اتفاقيات أوسلو، فإن عملية التفاوض لا تتم مع الحكومة الفلسطينية، وإنما مع منظمة التحرير الفلسطينية. وطالما أنه ليس هناك دولة فلسطينية، فإن شرعية التفاوض تبقى بيد منظمة التحرير الفلسطينية التي يرأسها محمود عباس.

ـ هل هناك أمل كذلك في التوصل إلى اتفاق حول قضية الملف الإيراني المتنازع عليها، خاصة وأنكم اقترحتم إنشاء مركز دولي لتخصيب اليورانيوم بأهداف مدنية يزود جميع البلدان بما تحتاجه من هذه المادة الحيوية. وهل هذا الاقتراح يمكن قبوله من قبل طهران؟

ـ ما أقوله ليس جديدا. لكن الجديد في الأمر يكمن في أن هناك أعضاء آخرين من المجتمع الدولي باتوا يقدمون هذا العرض. العضو الأخير كان المملكة العربية السعودية، التي تقدمه بدورها لجميع بلدان الخليج.

وخلال مدة عشر سنوات سيشهد العالم إنشاء قوة نووية تفوق بمقدار 60% القوة النووية الموجودة في يومنا هذا وسنكون قد دنونا من حاجز الـ 500 مركز عملاق للطاقة النووية المقامة بغية إنتاج الطاقة الكهربائية، بينما لم يتخيل الذين وقعوا على معاهدة عدم الانتشار النووي ما يحدث اليوم وبالتالي فإنه هناك ثغرات كثيرة في النظام الدولي حول مسألة الطاقة النووية.

ـ هل تستغل إيران تلك الثغرات؟

ـ الطاقة النووية بحاجة إلى اليورانيوم المخصب، الذي إذا تم إنتاجه بكميات قليلة، فإنه يكون نافعا لإنتاج الطاقة الكهربائية في مركز نووي، أما إذا تواصلت عملية تخصيبه، فإنه يمكن أن يستخدم لأغراض أخرى على غرار إنتاج الأسلحة.

وهذا ما يجب الحيلولة دون حصوله، لأن البلدان الموقعة على معاهدة عدم الانتشار النووي لا تستطيع القيام بذلك من حيث المبدأ. ويتعين عليها إعطاء ضمانات بأنها لن تنتج، بشكل موضوعي، إلا طاقة كهربائية. والضمانة تتمثل في المركز الدولي الذي نتحدث عنه.

ـ هل تعطي إيران تلك الضمانة؟

ـ لقد وقعت إيران على المعاهدة ولديها الحق الكامل في امتلاك طاقة نووية لأهداف سلمية. وما ليس لها حق فيه هو إبقاء المجتمع الدولي في حالة من الشك حول الهدف الأخير. بعيدا عن المركز النووي الذي اقترحته عليها روسيا وكذلك الوقود،

فإن إيران ليس لديها أي عقد مع بلد آخر من أجل إنتاج الطاقة الكهربائية. لكنها لا تزال تصر على إنتاج اليورانيوم. وهذا يثير الشكوك ويخلق أزمة في الثقة بالطريقة ذاتها التي حدثت عندما لم يكن العراق قادراً على حل القضايا التي أبقاها معلقة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ أكثر من عشر سنوات خلت.

ـ روسيا تشكل مصدر قلق بالنسبة لأوروبا كذلك فيما يتعلق باعتمادها على الطاقة القادمة من موسكو.

ـ الأمر لا يتعلق بقضية التبعية في ميدان الطاقة فحسب، بل إن لها أبعادا أخرى. إذ تعتبر روسيا أهم جار لدى الاتحاد الأوروبي وبعض أقرب بلدان الاتحاد على روسيا أصبح لديه تجربة حيوية ليست إيجابية معها.

ومن الطبيعي أن يكون هناك حالات من التوتر. لكن روسيا لاعب دولي لا بد من الاعتماد عليه من أجل حل الكثير من المشكلات التي يريد الاتحاد الأوروبي حلها. ونحن بحاجة إلى علاقة صلبة وموحدة وبناءة مع روسيا.

ـ هل يتم التعامل مع موسكو على أساس مبدأ المعاملة بالمثل؟

ـ لقد شهدت روسيا إجراء انتخابات برلمانية، مؤخراً، وخلال ثلاثة أشهر ستشهد انتخابات رئاسية. وبالتالي، فإن اللحظة الحالية تعتبر مرحلة انتقالية، لكن يجب أن نأمل بأنه من الممكن حل الموضوعات المعلقة هنا وهناك.

ـ خارج أوروبا يسود التوتر أيضا، على غرار ما يجري في باكستان.

ـ أنا على اتصال يومي مع الرئيس برويز مشرف وهو يعلم ما هو منتظر منه. ولا بد من الأخذ في الاعتبار أن باكستان بلد يمتلك قنابل نووية، وإن عدم الاستقرار في بلدان تمتلك تلك القدرة لا يروق لأحد على الإطلاق.

ترجمة: باسل أبو حمدة عن «لا فانغوارديا»